Arabic source text

📘 মিরআতুল মাফাতীহ শারহু মিশকাতিল মাসাবীহ (ওবাইদুল্লাহ রহমানি মুবারকপুরি - মৃত্যু 1414 হিজরী)

📘 مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (عبيد الله الرحماني المباركفوري - ت 1414 هـ)

📘 মিরআতুল মাফাতীহ শারহু মিশকাতিল মাসাবীহ (ওবাইদুল্লাহ রহমানি মুবারকপুরি - মৃত্যু 1414 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
متفق عليه.
12- (11) وعن ابن عمر – رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله،
ــ
عملين لا يختص بأحد دون أحد، نعم يمكن لهؤلاء أن يكون لهم أجران على كل عمل من جميع أعمالهم، والله تعالى أعلم. وقيل: في وجه التخصيص لهؤلاء الثلاثة أن في هذه الخصال الثلاثة أشكالاً لا يتعقل حصول الأجرين فيها لما قد يتوهم في العبد أنه مملوك لمولاه، فلعله لا يستحق الأجر والثواب في خدمته؛ لأنه يؤدي بخدمته ما لزمه من حق مولاه، وكذلك تزوجها لغرض نفسه وفائدته، فلا يحصل له فيه الأجر أيضاً، وكذلك قد يخطر في البال أن مؤمن أهل الكتاب لابد أن يكون مؤمناً بنبينا صلى الله عليه وسلم لما أخذ الله عليهم العهد والميثاق، فإذا بعث فإيمانه مستمر، فكيف يتعدد إيمانه حتى يتعدد أجره؟ وأيضاً يتبادر إلى بعض الأذهان أن الإيمان عمل واحد، فإن أصل جميع الأديان السماوية واحد لا فرق إلا في الفروع، فاعتبار الإيمان بعيسى أو بموسى أولاً، ثم اعتبار الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ثانياً وعدهما شيئين ربما يستبعد، فنبه في الحديث أن الإيمان التفصيلي بعد بعثة محمد بأنه هو الموصوف والمنعوت في الكتابين مغاير للإيمان الإجمالي بأن الموصوف بكذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فثبت التعدد وصرح بأن الإيمان وإن كان عملاً واحداً إجمالاً لكنه لما تعلق بعيسى أو بموسى بخصوصه تفصيلاً، ولا شك أنه عمل ثم تعلق بمحمد كذلك صار متعدداً، أو صار عملين وحصل إيمانان بالنظر إلى التفصيل، وفي وجه التخصيص بهؤلاء الثلاثة أقوال أخر، وأورد المصنف هذا الحديث في الإيمان؛ لأنه يدل على فضل من آمن من أهل الكتاب بنبينا صلى الله عليه وسلم وأن له ضعف أجر من لم يكن كتابياً، فإيمانه بمحمد صلى الله عليه وسلم من هذه الجهة أفضل من إيمان غيره، والله أعلم. (متفق عليه) أخرجه البخاري في العلم والعتق والجهاد والأنبياء والنكاح، ومسلم في الإيمان، وأخرجه أيضاً الترمذي والنسائي وابن ماجه في النكاح.
12- قوله: (أمرت) على صيغة المجهول أي أمرني الله؛ لأنه لا آمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الله (أن أقاتل) أي بأن أقاتل، وحذف الجار من أن كثير سائغ مطرد، وأن مصدرية تقديره: مقاتلة الناس (حتى يشهدوا) أي يقروا ويذعنوا (أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله) جعلت غاية المقاتلة وجود ما ذكر فمقتضاه أن من شهد وأقام وآتى عصم دمه ولو جحد باقي الأحكام، لكنه ليس كذلك، والجواب أن الشهادة بالرسالة تتضمن التصديق بجميع ما جاء به مع أن نص الحديث وهو قوله "إلا بحق الإسلام" يدخل فيه جميع ذلك، فكأنه أراد الخمسة التي بني الإسلام عليها، فإن قيل: فلم لم يكتف به ونص على الصلاة والزكاة؟ أجيب بأن ذلك لعظمهما والاهتمام بأمرهما؛ لأنهما أم العبادات البدنية والمالية وأساسهما والعنوان لغيرهما، قلت: والذي يتبين ويظهر من ألفاظ أحاديث الباب أن كلمتي الشهادتين بمجردهما تعصم من أتى بهما ويصير بذلك مسلماً، فإذا دخل في الإسلام فإن أقام الصلاة وآتى الزكاة وقام بشرائع

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 58)

ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله،
ــ
الإسلام فله ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين، وإن أخل بشيء من هذه الأركان فإن كانوا جماعة لهم منعة قوتلوا، وقد ظن بعضهم أن معنى الحديث أن الكافر يقاتل حتى يأتي بالشهادتين ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، وجعلوا ذلك حجة على خطاب الكفار بالفروع، وفي هذا نظر، وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم في قتال الكفار تدل على خلاف ذلك (ويقيموا الصلاة) أي يداوموا على الإتيان بشروطها، والمراد بالصلاة المفروضة منها لا جنسها، واستدل بالحديث على مذهب الشافعي ومالك أن تارك الصلاة عمداً يقتل حداً، ومذهب أحمد أن تاركها يقتل كفراً وردة، وفي هذا الاستدلال نظر للفرق بين أقاتل وأقتل، فالكلام في المقاتلة لا في القتل، ومقاتلة الإمام لتاركي الصلاة إلى أن يأتوا بها محل وفاق، مع أنه منقوض بترك الزكاة فإنه لم يقل بقتل تاركها. وقد أطنب ابن دقيق العيد في شرح العمدة في الإنكار على من استدل بهذا الحديث على جواز قتل تارك الصلاة، قال: ولا يلزم من إباحة المقاتلة إباحة القتل … الخ. (ويؤتوا الزكاة) فيه دليل لقتال مانعي الزكاة، ولا نزاع فيه، ومن ثم قاتلهم الصديق، وأجمع عليه الصحابة، ولم ينقل أنه قتل أحداً منهم صبراً، قلت: وكذا لا نزاع في من ترك سائر أركان الإسلام أن يقاتلوا عليها كما يقاتلوا على ترك الصلاة والزكاة. (فإذا فعلوا ذلك) أي المذكور من الشهادة والصلاة والزكاة، ويسمى القول فعلاً؛ لأنه فعل اللسان أو تغليباً (عصموا) بفتح الصاد أي منعوا وحفظوا (مني) أي من أتباعي أو من قبلي وجهة ديني (دماءهم وأموالهم) استباحتهم بالسيف والنهب (إلا بحق الإسلام) الإضافة لامية، ويجوز أن تكون بمعنى "في" وبمعنى "من" على ما لا يخفى، والاستثناء مفرغ، والمستثنى منه أعم عام الجار والمجرور، والعصمة متضمنة لمعنى النفي حتى يصح تفريغ الاستثناء، إذ هو شرط أي إذا فعلوا ذلك لا يجوز إهدار دمائهم واستباحة أموالهم بسبب من الأسباب إلا بحق الإسلام من نحو قصاص أو حد أو غرامة متلف ونحو ذلك (وحسابهم) فيما يسرون من الكفر والمعاصي بعد ذلك (على الله) أي كالواجب على الله في تحقق الوقوع، وكان الأصل فيه أن يقال: وحسابهم لله، أو إلى الله، والمعنى أن أمور سرائرهم إلى الله، وأما نحن فنحكم بالظاهر، فنعاملهم في الدنيا بمقتضى ظاهر أقوالهم وأفعالهم، ففيه دليل على قبول الأعمال الظاهرة والحكم بما يقتضيه الظاهر، ومقتضى الحديث قتال كل من امتنع من التوحيد، فيدخل فيه أهل الكتاب الملتزمون لأداء الجزية وكذا المعاهد، والجواب من أوجه، منها دعوى النسخ بأن يكون الإذن بأخذ الجزية، والمعاهدة متأخراً عن هذه الأحاديث، بدليل أنه متأخر عن قوله {اقتلوا المشركين} [9: 5] ، ومنها أن يكون من العام الذي أريد به الخاص، فيكون المراد بالناس في قوله "أقاتل الناس" أي المشركين من غير أهل الكتاب، ويدل عليه رواية النسائي بلفظ "أمرت أن أقاتل المشركين"، فإن قيل: إذا تم هذا في أهل الجزية لم يتم

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 59)

متفق عليه، إلا أن مسلماً لم يذكر ((إلا بحق الإسلام)) .
13- (12) وعن أنس أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته
ــ
في المعاهدين ولا في منع الجزية، أجيب بأن الممتنع في ترك المقاتلة رفعها لا تأخيرها مدة كما في الهدنة، ومقاتلة من امتنع من أداء الجزية بدليل الآية، ومنها أن يقال: الغرض من ضرب الجزية اضطرارهم إلى الإسلام وسبب السبب سبب، فكأنه قال: حتى يسلموا أو يلتزموا ما يؤديهم إلى الإسلام، قال الحافظ: وهذا أحسن، وفي الحديث رد على المرجئة في قولهم: إن الإيمان غير مفتقر إلى الأعمال، وفيه تنبيه على أن الأعمال من الإيمان، والحديث موافق لقوله تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} [9: 5] . (متفق عليه) أخرجه البخاري في الإيمان والصلاة، ومسلم في الإيمان، (إلا أن مسلماً لم يذكر إلا بحق الإسلام) لكنه مراد، والحديث أخرجه أيضاً الشيخان من حديث أبي هريرة والبخاري من حديث أنس ومسلم من حديث جابر.
13- قوله: (من صلى صلاتنا) منصوب بنَزع الخافض، وهو في نفس الأمر صفة لمصدر محذوف، أي من صلى صلاة كصلاتنا، ولا يوجد إلا من معترف بالتوحيد والنبوة، ومن اعترف بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم فقد اعترف بجميع ما جاء به عن الله تعالى، فلهذا جعل الصلاة علماً لإسلامه، ولم يذكر الشهادتين لأنهما داخلتان في الصلاة (واستقبل قبلتنا) إنما ذكره والصلاة متضمنة له مشروطة به؛ لأن القبلة أعرف من الصلاة، فإن كل أحد يعرف قبلته، وإن كان لا يعرف صلاته، ولأن من أعمال صلاتنا ما هو يوجد في صلاة غيرنا كالقيام والقراءة، واستقبال قبلتنا مخصوص بنا، ثم لما ذكر من العبادات ما يميز المسلم من غيره أعقبه بذكر ما يميزه عادة وعبادة (وأكل ذبيحتنا) فإن التوقف عن أكل الذبائح كما هو من العادات، فكذلك هو من العبادات الثابتة في كل ملة، كذا في شرح الطيبي، والذبيحة: فعيلة بمعنى مفعولة، والتاء للجنس كما في الشاة، وقيل في تخصيص هذه الثلاثة من بين سائر الأركان وواجبات الدين أنها أظهرها وأعظمها وأسرعها علماً بها إذ في اليوم الأول عن الملاقاة مع الشخص يعلم صلاته وطعامه غالباً، بخلاف نحو الصوم فإنه لا يظهر الامتياز بيننا وبينهم به، ونحو الحج فإنه قد يتأخر إلى شهور وسنين وقد لا يجب عليه أصلاً (فذلك) أي من جمع هذه الأوصاف الثلاثة، وهو جواب الشرط وذلك مبتدأ وخبره (المسلم) أو هو صفة وخبره (الذي له ذمة الله وذمة رسوله) أي أمانهما وعهدهما وضمانهما من وبال الكفار وما شرع لهم من القتل والقتال وغيرهما، أي يرتفع عنه هذا (فلا تخفروا الله في ذمته) بضم التاء من الإخفار، والهمزة فيه للسلب، أي لسلب الفاعل عن المفعول أصل الفعل نحو أشكيته أي أزلت شكايته، وكذلك أخفرته أي أزلت خفارته، ويقال أخفره: إذا نقض عهده وغدر به، أي لا تخونوا الله في عهده ولا تتعرضوا في حقه من ماله ودمه وعرضه، أو الضمير للمسلم أي فلا تنقضوا عهد الله بحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، في ذمته أي مادام هو في أمانه، وقال التوربشتي:

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 60)

رواه البخاري.
14- (13) وعن أبي هريرة قال: أتى أعرابي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة، قال: ((تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة
ــ
المعنى أن الذي يظهر عن نفسه شعار أهل الإسلام والتدين بدينهم، فهو في أمان الله لا يستباح منه ما حرم من المسلم، فلا تنقضوا عهد الله فيه – انتهى، وإنما اكتفى في النهي بذمة الله وحده ولم يذكر الرسول كما ذكر أولاً لأنه ذكر الأصل لحصول المقصود به ولاستلزامه عدم إخفاره ذمة الرسول، وأما ذكره أولاً فللتأكيد وتحقيق عصمته مطلقاً، وفي الحديث دليل كالذي قبله على أن أمور الناس محمولة على الظاهر دون باطنها، فمن أظهر شعار الدين أجريت عليه أحكام أهله ما لم يظهر منه خلاف ذلك، وفيه أنه لابد للمؤمن من الأعمال خلافاً للمرجئة. (رواه البخاري) وأخرجه أيضاً النسائي في الإيمان.
14- قوله: (أتى أعرابي) أي بدوي منسوب إلى الأعراب، وهم سكان البادية، قال بعضهم: الأعرابي السائل في حديث أبي هريرة هذا هو ابن المنتفق على ما رواه البغوي وابن السكن والطبراني في الكبير وأبومسلم الكجي في السنن، وزعم الصيرفي أن اسم ابن المنتفق هذا لقيط بن صبرة، وافد بني المنتفق، قلت: في قول هذا البعض عندي نظر، فإن قصة سؤال ابن المنتفق شبيهة بسياق حديث أبي أيوب عند مسلم دون سياق حديث أبي هريرة كما لا يخفى على من له اطلاع على الروايات، وقال العيني: هو سعد بن الأخرم، وفيه أيضاً نظر. (دلني) بضم الدال وفتح اللام المشددة (على عمل) صفة أنه (إذا عملته دخلت الجنة) دخولاً أولياً (قال: تعبد الله) مرفوع المحل بالخبرية لمبتدأ محذوف، أي هو يعني العمل الذي إذا عملته دخلت الجنة هو عبادة الله، قال النووي: العبادة هي الطاعة مع خضوع، فيحتمل أن يكون المراد بالعبادة هنا معرفة الله تعالى، والإقرار بوحدانيته، وهو شامل للنبوة لأنه لا يعتبر بدونها، فذكره مغنٍ عن ذكرها، قال: فعلى هذا يكون عطف الصلاة والزكاة والصوم عليها لإدخالها في الإسلام، فإنها لم تكن دخلت في العبادة، وعلى هذا إنما اقتصر على هذه الثلاث لكونها من أركان الإسلام وأظهر شعائره، والباقي ملحق بها، ويحتمل أن يكون المراد بالعبارة الطاعة مطلقاً، فيدخل جميع وظائف الإسلام فيها فعلى هذا يكون عطف الصلاة وغيرها من باب ذكر الخاص بعد العام، تنبيهاً على شرفه ومرتبته، وأما قوله: (لا تشرك به شيئاً) فإنما ذكره بعد العبادة لأن الكفار يعبدونه سبحانه في الصورة ويعبدون معه أوثاناً يزعمون أنها شركاء، فنفى هذا (الصلاة المكتوبة) أي المفروضة (الزكاة المفروضة) فرق بن القيدين للتفنن، أي كراهية لتكرير اللفظ الواحد، وقيل: عبر في الزكاة بالمفروضة للاحتراز عن صدقة التطوع، فإنها زكاة لغوية، وقيل: احترز من الزكاة المعجلة قبل الحول،

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 61)

وتصوم رمضان، قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، فلما ولى قال النبي صلى الله عليه وسلم: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا)) متفق عليه.
15- (14) وعن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك، وفي رواية: غيرك
ــ
فإنها زكاة وليست مفروضة (وتصوم رمضان) ولا يكون إلا مفروضاً، ولذا لم يقيده (لا أزيد على هذا) أي ما ذكر (شيئاً) من عند نفسي (ولا أنقص منه) برأيي، ولما كانت العبادة شاملة لفعل الواجبات وترك المنكرات صح إثبات النجاة له بمجرد ذلك (من سره … ) الخ، الظاهر أنه صلى الله عليه وسلم علم أنه يوفي ما التزم، وأنه يدوم على ذلك ويدخل الجنة، ولم يخبر السائل بالتطوع في هذا الحديث، وكذا في حديث طلحة الآتي في قصة الأعرابي وغيرهما، بل أقره على الحلف بترك التطوعات في حديث طلحة؛ لأن أصحاب هذه القصص كانوا حديثي عهد بالإسلام، فاكتفى منهم بفعل ما وجب عليهم لئلا يثقل ذلك عليهم فيملوا، حتى إذا انشرحت صدورهم للفهم عنه والحرص على تحصيل ثواب المندوبات سهلت عليهم، وقيل: لئلا يعتقدوا أن التطوعات واجبة، واعلم أنه لم يأت ذكر الحج في هذا الحديث، وكذا لم يذكر في بعض هذه الأحاديث الصوم، ولم يذكر في بعضها الزكاة، وذكر في بعضها صلة الرحم، وفي بعضها ذكر الإيمان فتفاوت هذه الأحاديث في عدد خصال الإيمان زيادة ونقصاناً وإثباتاً وحذفاً، وأجاب القاضي عياض وغيره بما ملخصه: أن سبب ذلك تفاوت الرواة في الحفظ والضبط، فالاقتصار على بعض الخصال إنما لقصور حفظ الراوي عن تمامه، وليس هذا باختلاف صادر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد استحسن النووي هذا الجواب، وقال العيني بعد ذكره: والأحسن أن يقال: إن رواة هذه الأحاديث متعددة، وكل ما روى واحد منهم بزيادة على ما رواه غيره أو بنقص لم يكن بتقصير الراوي وإنما وقع ذلك بحسب اختلاف الموقع واختلاف الزمان – انتهى. وفي الحديث دليل على أنه لابد من أعمال الجوارح في الإيمان خلافاً للمرجئة.
15- قوله: (وعن سفيان بن عبد الله) بن ربيعة بن الحارث الثقفي الطائفي، يكنى أباعمرو، وقيل: أباعمرة، أسلم مع وفد ثقيف، واستعمله عمر على صدقات الطائف، روى عنه أولاده عاصم وعبد الله وعلقمة وعمرو وأبوالحكم وغيرهم، قال ابن عبد البر: هو معدود في أهل الطائف، له صحبة وسماع ورواية، كان عاملاً لعمر بن الخطاب على الطائف، ولاه عليها إذ عزل عثمان بن أبي العاص عنها، ونقل عثمان حينئذٍ إلى البحرين – انتهى. قال الخزرجي: انفرد له مسلم بحديث، وقال القاري: مروياته خمسة أحاديث – انتهى. (الثقفي) بفتحتين نسبة إلى قبيلة ثقيف. (قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك) أي بعد سؤالك، طلب منه صلى الله عليه وسلم أن يعلمه كلاماً جامعاً لأمر الإسلام كافياً حتى لا يحتاج بعده إلى غيره (وفي رواية غيرك) أي لا أسأل عنه أحداً غيرك، والأول مستلزم

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 62)

قال: قل: آمنت بالله، ثم استقم)) ، رواه مسلم.
16- (15) وعن طلحة بن عبيد الله
ــ
لهذا؛ لأنه إذا لم يسأل أحداً بعد سؤاله لم يسأل غيره، وبهذا يظهر وجه أولوية الأول يجعله أصلاً والثاني رواية خلافاً لما فعل النووي في أربعينه، قاله القاري، (قل آمنت بالله) أي جدد إيمانك بالله ذكراً بقلبك ونطقاً بلسانك وعملاً بمقتضاه بجوارحك، وفي رواية ((قل ربي الله)) أي وحد ربك، وأراد به التوحيد الكامل الذي يحرم صاحبه على النار، هو تحقيق معنى لا إله إلا الله، فإن الإله هو المعبود الذي يطاع فلا يعصى خشية وإجلالاً ومهابة ومحبة ورجاءً وتوكلاً ودعاءً، والمعاصي كلها قادحة في هذا التوحيد؛ لأنها إجابة لداعي الهوى، وهو الشيطان، وعلى رواية الكتاب المعنى أظهر، فإن الإيمان يدخل فيه الأعمال الصالحة عند السلف ومن تابعهم من أهل الحديث (ثم استقم) الاستقامة: هي سلوك الطريق المستقيم، وهو الدين القويم من غير تعويج عنه يمنه ولا يسرة، ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات كلها كذلك، فصارت هذه الوصية جامعة لخصال الدين كلها، فالحديث من جوامع الكلم الشامل لأصول الإسلام: التوحيد والطاعة، وهو مطابق لقوله تعالى: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} [41: 30] أي لم يحيدوا عن التوحيد، والتزموا طاعته سبحانه إلى أن توفوا على ذلك، وهو معنى الحديث، ولا يخفى مناسبة الحديث لكتاب الإيمان، فإن يدل على وجوب امتثال الطاعات والانتهاء عن المعاصي، ففيه رد على المرجئة (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد والنسائي والترمذي وابن ماجه والحاكم وابن حبان في صحيحه.
16- قوله: (وعن طلحة بن عبيد الله) بن عثمان التيمي القرشي المدني، يكنى أبامحمد، يجتمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأب السابع كأبي بكر، أحد العشرة وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، والخمسة الذين أسلموا على يد الصديق، والستة أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ، شهد المشاهد كلها غير بدر لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه مع سعيد بن زيد يتعرفان خبر العير التي كانت لقريش مع أبي سفيان، ثم رجعاً إلى المدينة فقدماها يوم وقعة بدر، وقد ضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه، وآجره فيها وأبلى يوم أحد بلاءً شديداً، ووقى النبي صلى الله عليه وسلم بيده فشلت، وجرح يومئذٍ أربعة وعشرين جراحة، وقيل خمساً وسبعين جراحة بين طعنة وضربة ورمية، وكان أبوبكر إذا ذكر يوم أحد قال: ذلك يوم كله لطلحة، وروى من وجوه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: طلحة ممن قضى نحبه، وروي أيضاً أنه نظر إليه فقال: من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة، وسماه النبي صلى الله عليه وسلم ((طلحة خير)) ، و ((طلحة الفياض)) و ((طلحة الجواد)) ، له ثمانية وثلاثون حديثاً، اتفقا منها على حديث، وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بثلاثة، وقال القسطلاني: له في البخاري أربعة أحاديث، استشهد يوم الجمل، أتاه سهم غرب لا يدرى من رماه واتهم به مروان، لعشر خلون من جمادى الأولى سنة (36) عن (64) سنة، وقيل (63) ، وقيل غير ذلك، ودفن بالبصرة، وقال ابن قتيبة: دفن بقنطرة قرة ثم رأته بنته بعد ثلاثين سنة في المنام أنه يشكر إليها النداوة، فأمرت

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 63)

قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجد ثائر الرأس، نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول: حتى دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خمس صلوات
ــ
فاستخرج طرياً، ودفن بدار البحرتين بالبصرة، روى له جماعة، وقال ابن عبد البر: لا يختلف العلماء في أن مروان قتل طلحة يوم الجمل، قال الخزرجي: خلف طلحة ثلاثين ألف ألف درهم، ومن العين ألفي ألف ومائتي ألف دينار. (جاء رجل) قيل: هو ضمام بن ثعلبة وافد بني سعد بني بكر، وفيه نظر، والتفصيل في الفتح (ج1: ص56) وفي مقدمته، (من أهل نجد) صفة رجل، ونجد من بلاد العرب خلاف الغور، والغور: هو تهامة، وكل ما ارتفع من تهامة أي مكة إلى أرض العراق فهو نجد، وهو في الأصل ما ارتفع من الأرض (ثائر الرأس) أي منتفش شعر الرأس ومنتشره من عدم الارتفاق والرفاهة، ففيه إشارة إلى قرب عهده بالوفادة، من ثار الغبار: إذا ارتفع وانتشر، أطلق اسم الرأس على الشعر مجازاً تسمية للحال باسم المحل، أو مبالغة بجعل الرأس كأنه المنتشر، أو يكون هو من باب حذف المضاف بقرينة عقلية، وهو مرفوع على أنه صفة، وقيل: إنه منصوب على الحالية من رجل لوصفه بقوله من أهل نجد، والإضافة في ثائر الرأس لفظية فلا تفيد إلا تخفيفاً، ويجوز وقوع صاحب الحال نكرة إذا اتصف بشيء كما في المبتدأ أو أضيف أو وقع بعد نفي (نسمع) بصيغة المتكلم المعلوم على الصحيح (دوي صوته) بالنصب على أنه مفعوله، وفي بعض النسخ يسمع بالياء مجهولاً ورفع دوي على النيابة عن الفاعل، وكذا الوجهان في قوله ((لا نفقه)) بالنون والياء، قال العيني: رواية النون فيهما هي المشهورة، وعليها الاعتماد، والدوي: بفتح الدال وكسر الواو وتشديد الياء، قال الخطابي: الدوي: صوت مرتفع متكرر لا يفهم، وإنما كان كذلك لأنه نادى من بُعد، ويقال: الدوي شدة الصوت وبُعده في الهواء وعلوه، والمعنى نسمع شدة صوته وبُعده في الهواء فلا يفهم منه شيء كدوي النحل والذباب (ما يقول) في محل النصب على أنه مفعول، أو في الرفع على النيابة والمعنى نسمع كلامه ولا نفهمه لبُعده (حتى) للغاية بمعنى إلى أن (دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم) ففهمنا كلامه (فإذا) للمفاجأة (هو) أي الرجل (يسأل عن الإسلام) أي عن شرائعه وفرائضه، يدل عليه ما زاد البخاري في آخر حديث طلحة هذا في كتاب الصيام، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرائع الإسلام، ويحتمل أنه سأل عن حقيقة الإسلام، وإنما لم يذكر له الشهادة لأنه علم أنه يعلمها، أو علم أنه يسأل عن الشرائع الفعلية، أو ذكر الشهادة له ولم يسمعها طلحة منه لبعد موضعه، أو نسيها أو اختصرها لشهرتها، ولم يذكر الحج؛ لأن الراوي اختصره، ويؤيده ما ذكرنا من الزيادة في آخر هذا الحديث، فقد دخل فيه باقي المفروضات بل والمندوبات (خمس صلوات) الرفع على الصحيح، على أنه خبر مبتدأ محذوف أي الإسلام، أو هي خمس صلوات، أو مبتدأ محذوف الخبر من شرائعه أداء خمس صلوات، ويجوز النصب بتقدير خذ أو صل، قال

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 64)

في اليوم والليلة، فقال: هل عليّ غيرهن؟ فقال: لا، إلا أن تطوع
ــ
العيني: ويجوز الجر على أنه بدل من الإسلام، قال القاري: لا يصح الجر رواية ولا دراية، أما الأول فيظهر من تتبع النسخ المصححة، وأما الثاني فلأن البدل والمبدل لا يكونان إلا في كلام شخص واحد … الخ. (هل عليّ غيرهن) أي هل يجب عليّ من الصلاة غير الصلوات الخمس في اليوم والليلة، أو الجار خبر مقدم وغيرهن مبتدأ مؤخر (فقال: لا) أي لا يجب عليك غيرها، وفيه حجة على من أوجب الوتر، وهو الحنفية، وأجاب القاري عنه بأن هذا قبل وجوب الوتر، أو إنه تابع للعشاء، وقال العيني: لم يكن الوتر واجباً حينئذٍ، يدل عليه أنه لم يذكر الحج – انتهى. وتعقب بأن هذا يحتاج إلى معرفة التاريخ، ودونها خرط القتاد، على أنه موقوف على ثبوت وجوب صلاة الوتر، ولا دليل على وجوبها لا من كتاب ولا من سنة صحيحة ولا من إجماع، بل الأمر على عكس ما قالوا، فإن الدلائل الصحيحة الصريحة من السنة قائمة على عدم وجوبها كما ستعرف إن شاء الله، فلا يصح أن يقال: إن هذا كان قبل وجوب الوتر، وأما قول العيني "يدل عليه أنه لم يذكر الحج" ففيه أنه إنما يتم ذلك إذا ثبت أنه لم يفرض الحج حينئذٍ، وفيه نظر؛ لأنه يحتمل أن الرجل سأل عن حاله خاصة، حيث قال ((هل علي غيرها)) فأجابه – عليه السلام – بما عرف من حاله، ولعله ممن لم يكن الحج واجباً عليه، والظاهر أنه صلى الله عليه وسلم ذكره له لكن اختصره الراوي، يدل عليه رواية البخاري في الصيام، فأخبره بشرائع الإسلام كما تقدم، فحصره صلى الله عليه وسلم جنس الصلاة الواجبة في اليوم والليلة في الخمس ونفي وجوب الصلاة الأخرى مع ذكر باقي الواجبات يدل على عدم وجوب الوتر، وأما قول القاري: إنه تابع للعشاء، ففيه أنه قد أنكر أبوبكر بن مسعود الكاساني الحنفي كونه تابعاً للعشاء حيث قال في بدائعه (ج1: ص270) : وذا – أي كون تقديم العشاء شرطاً عند التذكر – لا يدل على التبعية كتقديم كل فرض على ما يعقبه من الفرائض، ولهذا اختص بوقت استحساناً فإن تأخيرها إلى آخر الليل مستحب، وتأخير العشاء إلى آخر الليل يكره أشد الكراهة، وذا أمارة الأصالة، إذ لو كانت تابعة للعشاء لتبعته في الكراهة والاستحباب جميعاً، انتهى. (إلا أن تطوع) بتشديد الطاء والواو، وأصله "تتطوع" بتائين، فأدغمت إحداهما في الطاء، ويجوز تخفيف الطاء على حذف إحداهما، قال النووي: المشهور التشديد، ومعناه: إلا أن تفعله بطواعيتك. واعلم أن هذا الاستثناء يجوز أن يكون منقطعاً بمعنى لكن، ويجوز أن يكون متصلاً، واختارت الشافعية والحنابلة الانقطاع، والمعنى: لكن يستحب لك أن تطوع، وتمسكوا به على أنه لا يلزم إتمام النفل بالشروع، بل يستحب فقط فيجوز قطعه، ولا يجب القضاء عمداً قطعه أو من عذر، واختارت الحنفية والمالكية الاتصال فإنه هو الأصل في الاستثناء، واستدلوا به على أن من شرع في صلاة نفل أو صوم نفل وجب عليه إتمامه، ولا يجوز القطع إلا بعذر، ثم اختلفوا فقال الحنفية: يلزم القضاء مطلقاً عمداً قطعه أو عذراً،

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 65)

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
ــ
وقالت المالكية: لا يلزم القضاء إلا إذا قطعه عمداً من غير عذر، وقال القرطبي المالكي: نفى في الحديث وجوب شيء آخر، والاستثناء من النفي إثبات، فيلزم أن يكون التطوع واجباً، ولا قائل لوجوبه لاستحالته، فتعين أن يكون المراد إلا أن تشرع في تطوع فيلزمك إتمامه – انتهى. قالت الحنفية: ويدل على كون الاستثناء في الحديث للاتصال حديث عائشة عند أحمد والنسائي والترمذي، وفيه أنه قال: صوما يوماً مكانه، فأمر بالقضاء، فدل على أن الشروع ملزم، وأن القضاء بالإفساد واجب. وأجيب عن تقرير القرطبي أولاً بأنه مغالطة؛ لأن الاستثناء ههنا من غير الجنس؛ لأن التطوع لا يقال فيه: عليك، فكأنه قال: لا يجب عليك شيء إلا إن أردت أن تطوع، فذلك لك، وقد علم أن التطوع ليس بواجب فلا يجب شيء آخر أصلاً، وثانياً: بأن الحنفية لا يقولون بفرضية الإتمام، بل بوجوبه، واستثناء الواجب من الفرض منقطع لتبيانهما، فلا يصح حملهم الاستثناء في الحديث على الاتصال، وثالثاً: بأن الاستثناء من النفي عندهم ليس للإثبات، بل مسكوت عنه. ورابعاً بما قاله بعض العلماء الحنفية: إن الحديث خارج عن موضع النِزاع، فإن الإيجاب المذكور فيه إنما هو الإيجاب من جهة الوحي، ومسألة لزوم النفل بالشروع إنما هو إيجاب العبد على نفسه شيئاً بخيرته وطوعه. وخامساً: بأنه قال صلى الله عليه وسلم في الزكاة مثل ما قال في الصلاة والصوم، لكن لا يمشي تقرير القرطبي وغيره ممن قال بوجوب الإتمام في الزكاة، قال السندهي الحنفي: لا يظهر هذا في الزكاة إذ الصدقة قبل الإعطاء لا تجب، وبعده لا توصف بالوجوب، ولا يقال: إنه صار واجباً بالشروع فلزم إتمامه، فالوجه أنه استثناء منقطع، أي لكن التطوع جائز أو خير، ويمكن أن يقال من باب المبالغة في نفي واجب آخر، على معنى ليس عليك واجب آخر إلا التطوع، والتطوع ليس بواجب، فلا واجب غير المذكور – انتهى. قال القاري مجيباً عن الثاني: بأنه ممنوع، فإن الواجب عندنا فرض عملي لا اعتقادي، وبهذا الاعتبار يطلق عليه أنه فرض، فالمراد بالفرض في الحديث المعنى الأعم، مع أنه لا محذور في جعل الاستثناء منقطعاً لصحة الكلام، فيكون المعنى: لكن التطوع باختيارك، أي ابتداءً كما هو مذهبنا، قلت: الفرق بين الفرض والواجب بالمعنى الاصطلاحي، ثم تقسيم الفرض إلى الفرض الاعتقادي والعملي، وجعل الواجب الاصطلاحي فرضاً عملياً من المصطلحات الحادثة لم يعرفها الصحابة، فلا ينبغي أن يحمل الحديث على مصطلحات الفنون الحادثة بعد عصر الصحابة، والظاهر بل المتعين في معناه على كون الاستثناء للانقطاع هو أن يقال لكن يستحب لك أن تطوع، أو لكن التطوع باختيارك انتهاء كما هو في طواعيتك ابتداءً، ويؤيده حديث أم هانئ عند الترمذي وغيره، وفيه الصائم المتطوع أمير أو أمين نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر، ويؤيده أيضاً ما رواه النسائي عن عائشة مرفوعاً: إنما مثل صوم التطوع مثل الرجل الذي يخرج من ماله الصدقة، فإن شاء أمضاها، وإن شاء حبسها، وقال القاري مجيباً عن الثالث: بأنه مدخول، فإن هذا إنما يرد عليهم لو استدلوا بهذا الحديث، وتقدم أن دليلهم الآية والإجماع، وإنما حملوا لفظ الحديث على المعنى المستفاد منهما يعني بالآية قوله تعالى:

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 66)

{لا تبطلوا أعمالكم} [47: 33] . قلت: قد استدل بهذا الحديث غير واحد من الحنفية والمالكية على مذهبهم، وذكروه في معرض الاستدلال، كما صرح به العيني في شرح البخاري، والقرطبي في شرح مسلم، والزرقاني في شرح الموطأ وغيرهم، وأما الاحتجاج بالآية والإجماع فهو مخدوش كما ستعرف، فلا يصح حمل هذا الحديث على ما ذهبوا إليه في معناه، وذلك لفساد البناء، وأما حديث عائشة الذي جعلوه قرينة على حمل الاستثناء على الاتصال، فالجواب عنه أن الأمر فيه للاستحباب لا للوجوب، والقرينة على ذلك حديث أبي سعيد عند البيهقي، وسنذكره على أن حديث عائشة مرسل، والمرسل على الصحيح ليس بحجة، قال الخلال: اتفق الثقات على إرساله، وشذ من وصله، وتوارد الحفاظ على الحكم بضعف حديث عائشة هذا، ضعفه أحمد والبخاري والنسائي بجهالة زميل، كذا في الفتح، قلت: قد استدل عامة الحنفية على لزوم الإتمام بعد الشروع بقوله تعالى: {لا تبطلوا أعمالكم} وبإجماع الصحابة على وجوب الإتمام، وبالقياس على الحج والعمرة. وأجيب عن الاستدلال بالآية بوجوه: الأول أنه يلزم الحنفية حيث استدلوا بها أن يقولوا إن الإتمام فرض، وهم إنما يقولون بوجوبه، قال القاري: هذا مدفوع بأن الآية قطعية، والدلالة ظنية – انتهى. وفيه أن هذا لا يفيد الحنفية بل يضرهم، إذ يقطع أصل الاستدلال؛ لأن أحاديث أم هانئ وعائشة وأبي سعيد وما في معناها وإن كانت ظنية لكن دلالتها على التخير قطعية بلا شبهة، ومن المعلوم أن مناط الاستدلال هي الدلالة لا الثبوت، وعلى هذا ففي الاستدلال بالآية المذكورة على وجوب الإتمام ترجيح ما هو ظني الدلالة على ما هو قطعي الدلالة، ولا شك أنه ترجيح المرجوح، وذا لا يجوز عند أحد، والثاني: أن الآية المذكورة عامة، قال ابن المنير المالكي: ليس في تحريم الأكل في صوم النفل من غير عذر إلا الأدلة العامة كقوله لا تبطلوا أعمالكم، إلا أن الخاص مقدم على العام كحديث سلمان – انتهى. والثالث: أن المراد في الآية بالإبطال هو الإبطال الأخروي بالرياء والسمعة، لا الإبطال الفقهي، قال ابن عبد البر المالكي: من احتج في هذا بقوله لا تبطلوا أعمالكم فهو جاهل بأقوال أهل العلم، فإن الأكثر على أن المراد بذلك النهي عن الرياء، كأنه قال: لا تبطلوا أعمالكم بالرياء، بل أخلصوها لله، وقال الآخرون: لا تبطلوا أعمالكم بارتكاب الكبائر، ولو كان المراد بذلك النهي عن إبطال ما لم يفرض الله عليه، ولا أوجب على نفسه بنذر أو غيره لامتنع عليه الإفطار إلا بما يبيح الفطر من الصوم الواجب، وهم لا يقولون بذلك – انتهى. وقال الشيخ محمد أنور الحنفي: أما الاستدلال بقوله تعالى: {لا تبطلوا أعمالكم} فليس بناهض؛ لأن الآية إنما سيقت لبطلان الثواب لا للبطلان الفقهي، كما يدل عليه السياق، فهي كقوله تعالى: {لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} [2: 262] –انتهى. والرابع: ما ذكره الشيخ بحر العلوم اللكنوي الحنفي في شرح مسلم الثبوت (58 من طبعة الهند) : إن ههنا كلامان عويصان: الأول أن الدليل لو تم لدل على وجوب الإتمام، فتركه يكون إثماً، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم إفساد صوم النفل بالأكل، ولا ينفع حينئذٍ ما في فتح القدير أنه – عليه الصلاة والسلام– لعله قضاه، فإن الكلام في نفس الإفطار فإنه حينئذٍ مشتمل على ترك الواجب، فإن قلت: لعله يكون الإفطار في صيام التطوع رخصة مطلقاً كما أنه رخصة في الفرض في حق المسافر، قلت: فأين الوجوب فإن

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 67)

الواجب ما يأثم بتركه، ولا مخلص عند هذا العبد إلا بإبداء عذر (أي معين لا احتمالاً) أو بإثبات المنسوخية، أو بالقول بأن الوجوب كوجوب الصلاة على من استأهل في الآخر، فتدبر، الثاني: أن بعض الصوم لما لم يكن صوماً لم يكن فيه إبطال العمل، فإنه ما عمل إلا بعد الصوم، وليس بعمل، فالإفطار لا يوجب إبطال العمل، فتأمل فيه – انتهى. وأجاب بعضهم عن الثاني بأن بعض الصوم وإن لم يكن عملاً بالفعل لكنه في معرض أن يصير عملاً، فتركه إبطال للعمل، وتعقب بأن إطلاق العمل على ما هو معرض أن يصير عملاً لا شك أنه مجاز، وعلى هذا فيلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز، وهو لا يجوز عند الحنفية، وأجيب عن الاحتجاج بإجماع الصحابة بأنه مجرد دعوى بلا سند، فلا يقبل، قال القاري: هو مردود؛ لأن ذكر السند ليس بشرط لصحة الإجماع، مع أن الآية سند معتمد لصحة الإجماع، قلت: لم يثبت نصاً عن أحد من الصحابة أنه ذهب إلى وجوب الإتمام بعد الشروع، فضلاً عن إجماعهم على ذلك فلا يلتفت إلى دعوى الإجماع مع وجود النصوص الصريحة على عدم الوجوب، وأما الاستناد بالآية فقد عرفت فساده، وأما الجواب عن القياس فهو أن الحج امتاز عن غيره بلزوم المضي في فاسده، فكيف في صحيحه، وكذلك امتاز بلزوم الكفارة في نفله كفرضه، ويرد على أصل مذهب الحنفية بأن النفل إذا كان واجباً بالشروع كما في كتب الأصول ففي التلويح (ج1: ص306 – طبعة مصر) : والنفل لا يضمن بالترك، وأما إذا شرع فيه، وأفسد فقد صار بالشروع واجباً فيقضي – انتهى. وفي كشف الأسرار (ج1: ص135) : وأما إذا شرع النفل ثم أفسده، فإنما يجب القضاء؛ لأنه بالشروع صار ملحقاً بالواجب، لا لأنه نفل كما قبل الشروع – انتهى. فيلزم حينئذٍ أن لا يكون النفل من حيث أنه نفل عبادة عملاً، وعلى هذا فالمسائل التي تتعلق بنفس النفل لا يكون لها مصداق في الواقع، مثل قولهم: صلاة المفترض خلف المتنفل لا تجوز، فتأمل. وقالت الشافعية: الدليل على كون الاستثناء في الحديث منقطعاً ما روى النسائي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أحياناً ينوي صوم التطوع ثم يفطر، وفي البخاري أنه أمر جويرية بنت الحارث أن تفطر يوم الجمعة بعد أن شرعت، ولم يأمرها بالقضاء، وروى البيهقي عن أبي سعيد قال: صنعت للنبي صلى الله عليه وسلم طعاماً، فلما وضع قال رجل أنا صائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((دعاك أخوك وتكلف لك، أفطر فصم مكانه إن شئت)) ، قال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذا الحديث: إسناده حسن – انتهى. ففي هذه الأحاديث الثلاثة، وحديثي أم هانئ وعائشة المتقدمين دليل على أن الشروع في العبادة لا يستلزم الإتمام إذا كانت نافلة، بهذه النصوص في الصوم، وبالقياس في الباقي إلا الحج. وأجاب العيني عن ذلك بأن حديث النسائي لا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم ترك القضاء، وإفطاره صلى الله عليه وسلم ربما كان لعذر مثل الجوع أو غيره، وحديث جويرية إنما أمرها بالإفطار عند تحقق واحد من الأعذار كالضيافة، أو لأنها صامت بغير إذنه واحتاج إليها، وليس فيه أنها تركت القضاء، وكل ما جاء من أحاديث الباب محمول على مثل هذا – انتهى. وقال الزرقاني: وإذا احتمل ذلك سقط به الاستدلال؛ لأن القصتين من وقائع الأحوال التي لا عموم لها، وقد قال تعالى: {لا تبطلوا أعمالكم} – انتهى. قلت: إبداء مثل هذه الاحتمالات من غير منشأ وقرينة تدل عليها مما لا يلتفت إليه، فإنه تحكم محض، يفعله صاحبه ترويجاً لدعواه وتمشية لمذهبه، ولو كان القضاء

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 68)

وصيام شهر رمضان، فقال: هل عليّ غيره؟ قال: لا إلا أن تطوع، قال: وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة، فقال: هل عليّ غيرها؟ فقال: لا، إلا أن تطوع،
ــ
واجباً لأمر صلى الله عليه وسلم جويرية بالقضاء، ونقل إلينا ألبتة، فإن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولو سلم أنه وقع القضاء منهما لما كفى لإثبات وجوب القضاء، فإن الفعل لا يدل على الوجوب، فيحتمل أن قضاءهما كان ندباً، لا لأنه واجب، وأما قول الزرقاني ففيه أن قوله صلى الله عليه وسلم وأمره وفعله وتقريره حجة لكل شخص في كل زمان ومكان وحال، ما لم يدل دليل على الخصوصية، وقد تقدم أن الاستناد بالآية على وجوب الإتمام جهل، وقال العيني: ولو وقع التعارض بين الأخبار فالترجيح معنا لثلاثة أوجه، أحدها: إجماع الصحابة. والثاني: أحاديثنا مثبتة، وأحاديثهم نافية، والمثبت مقدم. والثالث: أنه احتياط في العبادة. قلت: قد عرفت فيما تقدم أن دعوى الإجماع باطلة، وأما قوله: إن أحاديث الحنفية تقدم على أحاديث الشافعية لكون الأولى مثبتة والثانية نافية، ففيه أن تقديم المثبت على النافي إنما هو إذا كانت أحاديث الطرفين متساوية في القوة والضعف، وهاهنا أحاديث النفي أرجح وأقوى من حيث الكثرة والصحة، وأحاديث الإثبات مرجوحة ضعيفة، فتقدم أحاديث النفي عليها، وليس الاحتياط في جعل الشيء واجباً من غير دليل قوي، بل الاحتياط في العمل بالسنة الصحيحة سواء كانت مثبتة للوجوب أو نافية له مع أن الأصل براءة الذمة، فافهم. (وصيام شهر رمضان) عطف على خمس صلوات، وجملة السؤال والجواب معترضة (قال) أي طلحة راوي الحديث (وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة) هذا قول الراوي، كأنه نسي ما نص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو التبس عليه فقال: (وذكر له الزكاة) ، هذا يؤذن بأن مراعاة الألفاظ معتبرة في الرواية، فإذا التبس عليه يشير في لفظه إلى ما ينبئ عنه كما فعل الراوي هاهنا، وفي رواية البخاري في الصيام: قال: فأخبرني بماذا فرض الله علي من الزكاة، قال: فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرائع الإسلام أي بنصب الزكاة ومقاديرها وغير ذلك مما يتناول الحج وأحكامه وجميع المنهيات، وأما تعقب الأبيّ بإرجاع لفظ الشرائع إلى ما ذكر قبله لأن العام المذكور عقب خاص يرجع إلى ذلك الخاص على الصحيح، فهو مردود عليه، فإن الصحيح والحق في مثل هذا أن ذكر العام بعد الخاص يكون للتعميم ولدفع توهم اختصاص الحكم بالخاص المذكور قبله، فافهم، قال الحافظ: تضمنت هذه الرواية أن في القصة أشياء أجملت منها بيان نصب الزكاة، فإنها لم تفسر في الروايتين، وكذا أسماء الصلوات، وكان السبب فيه شهرة ذلك عندهم، أو القصد من القصة بيان أن المتمسك بالفرائض ناجٍ وإن لم يفعل النوافل – انتهى. (فقال: لا، إلا أن تطوع) قيل: يعلم منه أنه ليس في المال حق سوى الزكاة بشروطها، قال القاري: وهو ظاهر إن أريد به الحقوق الأصلية المتكررة تكررها وإلا فحقوق المال كثيرة كصدقة الفطر والنفقات الواجبة، قلت: الكلام في حقوق المال وليس شيء من هذه الأشياء من حقوق المال بمعنى أنه يوجبه المال بل يوجبه أسباب أخر كالفطر والقرابة والزوجية وغير ذلك

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 69)

قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أفلح الرجل إن صدق)) ، متفق عليه.
17- (16) وعن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: إن وفد عبد القيس
ــ
(والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه) أي لا أزيد على شرائع الإسلام ولا أنقص منها شيئاً، والدليل عليه ما في رواية البخاري (ج1: ص254) في الصيام لا أتطوع شيئاً ولا أنقص مما فرض الله علي شيئاً، قيل: كيف أقرّه على حلفه وقد ورد النكير على من حلف أن لا يفعل خيراً؟ وأجيب بأن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، وهذا جارٍ على الأصول بأن لا إثم على غير تارك الفرائض، فهو مفلح وإن كان غيره أكثر فلاحاً منه، وقال الباجي: يحتمل أنه سومح في ذلك لأنه في أول الإسلام (أفلح الرجل إن صدق) قال ابن بطال: دل هذا على أنه إن لم يصدق في التزامها أنه ليس بمفلح، وهذا خلاف قول المرجئة، وليس فيه تسويغ لترك السنن لما قال القرطبي: لم يسوغ له تركها دائماً ولكن لقرب عهده بالإسلام اكتفى منه بالواجبات، وأخره حتى يأنس وينشرح صدره ويحرص على الخير، فيسهل عليه المندوبات – انتهى، وفي الحديث رد على المرجئة إذ شرط في فلاحه أن لا ينقص من الأعمال والفرائض المذكورة، وهو يقولون: التصديق وحده كافٍ للنجاة، لا حاجة إلى العمل، ولا يضر المعصية مع التصديق (متفق عليه) وأخرجه أيضاًَ أبوداود والنسائي.
17- قوله: (وعن ابن عباس) هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، أبوالعباس المكي ثم المدني ثم الطائفي، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه، وأمه أم الفضل لبابة الكبرى بنت الحارث أخت ميمونة أم المؤمنين، ولد بالشعب قبل الهجرة بثلاث سنين، وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وقال أحمد: خمس عشرة سنة، والأول أثبت، كان يقال له: الحبر والبحر لكثرة علمه، وترجمان القرآن. دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالحكمة والفقه والعلم وتأويل الكتاب، ورأى جبرائيل – عليه السلام – مرتين، قال مسروق: كنت إذا رأيت ابن عباس قلت: أجمل الناس، وإذا نطق قلت: أفصح الناس، وإذا حدث قلت: أعلم الناس، وكان عمر يدنيه ويقربه ويشاوره مع أجلة الصحابة، ومناقبه كثيرة وفضائله مشهورة، بسط ترجمته الحافظ في الإصابة، وابن عبد البر في الاستيعاب. روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ألفاً وستمائة وستين حديثاً، اتفقا على خمسة وسبعين، وانفرد البخاري بثمانية وعشرين، ومسلم بتسعة وأربعين، روى عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين، مات بالطائف سنة 68، وهو ابن 71 سنة على الصحيح، في أيام ابن الزبير، وصلى عليه محمد بن الحنفية، وقد كف بصره في آخر عمره، وقال الخزرجي: ابن عباس سمع النبي صلى الله عليه وسلم خمسة وعشرين حديثاً، وباقي حديثه من الصحابة، واتفقوا على قبول مرسل الصحابي – انتهى. (إن وفد عبد القيس) الوفد جمع وافد، وهو الذي أتى إلى الأمير برسالة من قوم، وقيل: الوفد الجماعة المختارة من

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 70)

لما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن القوم أو مَن الوفد؟ قالوا: ربيعة، قال: مرحباً بالقوم أو بالوفد غير خزايا ولا ندامى)) .
ــ
القوم ليتقدموهم إلى لقي العظماء والمصير إليهم في المهمات، وعبد القيس: أبوقبيلة عظيمة تنتهي إلى ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، وربيعة: قبيلة عظيمة في مقابلة مضر، وكان قبيلة عبد القيس ينْزلون البحرين وحوالي القطيف وما بين هجر إلى الديار المضرية، وقال صاحب التحرير: وفد عبد القيس كانوا أربعة عشر راكباً، كبيرهم الأشج العصري، وقيل: كانوا ثلاثة عشر راكباً، كما في المعرفة لابن مندة، وقيل: كانوا أربعين رجلاً، رواه الدولابي، وجمع بأن لهم وفادتين: إحداهما في سنة خمس أو قبلها أو سنة ست، وكان عدد الوفد فيها ثلاثة عشر راكباً، وكان فيهم الأشج العصري. وثانيتهما كانت في سنة الوفود، وكان عددهم حينئذٍ أربعين رجلاً، وكان فيهم الجارود العبدي، أو يقال بأن الأربعة عشر كانوا رؤوس الوفد وأشرافهم وكان الباقون أتباعاً، وقال العيني (ج1: 309) جملة الجمع تكون خمسة وأربعين نفساً، فعلمنا أن التنصيص على عدد معين لم يصح، ولهذا لم يخرجه البخاري ومسلم بالعدد المعين، ثم ذكر العيني نقلاً عن شرح مسلم للنووي سبب قدومهم، قال القاضي: كان وفودهم عام الفتح قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة، قال الحافظ: "تبع القاضي فيه الواقدي وليس بجيد؛ لأن فرض الحج كان سنة ست على الأصح، ولكن القاضي يختار أن فرض الحج كان سنة تسع حتى لا يرد على مذهبه أنه على الفور". (لما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم) أي حضروه (مَن القوم أو مَن الوفد) شك من الراوي، والسؤال للاستئناس، أو ليعرفوا فينْزلوا منازهم (قالوا ربيعة) أي قال بعض الوفد: نحن ربيعة أو وفد ربيعة، على حذف مضاف، وفي نسخة بالنصب أي نسمى ربيعة، وفيه التعبير عن البعض بالكل؛ لأنهم بعض ربيعة، وهذا من بعض الرواة فإن عند البخاري في الصلاة: فقالوا: إنا هذا الحي من ربيعة (قال: مرحباً بالقوم أو بالوفد) أي أصاب الوفد رحباً – بضم الراء – أي سعة، والرحب – بالفتح -: الشيء الواسع أو أتى القوم موضعاً واسعاً، فالباء زائدة في الفاعل، ومرحباً مفعول به لمقدر، أو أتى الله بالقوم مرحباً، فالباء للتعدية ومرحباً مفعول مطلق، وقيل: هو من المفاعيل المنصوبة بعامل مضمر لازم إضماره لكثرة دورانه على ألسنة العرب، ويقال: هذا لتأنيس الوافد وإزالة الاستحياء عن نفس من أتى من باغي خير وقاصد حاجة (غير خزايا) بفتح الخاء جمع خزيان من الخزي وهو الذل والإهانة، أي غير أذلاء مهانين، ونصب غير على الحال من الوفد، والعامل فيه الفعل المقدر في مرحباً، وفي رواية للبخاري مرحباً بالوفد الذين جاءوا غير خزايا، قال القاري: وجوز جره على أنه بدل من القوم، وقال العيني: ويروى غير بكسر الراء على أنه صفة للقوم، فإن قلت: إنه نكرة كيف وقعت صفة للمعرفة؟ قلت: للمعرف بلام الجنس قرب المسافة بينه وبين النكرة فحكمه حكم النكرة إذ لا توقيت فيه ولا تعيين – انتهى. (ولا ندامى) جمع نادم على غير قياس، إذ قياسه نادمين، لكنه اتبع خزايا تحسيناً للكلام، كما قالوا العشايا والغدايا، والقياس الغدوات جمع غداة لكنه اتبع لما يقارنه،

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 71)

قالوا: يا رسول الله، إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام، وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، فمرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا وندخل به الجنة،
ــ
وإذا أفردت لم يجز إلا الغدوات، وقيل: هو جمع ندمان بمعنى نادم من الندامة كما حكى القزاز والجوهري وغيرهما من أهل اللغة. وعلى هذا يكون الجمع على الأصل ولا يكون من باب الاتباع، والمعنى: ما كانوا بالإتيان إلينا خاسرين خائبين؛ لأنهم أسلموا طوعاً من غير حرب أو سبي يخزيهم ويفضحهم. (قالوا: يا رسول الله) فيه دليل على أنهم كانوا حين المقابلة مسلمين، وكذا في قولهم "كفار مضر" وفي قولهم "الله ورسوله أعلم". (لا نستطيع أن نأتيك) أي في جميع الأزمنة (إلا في الشهر الحرام) المراد به الجنس، فيشمل الأربعة الحرم، ويؤيده رواية البخاري في المغازي بلفظ (إلا في أشهر الحرم) ، وفي المناقب (إلا في كل شهر حرام) ، وقيل: اللام للعهد، والمراد شهر رجب، وفي رواية للبيهقي التصريح به، وكانت مضر تبالغ في تعظيم شهر رجب، فلهذا أضيف إليهم في حديث أبي بكرة عند البخاري حيث قال: ((رجب مضر)) ، والظاهر أنهم يخصونه بمزيد التعظيم مع تحريمهم القتال في الأشهر الثلاثة الأخرى إلا أنهم ربما أنسوها بخلافه، وإنما قالوا ذلك اعتذاراً عن عدم الإتيان إليه صلى الله عليه وسلم في غير هذا الوقت؛ لأن الجاهلية كانوا يحاربون بعضهم بعضاً، ويكفون في الأشهر الحرم تعظيماً لها وتسهيلاً على زوار البيت الحرام من الحروب والغارات الواقعة منهم في غيرها، ومن ثم كان يمكن مجيء هؤلاء إليه – عليه الصلاة والسلام – فيها دون ما عداها، قال الحافظ: وفيه دليل على تقدم إسلام عبد القيس على قبائل مضر الذين كانوا بينهم وبين المدينة، ويدل على سبقهم إلى الإسلام أيضاً ما رواه البخاري في الجمعة عن ابن عباس قال: إن أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد عبد القيس بجواثي من البحرين، وإنما جمعوا بعد رجوع وفدهم إليهم، فدل على أنهم سبقوا جميع القرى إلى الإسلام – انتهى. واحفظه فإنه ينفعك في مسألة الجمعة في القرى. (وبيننا وبينك هذا الحي) الجملة حال من فاعل نأتيك، أو بيان لوجه عدم الاستطاعة، والحي: هو اسم لمنْزل القبيلة ثم سميت القبيلة به اتساعاً لأن بعضهم يحيى ببعض (من كفار مضر) كلمة من للبيان، ومضر هو ابن نزار بن معد بن عدنان، فهو أخو ربيعة أبي عبد القيس (بأمر فصل) الفصل بمعنى الفاصل كالعدل بمعنى العادل، أي يفصل بين الحق والباطل، أو بمعنى المفصل المبين المكشوف، حكاه الطيبي، وقال الخطابي: الفصل هو الواضح البيّن الذي ينفصل به المراد ولا يشكل، وقيل: المحكم، والأمر بمعنى الشأن، واحد الأمور، والباء صلة والمراد به معنى اللفظ ومورده، وقيل: الأمر واحد الأوامر أي القول الطالب للفعل والباء للاستعانة، والمراد به اللفظ والمأمور به محذوف، أي مرنا بعمل بقولك آمنوا أو قولوا آمنا كذا في المرقاة. (نخبر) بالرفع على أنه صفة ثانية لأمر أو استئناف، وبالجزم على أنه جواب الأمر (من وراءنا) بفتح الميم، والهمزة موصولة أي من استقروا خلفنا (وندخل) برفع اللام وجزمها عطفاً على نخبر الموجه بوجهين (به) أي بسبب قبول أمرك والعمل به (الجنة) هذا لا ينافي قوله صلى الله عليه وسلم ((لن يدخل الجنة

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 72)

وسألوه عن الأشربة، فأمرهم بأربع، ونهاهم عن أربع، أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس
ــ
أحد منكم بعمله؛ لأن المراد نفي كون العمل سبباً مستقلاً في الدخول مع قطع النظر عن كونه من الرحمة والفضل، إذ القصد به الرد على من يرى عمله متكفلاً بدخولها من غير ملاحظة لكونها من جملة رحمة الله، أو المراد الجنة العالية أو أن درجاتها بالعمل ودخولها بالفضل. (وسألوه عن الأشربة) جمع شراب وهو ما يشرب أي عن حكم ظروف الأشربة، فالمضاف محذوف، أو التقدير عن الأشربة التي تكون في الأواني المختلفة فعلى هذا يكون محذوف الصفة، والمراد عن حكمها (فأمرهم بأربع) أي بأربع خصال، أو بأربع جمل بقولهم حدثنا بحمل من الأمر في رواية البخاري في المغازي (ونهاهن عن أربع) أي أربع خصال وهي أنواع الشرب باعتبار أصناف الظروف الآتية (قالوا: الله ورسوله أعلم) تأدباً وطلباً للسماع منه صلى الله عليه وسلم؛ لأن القوم كانوا مؤمنين (شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) برفع شهادة لا غير على أنها خبر مبتدأ محذوف هو هو، أي الإيمان بالله وحده الذي هو بمعنى الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله … الخ (وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان) برفع الثلاثة على ما سيأتي بيانها، وقيل: بجرها عطفاً على الإيمان في قوله: أمرهم بالإيمان بالله وحده، (وأن تعطوا من المغنم) بفتح الميم والنون أي الغنيمة (الخمس) بضم الميم وسكونها، وأن تعطوا في محل الرفع عطفاً على قوله وصيام رمضان، فيكون واحداً من الأركان. قال الطيبي: في الحديث إشكالان: أحدهما: أن المأمور به واحد والأركان تفسير للإيمان بدلالة قوله ((أتدرون ما الإيمان بالله وحده)) ، وقد قال أربع أي الإيمان واحد والموعود بذكره أربع، فأين الثلاثة الباقية؟ وثانيهما: أن الأركان أي المذكورة خمسة، وقد ذكر أولاً أنها أربعة، وأجيب عن الأول بأنه جعل الإيمان أربعاً نظراً إلى أجزائه المفصلة، يعني أن الإيمان باعتبار أجزائه المفصلة أربع وهو في حد ذاته واحد، والمعنى: أنه اسم جامع للخصال الأربع التي ذكر أنه يأمرهم بها ثم فسرها، فهو واحد بالنوع متعدد بحسب وظائفه، كما أن المنهي عنه وهو الانتباذ فيما يسرع إليه الإسكار واحد بالنوع متعدد بحسب أوعيته، وعن الثاني بأن عادة البلغاء إذا كان الكلام منصباً لغرض من الأغراض جعلوا سياقه له، وكأن ما سواه مطروح، فهاهنا ذكر الشهادتين ليس مقصوداً؛ لأن القوم كانوا مؤمنين مقرين بكلمتي الشهادة، ولكن ربما كانوا يظنون أن الإيمان مقصور عليهما كما كان الأمر في صدر الإسلام، قال فلهذا لم يعد الشهادتين في الأوامر، وقال الكرماني: لم يجعل الشهادة بالتوحيد وبالرسالة من الأربع لعلمهم بذلك، وإنما أمرهم بأربع لم يكن في علمهم أنها دعائم الإيمان، وإلى هذا نحا القرطبي فقال: ذكر الشهادتين تبركاً بهما كما في قوله {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} [8: 41] ،

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 73)

ونهاهم عن أربع، عن الحنتم
ــ
ومحمل كلام الطيبي والكرماني والقرطبي أن ذكرهما ليس مقصوداً من الأربع، بل هو جملة معترضة بين الأربع وبين مبينها، ويؤيده رواية البخاري (ج2: ص612) في الأدب: ((أربع وأربع، أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان وأعطوا خمس ما غنمتم … )) الحديث. ويؤيده أيضاً حديث أبي سعيد الخدري عند أحمد (ج3: ص23) في قصة وفد عبد القيس من طريق يحيى بن سعيد عن ابن عروبة، وفيه ((آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً)) ، فهذا ليس من الأربع ((وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان وأعطوا من الغنائم الخمس … )) الحديث. لكن ينافي قولهم ويعارض حديث أبي سعيد هذا رواية البخاري في المغازي بلفظ: ((آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: الإيمان بالله شهادة أن لا إله إلا الله، وعقد واحدة، وفي فرض الخمس، وعقد بيده)) ، وفي رواية أبي داود: ((وعقد بيده واحدة)) فدلت هذه الروايات أن الشهادة إحدى الأربع، لا يقال: إن العقد كان للإشارة إلى التوحيد؛ لأن المعهود فيها الإشارة بنصب المسبحة دون العقد، والراوي ذكر العقد، وكذا يخالفهم ما في رواية البخاري في أوائل المواقيت ولفظه: ((آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: الإيمان بالله)) ، ثم فسرها لهم ((شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله … )) الحديث، فهذا أيضاً يدل على أنه عدّ الشهادتين من الأربع؛ لأنه أعاد الضمير في قوله ((ثم فسرها)) مؤنثاً فيعود على الأربع، ولو أراد تفسير الإيمان لأعاده مذكراً، لكن يمكن أن يقال: إنه أنّث الضمير نظراً إلى أن المراد بالإيمان الشهادة أو إلى أنه خصلة، وأجيب أيضاً عن الإشكال الثاني بأنه عدّ الصلاة والزكاة واحدة؛ لأنها قرينتها في كتاب الله، وتكون الرابعة أداء الخمس، وقيل: أداء الخمس داخل في عموم إيتاء الزكاة فلم يعده مستقلاً. والجامع بينهما أنهما إخراج مال معين في حال دون حال، هذا، وما ذكرناه في توضيح الإشكال ورفعه يوافق حديث جبريل ومذهب السلف في الإيمان من كون الأعمال داخلة في حقيقته، فإنه قد فسر الإسلام في حديث جبريل بما فسر به الإيمان في قصة وفد عبد القيس، فدل هذا على أن الأشياء المذكورة – وفيها أداء الخمس – من أجزاء الإيمان، وأنه لابد في الإيمان من الأعمال خلافاً للمرجئة. قال الحافظ معتذراً عن عدم ذكر الحج في الحديث: إنما أخبرهم ببعض الأوامر؛ لكونهم سألوه أن يخبرهم بما يدخلون بفعله الجنة، فاقتصر لهم على ما يمكنهم فعله في الحال، ولم يقصد إعلامهم بجميع الأحكام التي تجب عليهم فعلاً وتركاً، ويدل على ذلك اقتصاره في المناهي على الانتباذ في الأوعية مع أن في المناهي ما هو أشد في التحريم من الانتباذ، لكن اقتصر عليها لكثرة تعاطيهم لها – انتهى. (ونهاهم عن أربع) أي خصال (عن الحنتم) بدل من قوله عن أربع بإعادة الجار، وهو من إطلاق المحل وإرادة الحال أي ما في الحنتم ونحوه، وصرح بالمراد في رواية للنسائي فقال: ((وأنهاكم عن أربع ما ينتبذ في الحنتم … )) الحديث، والحنتم – بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح المثناة من فوق -: هي الجرة مطلقاً، وقيل: خضراء، وقيل: حمراء، أعناقها من جنوبها يجلب فيها الخمر من مضر، وقيل: من الطائف، وقيل: هي جرار تعمل من طين ودم وشعر، أقوال للصحابة وغيرهم، ولعلهم كانوا ينتبذون في ذلك كله

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 74)

والدباء والنقير والمزفت، وقال: احفظوهن وأخبروا بهن من وراءكم)) متفق عليه، ولفظه للبخاري.
18- (17) وعن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وحوله عصابة من أصحابه: ((بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم،
ــ
(والدباء) بضم المهملة وتشديد الموحدة والمد وقد يقصر: وعاء القرع وهو اليقطين اليابس، وهو جمع والواحدة دباءة، ومن قصر قال: "دباة" (والنقير) بفتح النون وكسر القاف: أصل النخلة ينقر وسطه فيتخذ من وعاء وينبذ فيه (والمزفت) بتشديد الفاء أي المطلي بالزفت أي القار، وربما قال ابن عباس المقير بدل المزفت، ومعنى النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية بخصوصها لأنه يسرع فيها الإسكار، فربما شرب منها من لا يشعر بذلك، ثم ثبتت الرخصة في الانتباذ في كل وعاء مع النهي عن شرب كل مسكر كما سيأتي في باب النقيع. (احفظوهن) أي الكلمات المذكورات (وأخبروا بهن) بفتح الهمزة (من وراءكم) بفتح مَن وهي موصولة، ووراءكم يشمل من جاءوا من عندهم، وهذا باعتبار المكان، ويشمل من يحدث لهم من الأولاد وغيرهم، وهذا باعتبار الزمان، فيحتمل إعمالها في المعنيين حقيقة ومجازاً (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أبوداود والترمذي والنسائي وغيرهم (ولفظه للبخاري) يعني لمسلم معناه، فبهذا المعنى صار الحديث متفقاً عليه.
18- قوله: (وعن عبادة) بضم العين وتخفيف الموحدة (بن الصامت) بن قيس الأنصاري الخزرجي المدني، يكنى أباالوليد، شهد العقبتين وبدراً والمشاهد كلها، وهو أحد النقباء، ثم وجهه عمر إلى الشام قاضياً ومعلماً، فأقام بحمص ثم انتقل إلى فلسطين ومات بها في الرملة، وقيل: ببيت المقدس سنة 34 وهو ابن 72سنة، وقيل عاش إلى خلافة معاوية، وهو أحد من جمع القرآن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، رواه البخاري في تاريخه الصغير وابن سعد عن محمد بن كعب القرظي، وكان طويلاً جسيماً جميلاً فاضلاً، قال سعيد بن عفير: كان طوله عشرة أشبار. له مائة وأحد وثمانون حديثاً، اتفقا منها على ستة، وانفرد البخاري بحديثين، وكذا مسلم، روى عنه جماعة من الصحابة والتابعين. (وحوله) نصب على الظرفية خبر لقوله (عصابة) بالكسر اسم جمع كالعصبة لما بين العشرة إلى الأربعين من العصب وهو الشد، كأن بعضهم يشد بعضاً، والجملة حالية (من أصحابه) في محل الرفع؛ لأنه صفة لعصابة، أي عصابة كائنة من أصحابه، وكلمة (من) للتبعيض، ويجوز أن تكون للبيان (بايعوني) أي عاقدوني، سميت المعاهدة على الإسلام بالمبايعة تشبيهاً لنيل الثواب في مقابلة الطاعة بعقد البيع الذي هو مقابلة مال، ووجه المفاعلة أن كلاً من المتبايعين يصير كأنه باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خالصة نفسه وطاعته كما في قوله تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} [9: 111] . (لا تشركوا بالله شيئاً) مفعول به أو مفعول مطلق (ولا تسرقوا) من سرق بالفتح يسرق بالكسر سرقاً، وهو أخذ مال الغير محرزاً بخفية (ولا تقتلوا أولادكم) خص القتل بالأولاد لأنه قتل وقطيعة رحم، فالعناية بالنهي عنه

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 75)

ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به في الدنيا
ــ
آكد ولأنه كان شائعاً فيهم، هو وأد البنات خوف لحوق عيب وعار، وقتل البنين خشية إملاق وإقتار، أو خصهم بالذكر لأنهم بصدد أن لا يدفعوا عن أنفسهم (ولا تأتون ببهتان) الباء للتعدية والبهتان - بالضم - الكذب الذي يبهت سامعه أي يدهشه لفظاعته (تفترونه) أي تخلقونه، صفة بهتان (بين أيديكم وأرجلكم) أصل هذا كان في بيعة النساء، وكنى بذلك عن نسبة المرأة الولد الذي تزني به أو تلتقطه إلى زوجها كذباً؛ لأن بطنها الذي يحمله بين يديها وفرجها الذي تلد منه بين رجليها، ثم لما استعمل هذا اللفظ في بيعة الرجال احتيج إلى حمله على غير ما ورد فيه أولاً، فقيل معناه: لا تأتوا ببهتان من قبل أنفسكم ومن عند ذواتكم، فاليد والرجل كنايتان عن الذات؛ لأن معظم الأفعال يقع بهما، وقد يعاقب الرجل بجناية قولية، فيقال له: هذا بما كسبت يداك. أو معناه: لا تنسبوا مبنياً على ظن فاسد وغش مبطن من ضمائركم وقلوبكم التي بين أيديكم وأرجلكم، فالأول كناية عن إلقاء البهتان من تلقاء أنفسهم، والثاني: عن إنشاء البهتان من دخيلة قلوبهم مبنياً على الغش المبطن. وقيل معناه: لا تبهتوا الناس بالعيوب كفاحاً مواجهة، كما يقال: فعلت هذا بين يديك أي بحضرتك، وأراد هاهنا الأيدي، وذكر الأرجل تأكيداً له (ولا تعصوا) بضم الصاد، وفي رواية للبخاري: ((ولا تعصوني)) وهو مطابق للآية، (في معروف) قال في النهاية: هو اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله تعالى والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه من المحسنات والمقبحات – انتهى. ونبه بذلك على أن طاعة المخلوق إنما تجب فيما كان غير معصية لله، فهي جديرة بغاية التوقي في معصية الله (فمن وفى) أي ثبت على ما بايع عليه بتخفيف الفاء وتشديدها وهما بمعنى (فأجره على الله) قال الحافظ: أطلق هذا على سبيل التفخيم لأنه لما ذكر المبايعة المقتضية لوجود العوضين أثبت ذكر الأجر في موضع أحدهما، وأفصح في رواية الصنابحي عن عبادة في هذا الحديث في الصحيحين بتعيين العوض فقال: بالجنة، وعبر هنا بلفظ على للمبالغة في تحقيق وقوعه كالواجبات. فإن قيل: لم اقتصر على المنهيات ولم يذكر المأمورات؟ فالجواب: أنه لم يهملها بل ذكرها على طريق الإجمال في قوله ((ولا تعصوا)) ، إذ العصيان مخالفة الأمر، والحكمة في التنصيص على كثير من المنهيات دون المأمورات أن الكف أيسر من إنشاء الفعل؛ لأن اجتناب المفاسد مقدم على اجتلاب المصالح والتخلي عن الرذائل قبل التحلي بالفضائل، وترك سائر المنهيات لزيادة الاهتمام بالمذكورات، وفيه رد على المرجئة الذين يقولون بأن التصديق وحده كافٍ للنجاة، وأنه لا تضر المعصية مع الإيمان. (ومن أصاب من ذلك) أي من المذكور (فعوقب به) هو أعم من أن تكون العقوبة حداً أو تعزيراً، واختلفوا في أنه يعم العقوبات الشرعية ويشمل العقوبات القدرية كالمصائب والآلام والأسقام وغيرها أم لا؟ فقيل: نعم، كما في الحديث: ((لا يصيب المسلم نصب ولا هم ولا حزن حتى الشوكة يشاكها الرجل إلا كفر الله بها من خطاياه)) ، وقيل: لا، لحديث

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 76)

فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستره الله عليه فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه، فبايعناه على ذلك،
ــ
خزيمة بن ثابت عند أحمد في مسنده (ج5: ص214، 215) بإسناد حسن: ((من أصاب ذنباً أقيم عليه حد ذلك الذنب فهو كفارته)) ، فإنه صريح في أن المراد عن العقوبة المذكورة في الحديث الحدود دون المصائب، وقال الحافظ: يحتمل أن يراد أن المصائب تكفر ما لا حد فيه. (فهو) العقاب، وهذا مثل هو في قوله تعالى: {اعدلوا هو أقرب للتقوى} [5: 8] ، (كفارة له) زاد في رواية للبخاري: ((وطهور)) بفتح الطاء أن يكفر إثم ذلك ولم يعاقب به في الآخرة، قال النووي: عموم هذا الحديث مخصوص بقوله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به} [4: 48] ، فالمرتد إذا قتل على الردة لا يكون القتل له كفارة – انتهى. ويستفاد من الحديث أن إقامة الحد كفارة للذنب ولو لم يتب المحدود، وهو قول الجمهور، وقيل: لا بد من التوبة، وبذلك جزم بعض التابعين، وهو قول للمعتزلة، ووافقهم ابن حزم، ومن المفسرين البغوي وطائفة يسيرة – انتهى. قلت: الأول قول مجاهد وزيد بن أسلم والثوري والإمام أحمد، ورجحه ابن جرير وضعف القول بخلاف ذلك ووهنه جداً، قال الحافظ في الفتح: واستدل البغوي ومن وافقه باستثناء من تاب في قوله تعالى: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} [5: 34] ، قال: والجواب في ذلك أنه في عقوبة الدنيا ولذلك قيدت بالقدرة عليه. انتهى. (ثم ستره الله) أي ذلك الشيء المصاب (فهو إلى الله) أي أمره وحكمه من العفو العقاب مفوض إليه فلا يجب عليه عقاب عاص كما لا يجب عليه ثواب مطيع على المذهب الحق، وفيه رد على الخوارج الذين يكفرون بالذنوب، ورد على المعتزلة الذين يوجبون تعذيب الفاسق إذا مات بلا توبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأنه تحت المشيئة، ولم يقل: لا بد أن يعذبه (إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه) يشمل من تاب من ذلك ومن لم يتب، وقال بذلك طائفة، وذهب الجمهور إلى أن من تاب لا يبقى عليه مؤاخذة ومع ذلك فلا يأمن مكر الله؛ لأنه لا إطلاع له هل قبلت توبته أو لا، وقيل: يفرق بين ما يجب فيه الحد وما لا يجب، كذا في الفتح. اعلم أنه ذهب أكثر العلماء ومنهم الشافعية إلى أن الحدود كفارات وسواتر، واستدلوا بحديث عبادة هذا، وهو صريح في ذلك، ويؤيده ما رواه غير واحد من الصحابة منهم علي بن أبي طالب، أخرج حديثه أحمد والترمذي في الإيمان وحسنه وابن ماجه والحاكم وصححه، ومنهم أبوتميمة الجهيمي أخرجه حديثه الطبراني بإسناد حسن، ومنهم خزيمة بن ثابت أخرج حديثه أحمد، وقد تقدم لفظه، ومنهم ابن عمر وأخرج حديثه الطبراني مرفوعاً، واختلفت الحنفية فيه، فقال أبولحسن الطالقاني الحنفي كما في طبقات الشافعية وأبوبكر الكاساني صاحب البدائع: إن الحدود كفارات، وصرح صاحب الدر المختار بأنها ليست بكفارة بل هي روادع وزواجر فقط. واستدل له بقوله تعالى: {ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم} [5: 33] في آية المحاربة، فإنه يدل على أنه يعذبون في الآخرة بعد إقامة الحد عليهم في

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 77)