ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، ويفتح الشام فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون، ويفتح العراق فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون ". متفق عليه.
ــ
ويؤيده رواية ابن خزيمة من طريق أبي معاوية عن هشام في هذا الحديث بلفظ ((تفتح الشام فيخرج الناس من المدينة إليها يبسون والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون)) . ويوضح ذلك ما رواه أحمد من حديث جابر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ليأتين على أهل المدينة زمان ينطلق الناس منها إلى الأرياف يلتمسون الرخاء فيجدون رخاء ثم يأتون فيتحملون بأهليهم إلى الرخاء والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ". وفي إسناده ابن لهيعة ولا بأس به في المتابعات وهو يوضح ما قلناه – انتهى. (ومن أطاعهم) عطف على أهليهم أي انقاد لهم من الأجانب في السفر معهم إلى اليمن (والمدينة) أي والحال أن المدينة (خير لهم) أي من اليمن لأنها حرم الرسول صلى الله عليه وسلم ومهبط الوحي ومنزل البركات الدنيوية والأخروية، وقيل لأنها لا يدخلها الدجال ولا الطاعون، وقيل لأن الفتن فيها دونها في غيرها، وقيل لفضل مسجدها والصلاة فيه ومجاورة القبر الشريف (لو كانوا يعلمون) أي بما فيها من الفضائل والخيرات والفوائد الدينية والدنيوية لما فارقوها ولما اختاروا عليها غيرها من البلاد، قال الشيخ سلام الله الدهولي في المحلى: أو المعنى لو كانوا علماء يعلمون أن إقامتهم بالمدينة أولى فعلى الأول مفعول العلم محذوف وعلى الثاني هو منزل منزلة اللازم. قال الحافظ: ويحتمل أن تكون لو بمعنى ليت فلا يحتاج إلى تقدير وعلى الوجهين ففيه تجهيل لمن فارقها وآثر غيرها (ويفتح) بالوجهين وفي رواية ابن جريج عن هشام عند مسلم ثم يفتح (الشام) سمي بذلك لأنه عن شمال الكعبة، وأنكر ياقوت الحموي تسميتها بأنها شامة القبلة، قال: هذا فاسد لأن القبلة لا يمين لها ولا شامة ثم بسط الأقوال في وجه تسميتها. (ويفتح) بالوجهين، وقال القاري بالتذكير فقط، وفي رواية ابن جريج ((ثم يفتح)) (العراق)) قال ابن الأعرابي: سمي بذلك لأنه سفل عن نجد ودنا من البحر أخذ من عراق القربة وهو الخرز الذي في أسفلها. وقال الخليل: العراق شاطئ البحر سمي بذلك لأنه على شاطئ دجلة والفرات مدًا حتى يتصل بالبحر على طوله، قال: وهو مشبه بعراق القربة كذا في معجم البلدان (فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم) من الناس راحالين إلى العراق مسرعين (والمدينة خير لهم) من العراق (لو كانوا يعلمون) ذلك، والواو في قوله ((والمدينة)) في الثلاثة للحال (متفق عليه) أخرجاه في أواخر الحج وأخرجه أيضًا أحمد (ج 5: ص 219، 220) ومالك في الجامع والنسائي في الحج، وروى أحمد قصة في أوله من طريق بسر بن سعيد أنه سمع في مجلس الليثيين يذكرون أن سفيان بن أبي زهير أخبرهم أن فرسه أعيت بالعقيق وهو في
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 528)
2762 – (10) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أمرت بقرية تأكل القرى
ــ
بعث بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع إليه يستحمله فخرج معه يبتغي له بعيرًا فلم يجد إلا عند أبي جهم بن حذيفة العدوي فسامه له فقال له أبو جهم: لا أبيعكه يا رسول الله ولكن خذه فاحمل عليه من شئت، فزعم أنه أخذه منه ثم خرج حتى إذا بلغ بئر إهاب قال: " يوشك البنيان أن يأتي هذا المكان ويوشك الشام أن يفتح فيأتي رجال من أهل هذا البلد فيعجبهم ريعه ورخاؤه والمدينة خير لهم.. " – الحديث.
2762- قوله (أمرت) بضم الهمزة على بناء المجهول أي أمرني ربي (بقرية) أي بالهجرة إلى قرية والنزول فيها أو بالمقام في قرية واستيطانها. قال الحافظ: أي أمرني ربي بالهجرة إليها أو سكناها، فالأول محمول على أنه قاله بمكة والثاني على أنه قاله بالمدينة – انتهى. وفيه أنه لا مانع من حمله على الشق الأول أيضًا على أنه قال ذلك بالمدينة حكاية للأمر السابق الذي وقع بمكة (تأكل القرى) بضم القاف جمع قرية أي تغلبها وتظهر عليها، والمعنى أن أهلها تغلب على أهل سائر البلاد فتفتح منها فكنى بالأكل عن الغلبة لأن الآكل غالب على المأكول، وقال التوربشتي: الأصل في الأكل للشيء الإفناء له ثم استعير لافتتاح البلاد وسلب الأموال فكأنه قال: يأكل أهلها القرى وأضاف الأكل إليها لأن أموال تلك البلاد تجمع إليها فيفنى فيها. ووقع في موطأ ابن وهب ((قلت لمالك: ما تأكل القرى؟ قال: تفتح القرى لأن من المدينة افتتحت القرى كلها بالإسلام)) وبسطه ابن بطال فقال: معناه يفتح أهلها القرى فيأكلون أموالهم ويسبون ذراريهم. قال: وهذا من فصيح الكلام، تقول العرب: أكلنا بلد كذا إذا ظهروا عليها. وسبقه الخطابي إلى معنى ذلك أيضًا، وقال النووي: ذكروا في معناه وجهين أحدهما هذا، والآخر أن أكلها وميرتها تكون من القرى المفتتحة وإليها تساق غنائمها، وقال ابن المنير في الحاشية: يحتمل أن يكون المراد بأكلها القرى غلبة فضلها على فضل غيرها، ومعناه أن الفضائل تضمحل في جنب عظيم فضلها حتى تكون عدمًا، قال الحافظ: والذي ذكره احتمالاً ذكره القاضي عبد الوهاب فقال: لا معنى لقوله ((تأكل القرى)) إلا رجوح فضلها عليها وزيادتها على غيرها كذا قال، ودعوى الحصر مردودة لما مضى، ثم قال ابن المنير: وقد سميت مكة أم القرى لكن المذكور للمدينة أبلغ من الأمومة لأن الأمومة لا تمحى إذا وجدت ما هي له أم لكن يكون حق الأم أظهر، قال الزرقاني: وفي الحديث تفضيل المدينة على مكة، وقال الحافظ: استدل بالحديث على أن المدينة أفضل البلاد، قال المهلب: لأن المدينة هي التي أدخلت مكة وغيرها من القرى في الإسلام فصار الجميع في صحائف أهلها وأجيب بأن أهل المدينة الذين افتتحوا مكة معظمهم من أهل مكة فالفضل ثابت للفريقين، ولا يلزم من ذلك تفضل إحدى البقعتين. قال ابن حزم: لو فتحت بلد من بلد فثبت بذلك الفضل للأولى للزم أن تكون البصرة أفضل من خراسان وسجستان وغيرهما مما فتح من
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 529)
يقولون: يثرب وهي المدينة تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد ".
ــ
جهة البصرة وليس كذلك (يقولون) أي يسمونها (يثرب) بفتح المثناة التحتية وسكون المثلثة وكسر الراء المهملة أي إن بعض الناس من المنافقين وغيرهم يسميها يثرب، ذكر أبو إسحاق الزجاج في مختصره وأبو عبيد البكري في معجم ما استعجم أنها سميت يثرب باسم يثرب بن قانية من ولد إرم بن سام بن نوح لأنه أول من سكنها بعد العرب، وقيل: هو اسم كان لموضع منها سميت به كلها، وقيل سميت باسم واحد من العمالقة نزلها، قاله الزرقاني (وهي المدينة) يعني والحال أن اسمها الذي يليق بها المدينة وفهم بعض العلماء من هذا كراهة تسمية المدينة يثرب وقالوا: ما وقع في القرآن إنما هو حكاية عن قول غير المؤمنين، وروى أحمد (ج 4: ص 285) من حديث البراء بن عازب رفعه ((من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله، هي طابة هي طابة)) وروى عمر بن شبة من حديث أبي أيوب ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يقال للمدينة يثرب)) ولهذا قال عيسى بن دينار من المالكية: من سمى المدينة يثرب كتبت عليه خطيئة. قال: وسبب هذه الكراهة أن يثرب إما من التثريب الذي هو التوبيخ والملامة أو من الثرب وهو الفساد وكلاهما مستقبح وكان صلى الله عليه وسلم يحب الاسم الحسن ويكره الاسم القبيح، كذا في الفتح. قال النووي: وأما تسميتها في القرآن يثرب فإنما هو حكاية عن قول المنافقين والذين في قلوبهم مرض – انتهى. وحكى الباجي عن عيسى بن دينار أنه قال: إنما القرآن على ما يعرف الناس انتهى. قال الزرقاني: وأجيب عن حديث الصحيحين ((فإذا هي يثرب)) وفي رواية ((لا أراها إلا يثرب)) بأنه كان قبل النهي – انتهى. ويمكن أن يقال أنه صلى الله عليه وسلم ذكرها بالاسم المعروف فيما بين الناس ليعرفوه، وقال البخاري في باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة: وقال أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر فإذا هي المدينة يثرب. قال الحافظ: كان ذلك قبل أن يسميها صلى الله عليه وسلم طيبة – انتهى. أي لأن الرؤيا المذكورة كانت قبل الهجرة أو في ابتدائها ووقع تغيير الأسماء بعد ذلك بكثير (تنفي) بفتح الفوقية وسكون النون وكسر الفاء (الناس) أي الخبيث الردئ منهم يدل عليه التشبيه بقوله (كما ينفي الكير) بكسر الكاف وإسكان التحتية وفيه لغة أخرى ((كور)) بضم الكاف والمشهور بين الناس أنه الزق الذي ينفخ فيه لكن أكثر أهل اللغة على أن المراد بالكير حانوت الحداد والصائغ (أي ما يبنيه من الطين) قال ابن التين: وقيل الكير هو الزق، والحانوت هو الكور، كذا في الفتح. وقال أبو عمر: الكير هو موضع نار الحداد والصائغ وليس الجلد الذي تسميه العامة كيرًا، هكذا قال علماء اللغة (خبث الحديد) بفتح الخاء المعجمة والموحدة بعدها مثلثة والنصب على المفعولية أي وسخه الذي تخرجه النار، والمراد أنها لا تترك فيها من في قلبه دغل بل تميزه عن القلوب الصادقة وتخرجه كما يميز الحداد رديء الحديد من جيده، ونسب التمييز للكير لكونه السبب الأكبر في اشتعال النار التي يقع التمييز بها، قال التوربشتي:
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 530)
متفق عليه.
ــ
وهذا القول صدر منه صلى الله عليه وسلم على وجه التمثيل فجعل مثل المدينة وما يصيب ساكنيه من الجهد والبلاء كمثل الكير وما يوقد عليه في النار فيميز به الخبيث من الطيب فيذهب الخبيث ويبقى الطيب فيه أزكى ما كان وأخلص وكذلك المدينة تنفي شرارها بالحمى والوصب والجوع وتطهر خيارهم وتزكيهم، قال عياض: هذا مختص بزمن النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لم يكن يصبر على الهجرة والمقام معه بها إلا من ثبت إيمانه وأما المنافقون وجهلة الأعراب فلا يصبرون على شدة المدينة ولا يحتسبون الأجر في ذلك، وقال النووي: ليس هذا بظاهر لأن عند مسلم ((لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد)) وهذا والله أعلم في زمن الدجال كما جاء في الحديث الصحيح الذي ذكره مسلم في أواخر الكتاب في أحاديث الدجال أنه يقصد المدينة فترجف ثلاث رجفات يخرج الله منها كل كافر ومنافق، قال: فيحتمل أنه مختص بزمن الدجال ويحتمل أنه في أزمان متفرقة – انتهى. قال الحافظ: ويحتمل أن يكون المراد كلاً من الزمنين أي زمن النبي صلى الله عليه وسلم وزمن الدجال وكان الأمر في حياته صلى الله عليه وسلم كذلك للسبب المذكور ويؤيده قصة الأعرابي الآتية فإنه صلى الله عليه وسلم ذكره معللاً به خروج الأعرابي وسؤاله الإقالة عن البيعة ثم يكون ذلك أيضًا في آخر الزمان عند ما ينزل بها الدجال فترجف بأهلها فلا يبقى منافق ولا كافر إلا خرج إليه، وأما ما بين ذلك فلا – انتهى. واستدل بالحديث على أن المدينة أفضل البلاد لأنها تنفي الخبث، قال الحافظ: وأجيب عن ذلك بأن هذا إنما هو في خاص من الناس ومن الزمان بدليل قوله تعالى: {ومن أهل المدينة مردوا على النفاق} (سورة التوبة: الآية 102) والمنافق خبيث بلا شك، وقد خرج من المدينة بعد النبي صلى الله عليه وسلم معاذ وأبو عبيدة وابن مسعود وطائفة ثم علي وطلحة والزبير وعمار وآخرون وهم من أطيب الخلق فدل على أن المراد بالحديث تخصيص ناس دون الناس ووقت دون وقت، وقال في موضع آخر: قال ابن بطال: فيه تفضيل المدينة على غيرها بما خصها الله تعالى من أنها تنفي الخبث ورتب على ذلك القول بحجية إجماع أهل المدينة، وتعقب بقول ابن عبد البر أن الحديث دال على فضل المدينة لكن ليس الوصف المذكور لها عامًا في جميع الأزمنة بل هو خاص بزمن النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لم يكن يخرج منها رغبة عن الإقامة معه إلا من لا خير فيه، وقال عياض ونحوه، وأيده بحديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم: لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الفضة. قال: والنار إنما تخرج الخبث والرديء وقد خرج من المدينة بعد النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من خيار الصحابة وقطنوا غيرها وماتوا خارجها فذكر المذكورين وزاد فيهم أبا موسى وأبا ذر وحذيفة وعبادة بن الصامت وأبا الدرداء وغيرهم، قال: فدل على أن ذلك خاص بزمنه صلى الله عليه وسلم بالقيد المذكور ثم يقع تمام إخراج الرديء منها في زمن الدجال، وورد فيه " فلا يبقى منافق ولا منافقة إلا خرج إليه " فذلك يوم الخلاص – انتهى. (متفق عليه) أخرجاه في
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 531)
2763 – (11) وعن جابر بن سمرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الله سمى المدينة طابة ". رواه مسلم.
2764 – (12) وعن جابر بن عبد الله، أن أعرابيًا بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم
ــ
أواخر الحج، وأخرجه أيضًا أحمد (ج 2: ص 237، 247) ومالك في الجامع والنسائي.
2763 – قوله (إن الله سمى المدينة طابة) أي إن الله سماها في اللوح المحفوظ أو في التوراة أو أمر نبيه أن يسميها بها ردًا على المنافقين في تسميتها بيثرب، وطابة بتخفيف الموحدة كشامة تأنيث طاب وأصلها طيبة، قلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، قال النووي: فيه استحباب تسميتها طابة وليس فيها أنها لا تسمى بغيرها، فقد سماها الله تعالى المدينة في مواضع من القرآن وسماها النبي صلى الله عليه وسلم طيبة في حديث زيد بن ثابت عند مسلم – انتهى. وروى البخاري من حديث أبي حميد الساعدي قال: أقبلنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك حتى أشرفنا على المدينة فقال هذه طابة. قال الحافظ: وفي بعض طرقه طيبة، وللمدينة أسماء غير ما ذكر. منها المطيبة، كما روى عمر بن شبة في أخبار المدينة من رواية زيد بن أسلم قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: للمدينة عشرة أسماء، هي المدينة وطابة وطيبة والمطيبة، إلخ. وهذه الثلاثة أي طابة وطيبة بتشديد المثناة التحتية وطيبة بسكونها كهيبة وشيبة مع المطيبة أخوات لفظًا ومعنى مختلفات صيغة ومبنى. قال السمهودي: تسميتها بهذه الأسماء إما من الطيب بتشديد المثناة وهو الطاهر لطهارتها من أدناس الشرك أو لموافقتها من قوله تعالى {بريح طيبة} (سورة يونس: الآية 23) أو لحلول الطيب بها صلى الله عليه وسلم أو لكونها كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها، وإما من الطيب بكسر الطاء وسكون المثناة لطيب أمورها كلها وطيب رائحتها ووجود ريح الطيب بها. قال ابن بطال: من سكنها يجد من تربتها وحيطانها رائحة حسنة. وقال الأشبيلي: لتربة المدينة نفحة ليس طيبها كما عهد من الطيب بل عجب من الأعاجيب. وقال الحافظ: الطاب والطيب لغتان بمعنى، واشتقاقهما من الشيء الطيب، وقيل لطهارة تربتها، وقيل لطيبها لساكنها، وقيل من طيب العيش بها، وقال بعض أهل العلم: وفي طيب ترابها وهوائها دليل شاهد على صحة هذه التسمية لأن من أقام بها يجد من تربها وحيطانها رائحة طيبة لا تكاد توجد في غيرها (رواه مسلم) في أواخر الحج، وأخرجه أيضًا أحمد (ج 5: ص 94، 96، 97، 102، 108) والنسائي.
2764 – قوله (أن أعرابيًا) قال الحافظ: لم أقف على اسمه إلا أن الزمخشري ذكر في ربيع الأبرار أنه قيس بن أبي حازم وهو مشكل لأنه تابعي كبير مشهور صرحوا بأنه هاجر فوجد النبي صلى الله عليه وسلم قد مات فإن كان محفوظًا فلعله آخر وافق اسمه واسم أبيه، وفي الذيل لأبي موسى في الصحابة قيس بن أبي حازم المنقري فيحتمل أن يكون هو هذا قال الزرقاني: أي يزيد في اسم أبيه أداة الكنية سهوًا أو غلطًا (بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم) من المبايعة وهي عبارة عن المعاقدة
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 532)
فأصاب الأعرابي وعك بالمدينة فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد! أقلني بيعتي، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جاءه فقال: أقلني بيعتي فأبى، ثم جاءه فقال: أقلني بيعتي فأبى، فخرج الأعرابي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنما المدينة كالكير تنفي خبثها
ــ
على الإسلام والمعاهدة كائن كل واحد منهما باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خلاصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره، وزاد في رواية البخاري ((على الإسلام)) (فأصاب الأعرابي وعك) بفتح الواو وسكون المهملة وقد تفتح بعدها كاف الحمى، وقيل المها، وقيل إرعادها. وقال الأصمعي: أصله شدة الحر، فأطلق على الحمى وشدتها، كذا في الفتح. وفي رواية للبخاري فجاء من الغد محمومًا (أقلني بيعتي) استعارة من إقالة البيع وهو إبطاله، قال القسطلاني: (أقلني بيعتي)) أي على الإسلام. وقال السمهودي: أقلني بيعتي أي انقض العهد حتى أرجع إلى وطني، وكأنه قد بايع على هجرة الإقامة، وقال الحافظ في الحج: قوله ((فبايعه على الإسلام)) إلخ. ظاهره لأنه سأل الإقالة من الإسلام، وبه جزم عياض، وقال غيره إنما استقاله من الهجرة وإلا لكان قتله على الردة، يعني أنه لم يرد الأعرابي الارتداد عن الإسلام، قال ابن بطال بدليل أنه لم يرد حل ما عقده إلا بموافقة النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، ولو أراد الردة ووقع فيها لقتله إذ ذاك ولكنه خرج عاصيًا، وقال الحافظ في الأحكام: قوله ((على الإسلام)) ظاهر في أن طلبه الإقالة كان فيما يتعلق بنفس الإسلام ويحتمل أن يكون في شيء من عوارضه كالهجرة وكانت في ذلك الوقت واجبة ووقع الوعيد على من رجع أعرابيًا بعد هجرته (فأبى) أي امتنع (رسول الله صلى الله عليه وسلم) أن يقيله، قال النووي: قال العلماء: إنما لم يقله النبي صلى الله عليه وسلم بيعته لأنه لا يجوز لمن أسلم أن يترك الإسلام ولا لمن هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم للمقام عنده أن يترك الهجرة ويذهب إلى وطنه أو غيره، قالوا: وهذا الأعرابي كان ممن هاجر وبايع النبي صلى الله عليه وسلم على المقام معه، قال القاضي: ويحتمل أن بيعة هذا الأعرابي كانت بعد فتح مكة وسقوط الهجرة إليه صلى الله عليه وسلم، وإنما بايع على الإسلام وطلب الإقالة منه فلم يقله، والصحيح الأول – انتهى كلام النووي. وقال ابن التين: إنما امتنع النبي صلى الله عليه وسلم من إقالته لأنه لا يعين على معصية، لأن البيعة في أول الأمر كانت على أن لا يخرج من المدينة إلا بإذن، فخروجه عصيان، قال: وكانت الهجرة فرضًا قبل فتح مكة على كل من أسلم ومن لم يهاجر لم يكن بينه وبين المؤمنين مولاة لقوله تعالى {والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا} (سورة الأنفال: الآية 73) فلما فتحت مكة قال صلى الله عليه وسلم: لا هجرة بعد الفتح)) ففي ها إشعار بأن مبايعة الأعرابي المذكورة كانت قبل الفتح – انتهى. (فخرج الأعرابي) أي من المدينة راجعًا إلى البدو (إنما المدينة كالكير تنفي) بفتح أوله (خبثها) بمعجمة وموحدة مفتوحتين. قال السمهودي: قوله ((تنفي خبثها)) يحتمل أن يكون بمعنى الطرد والإبعاد
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 533)
وتنصع طيبها ". متفق عليه.
ــ
لأهل الخبث وقصة الأعرابي المذكور ظاهرة فيه، وخصه ابن عبد البر بزمنه صلى الله عليه وسلم، والظاهر كما قال النووي عدم التخصيص وقد طهرها الله تعالى ممن كان بها من أرباب الأديان المخالفين لدين الإسلام وأهلك من كان بها من المنافقين وهؤلاء هم أهل الخبث الكامل ومن عداهم من أهل الخبث والذنوب قد يكون طرده وإبعاده إن استمر على ذلك بآخرة الأمر بنقل الملائكة له إلى غيرها من الأرض، ويحتمل أن يكون بمعنى طرد أهل الخبث الكامل وهم أهل الشقاء والكفر لا أهل السعادة والإسلام لأن القسم الأول ليس قابلاً للشفاعة ولا للمغفرة، وقد وعد صلى الله عليه وسلم من يموت بها بالشفاعة لهذا وجب انتفاء القسم الأول منها، ويحتمل أن يكون بمعنى تخليص النفوس من شرها وميلها إلى اللذات لما فيها من اللأواء والشدة ويؤيده رواية أنها طيبة تنفي الذنوب ويكون نفيها للذنوب على ظاهره، ويحتمل أن يكون بمعنى أنها لا يخفى حال من انطوى فيها على خبث بل تظهر طويته كما هو مشاهد بها، ويؤيده ما في غزوة أحد في الصحيح من أنه صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى أحد رجع ناس من أصحابه أي وهم المنافقون؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " المدينة كالكير … " – الحديث. ولهذا سميت بالفاضحة، قال السمهودي: والذي ظهر لي من مجموع الأحاديث واستقراء أحوال هذه البلدة الشريفة أنها تنفي خبثها بالمعاني الأربعة (وتنصع) بضم التاء على بناء الفاعل من باب التفعيل والإفعال أي تخلص (طيبها) بالنصب على المفعولية وهو بفتح الطاء وتشديد التحتية، وروي ينصع بفتح التحتية وسكون النون وفتح الصاد المهملة من النصوع وهو الخلوص أي يصفو ويخلص ويتميز، والناصع الصافي الخالص، وعلى هذا طيبها مرفوع على أنه فاعل ينصع، ومعنى الحديث أنه يخرج من المدينة من لم يخلص إيمانه، ويبقى فيها من خلص إيمانه، وقال الحافظ: والمعنى أنها إذا نفت الخبث تميز الطيب واستقر فيها. قال الأبي: فإن قيل قد استقر بها المنافقون، أجيب بأنهم انتفوا بالموت، والموت أشد النفي، وقال العيني: فإن قلت: إن المنافقين قد سكنوا المدينة وماتوا فيها ولم تنفهم، قلت: كانت المدينة دارهم أصلاً ولم يسكنوا بها بالإسلام ولا حبًا له، وإنما سكنوها لما فيها من أصل معاشهم، ولم يرد صلى الله عليه وسلم بضرب المثل إلا من عقد الإسلام راغبًا فيه ثم خبث قلبه – انتهى. قال ابن المنير: ظاهر الحديث ذم من خرج من المدينة، وهو مشكل فقد خرج منها جمع كثير من الصحابة وسكنوا غيرها من البلاد، وكذا من بعدهم من الفضلاء، والجواب أن المذموم من خرج عنها كراهة فيها ورغبة عنها كما فعل الأعرابي المذكور، وأما المشار إليهم فإنما خرجوا لمقاصد صحيحة كنشر العلم وفتح بلاد الشرك والمرابطة في الثغور وجهاد الأعداء وهم مع ذلك على اعتقاد فضل المدينة وفضل سكانها (متفق عليه) أخرجه البخاري في الحج وفي الأحكام، ومسلم في الحج، وأخرجه أيضًا أحمد (ج 3: ص 306، 307، 365) ومالك في الجامع والنسائي والترمذي في أواخر المناقب.
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 534)
2765 – (13) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد ". رواه مسلم.
2766 – (14) وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون
ــ
2765- قوله (لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة) أي تخرج (شرارها كما ينفي الكير) أي يذهب (خبث الحديد) أي وسخه، وقال الطيبي: يحتمل أن يكون ذلك في زمنه عليه الصلاة والسلام، لأن بعثته من أشراط الساعة وأن يكون حين خروج الدجال وقصده المدينة – انتهى. وقد تقدم الكلام عليه مفصلاً (رواه مسلم) في الحج، والحديث من أفراد مسلم لم يخرجه البخاري ولا أصحاب السنن.
2766- قوله (على أنقاب المدينة) طيبة، بفتح الهمزة وسكون النون جمع قلة لنَقَب، بفتح النون والقاف بعدها موحدة، ووقع في حديث أنس وأبي سعيد عند البخاري على ((نقابها)) بكسر النون جمع نقب بالسكون، وهما بمعنى. قال ابن وهب: المراد بها مداخلها وهي أبوابها وفوهات طرقها التي يدخل منها كما جاء في الحديث الآخر ((على كل باب منها ملك، وقيل طرقها، وأصل النقب الطريق بين الجبلين، وقيل الأنقاب الطرق التي يسكنها الناس (ملائكة) يحرسونها (لا يدخلها) قال الطيبي: جملة مستأنفة بيان لموجب استقرار الملائكة على الأنقاب (الطاعون) قال الحافظ في ((باب ما يذكر في الطاعون)) من كتاب الطب: بوزن فاعول، عدلوا به عن أصله ووضعوه دالاً على الموت العام كالوباء، ويقال طعن فهو مطعون وطعين إذا أصابه الطاعون، وإذا أصابه الطعن بالرمح فهو مطعون، هذا كلام الجوهري. وقال صاحب النهاية: الطاعون المرض العام الذي يفسد له الهواء وتفسد به الأمزجة والأبدان. وقال ابن العربي: الطاعون الوجع الغالب الذي يطفئ الروح كالذبحة، وسمي بذلك لعموم مصابه وسرعة قتله. وقال الداودي: الطاعون حبة تخرج من الأرقاع، وفي كل طي من الجسد، والصحيح أنه الوباء. وقال ابن عبد البر: الطاعون غدة تخرج في المراق والآباط، وقد تخرج في الأيدي والأصابع وحيث شاء الله، وقال النووي في الروضة: قبل الطاعون انصباب الدم إلى عضو، وقال آخرون: وهو هيجان الدم وانتفاخه. وقال النووي أيضًا في تهذيبه: هو بثر وورم مؤلم جدًا يخرج مع لهب ويسود ما حواليه أو يخضر أو يحمر حمرة شديدة بنفسجية كدرة ويحصل معه خفقان وقيء ويخرج غالبًا في المراق والآباط وقد يخرج في الأيدي والأصابع وسائر الجسد. وقال جماعة من الأطباء منهم أبو علي بن سيناء: الطاعون مادة سمية تحدث ورمًا قتالاً يحدث في المواضع الرخوة والمغابن من البدن، وأغلب ما تكون تحت الإبط أو خلف الأذن أو عند الأرنبة. قال: وسببه دم رديء مائل إلى العفونة والفساد يستحيل إلى جوهر سمي يفسد العضو ويغير ما يليه، ويؤدي إلى القلب كيفية رديئة فيحدث القيء والغثيان والغشي والخفقان وهو لرداءته لا يقبل من
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 535)
...................................................................................
ــ
الأعضاء إلا ما كان أضعف بالطبع وأودؤه ما يقع في الأعضاء الرئيسية، والأسود منه قل من يسلم منه، وأسلمه الأحمر ثم الأصفر والطواعين تكثر عند الوباء في البلاد الوبئة، ومن ثم أطلق على الطاعون وباء، وذكر الحافظ أقوالاً أخرى، ثم قال: هذا ما بلغنا من كلام أهل اللغة وأهل الفقه والأطباء في تعريفه، والحاصل أن حقيقته ورم ينشأ عن هيجان الدم أو انصباب الدم إلى عضو فيفسده، وأن غير ذلك من الأمراض العامة الناشئة عن فساد الهواء يسمى طاعونًا بطريق المجاز لاشتراكهما في عموم المرض أو كثرة الموت، والدليل على أن الطاعون غير الوباء حديث ((أن الطاعون لا يدخل المدينة)) . وقد ورد في حديث عائشة: قدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله. وفيه قول بلال ((أخرجونا إلى أرض الوباء)) ، وغير ذلك من الأحاديث الدالة على أن الوباء كان موجودًا بالمدينة، وقد صرح في الحديث بأن الطاعون لا يدخلها، فدل على أن الوباء غير الطاعون وأن من أطلق على كل وباء طاعونًا فبطريق المجاز، قال: والذي يفترق به الطاعون من الوباء أصل الطاعون الذي لم يتعرض له الأطباء ولا أكثر من تكلم في تعريف الطاعون وهو كونه من طعن الجن، ولا يخالف ذلك ما قال الأطباء من كون الطاعون ينشأ عن هيجان الدم أو انصبابه لأنه يجوز أن يكون ذلك يحدث عن الطعنة الباطنة فتحدث منها المادة السمية ويهيج الدم بسببها أو ينصب، وإنما لم يتعرض الأطباء لكونه من طعن الجن لأنه أمر لا يدرك العقل، وإنما يعرف من الشارع فتكلموا في ذلك على أن ما اقتضته قواعدهم. وقال الكلاباذي في معاني الأخباء: يحتمل أن يكون الطاعون على قسمين: قسم يحصل من غلبة بعض الأخلاط من دم أو صفراء محترقة أو غير ذلك، وقسم يكون من وخز الجن كما تقع الجراحات من القروح التي تخرج في البدن من غلبة بعض الأخلاط – انتهى. ومما يؤيد أن الطاعون يكون من طعن الجن وقوعه غالبًا في أعدل الفصول، وفي أصح البلاد هواء وأطيبها ماء، ولأنه لو كان بسبب فساد الهواء لدم في الأرض، لأن الهواء يفسد تارة ويصح أخرى، وهذا يذهب أحيانًا ويجيء أحيانًا على غير قياس ولا تجربة فربما جاء سنة على سنة، وربما أبطأ سنين، وبأنه لو كان كذلك لعم الناس والحيوان والموجود بالمشاهدة أنه يصيب الكثير ولا يصيب من هم بجانبهم مما هو في مثل مزاجهم، ولو كان كذلك لعم جميع البدن، وهذا يختص بموضع من الجسد ولا يتجاوزه، ولأن فساد الهواء يقتضي تغير الأخلاط وكثرة الأسقام، وهذا في الغالب يقتل بلا مرض، فدل على أنه من طعن الجن كما ثبت في الأحاديث الواردة منها حديث أبي موسى رفعه: " فناء أمتي بالطعن والطاعون "، قيل: يا رسول الله هذا الطعن قد عرفناه فما الطاعون؟ قال: " وخز أعداءكم من الجن وفي كل شهادة ". أخرجه أحمد من رواية زياد بن علا ة عن رجل عن أبي موسى. وفي رواية له عن زياد حدثه رجل من قومي قال: كنا على باب عثمان ننتظر الأذان فسمعت أبا موسى قال زياد: فلم أرض بقوله فسألت سيد الحي فقال: صدق. وأخرجه البزار والطبراني من وجهين آخرين عن زياد فسميا المبهم يزيد بن الحارث، وسماه أحمد في رواية
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 536)
...................................................................................
ــ
أخرى أسامة بن شريك، ولا معارضة بينه وبين من سماه يزيد بن الحارث لأنه يحمل على أن أسامة هو سيد الحي الذي أشار إليه في الرواية الأخرى واستثبته فيما حدثه به الأول وهو يزيد بن الحارث ورجاله رجال الصحيحين إلا المبهم وأسامة بن شريك صحابي مشهور، والذي سماه وهو أبو بكر النهشلي من رجال مسلم؛ فالحديث صحيح بهذا الاعتبار، وقد صححه ابن خزيمة والحاكم وأخرجاه، وأحمد والطبراني من وجه آخر عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري، قال: سألت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " هو وخز أعداءكم من الجن وهو لكم شهادة ". ثم ذكر الحافظ للحديث طريقين أخريين وشاهدين من حديث عائشة وحديث ابن عمر وضعفهما ثم قال: والعمدة في هذا الباب على حديث أبي موسى فإنه يحكم له بالصحة لتعدد طرقه إليه. ثم قال: قال العلماء: أراد صلى الله عليه وسلم أن يحصل لأمته أرفع أنواع الشهادة وهو القتل في سبيل الله بأيدي أعدائهم إما من الإنس وإما من الجن. وقوله ((وخز)) بفتح أوله وسكون المعجمة بعدها زاي، قال أهل اللغة: هو الطعن إذا كان غير نافذ، ووصف طعن الجن بأنه وخز لأنه يقع من الباطن إلى الظاهر فيؤثر في الباطن أولاً ثم يؤثر في الظاهر وقد لا ينفذ، وهذا بخلاف طعن الإنس فإنه يقع من الظاهر إلى الباطن فيؤثر في الظاهر أولاً ثم يؤثر في الباطن وقد لا ينفذ. تنبيه: يقع في الألسنة وهو في النهاية لابن الأثير بلفظ ((وخز إخوانكم من الجن)) ولم أره بلفظ إخوانكم بعد التتبع الطويل البالغ في شيء من طريق الحديث المسندة لا في الكتب المشهور ولا الأجزاء المنثورة وقد عزاه بعضهم لمسند أحمد والطبراني وكتاب الطواعين لابن أبي الدنيا ولا وجود لذلك في واحد منها، كذا في الفتح، قال الزرقاني: فإن قيل: إذا كان الطعن من الجن فكيف يقع في رمضان والشياطين تصفد فيه وتسلسل؟ أجيب باحتمال أنهم يطعنون قبل دخول رمضان ولا يظهر التأثير إلا بعد دخوله، وقيل غير ذلك، ويمكن أن يقال أن المصفد بعض الشياطين كما وقع في بعض الروايات وهم المردة لا كلهم فإن تصفيد الشياطين لا يستلزم تصفيد الجان كلهم، وقد استشكل عدم دخول الطاعون المدينة مع كون الطاعون شهادة، وكيف قرن بالدجال ومدحت المدينة بعدم دخولهما؟ قال الحافظ: والجواب أن كون الطاعون شهادة ليس المراد بوصفه بذلك ذاته وإنما المراد أن ذلك يترتب عليه وينشأ عنه لكونه سببه فإذا استحضر ما تقدم من أنه طعن الجن حسن مدح المدينة بعدم دخوله إياها، فإن فيه إشارة إلى أن كفار الجن وشياطينهم ممنوعون من دخول المدينة، ومن اتفق دخوله إليها لا يتمكن من طعن أحد منهم. فإن قيل طعن الجن لا يختص بكفارهم بل قد يقع من مؤمنيهم، قلنا: دخول كفار الإنس المدينة ممنوع، فإذا لم يسكن المدينة إلا من يظهر الإسلام جرت عليه أحكام المسلمين ولو لم يكن خالص الإسلام فحصل الأمن من وصول الجن إلى طعنهم بذلك، فلذلك لم يدخلها الطاعون أصلاً. وقد أجاب القرطبي في المفهم
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 537)
...................................................................................
ــ
عن ذلك فقال: المعنى لا يدخلها من الطاعون مثل الذي وقع في غيرها كطاعون عمواس والجارف. وهذا الذي قاله يقتضى تسليم أنه دخلها في الجملة، وليس كذلك فقد جزم ابن قتيبة في المعارف وتبعه جمع جم من آخرهم الشيخ محيي الدين النووي في الأذكار بأن الطاعون لم يدخل المدينة أصلاً ولا مكة أيضًا لكن نقل جماعة أنه دخل مكة في الطاعون العام الذي كان في سنة تسع وأربعين وسبعمائة بخلاف المدينة فلم يذكر أحد قط أنه وقع بها الطاعون أصلاً. ولعل القرطبي بنى على أن الطاعون أعم من الوباء أو أنه هو، وإنه الذي ينشأ عن الفساد الهواء فيقع به الموت الكثير، وقد مضى في الجنائز من صحيح البخاري قول أبي الأسود: قدمت المدينة وهم يموتون بها موتاً ذريعاً، فهذا وقع بالمدينة وهو وباءً بلا شك، ولكن الشأن في تسميته طاعونًا، والحق أن المراد بالطاعون في هذا الحديث المنفي دخوله المدينة الذي ينشأ عن طعن الجن فيهيج بذلك الطعن الدم في البدن فيقتل، فهذا لم يدخل المدينة قط، فلم يتضح جواب القرطبي، وأجاب غيره بأن سبب الترجمة لم ينحصر في الطاعون وقد قال صلى الله عليه وسلم: ولكن عافيتك أوسع لي. فكان منع دخول الطاعون المدينة من خصائص المدينة ولوازم دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لها بالصحة وقال آخر: هذا من المعجزات المحمدية لأن الأطباء من أولهم إلى آخرهم عجزوا أن يدفعوا الطاعون عن بلد بل عن قرية، وقد امتنع الطاعون عن المدينة هذه الدهور الطويلة. قلت (قائله الحافظ) : هو كلام صحيح ولكن ليس هو جواباً عن الإشكال. ومن الأجوبة أنه صلى الله عليه وسلم عوضهم عن الطاعون بالحمى لأن الطاعون يأتي مرة بعد مرة والحمى تتكرر في كل حين فيتعادلان في الأجر ويتم المراد من عدم دخول الطاعون لبعض ما تقدم من الأسباب، ويظهر لي جواب آخر بعد استحضار الحديث الذي أخرجه أحمد من رواية أبي عسيب – بمهملتين آخره موحدة وزن عظيم – رفعه: أتاني جبريل بالحمى والطاعون فأمسكت الحمى بالمدينة وأرسلت الطاعون إلى الشام. وهو أن الحكمة في ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لما دخل المدينة كان في قلة من أصحابه عددًا ومددًا وكانت المدينة وبئة كما سبق من حديث عائشة ثم خير النبي صلى الله عليه وسلم في أمرين يحصل بكل منهم الأجر الجزيل فاختار الحمى حينئذ لقلة الموت بها غالبًا بخلاف الطاعون، ثم لما احتاج إلى جهاد الكفار وأذن له في القتال كانت قضية استمرار الحمى بالمدينة أن تضعف أجساد الذين يحتاجون إلى التقوية لأجل الجهاد فدعا بنقل الحمى من المدينة إلى الجحفة فعادت المدينة أصح بلاد الله بعد أن كانت بخلاف ذلك، ثم كانوا من حينئذ من فاتته الشهادة بالطاعون ربما حصلت له بالقتل في سبيل الله، ومن فاته ذلك حصلت له الحمى التي هي حظ المؤمن من النار، ثم استمر ذلك بالمدينة تمييزًا لها عن غيرها لتحقيق إجابة دعوته وظهور هذه المعجزة العظيمة بتصديق خبره هذه المده المتطاولة، والله أعلم – انتهى. وارجع إلى وفاء الوفاء للسمهودي (ص 64 – 67) فإنه قد بسط الكلام على ذلك وأحسن. وقال الزرقاني: قد أمتنع الطاعون
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 538)
ولا الدجال ". متفق عليه.
2767 – (15) وعن أنس، قال: قال رسول الله: ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال
ــ
عن المدينة بدعائه وخبره هذه المدد المتطاولة فهو خاص بها. وجزم ابن قتيبة في المعارف والنووي في الأذكار بأن الطاعون لم يدخل مكة أيضًا معارضًا بما نقله غير واحد بأنه دخلها في سنة سبع وأربعين وسبعمائة؛ لكن في تاريخ مكة لعمر بن شبة برجال الصحيح عن أبي هريرة مرفوعًا: " المدينة ومكة محفوفتان بالملائكة على كل نقيب منها ملك فلا يدخلهما الدجال ولا الطاعون ". وحينئذ فالذي نقل أنه دخل مكة في التاريخ المذكور ليس كما ظن أو يقال أنه لا يدخلهما من الطاعون مثل الذي يقع في غيرهما كالجارف وعمواس، وفي حديث أنس عند البخاري في الفتن ((فيجد الملائكة يحرسونها يعني المدينة فلا يقربها الدجال ولا الطاعون إن شاء الله)) . وقد اختلف في هذا الاستثناء فقيل هو للتبرك فيشملهما، وقيل هو للتعليق وأنه يختص بالطاعون ومقتضاه جواز دخول الطاعون المدينة. قال الحافظ في الفتن: وكونه للتبرك هو أولى. وقال السمهودي بعد ذكر هذه الرواية: هذا يقتضي جواز دخول الطاعون المدينة ويرده الجزم في سائر الأحاديث والصواب حفظها منه كما هو المشاهد، وقيل المراد بالطاعون في هذا الحديث المنفي دخوله المدينة طاعون العذاب فتأمل (ولا الدجال) هو فعال بفتح أوله وتشديد الجيم من الدجل وهو التغطية، والمراد المسيح الأعور وسمي الكذاب دجالاً لأنه يغطي الحق بباطله، ويقال دجل البعير بالقطران إذا غطاه والإناء بالذهب إذا طلاها، وقال ابن دريد: سمي دجالاً لأنه يغطي الحق بالكذب، وقيل لضربه نواحي الأرض. وقيل: بل قيل ذلك لأنه يغطي الأرض فرجع إلى الأول. وقال القرطبي في التذكرة اختلف في تسميته دجالاً على عشر أقوال. وقال صاحب القاموس: إنه اجتمع له من الأقوال في سبب تسميته الدجال المسيح خمسون قولاً، كذا في الفتح. ويأتي مزيد الكلام على عدم دخول الدجال المدينة في شرح حديث أنس الذي يليه (متفق عليه) أخرجه البخاري في الحج وفي الطب وفي الفتن، وأخرجه أيضًا أحمد (ج 2: ص 237) ومالك في الجامع والنسائي.
2767 – قوله (ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال) أي يدوسه ويدخلها ويفسده. قال الحافظ: هو على ظاهره وعمومه عند الجمهور، وشذ ابن حزم فقال: المراد لا يدخله بعثه وجنوده، وكأنه استبعد إمكان دخول الدجال جميع البلاد لقصر مدته وغفل عما في صحيح مسلم أن بعض أيامه يكون قدر السنة. قلت: لا إشكال في طي الدجال جميع البلاد غي المدة التي ذكرت في الأحاديث ولا مجال لاستبعاده حيث اخترعت في عصرنا هذا سيارات سريعة وقطارات بخارية وكهربائية في البر وبواخر سريعة الجري في البحر وطيارات ونفاثات وصواريخ ذرية تقطع في أقصر وقت من الأبعاد والمسافات ما كان لا يتصوره الإنسان قبل ذلك، وروى الحاكم من حديث أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد رفعه
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 539)
إلا مكة والمدينة، ليس نقب من أنقابها إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها، فينزل السبخة فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات فيخرج إليه كل كافر ومنافق ".
ــ
((أنه يخرج يعني الدجال في نقص من الدنيا وخفة من الدين وسوء ذات بين فيرد كل منهل وتطوى له الأرض طي فروة الكبش حتى يأتي المدينة فيغلب على خارجها ويمنع داخلها ثم يأتي ايلياء فيحاصر عصابة من المسلمين)) فهذا فيه نوع آخر لطي الأرض (إلا مكة والمدينة) بالنصب على الاستثناء. قال الزرقاني: وعند الطبري عن ابن عمرو مرفوعًا ((إلا الكعبة وبيت المقدس)) وزاد الطحاوي ((ومسجد الطور)) وفي بعض الروايات: فلا يبقى موضع إلا ويأخذه الدجال غير مكة والمدينة وبيت المقدس وجبل الطور، فإن الملائكة تطرده عن هذه الموضع – انتهى. ونسب الحافظ حديث عبد الله بن عمرو إلى الطبراني والرواية الثانية إلى أحمد، قال: ورجاله ثقات (ليس نقب من أنقابها) أي أنقاب المدينة أو أنقاب كل واحدة منهما (إلا عليه الملائكة) أي على ذلك النقب (يحرسونها) أي يحفظون أهلها (فينزل) أي الدجال بعد أن منعته الملائكة (السبخة) بكسر الباء صفة وهي الأرض التي تعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت إلا بعض الشجر، وبفتحها اسم، وهو موضع قريب من المدينة (فترجف المدينة) بضم الجيم أي تضطرب (بأهلها) أي ملتبسة بهم وقيل: الباء للتعدية أي تحركهم وتزلزلهم (ثلاث رجفات) بفتح الجيم (فيخرج إليه) أي إلى الدجال، وفي رواية ((فيخرج الله)) (كل كافر ومنافق) قال الطيبي: الباء يحتمل أن تكون للسببية أي تتزلزل وتضطرب بسبب أهلها لينفض إلى الدجال الكافر والمنافق، وأن يكون حالاً أي ترجف ملتبسة، ثم نقل عن المظهر ((ترتجف المدينة بأهلها)) أي تحركهم وتلقى ميل الدجال في قلب من ليس بمؤمن خالص، قال: فعلى هذا الباء صلة الفعل، وقال الحافظ في الحج: قوله ((ثم ترتجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات)) إلخ. أي يحصل لها زلزلة بعد أخرى ثم ثالثة حتى يخرج منها من ليس مخلصًا في إيمانه ويبقى بها المؤمن الخالص فلا يسلط عليه الدجال ولا يعارض هذا ما في حديث أبي بكرة عند البخاري أنه لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال، لأن المراد بالرعب ما يحدث من الفزع من ذكره والخوف من عتوه لا الرجفة التي تقع بالزلزلة لإخراج من ليس بمخلص، وحمل بعض العلماء الحديث الذي فيه أنها تنفي الخبث على هذه الحالة دون غيرها، وقد تقدم أن الصحيح في معناه أنه خاص بناس وبزمان فلا مانع أن يكون هذا الزمان هو المراد، ولا يلزم من كونه مرادًا نفي غيره، وقال في باب ذكر الدجال من كتاب الفتن: الجمع بين قوله ترجف ثلاث رجفات وبين قوله لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال أن الرعب المنفي هو الخوف والفزع حتى لا يحصل لأحد فيها بسبب نزوله قربها شيء منه، أو هو عبارة عن غايته وهو غلبته عليها، والمراد بالرجفة الإرفاق وهو إشاعة مجيئه وأنه لا طاقة لأحد به، ويسارع حينئذ إليه من كان يتصف بالنفاق أو الفسق فيظهر حينئذ تمام أنها تنفي خبثها – انتهى. وقال
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 540)
متفق عليه.
2768 – (16) وعن سعد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يكيد أهل المدينة أحد إلا إنماع كما ينماع الملح في الماء ".
ــ
السمهودي بعد ذكر حديث أنس وأبي بكرة وغير ذلك مما ورد في الباب ما لفظه: ويستفاد منه أن المراد من قوله في الأحاديث المتقدمة ((فترجف المدينة)) يعني بسبب الزلزلة فلا يشكل بما تقدم من أنه لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال فيستغنى عما جمع به بعضهم من أن الرعب المنفي هو ألا يحصل لمن بها بسبب قربه منها خوف، أو هو عبارة عن غايته وهو غلبته عليها، والمراد بالرجفة إشاعة مجيئه وأن لا طاقة لأحد به فيتسارع حينئذ عليه من كان يتصف بالنفاق أو الفسق، قاله الحافظ ابن حجر. وما قدمناه أولى – انتهى. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الحج وفي الفتن ومسلم في آخر الكتاب في أحاديث الدجال، وأخرجه أيضًا النسائي، وأخرج أحمد نحوه.
2768 – قوله (لا يكيد أهل المدينة أحد) أي لا يريد بأهلها سوءًا، والكيد المكر والحيلة في المساءة. وقال القسطلاني: أي لا يفعل بهم كيدًا من مكر وحرب وغير ذلك من وجوه الضرر بغير حق (إلا انماع) بسكون النون بعد همزة الوصل آخره مهملة، أي ذاب. قال في النهاية: ماع الشيء ويميع وانماع إذا ذاب وسال (كما ينماع الملح في الماء) وفي رواية مسلم من طريق أبي عبد الله القراظ عن أبي هريرة وسعد جميعًا فذكر حديثًا فيه ((من أراد أهلها بسوء أذابه الله كما يذوب الملح في الماء)) ، وفي رواية مسلم من طريق عامر بن سعد عن أبيه في أثناء حديث: " ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص أو ذوب الملح في الماء ". قال عياض: هذه الزيادة أي قوله في النار تدفع إشكال الأحاديث التي لم تذكر فيها، وتبين أن هذا حكمه في الآخرة. قال: ويحتمل أن يكون المراد به أن من أرادها في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كفى المسلمون أمره واضمحل أمره كما يضمحل الرصاص في النار فيكون في اللفظ تقديم وتأخير ويؤيده قوله أو ذوب الملح في الماء. قال: ويحتمل أن يكون المراد من كادها اغتيالاً وطلبًا لغرتها فلا يتم له أمر بخلاف من أتى ذلك جهارًا، قال: ويحتمل أن يكون ذلك لمن أرادها في الدنيا بسوء فلا يمهله الله ولا يمكن له سلطانًا بل يذهبه عن قرب كما انقضى شأن من حاربها أيام بني أمية مثل مسلم بن عقبة فإنه عوجل عن قرب فأهلك في منصرفه من المدينة ثم هلك يزيد بن معاوية مرسله على أثر ذلك وغيرهما ممن صنع صنيعهما – انتهى. قال السمهودي: وهذا الاحتمال الأخير هو الأرجح، وليس في الحديث ما يقتضى أنه لا يتم له ما أراد منهم بل الوعد بإهلاكه ولم يزل شأن المدينة على هذا حتى في زماننا ها لما تظاهرت طائفة العياشي لإرادة السوء بالمدينة الشريفة لأمر اقتضى خروجهم منها
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 541)
متفق عليه.
2769 – (17) وعن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قدم من سفر فنظر إلى جدرات المدينة، أوضع راحلته وإن كان على دابة حركها من حبها. رواه البخاري.
ــ
حتى أهلك الله عتاتهم مع كثرتهم في مدة يسيرة، وقد يقال المراد من الأحاديث الجمع بين إذابته بالإهلاك في الدنيا وبين إذابته بالنار في الأخرى، والمذكور في هذا الحديث هو الثاني، وفي غيره الأول ففي رواية لأحمد برجال الصحيح من جملة حديث من أرادها بسوء يعني المدينة أذابه الله كما يذوب الملح في الماء، وكذا في مسلم أيضًا وفي رواية له ((من أراد أهل هذه البلدة بدهم أو بسوء)) بالشك، والدهم بفتح الدال المهملة وإسكان الهاء أي بغائلة وأمر عظيم، ولذا قيل المراد غازيًا مغيرًا عليها، وروى النسائي من حديث السائب بن خلاد رفعه: " من أخاف أهل المدينة ظالمًا لهم أخافه الله، وكانت عليه لعنة الله.. " – الحديث. ولابن حبان نحوه من حديث جابر، والحديث فيه دليل على فضل المدينة، واستدل به بعضهم على أن المدينة أفضل من مكة ولا يخفى ما فيه قال ابن حزم: إنما فيه الوعيد على من كاد أهلها ولا يحل كيد مسلم، فليس فيه أنها أفضل من مكة، وقد قال تعالى عن مكة {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} (سورة الحج: الآية 26) فصح الوعيد على من ظلم بمكة كالوعيد على من كاد أهل المدينة (متفق عليه) أخرجاه في الحج وأخرجه أيضًا أحمد (ج 1: ص 180) والنسائي.
2769 – قوله (فنظر إلى جدرات المدينة) بضم الجيم والدال جمع جدر بضمتين جمع سلامة والجدر جمع جدار (أوضع) بفتح الهمزة: وسكون الواو وبالضاد المعجمة أي أسرع، يقال وضع البعير أي أسرع في مشيه وأوضعه راكبه أي حمله على السير السريع (راحلته) وفي رواية ناقته أي حملها على السير السريع قال القاري: الإيضاع مخصوص بالبعير، والراحلة النجيب والنجيبة من الإبل، في الحديث: الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة (وإن كان على دابة) سوى الناقة كالبغل والفرس والدابة أعم من الناقة (حركها) جواب إن (من حبها) أي حرك الدابة لسرعة السير من أجل حبه صلى الله عليه وسلم المدينة أو أهلها؛ فمن سببية متعلقة بقوله حركها. قال القسطلاني: وقد استجاب الله تعالى دعاء نبيه صلى الله عليه وسلم حيث دعا اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد حتى كان يحرك دابته إذا رآها من حبه (رواه البخاري) في الحج في باب من أسرع ناقته إذا بلغ المدينة، وفي فضائل المدينة قبل باب كراهية النبي صلى الله عليه وسلم أن تعرى المدينة، وأخرجه أيضًا الترمذي في الدعوات بعد ((باب ما يقول إذا رجع من سفره)) .
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 542)
2770 – (18) وعنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم طلع له أحد فقال: " هذا جبل يحبنا ونحبه
ــ
2770 – قوله (طلع) أي ظهر (له أحد) قال السهيلي:سمي أحدًا لتوحده وانقطاعه عن جبال أخرى هناك أو لما وقع من أهله من نصر التوحيد (فقال: هذا) إشارة إلى جبل أحد (جبل يحبنا ونحبه) قال الحافظ: ظهر من هذه الرواية أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك لما رآه في حال رجوعه من الحج – انتهى. قلت: ويظهر من رواية عمرو عن أنس عند البخاري في باب من غزا بصبي للخدمة من كتاب الجهاد أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك لما رآه في حال رجوعه من خيبر، ووقع في رواية أبي حميد عند البخاري أيضًا في باب خرص التمر من كتاب الزكاة أنه قال لهم ذلك لما رجع من تبوك وأشرف على المدينة قال: " هذه طابة ". فلما رأي أحدًا قال: " هذا جبل يحبنا ونحبه ". قال الحافظ: فكأنه صلى الله عليه وسلم تكرر منه ذلك القول، وللعلماء في معنى ذلك أقوال أحدها أنه على حذف مضاف، والتقدير أهل أحد والمراد بهم الأنصار لأنهم جيرانه، ثانيها أنه قال ذلك للمسرة بلسان الحال إذا قدم من سفر لقربه من أهله ولقياهم، وذلك فعل من يحب بمن يحب، ثالثها أن الحب من الجانبين على حقيقته وظاهره لكون أحد من جبال الجنة كما ثبت في حديث أبي عبس بن جبر مرفوعًا ((جبل أحد يحبنا ونحبه وهو من جبال الجنة)) أخرجه أحمد. ولا مانع في جانب البلد من إمكان المحبة منه كما جاز التسبيح منها أي الجبال وقد خاطبه صلى الله عليه وسلم مخاطبة من يعقل فقال لما اضطرب: " اسكن أحد ". – الحديث. وقال السهيلي: كان صلى الله عليه وسلم يحب الفال الحسن والاسم الحسن ولا اسم أحسن من اسم مشتق من الأحدية. قال: ومع كونه مشتقاً من الأحدية فحركات حروفه الرفع وذلك يشعر بارتفاع دين الأحد وعلوه فتعلق الحب من النبي صلى الله عليه وسلم به لفظًا ومعنىً فخص من بين الجبال بذلك، والله أعلم. وقال الحافظ أيضًا في باب من غزا بصبي للخدمة: قيل: هو على الحقيقة ولا مانع من وقوع مثل ذلك بأن يخلق الله المحبة في بعض الجمادات، وقيل: هو على المجاز والمراد أهل أحد على حد قوله تعالى: {واسأل القرية} وقال الشاعر:
وما حب الديار شغفن قلبي _ … ولكن حب من سكن الديارا
– انتهى. وقال السمهودي: قيل: المراد يحبنا أهله ونحبهم، فحذف أهله لدلالة اللفظ عليه كما في قوله تعالى: {وأشربوا في قلوبهم العجل} (سورة البقرة: الآية 87) أي حبه {واسأل القرية} سورة يوسف: الآية 82) وقيل: هو ضرب من المجاز أي نحن نحبه ونستبشر برؤيته، ولو كان ممن يعقل لأحبنا على سبيل مطابقة الكلام، وقيل: يحتمل أن يكون ذلك حقيقة وأن الله تعالى جعل فيه أو في بعضه إدراكًا ومحبة كما جعل في تسبيح الحصى وحنين الجذع ويكون من خوارق العادات، ويحتمل أن يكون يحبنا هنا عبارة عن نفعه لنا في الحماية والنصرة كمن يحبنا – انتهى. وقال النووي: الصحيح المختار أن معناه أن أحدًا يحبنا حقيقة، جعل الله تعالى فيه تمييزًا يحب به كما قال سبحانه
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 543)
اللهم إن إبراهيم حرم مكة وإني أحرم ما بين لابتيها ". متفق عليه.
ــ
وتعالى: ((وإن منها لما يهبط من خشية الله} (سورة البقرة: الآية 69) وكما حن الجذع اليابس وكما سبح الحصى وكما فر الحجر بثوب موسى صلى الله عليه وسلم. قال: وهذا وما أشبهه شواهد لما اخترناه واختاره المحققون في معنى الحديث، وأن أحدًا يحبنا حقيقة، وقيل المراد يحبنا أهله فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه – انتهى. وقال الزرقاني: قوله ((يحبنا)) حقيقة كما رجحه جماعة وقد خاطبه صلى الله عليه وسلم مخاطبة من يعقل فقال لما اضطرب ((اسكن)) فوضع الله الحب فيه كما وضع التسبيح في الجبال مع داود، والخشية في الحجارة التي قال فيها {وإن منها لما يهبط من خشية الله} وكما حن الجذع لفراقه حتى سمع الناس حنينه فلا ينكر وصف الجماد بحب الأنبياء، وقد سلم عليه الحجر والشجر وسبحت الحصيات في يده وكلمته الذراع وأمنت حوائط البيت وأسكفه الباب على دعائه صلى الله عليه وسلم إشارة إلى مزيد حب الله إياه حتى أسكن حبه في الجماد وغرس محبته في الحجر مع فضل يبسه وقوة صلابته، وقوله ((نحبه)) حقيقة أيضًا. لأن جزاء من يحب أن يحب. ولأنه من جبال الجنة كما رواه أحمد عن أبي عبس بن جبر (كما تقدم) وللبزار والطبراني ((أحد هذا جبل يحبنا ونحبه على باب من أبواب الجنة)) أي من داخلها. فلا ينافي رواية الطبراني أيضًا: " أحد ركن من أركان الجنة ". لأنه ركن داخل الباب، بدليل رواية ابن سلام في تفسيره أنه ركن باب الجنة، وقيل هو على حذف المضاف أي يحبنا أهله وهم الأنصار لأنهم جيرانه، وكانوا يحبونه صلى الله عليه وسلم ويحبهم. وقيل لأنه كان يبشره بلسان الحال إذا قدم من سفر بقربه من أهله ولقائهم، وذلك فعل المحب بمن يحب فكان يفرح إذا طلع له استبشارًا بالأوبة من السفر والقرب من الأهل، وضعف بما في رواية الطبراني عن أنس ((فإذا جئتموه فكلوا من شجره ولو من عضاهه)) بكسر المهملة وضاد معجمة كل شجرة عظيمة ذات شوك، فحث على عدم إهمال الأكل حتى لو فرض أنه لا يوجد إلا ما لا يؤكل كالعضاه يمضغ منه تبركاً ولو بلا ابتلاع قال: وأخذ من هذا الحديث أنه أفضل الجبال. وقيل عرفة، وقيل: أبو قبيس: وقيل: الذي كلم الله عليه موسى، وقيل: قاف. قيل: وفيه قبر هارون أخي موسى عليهما السلام ولا يصح- انتهى. (اللهم إن إبراهيم حرم مكة) تقدم شرحه (متفق عليه) أخرجه البخاري في باب خرص التمر من كتاب الزكاة، وفي باب من غزا بصبي للخدمة من الجهاد، وفي باب قوله: {اتخذ الله إبراهيم خليلاً} (سورة النساء: الآية 124) من كتاب الأنبياء، وفي باب غزوة أحد من المغازي، وفي باب الحيس من الأطعمة، وفي باب ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وحض على اتفاق أهل العلم، إلخ. من كتاب الاعتصام، وأخرجه مسلم في الحج في فضل المدينة، وأخرجه أيضًا مالك في الجامع والترمذي في أواخر المناقب.
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 544)
2771 – (19) وعن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أحد جبل يحبنا ونحبه ". رواه البخاري.
(الفصل الثاني)
2772 – (20) عن سليمان بن أبي عبد الله، قال: رأيت سعد بن أبي وقاص أخذ رجلاً يصيد في حرم المدينة الذي حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلبه ثيابه، فجاء مواليه فكلموه فيه، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم هذا الحرم، وقال: " من أخذ أحدًا يصيد فيه فليسلبه ". فلا أرد عليكم
ــ
2771 – قوله (وعن سهل بن سعد) تقدم ترجمته في الجزء الأول (ص 166) (أحد جبل يحبنا ونحبه) تقدم وجه تخصيصه بالذكر في كلام السهيلي. وقال القاري: لعل وجه تخصيصه بالذكر لتحركه به سرورًا لما رقى عليه مع أصحابه الثلاثة فقال له " اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان ". (رواه البخاري) في باب خرص التمر من كتاب الزكاة تعليقًا إذ قال: وقال سليمان (بن بلال) عن سعد بن سعيد عن عمارة بن غزية عن عباس (بن سهل بن سعد) عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أحد جبل يحبنا ونحبه ". قال الحافظ: وصله أبو علي بن خزيمة في فوائده، وفي الباب عن أبي حميد الساعدي عند أحمد والبخاري ومسلم وعن سويد بن عامر الأنصاري عند أحمد والطبراني في الكبير والضياء في المختارة.
2772 – قوله (عن سليمان بن أبي عبد الله) قال الحافظ في تهذيب التهذيب: روى عن سعد وأبي هريرة وصهيب وعنه يعلى بن حكيم الثقفي، قال أبو حاتم: ليس بالمشهور فيعتبر حديثه، وذكره ابن حبان في الثقات، روى له أبو داود حديثًا واحدًا في حرم المدينة، قلت: قال البخاري وأبو حاتم: أدرك المهاجرين والأنصار، وقال في التقريب عنه: مقبول من الثالثة، أي الطبقة الوسطى من التابعين (أخذ رجلاً) أي عبدًا (فسلبه ثيابه) بدل اشتمال أي أخذ ما عليه من الثياب (فجاء مواليه فكلموه فيه) أي في شأن العبد ورد سلبه (حرم هذا الحرم) قال الطيبي: دل على أن سعدًا اعتقد أن تحريمها كتحريم مكة (وقال) أي النبي صلى الله عليه وسلم (من أخذ) كذا في المشكاة والمصابيح وجامع الأصول والمنتقى للمجد بن تيمية، وهكذا وقع في بعض نسخ أبي داود وفي بعضها وجد بدل أخذ (أحدًا يصيد فيه فليسلبه) زاد في بعض نسخ أبي داود ((ثيابه)) ولفظ أحمد ((من رأيتموه يصيد فيه شيئًا فلكم سلبه)) وقوله ((فليسلبه ثيابه)) ظاهر في أنها تؤخذ ثيابه جميعها، وقال الماوردي: يبقى له ما يستر عورته، وصححه النووي، واختاره جماعة من أصحاب الشافعي (فلا أرد عليكم
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 545)
طعمة أطعمنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن إن شئتم دفعت إليكم ثمنه. رواه أبو داود.
2773 – (21) وعن صالح مولى لسعد، أن سعدًا وجد عبيدًا من عبيد المدينة
ــ
طعمة) بضم الطاء وكسرها ومعنى الطعمة الأكلة، وأما الكسر فجهة الكسب وهيئته، قاله الشوكاني. وقال القاري: طعمة بالضم أي رزقًا (ولكن إن شئتم دفعت إليكم ثمنه) أي تبرعًا، قاله الطيبي. وفي رواية لأحمد ((إن شئتم أن أعطيكم ثمنه أعطيتكم، قال الشوكاني: وبقصة سعد هذه احتج من قال: إن من صاد من حرم المدينة أو قطع من شجرها أخذ سلبه. وهو قول الشافعي في القديم. قال النووي: وبهذا قال سعد بن أبي وقاص وجماعة من الصحابة – انتهى. وقد حكى ابن قدامة عن أحمد في إحدى الروايتين القول به. قال: وروى ذلك عن ابن أبي ذئب وابن المنذر – انتهى. وهذا يرد على القاضي عياض حيث قال: ولم يقل به أحد بعد الصحابة إلا الشافعي في قوله القديم. وقد اختلف في السلب فقيل: إنه لمن سلبه، وقيل: لمساكين المدينة، وقيل: لبيت المال. قال الشوكاني: وظاهر الأدلة أنه للسالب وأنه طعمة لكل من وجد فيه أحدًا يصيد أو يأخذ من شجره – انتهى. (رواه أبو داود) في الحج، وأخرجه أيضًا أحمد (ج 1: ص 170) وقد سكت عنه أبو داود. قال النووي: وهو صحيح أو حسن أي كما هو قاعدته فيما يسكت عليه، وقال المنذري: سئل أبو حاتم الرازي عن سليمان بن أبي عبد الله (المذكور في إسناده) فقال: ليس بالمشهور ولكن يعتبر بحديثه – انتهى. وقال الشوكاني: قال الذهبي: تابعي وثق، وقد روى الحاكم (ج 1: ص 486) من طريق بشر بن المفضل عن عبد الرحمن بن إسحاق عن أبيه عن عامر بن سعد عن أبيه أنه كان يخرج من المدينة يريد الحاطب من الحطاب معه شجرة رطب قد عضده من بعض شجر المدينة فيأخذ سلبه فيكلمه فيه فيقول: لا أدع غنيمة غنمنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا من أكثر الناس مالاً. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد. وقال الذهبي: صحيح
2773 - قوله (وعن صالح مولى لسعد) هذا خطأ والصواب عن صالح عن مولى لسعد كما في أبي داود، وفي الظاهر أنه سقط لفظ ((عن)) من قلم نساخ المشكاة أو وقع سهو من المصنف. قال ميرك: ويؤيد ذلك أن من صنف في أسماء رجال الكتب لم يذكر لسعد مولى يقال له صالح، وصالح هذا هو صالح بن نبهان المدني مولى التوأمة – بفتح المثناة وسكون الواو بعدها همزة مفتوحة – قال الحافظ في التقريب: صدوق اختلط بآخره، قال ابن عدي: لا بأس برواية القدماء عنه كابن أبي ذئب وابن جريج، مات سنة خمس أو ست وعشرين ومائة – انتهى. وقال الخزرجي في الخلاصة: قال ابن معين: صالح مولى التوأمة ثقة حجة سمع منه ابن أبي ذئب قبل أن يخرف، ومن سمع منه قبل أن يختلط فهو ثبت – انتهى. قلت: هذا الحديث من رواية ابن أبي ذئب عنه. وما قال المنذري في مختصر السنن ((صالح مولى التوأمة لا يحتج بحديثه)) فهو محمول على ما روي عنه بعد الاختلاط ومولى سعد هذا مجهول كما قال المنذري، ففي
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 546)
يقطعون من شجر المدينة فأخذ متاعهم وقال يعني لمواليهم: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى أن يقطع من شجر المدينة شيء، وقال: " من قطع منه شيئًا فلمن أخذه سلبه ". رواه أبو داود.
2774 – (22) وعن الزبير، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن صيد وج وعضاهه حرم محرم لله.
ــ
الاحتجاج بهذا الحديث نظر قوي لكن يؤيده الحديث الذي قبله، وحديث مسلم من طريق عامر بن سعد عن سعد الذي سبق في الفصل الأول (يقطعون من شجر المدينة) أي من بعض أشجارها (فأخذ متاعهم) أي ثيابهم وما عندهم (وقال) أي سعد (يعنى لمواليهم) بيان من الراوي للمقول لهم (أن يقطع) بصيغة المجهول (وقال) أي النبي صلى الله عليه وسلم (من قطع منه) أي من شجرها (فلمن) أي للذي (أخذه) أي القاطع (سلبه) بفتح السين واللام أي ما عليه من الثياب وغيرها (رواه أبو داود) في الحج وسكت عليه، وقد تقدم أن مولى سعد مجهول لكن يؤيده الحديث الذي قبله وحديث سعد المذكور في الفصل الأول.
2774- قوله (وعن الزبير) أي ابن العوام تقدم ترجمته (إن صيد وَجّ) بفتح الواو وتشديد الجيم هو الطائف وقيل واد بالطائف. قال ابن رسلان: هو أرض بالطائف عند أهل اللغة، وقال أصحابنا: هو واد بالطائف وقيل كل الطائف. وقال الحازمي في المؤتلف والمختلف في الأماكن ((وج)) اسم لحصون الطائف، وقيل لواحد منها. (وعضاهه) بكسر العين وتخفيف الضاد كما سلف، قال الجوهري: العضاه كل شجر يعظم وله شوك، وعند البيهقي ((عضاهه يعني شجره)) (حرم) بفتح الحاء والراء المهملتين الحرام، كقولهم زمن وزمان، وعند البيهقي ((حرام)) (محرم لله) تأكيد للحرمة. قال الشوكاني: والحديث يدل على تحريم صيد وج وشجره، وقد ذهب إلى كراهته الشافعي حيث قال في الإملاء: أكره صيد وج. وجزم جمهور أصحاب الشافعي بالتحريم وقالوا: إن مراد الشافعي بالكراهة كراهة التحريم. قال ابن رسلان في شرح السنن بعد أن ذكر قول الشافعي في الإملاء: وللأصحاب فيه طريقان أصحهما وهو الذي أورده الجمهور القطع بتحريمه. قالوا: ومراد الشافعي بالكراهة كراهة التحريم، ثم قال: وفيه طريقان أصحهما وهو قول الجمهور يعني من أصحاب الشافعي أنه يأثم فيؤدبه الحاكم على فعله ولا يلزمه شيء لأن الأصل عدم الضمان إلا فيما ورد به الشرع ولم يرد في هذا شيء. والطريق الثاني حكمه في الضمان حكم المدينة وشجرها وفي وجوب الضمان فيه خلاف – انتهى. وقد قدمنا الخلاف في ضمان صيد المدينة وشجرها. قال الخطابي في المعالم (ج 2: ص 442) : ولست أعلم لتحريمه وَجًّا معنى إلا أن يكون ذلك على سبيل الحمى لنوع من منافع المسلمين، وقد يحتمل أن يكون ذلك التحريم إنما كان في وقت معلوم وفي مدة محصورة، ثم نسخ، ويدل على ذلك قوله ((وذلك قبل نزوله الطائف وحصاره لثقيف)) ثم عاد الأمر فيه إلى الإباحة كسائر بلاد الحل، ومعلوم أن عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزلوا بحضرة الطائف وحصروا
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 547)