2747 – (8) وعن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " كأني به أسود أفحج
ــ
الأنف كبير البطن معه أصحابه ينقضونها حجرًا حجرًا ويتناولونها حتى يرموا بها يعني الكعبة إلى البحر)) . وفي كتاب الغريب لأبي عبيد عن علي، قال: استكثروا من الطوائف بهذا البيت قبل أن يحال بينكم وبينه فكأني برجل من الحبشة أصلع وأصمع حمش الساقين قاعد عليها وهي تهدم، وخرجه الحاكم مرفوعًا، وفيه ((أصمع أقرع، بيده معول وهو يهدمها حجرًا حجرًا)) ذكره العيني.
2747– قوله (كأني به) قال الحافظ: كذا في جميع الروايات عن ابن عباس في هذا الحديث، والذي يظهر أن في الحديث شيئًا حذف ويحتمل أن يكون هو ما وقع في حديث عليّ عند أبي عبيد في غريب الحديث من طريق أبي العالية عن علي، قال: استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يحال بينكم وبينه فكأني برجل من الحبشة أصلع أو قال: أصمع حمش الساقين قاعد عليها وهي تهدم، ورواه الفاكهي من هذا الوجه، ولفظه ((أصعل)) بدل ((أصلع)) وقال ((قائمًا عليها يهدمها بمسحاته)) ورواه يحيى الحماني في مسنده من وجه آخر عن علي مرفوعًا – انتهى. وتعقبه العيني بأنه لا يحتاج إلى تقدير حذف لأنه إنما يقدر في موضع يحتاج إليه للضرورة ولا ضرورة ها هنا. قال: ودعواه الظهور غير ظاهرة لأنه لا وجه في تقدير محذوف لا حاجة إليه بما جاء في أثر عن صحابي ولا يقال الأحاديث يفسر بعضها بعضًا، لأنا نقول هذا إنما يكون عند الاحتياج إليه ولا احتياج ها هنا إلى ذلك. قال: والضمير في لفظ ((به)) يحتمل ثلاثة أوجه: الأول أن يعود إلى البيت والقرينة الحالية تدل عليه، أي كأني متلبس به، الثاني أن يعود إلى القالع (الآتي ذكره) بالقرينة الحالية أيضًا، الثالث ما قاله الطيبي وهو أنه ضمير مبهم يفسره ما بعده على أنه تمييز كقوله تعالى: {فقضاهن سبع سموات} (سورة حم السجدة: الآية 11) فإن ضمير ((هن)) هو المبهم المفسر بسبع سموات وهو تمييز، وهذه الأوجه صحيحة ماشية على قاعدة العربية فلا يحتاج إلى تقدير حذف (أسود) بالرفع على أنه مبتدأ خبره يقلعها والجملة حال بدون الواو والضمير في به للبيت أي كأني متلبس به وأنظر إليه أو يكون ارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف والضمير في ((به)) للقالع، والتقدير كأني بالقالع هو أسود، ويروى أسود منصوبًا على الذم أو الاختصاص أو الحال. قال التوربشي والدماميني: يجوز أن يكون أسود أفحج حالين متداخلتين أو مترادفتين من الضمير في به، وقال المظهري: هما بدلان من الضمير المجرور وفتحا لأنهما غير منصرفين، ويجوز إبدال المظهر من المضمر الغائب نحو ضربته زيدًا، وتقدم ما قال الطيبي: أن الضمير في به مبهم يفسره ما بعده على أنه تمييز فهما منصوبان على التمييز (أفحج) بفتح الهمزة وسكون الفاء بعدها وفتح الحاء المهملة وبالجيم من الفحج بفاء ثم حاء مهملة ثم جيم وهو بالنصب أو الرفع كسابقه، والفحج تداني صدور القدمين وتباعد العقبين من باب علم وفتح، وقيل الفحج تباعد ما بين الساقين وقيل هو
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 488)
يقلعها حجرًا حجرًا ". رواه البخاري.
(الفصل الثاني)
2748 – (9) عن يعلى بن أمية، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه ". رواه أبو داود.
ــ
يباعد ما بين الفخذين. قال في القاموس: فحج كمنع، تكبر وفي مشيته تداني صدور قدميه وتباعد عقباه كفحج وهو أفحج بين الفحج محركة التفريج بين الرجلين – انتهى. والفجج بجيمين فتح ما بين الرجلين وهو أقبح من الفحج (يقلعها) أي يقلع الأسود الأفحج بناء الكعبة (حجرًا حجرًا) نصب على الحال من الهاء نحو بوبته بابا بابا، أي مبوبًا وقال الكرماني: أو هو بدل من الضمير أي المنصوب في يقلعها (رواه البخاري) في الحج وأخرجه أيضًا أحمد (ج 2: ص 228) بلفظ: كأني أنظر إليه أسود أفحج ينقضها حجرًا حجرًا يعني الكعبة.
2748- قوله (عن يعلى) بفتح المثناة تحت واللام بينهما مهملة ساكنة (بن أمية) بضم الهمزة وفتح الميم وتشديد الياء (احتكار الطعام) أي احتباسه لانتظار الغلاء به، قال المناوي: وليس عموم الطعام مرادًا بل المراد اشتراه ما يقتات وحبسه ليقل فيغلو فيبيعه بكثير. قال العزيزي: وخصه الشافعية بما اشتراه في زمن الغلاء وأمسكه ليزيد السعر (في الحرم) أي المكي بدليل حديث ابن عمر عند الطبراني في الأوسط بلفظ ((احتكار الطعام بمكة إلحاد)) والمراد بمكة جميع الحرم بدليل حديث يعلي، فكل من الحديثين مبين للآخر (إلحاد فيه) الإلحاد الميل عن الاستقامة والانحراف عن الحق إلى الباطل ومنه الملحد لأنه أمال مذهبه عن الأديان كلها ولم يمله من دين إلى دين، ذكره الزمخشري. قال الله تعالى: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} (سورة الحج: الآية 26) أي ومن يهم فيه بعمل من المعاصي عذب عليه لعظم حرمة المكان. قال العلقمي: أصل الإلحاد الميل، وهذا الإلحاد والظلم يعم جميع المعاصي الكبائر والصغائر لعظم حرمة المكان فمن نوى سيئة ولم يعملها لم يحاسب عليها إلا في مكة، قال المناوي: احتكار الطعام حرام في سائر البلاد وبالحرم المكي أشد تحريمًا، وإنما سماه ظلمًا لأن الحرم واد غير ذي زرع فالواجب على الناس جلب الأقوات إليه للتوسعة على أهله فمن ضيق عليهم بالاحتكار فقد ظلم لأنه وضع الشيء في غير محله فاستحق الوعيد الشديد – انتهى. وقال العزيزي: احتكار الطعام هو شراء ما يقتات وحبسه إلى الغلاء فهو حرام ولو في غير الحرم وخص الحرم لأن الإثم به أشد، وأما لو اشتري غير طعام أو طعامًا غير مقتات بقصد ادخاره إلى الغلاء لم يحرم، وخرج بالشراء ما لو كان عنده بر مثلاً يأكله فادخره إلى الغلاء فلا يحرم، وكذا لو اشتراه بقصد أن يبيعه حالاً أوفي زمن الرخاء فلا حرمة (رواه أبو داود) في الحج من حديث جعفر بن يحيى بن ثوبان عن عمه عمارة بن ثوبان عن
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 489)
2749 – (10) وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكة: " ما أطيبك من بلد وأحبك إليَّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك ". رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح
ــ
موسى بن باذان عن يعلى، وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير (ج 4: ص 255) في ترجمة مسلم بن باذان، قال البخاري: قال أبو عاصم عن جعفر بن يحيى بن ثوبان قال حدثني عمي عمارة بن ثوبان عن مسلم بن باذان سمع يعلى، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " احتكار الطعام بمكة إلحاد ". قال البخاري: هكذا وقع عندي. قال العنبري (؟) موسى ابن باذان – انتهى. قال ابن أبي حاتم في ترجمة موسى بن باذان سماه البخاري مسلم بن باذان فقال أبي وأبو زرعة جمعيًا: أخطا البخاري في هذا، أخرجه في مسلم بن باذان وإنما هو موسى بن باذان، وحكى الحافظ في تهذيب التهذيب (ج 10: ص 338) قول ابن أبي حاتم هذا ثم قال: قلت: قد حكى البخاري القولين في تاريخه ويظهر من سياقه ترجيح موسى – انتهى. والحديث سكت عنه أبو داود، وقال المنذري: وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير عن يعلى بن أمية أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: احتكار الطعام بمكة إلحاد – انتهى. وأنت تعلم أن هذا مما لا مجال للرأي فيه فهو في حكم المرفوع، وسكوت أبي داود على حديث أبي يعلى يدل على أنه حديث حسن عنده لكن نقل المناوي عن ابن القطان أنه قال: حديث لا يصح لأن موسى وعمارة وجعفرًا كل منهم لا يعرف فهم ثلاثة مجهولون. وفي الميزان في ترجمة جعفر بن يحيى قال ابن المديني: أنه مجهول. وقال الذهبي: وعمه (عمارة) لين، فمن مناكير جعفر عن عمه ثم ساق هذا الحديث، ثم قال: هذا حديث واهي الإسناد. قال ابن المديني: لم يرو عن جعفر غير أبي عاصم. وقال الحافظ في تهذيب التهذيب بعد ذكر كلام ابن المديني: جعفر بن يحيى ذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن القطان الفاسي: مجهول الحال، وقال في التقريب: إنه مقبول، وقال عن عمارة بن ثوبان: مستور، وعن موسى بن باذان الفاسي: مجهول ففي كون حديث يعلى هذا حسنًا نظر، والله أعلم، وفي الباب عن ابن عمر بن الخطاب أخرجه الطبراني في الأوسط وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: فيه عبد الله بن المؤمل، وثقه ابن حبان وغيره وضعفه جمع – انتهى.
2749 – وقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكة) أي خطابًا لها حين وداعها وذلك يوم فتح مكة (ما أطيبك من بلد) صيغة تعجب (وأحبك إليَّ) عطف عليه والأولى بالنسبة إلى حد ذاتها أو للإطلاق والثانية للتخصيص، قاله القاري. (ولولا أن قومي أخرجوني) أي صاروا سببًا لخروجي (ما سكنت غيرك) قال القاري: هذا دليل للجمهور على أن مكة أفضل من المدينة خلافًا للإمام مالك رحمه الله، وقد صنف السيوطي رسالة في هذه المسألة (رواه الترمذي) في أواخر المناقب وأخرجه أيضًا ابن حبان في صحيحه والحاكم (ج 1: ص 486) كلهم من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير وأبي الطفيل عن ابن عباس (وقال هذا حديث حسن صحيح) وقال الحاكم حديث صحيح الإسناد
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 490)
غريب إسنادًا.
2750 – (11) وعن عبد الله بن عدي بن حمراء، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفًا على الحزورة فقال: " والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت ".
ــ
ووافقه الذهبي (غريب إسنادًا) تمييز، وفي جامع الترمذي غريب من هذا الوجه.
2750- قوله (وعن عبد الله بن عدي بن حمراء) القرشي الزهري من أنفسهم، وقيل إنه ثقفي حالف بني زهرة، يكني أبا عمر، وقيل أبا عمرو، قال البخاري: له صحبة ورواية، يعد في أهل الحجاز، وكان ينزل فيما بين قديد وعسفان وهو من مسلمة الفتح، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل مكة. روى عنه أبو سلمة ومحمد بن جبير بن مطعم، وقوله ((حمراء)) كذا في المشكاة والمصابيح، وهكذا وقع عند الترمذي وابن حبان، وفي مسند الإمام أحمد وسنن ابن ماجة ((الحمراء)) وهكذا ذكر الحافظ في التقريب والتهذيب والإصابة وابن عبد البر في الاستيعاب وكذا وقع في المنتقي للمجد بن تيمية والقرى للمحب الطبري (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفًا على الحزورة) بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي وفتح الواو بعدها راء ثم هاء: هي الرابية الصغيرة والجمع الحزاور، قال الجزري: هو موضع بمكة عند باب الحناطين وهو بوزن قسورة. قال الشافعي: الناس يشددون الحزورة والحديبية وهما مخففتان – انتهى. وقال الطيبي: هو على وزن القسورة موضع بمكة وبعضهم شددها أي الواو، والحزورة في الأصل بمعني التل الصغير، سميت بذلك لأنه هناك كان تل صغير، وقيل لأن وكيع بن سلمة بن زهير بن إياد كان ولى أمر البيت بعد جرهم فبني صرحًا هناك وجعل فيها أمة يقال لها حزورة فسميت حزورة مكة بها، وارجع إلى شفاء الغرام (ج 1: ص 76) (فقال) أي مخاطبًا للكعبة وما حولها من حرمها (والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله) فيه تصريح بأن مكة أفضل من المدينة كما عليه الجمهور. قال الشوكاني: فيه دليل على أن مكة خير أرض الله على الإطلاق وأحبها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبذلك استدل من قال إنها أفضل من المدينة (ولولا أني أخرجت منك) أي بأمر من الله (ما خرجت) فيه دلالة على أنه لا ينبغي للمؤمن أن يخرج من مكة إلا أن يخرج منها حقيقة أو حكماه، وهو الضرورة الدينية أو الدنيوية، والحديث حجة للقائلين بفضل مكة على المدينة. قال الدميري: وأما ما روي من حديث ((اللهم إنك تعلم أنهم أخرجوني من أحب البلاد إليّ فأسكنني في أحب البلاد إليك)) فقال ابن عبد البر: لا يختلف أهل العلم في نكارته ووضعه ونسبوا وضعه إلى محمد بن الحسن بن زياد وتركوه لأجله، وقال ابن دحية في تنويره: أنه حديث باطل بإجماع أهل العلم. وقال ابن مهدي: سألت عنه مالكًا فقال: لا يحل أن تنسب الباطل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بين علته أبو بكر البزار والحافظ وغيرهما، نعم السكنى بالمدينة أفضل لما ثبت من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 491)
رواه الترمذي، وابن ماجة.
ــ
إلا كنت له شفيعًا وشهيدًا يوم القيامة، ولم يرد بسكنى مكة شيء من ذلك بل كرهه جماعة من العلماء، وثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال: من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها فإني أشفع لمن يموت بها ـ وجعل ابن حزم التفضيل الحاصل بمكة ثابتًا لجميع الحرم، قاله السندي. وقال القاري: وأما خبر الطبراني ((المدينة خير من مكة)) فضعيف بل منكر واه كما قاله الذهبي، وعلى تقدير صحته يكون محمولاً على زمانه لكثرة الفوائد في حضرته وملازمة خدمته لأن شرف المدينة ليس بذاته بل بوجوده عليه الصلاة والسلام فيه ونزوله مع بركاته، وأيضًا نفس المدينة ليس أفضل من مكة اتفاقًا إذ لا تضاعف فيه أصلاً بل المضاعفة في المسجدين، ففي الحديث الصحيح الذي قال بعض الحفاظ على شرط الشيخين ((صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجدي هذا بمائة ألف صلاة)) وصح عن ابن عمر موقوفًا وهو في حكم المرفوع لأنه لا يقال مثله بالرأي: صلاة واحدة بالمسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة بمسجد النبي عليه الصلاة والسلام – انتهى. وإن شئت بسط الكلام على مسألة أفضلهما وعلى مسألة حكم المجاورة بمكة فارجع إلى النيل وشفاء الغرام (ج 1: ص 78) والمرقاة والمحلى لابن حزم (ج 7: ص 279) ووفاء الوفاء للسمهودي والقرى (ص 160) للمحب الطبري (رواه الترمذي) في آخر المناقب (وابن ماجة) في أواخر الحج، وأخرجه أيضًا أحمد (ج 4: ص 305) والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما وسعيد بن منصور في سننه كلهم من طريق الزهري عن أبي سلمة عن عبد الله بن عدي بن حمراء، والحديث صححه الترمذي ثم قال: ورواه محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وحديث الزهري عن أبي سلمة عن عبد الله بن عدي بن الحمراء عندي أصح – انتهى. وفيه أنه روى هذا الحديث أيضًا الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة كما في المسند (ج 4: ص 305) قال الحافظ في الإصابة: انفرد برواية حديث عبد الله بن عدي بن الحمراء ابن شهاب الزهري، واختلف عليه فيه، فقال الأكثر عنه عن أبي سلمة عن عبد الله بن عدي بن الحمراء وقال معمر فيه عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، ومرة أرسله، وقال ابن أخي الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن عبد الله بن عدي، والمحفوظ الأول – انتهى. قلت: روى أحمد من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، ثم روى من طريق رباح عن معمر عن الزهري فقال عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن بعضهم (أي الصحابة) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، إلخ. قال التقي الفاسي في شفاء الغرام (ج 1: ص 76) بعد ذكر الروايتين ما لفظه: وذكر صحابنا الحافظ أبو الفضل العسقلاني أن رواية معمر شاذة يعني رواياته لهذا الحديث عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا. قال: والظاهر أن الوهم فيه من عبد الرزاق لأن معمرًا كان
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 492)
(الفصل الثالث)
2751 – (12) عن أبي شريح العدوي، أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة:
ــ
لا يحفظ اسم صحابيه كما جاءت رواية رباح عنه وعبد الرزاق سلك الجادة فقال عن أبي سلمة عن أبي هريرة، ثم قال: وإذا تقرر ذلك علم أن لا أصل له من حديث أبي هريرة والله أعلم – انتهى. قلت: رواه عبد الرزاق في المصنف (ج 5: ص 27) عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة موقوفًا عليه فيغلب على الظن أن الناسخ أسقط قوله ((عن أبي هريرة)) والله أعلم، والحديث روي نحوه عن عبد الله بن عمرو أيضًا كما ذكره التقي الفاسي في شفاء الغرام.
2751- قوله (عن أبي شريح) بضم الشين المعجمة وفتح الراء وبالحاء المهملة (العدوي) بفتح العين والدال، قال الحافظ في كتاب الحج: كذا وقع هنا، وفيه نظر لأنه خزاعي من بني كعب بن ربيعة بن لحي بطن من خزاعة، ولهذا يقال له الكعبي أيضًا، وليس هو من بني عدي لا عدي قريش ولا عدي مضر، فلعله كان حليفًا لبني عدي بن كعب من قريش، وقيل في خزاعة بطن يقال لهم: بنو عدي، ثم قال في المغاري: كنت جوزت في الكلام على حديث الباب في الحج أنه من حلفاء بني عدي بن كعب، وذلك لأنني رأيته في طريق أخري الكعبي نسبة إلى بني كعب بن ربيعة بن عمرو بن لحي، ثم ظهر لي أنه نسب إلى بني عدي بن عمرو بن لحي، وهم أخوة كعب ويقع هذا في الأنساب كثيرًا ينسبون إلى أخي القبيلة، وأبو شريح هذا صحابي مشهور، اختلف في اسمه، فقيل خويلد بن عمرو، وقيل عمرو بن خويلد، وقيل كعب بن عمرو، وقيل هانئ بن عمرو، وقيل عبد الرحمن بن عمرو، وأصحها وأشهرها خويلد بن عمرو، وهو خويلد بن عمرو بن صخر بن عبد العزي بن معاوية بن المحترش بن عمرو بن مازن بن عدي بن عمرو بن ربيعة الخزاعي ثم الكعبي أسلم قبل فتح مكة وكان يحمل أحد ألوية بني كعب بن خزاعة يوم فتح مكة، روي له النبي صلى الله عليه وسلم عشرون حديثًا، اتفقا على حديثين وانفرد البخاري بحديث، وكان أبو شريح من عقلاء أهل المدينة سكن المدينة ومات بها سنة ثمان وستين (أنه قال لعمرو) بفتح العين (بن سعيد) أي ابن أبي العاص بن سعيد بن العاص بن أمية القرشي الأموي المعروف بالأشدق وليست له صحبة ولا كان من التابعين بإحسان وعرف بالأشدق لأنه صعد المنبر فبالغ في شتم علي رضي الله تعالى عنه فأصابه لقوة (وهو) أي عمرو (يبعث البعوث إلى مكة) جملة حالية والبعوث جمع بعث بمعنى مبعوث وهو من تسمية المفعول بالمصدر، والمراد به الجيش المجهز للقتال أي يرسل الجيوش إلى مكة لقتال عبد الله بن الزبير لكونه امتنع من مبايعة يزيد بن معاوية واعتصم بالحرم، وكان عمرو والي يزيد على المدينة، والقصة مشهورة وملخصها أن معاوية عهد بالخلافة بعده ليزيد بن معاوية فبايعه الناس إلا الحسين بن علي وابن الزبير، وأما عبد الرحمن بن أبي بكر فمات قبل موت معاوية، وأما عبد الله بن عمر فبايع ليزيد عقب موت أبيه، وأما الحسين بن علي فسار
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 493)
ائذن لي أيها الأمير أحدثك قولاً قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح، سمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلم به، حمد الله وأثنى عليه ثم قال: " إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس،
ــ
إلى الكوفة لاستدعائهم إياه ليبايعوه، فكان ذلك سبب قتله، وأما ابن الزبير فاعتصم، ويسمى عائذ البيت، وغلب على أمر مكة فكان يزيد بن معاوية يأمر أمراءه على المدينة أن يجهزوا إليه الجيوش، فكان آخر ذلك أن أهل المدينة اجتمعوا على خلع يزيد من الخلافة وكان عمرو بن سعيد هذا قد أمر على الجيش الذي جهزه إلى مكة عمرو بن الزبير، وكان معاديًا لأخيه عبد الله، وكان عمرو بن سعيد قد ولاه شرطته ثم أرسله إلى قتال أخيه فجاء مروان إلى عمرو بن سعيد فنهاه فامتنع، وجاء أبو شريح فذكر القصة، فلما نزل الجيش ذا طوى خرج إليهم جماعة من أهل مكة فهزموهم وأسر عمرو بن الزبير فسجنه أخوه بسجن عارم، وكان عمرو قد ضرب جماعة من أهل المدينة ممن اتهم بالميل إلى أخيه، فأقادهم عبد الله منه حتى مات عمرو من ذلك الضرب، تنبيه: وقع في السيرة لابن إسحاق ومغازي الواقدي أن المراجعة المذكورة وقعت بين أبي شريح وبين عمرو بن الزبير فإن كان محفوظًا احتمل أن يكون أبو شريح راجع الباعث والمبعوث والله أعلم، قاله الحافظ (إئذن) بهمزتين وفتح الذال، أمر من أذن يأذن، وتبدل همزته الثانية ياء لسكونها وانكسار ما قبلها فيقال: إيذن (أيها الأمير) أصله يا أيها الأمير، حذف منه حرف النداء، ويستفاد منه حسن التلطف في مخاطبة السلطان ليكون أدعى لقبوله النصيحة، وأن السلطان لا يخاطب إلا بعد استئذانه ولا سيما إذا كان في أمر يعترض به عليه فترك ذلك، والغلظة له قد يكون سببًا لإثارة نفسه ومعاندة من يخاطبه (أحدثك) بالجزم لأنه جواب الأمر (قولاً) مفعول ثان (قام به) صفة للقول والمقول هو حمد الله تعالى إلى آخره (الغد) بالنصب (من يوم الفتح) أي ثاني يوم الفتح يعني أنه خطب اليوم الثاني من فتح مكة (أذناي) هو فاعل سمعت وأصله أذنان لي، فلما أضيف إلى ياء المتكلم سقطت نون التثنية، وفيه إشارة إلى بيان حفظه له من جميع الوجوه، فقوله سمعته أي حملته عنه بغير واسطة، وذكر الأذنين للتأكيد، وقوله (وعاه قلبي) أي حفظه تحقيق لفهمه وتثبته، وقوله (وأبصرته عيناي) زيادة في تحقيق ذلك وأن سماعه منه ليس اعتمادًا على الصوت فقط بل مع المشاهدة والروية (حين تكلم به) أي بالقول المذكور و ((حين)) نصب على الظرف لسمعت ووعاه وأبصرت، ويؤخذ من قوله ((ووعاه قلبي)) أن العقل محله القلب (حمد الله) جملة استئنافية مبينة، وفي رواية ((أنه حمد الله)) قال الحافظ: هو بيان لقوله تكلم، ويؤخذ منه استحباب الثناء بين يدي تعليم العلم وتبيين الأحكام والخطبة في الأمور المهمة، وقد تقدم من رواية ابن اسحاق أنه قال فيها ((أما بعد)) (وأثنى عليه) عطف على حمد من قبيل عطف العام على الخاص (حرمها الله) جملة وقعت في محل الرفع لأنها خبر إن (ولم يحرمها الناس)
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 494)
فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، فقولوا له: إن الله قد أذن لرسوله ولم يؤذن لكم، وإنما أذن لي
ــ
بالضم أي إن تحريمها كان بوحي من الله لا من اصطلاح الناس (فلا يحل) الفاء فيه جواب شرط محذوف تقديره إذا كان كذلك فلا يحل (لامرئ) هذا اللفظ من النوادر حيث كانت عينه دائمًا تابعة للامه في الحركة (يؤمن بالله واليوم الآخر) اكتفى بطرفي المؤمن به عن بقيته قال الحافظ: فيه تنبيه على الامتثال لأن من آمن بالله لزمته طاعته ومن آمن باليوم الآخر لزمه امتثال ما أمر به واجتناب ما نهي عنه خوف الحساب عليه، وقد تعلق به من قال إن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة، والصحيح عند الأكثر خلافه، وجوابهم بأن المؤمن هو الذي ينقاد للأحكام وينزجر عن المحرمات فجعل الكلام معه، وليس فيه نفي ذلك عن غيره، وقال ابن دقيق العيد: الذي أراه أنه من خطاب التهبيج نحو قوله تعالى {وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} (سورة المائدة: الآية 26) فالمعنى استحلال هذا المنهي عنه لا يليق بمن يؤمن بالله واليوم الآخر بل ينافيه، فهذا هو المقتضى لذكر هذا الوصف، ولو قيل لا يحل لأحد مطلقًا لم يحصل منه هذا الغرض، وإن أفاد التحريم (أن يسفك) فاعل لا يحل وأن مصدرية، تقديره فلا يحل سفك دم، ويسفك بكسر الفاء على المشهور وحكي ضمها، ومعنى السفك إراقة الدم وصبه، والمراد به القتل، واستدل به على تحريم القتل والقتال بمكة، وتقدم البحث فيه في الكلام على حديث ابن عباس (بها) أي بمكة، والباء بمعنى في أي فيها كما هي رواية المستملي للبخاري (دمًا) مفعول ليسفك (ولا يعضد) بالنصب أيضًا لأنه عطف على يسفك والتقدير وأن لا يعضد، وزيدت لا لتأكيد معنى النفي، فمعناه لا يحل أن يعضد، ويعضد بكسر الضاد المعجمة بصيغة المعلوم. والضمير الذي فيه يرجع إلى امرئ أي ولا يقطع (بها) أي بمكة (شجرة) بالنصب مفعول يعضد، وفيه دليل على تحريم قطع شجر مكة وقد سبق الكلام في ذلك وتفصيل مذاهب الأئمة في شرح حديث ابن عباس (فإن) شرطية (أحد) فاعل فعل محذوف مضمر، والتقدير فإن ترخص أحد، ويفسره قوله (ترخص) وإنما حذف لئلا يجتمع المفسر والمفسر، وذلك كما في قوله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك} (سورة التوبة الآية: 6) وقوله ((ترخص)) على وزن تفعل مشتق من الرخصة، وفي رواية ابن أبي ذئب عند أحمد ((فإن ترخص مترخص)) وهو المتكلف للرخصة (بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم) كذا في صحيح مسلم وفي البخاري ((لقتال رسول الله)) واللام فيه للتعليل، وهو متعلق بقوله ترخص (فقولوا) جواب الشرط فلذلك دخلت فيه الفاء (إن الله قد أذن) بكسر الذال أي أجاز (لرسوله ولم يأذن لكم) معناه إن قال أحد بأن ترك القتال عزيمة والقتال رخصة يتعاطى عند الحاجة مستدلاً بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها فقولوا له: ليس الأمر كذلك، فإن الله أذن لرسوله صلى الله عليه وسلم ولم يأذن لكم (وإنما أذن لي) بفتح الهمزة وكسر الذال على بناء الفاعل، والضمير فيه يرجع إلى الله، ويروى يضم الهمزة على البناء للمجهول، وفي قوله ((لي)) التفات، لأن نسق الكلام
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 495)
ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلغ الشاهد الغائب ". فقيل لأبي شريح: ما قال لك عمرو؟ قال: قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح! إن الحرم لا يعيذ عاصيًا ولا فارًا بدم ولا فارًا بخربة.
ــ
((وإنما أذن له)) أي لرسوله، قاله الحافظ. وقال العيني: وإنما التفت ثانيًا بقوله ((وإنما أذن لي)) ولم يقل ((أذن له)) بيانًا لاختصاصه بذلك بالإضافة إلى ضميره كما في قول امرئ القيس:
وذلك من نبأ جاءني _ … وخبرته عن أبي الأسود
(ساعة من نهار) قد مضى في شرح حديث ابن عباس أن مقدار هذه الساعة ما بين طلوع الشمس وصلاة العصر، وكان قتل من قتل بإذن النبي صلى الله عليه وسلم كابن خطل وقع في هذا الوقت الذي أبيح فيه القتال للنبي صلى الله عليه وسلم، والمأذون له فيه القتال لا قطع الشجر، فليس في الحديث ما يدل على إباحة عضد الشجر لرسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الساعة (وقد عادت حرمتها) أي الحكم الذي في مقابلة إباحة القتال المستفاد من لفظ الإذن (اليوم كحرمتها بالأمس) المراد باليوم الزمن الحاضر وبالأمس أي الأمس من يوم الفتح. وقال السندي: الظاهر أن المراد وقد عادت حرمتها بعد تلك الساعة كحرمتها قبل تلك الساعة - انتهى. ولم يبين غاية الحرمة هنا، وقد بينها في رواية ابن أبي ذئب المذكورة بقوله ((ثم هي حرام إلى يوم القيامة)) وكذا في حديث ابن عباس السابق بقوله ((فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة)) (وليبلغ) بسكون اللام وكسرها وتشديد اللام الثانية ويجوز تخفيفها أي يوصل (الشاهد) بالرفع (الغائب) بالنصب، قال ابن جرير: فيه دليل على جواز قبول خير الواحد لأنه معلوم أن كل من شهد الخطبة قد لزمه الإبلاغ وأنه لم يأمرهم بإبلاغ الغائب عنهم إلا وهو لازم له فرض العمل بما أبلغه كالذي لزم السامع سواء وإلا لم يكن للأمر بالتبليغ فائدة (فقيل لأبي شريح) لم يدر اسم القائل. وظاهر رواية ابن إسحاق أنه بعض قومه من خزاعة (ما قال لك عمرو؟) أي في جوابك (قال) أي أبو شريح (قال) أي عمرو (أنا أعلم بذلك) أي بالمذكور من قول أبي شريح: أن مكة حرمها الله تعالى، إلخ (منك يا أبا شريح) بإظهار الهمزة ويجوز حذفها للتخفيف فيقال يابا شريح (إن الحرم) أي حرم مكة (لا يعيذ) بالذال المعجمة أي لا يجير ولا يعصم (ولا فارًا بدم) بالفاء وتثقيل الراء من الفرار وهو عطف على ((عاصيًا)) والباء في ((بدم)) للمصاحبة، أي مصاحبًا بدم ومتلبسًا به يعني لا يجير هاربًا عليه دم يعتصم بمكة كيلا يقتص منه، قال الحافظ: المراد من وجب عليه حد القتل فهرب إلى مكة مستجيرًا بالحرم، وهي مسألة خلاف بين العلماء، وأغرب عمرو بن سعيد في سياقه الحكم مساق الدليل وفي تخصيصه العموم بلا مستند (ولا فارًا بخربة) عطف على ما قبله، والباء فيه للسببية وقوله ((بخربة)) بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء بعدها باء موحدة وهي السرقة، كذا ثبت
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 496)
متفق عليه. وفي البخاري: الخربة الجناية.
ــ
تفسيرها في رواية المستملي أعني في روايته: ولا فار بخربة يعني السرقة. وقال ابن بطال: الخربة بالضم الفساد وبالفتح السرقة. قال الحافظ: قد تصرف عمرو في الجواب وآتى بكلام ظاهره حق ولكن أراد به الباطل. قال ابن حزم: لا كرامة للطيم الشيطان أن يكون أعلم من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأغرب ابن بطال فزعم أن سكوت أبي شريح عن جواب عمرو بن سعيد دال على أنه رجع إليه في التفصيل المذكور، ويعكر عليه ما وقع في رواية أحمد أنه قال في آخره: قال أبو شريح: فقلت لعمرو: قد كنت شاهدًا وكنت غائبًا وقد أمرنا أن يبلغ شاهدنا غائبنا وقد بلغت. فهذا يشعر بأنه لم يوافقه، وإنما ترك مشاققته لعجزه لما كان فيه من قوة الشوكة. وقال ابن بطال أيضًا: ليس قول عمرو جوابًا لأبي شريح لأنه لم يختلف معه في أن من أصاب حدًا في غير الحرم ثم لجأ إليه أنه يجوز إقامة الحد عليه في الحرم، فإن أبا شريح أنكر بعث عمرو الجيش إلى مكة ونصب الحرب عليها، فأحسن في استدلاله بالحديث، وحاد عمرو عن جوابه وأجابه عن غير سؤاله، وتعقبه الطيبي بأنه لم يحد في جوابه وإنما أجاب بما يقتضي القول بالموجب، كأنه قال له صح سماعك وحفظك لكن المعنى المراد من الحديث الذي ذكرته خلاف ما فهمته منه، فإن ذلك الترخص كان لسبب الفتح وليس بسبب قتل من استحق القتل خارج الحرم ثم استجار بالحرم، والذي أنا فيه من القبيل الثاني. قلت (قائله الحافظ) : لكنها دعوى من عمرو بغير دليل، لأن ابن الزبير لم يجب عليه حد فعاذ بالحرم فرارًا منه حتى يصح جواب عمرو، نعم كان عمرو يرى وجوب طاعة يزيد الذي استنابه وكان يزيد أمر ابن الزبير أن يبايع له بالخلافة ويحضر إليه في جامعة يعني مغلولاً، فامتنع ابن الزبير وعاذ بالحرم فكان يقال له بذلك عائذ الله، وكان عمرو يعتقد أنه عاص بامتناعه من امتثال أمر يزيد، ولهذا صدر كلامه بقوله: إن الحرم لا يعيذ عاصيًا. ثم ذكر بقية ما ذكر استطرادًا، فهذه شبهة عمرو وهي واهية، وهذه المسألة التي وقع فيها الاختلاف بين أبي شريح وعمرو فيها اختلاف بين العلماء أيضًا كما مر تفصليه في شرح حديث ابن عباس من هذا الباب، وفي حديث أبي شريح من الفوائد غير ما تقدم: جواز إخبار المرء عن نفسه بما يقتضي ثقته وضبطه لما سمعه ونحو ذلك، وإنكار العالم على الحاكم ما يغيره من أمر الدين، والموعظة بلطف وتدريج، والاقتصار في الإنكار على اللسان إذ لم يستطع باليد، ووقوع التأكيد في الكلام البليغ، وجواز المجادلة في الأمور الدينية، وفيه الخروج عن عهدة التبليغ، والصبر على المكاره لمن لا يستطيع بدًا من ذلك (متفق عليه) أخرجه البخاري في العلم وفي الحج وفي المغازي، ومسلم في الحج، وأخرجه أيضًا أحمد (ج 6: ص 385) والترمذي في الحج وفي الديات والنسائي في الحج وفي العلم (وفي البخاري: الخربة الجناية) قال القاري: وفي نسخة ((الخيانة)) ضد الأمانة – انتهى. والذي في البخاري في الحج وفي المغازي، قال أبو عبد الله: الخربة البلية. وقال ابن الأثير في النهاية: في الحديث ((الحرم
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 497)
2752 – (13) وعن عياش بن أبي ربيعة المخزومي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تزال هذه الأمة بخير ما عظموا هذه الحرمة حق تعظيمها، فإذا ضيعوا ذلك هلكوا ". رواه ابن ماجة.
ــ
لا يعيذ عاصيًا ولا فارًا بخربة)) الخربة أصلها العيب والمراد بها ها هنا الذي يفر بشيء يريد أن ينفرد به ويغلب عليه مما لا تجيزه الشريعة، والخارب أيضًا سارق الإبل خاصة ثم نقل إلى غيرها اتساعًا، وقد جاء في سياق الحديث في كتاب البخاري أن الخربة الجناية والبلية. قال الترمذي: وقد روي بخزية ويجوز أن يكون بكسر الخاء (وسكون الزاي) وهو الشيء الذي يستحي منه أو من الهوان أن يكون بالفتح وهو الفعلة الواحدة منهما – انتهى. وارجع لمزيد التفصيل إلى الفتح بالحج، والعيني والقسطلاني في العلم.
2752 – قوله (وعن عياش) بتشديد التحتانية وآخره معجمة (بن أبي ربيعة) اسم أبي ربيعة عمرو – ويلقب ذا الرمحين – ابن المغير بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشي أبو عبد الله، وقيل: أبو عبد الرحمن المخزومي ابن عم خالد بن الوليد بن المغيرة وأخو أبي جهل بن هشام لأمه، أمهما أم الجلاس، وأخو عبد الله بن أبي ربيعة لأبيه وأمه واسمها أسماء بنت سلمة بن مخرمة وهي أم الحارث وأبي جهل ابني هشام بن المغيرة، كان هشام بن المغيرة قد طلقها فتزوجها أخوه أبو ربيعة بن المغيرة، كان إسلام عياش بن أبي ربيعة قديمًا قبل أن يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم، وهاجر إلى أرض الحبشة مع امرأته وولد له بها ابنه عبد الله، ثم هاجر إلى المدينة فجمع بين الهجرتين قال الزبير: كان عياش بن أبي ربيعة قد هاجر إلى المدينة حين هاجر عمر بن الخطاب فقدم عليه أخواه لأمه أبو جهل والحارث ابنا هشام فذكر له أن أمه حلفت أن لا يدخل رأسها دهن ولا تستظل حتى تراه فرجع معهما فأوثقاه رباطًا وحبساه بمكة فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو له بالنجاة في القنوت كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة. روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في تعظيم مكة وعنه ابنه عبد الله وعبد الرحمن بن سابط وغيرهما استشهد باليمامة، وقيل باليرموك، وقيل مات سنة خمس عشرة بالشام في خلافة عمره (لا تزال هذه الأمة) أي أمة الإجابة (بخير) التنوين للتعظيم (ما عظموا) أي مدة تعظيمهم (هذه الحرمة) يعني الكعبة والحرم، وقال القاري: أي حرمة مكة وحرمها المعهودة عند العرب بأجمعها. وقال السندي: أي حرمة شعائر الله (فإذا ضيعوا ذلك) أي التعظيم أو ما ذكر من الحرمة (هلكوا) أي بالإهانة جزاء وفاقًا (رواه ابن ماجة) في آخر الحج من طريق يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن سابط عن عياش، قال ابن عبد البر: ويقولون: إن عبد الرحمن بن سابط لم يسمع منه، وأنه أرسل حديثه عنه، وروى عنه نافع مرسلاً أيضًا وروى عنه ابنه عبد الله بن عياش سماعًا منه – انتهى. وقال السندي: قال في الزوائد: في إسناده يزيد بن أبي زياد واختلط بآخره – انتهى.
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 498)
(15) باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
(الفصل الأول)
ــ
والحديث ذكره المحب الطبري في القرى (ص 589) وقال: أخرجه ابن الحاج في منسكه، وذكره الحافظ في الفتح في باب فضل مكة وبنيانها ثم قال: أخرجه أحمد وابن ماجة وعمر بن شبة في كتاب مكة وسنده حسن – انتهى.
(باب حرم المدينة) قال الزرقاني: المدينة في الأصل المصر الجامع ثم صارت علمًا بالغلبة على دار هجرته صلى الله عليه وسلم ووزنها فعيلة لأنها من مدن (بالمكان أي أقام به) وقيل: مفعلة بفتح الميم لأنها من دان (بمعنى أطاع، والدين الطاعة) والجمع مدن ومدائن بالهمز على القول بأصالة الميم ووزنها فعائل وبغير همز على القول بزيادة الميم ووزنها مفاعل انتهى. وقال الحافظ في الفتح: المدينة علم على البلدة المعروفة التي هاجر إليها النبي صلى الله عليه وسلم ودفن بها. قال الله تعالى: {يقولون لئن رجعنا إلى المدينة} (سورة المنافقون: الآية 8) فإذا أطلقت تبادر إلى الفهم أنها المراد، وإذا أريد غيرها بلفظ المدينة فلا بد من قيد فهي كالنجم للثريا، وكان اسمها قبل ذلك ((يثرب)) قال الله تعالى: {وإذ قالت طائفة منهم: يا أهل يثرب} (سورة الأحزاب: الآية 13) ويثرب اسم لموضع منها سميت كلها به، قيل: سميت بيثرب بن قانية من ولد إرم بن سام بن نوح، لأنه أول من نزلها، حكاه أبو عبيد البكري، وقيل غير ذلك. ثم سماها النبي صلى الله عليه وسلم طابة وطيبة كما سيأتي. وكان سكانها العماليق ثم نزلها طائفة من بني إسرائيل قيل أرسلهم موسى عليه السلام كما أخرجه الزبير بن بكار في أخبار المدينة بسند ضعيف ثم نزلها الأوس والخزرج لما تفرق أهل سبأ بسبب سيل العرم – انتهى. قال النووي في مناسكه: لمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة أسماء: المدينة وطابة وطيبة والدار ويثرب، قال تعالى: {ما كان لأهل المدينة} (سورة التوبة: الآية 121) وفي مسلم عن جابر مرفوعًا: " إن الله سمي المدينة طابة ". قال النووي: سميت طابة وطيبة لخلوصها من الشرك وطهارتها منه، وقيل لطيب ساكنها، وأما تسميتها الدار فللاستقرار بها لأمنها، وأما المدينة فقال كثير من أهل اللغة: هي من دان أي أطاع، سميت بها لأنه يطاع لله تعالى فيها. قال ابن حجر في شرحه: اقتصر على هذه الأسماء مع أن أسمائها تقارب الألف كما بينها بعض المتأخرين لأنها أشهرها – انتهى. وقال السمهودي: إن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى ولم أجد أكثر من أسماء هذه البلدة الشريفة وقد استقصيتها بحسب القدرة حتى أني زدت على شيخ مشائخنا
المجد الشيرازي اللغوي وهو أعظم الناس في هذا الباب نحو ثلاثين اسمًا فرقمت على ذلك صورة ليتميزوها وأنا أوردها مرتبة على حروف المعجم، ثم ذكر السمهودي أربعة وتسعين اسمًا مع بيان معانيها وسرد أحمد بن عبد الحميد العباسي ثمانية وخمسين اسمًا ثم ترجم كل اسم حسب ترتيبه الأبجدي، من أحب الوقوف على ذلك رجع إلى وفاء الوفا (ص 8 إلى ص 27) وإلى عمدة الأخبار (ص 58 إلى ص 70) . واعلم أن للمدينة حرمة عند الحنفية لا حرمًا كما لمكة خلافًا للأئمة الثلاثة؛ فعندهم يحرم صيدها وقطع شجرها، وعند الحنفية لا يحرم ذلك وسيأتي بسط الكلام في ذلك.
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 499)
2753 - (1) عن علي رضي الله عنه، قال: ما كتبنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا القرآن، وما في هذه الصحيفة. قال:
ــ
2753- قوله (ما كتبنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا القرآن وما في هذه الصحيفة) هذا لفظ البخاري في الجزية رواه من طريق سفيان عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن علي، وروى مسلم من طريق أبي معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن أبيه، قال: (أي يزيد بن شريك التيمي والد إبراهيم) : خطبنا علي بن أبي طالب فقال: من زعم أن عندنا شيئًا نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة - قال: وصحيفة معلقة في قراب سيفه - فقد كذب. وروى البخاري أيضًا في العلم من طريق مطرف عن الشعبي عن أبي جحيفة قال: قلت لعلي رضي الله عنه: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مسلم أو ما في هذه الصحيفة. قال الحافظ: قوله ((هل عندكم)) الخطاب لعلي والجمع إما لإرادته مع بقية أهل البيت أو للتعظيم. وقوله ((كتاب)) أي مكتوب أخذتموه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أوحي إليه، ويدل على ذلك رواية المصنف يعني البخاري في الجهاد: هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله؟ وله في الديات: ((هل عندكم شيء مما ليس في القرآن؟)) . وفي مسند إسحاق بن راهويه عن جرير عن مطرف ((هل علمت شيئًا من الوحي؟)) وإنما سأله أبو جحيفة عن ذلك لأن جماعة من الشيعة كانوا يزعمون أن عند أهل البيت لا سيما عليًا أشياء من الوحي خصهم النبي صلى الله عليه وسلم بها لم يطلع غيرهم عليها. وقد سأل عليًا عن هذه المسألة أيضًا قيس بن عُبَاد (بضم العين وتخفيف الباء) والأشتر النخعي وحديثهما في مسند النسائي (ومسند الإمام أحمد ج 1: ص 122) وقال النووي: قوله من زعم أن عندنا شيئًا نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة فقد كذب)) . هذا تصريح من علي رضي الله عنه بإبطال ما تزعمه الرافضة والشيعة ويخترعونه من قولهم أن عليًا رضي الله عنه أوصى إليه النبي صلى الله عليه وسلم بأمور كثيرة من أسرار العلم وقواعد الدين وكنوز الشريعة، وأنه صلى الله عليه وسلم خص أهل البيت بما لم يطلع عليه غيرهم، وهذه دعاوى باطلة واختراعات فاسدة لا أصل لها ويكفي في إبطالها قول علي رضي الله عنه هذا، وفيه دليل على جواز كتابة العلم (قال) أي علي رضي الله عنه تفسيرًا لما في الصحيفة، وفي رواية أبي جحيفة عند البخاري في العلم قال: قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، إلخ. قال الحافظ: ووقع للبخاري ومسلم من طريق يزيد التيمي عن علي قال: ما عندنا شيء نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة، فإذا فيها الجراحات وأسنان الإبل والمدينة حرم - الحديث. ولمسلم عن أبي الطفيل عن علي: ما خصنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء لم يعم به الناس كافة إلا ما في قراب سيفي هذا. وأخرج صحيفة مكتوب فيها: لعن الله من ذبح لغير الله - الحديث. وللنسائي من طريق الأشتر وغيره عن علي ((فإذا فيها: المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم)) .
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 500)
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " المدينة حرام ما بين عير إلى ثور،
ــ
الحديث. ولأحمد من طريق طارق بن شهاب ((فيها فرائض الصدقة)) والجمع بين هذه الأحاديث أن الصحيفة كانت واحدة وكان جميع ذلك مكتوباً فيها فنقل كل واحد من الرواة عنه ما حفظه، والله أعلم. وقد بين ذلك قتادة في روايته لهذا الحديث عن أبي حسان عن علي (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المدينة حرام) كذا في رواية البخاري في باب إثم من عاهد ثم غدر من كتاب الجهاد، وهكذا وقع عند أحمد (ج 1: ص 126) وأبي داود ولفظ مسلم ((المدينة حرم)) بفتحتين بدون ألف، وهكذا عند البخاري في ((باب ذمة المسلمين وجوارهم واحدة)) وكذا وقع عند أحمد (ج 1: ص 81) والترمذي والنسائي. والحرام بمعنى الحرم لأن الروايات يفسر بعضها بعضًا. وقال القاري: حرام أي محترم ممنوع مما يقتضي إهانة الموضع المكرم، وعند الشافعية: الحرام بمعنى الحرم. قلت: وهو الظاهر (ما بين عَيْر) بفتح العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف بلفظ العير مرادف الحمار، جبل مشهور في قبلة المدينة بقرب ذي الحليفة ميقات المدينة، وفي رواية للبخاري ((ما بين عائر)) بألف بعد العين المهملة على وزن فاعل (إلى ثور) بفتح الثاء المثلثة وسكون الواو بلفظ الثور فحل البقر جبل صغير خلف أحد، وهو غير جبل ثور الذي بمكة، وقوله ((إلى ثور)) انفرد به مسلم، ولفظ البخاري ((إلى كذا)) أي بإبهام النهاية. قال الحافظ: اتفقت روايات البخاري كلها على إبهام الثاني، ووقع عند مسلم ((إلى ثور)) فقيل: إن البخاري أبهمه عمداً لما وقع عنده أنه وهم. وقال صاحب المشارق والمطالع: أكثر رواة البخاري ذكروا عيرًا وأما ثور فمنهم من كنى عنه بكذا، ومنهم من ترك مكانه بياضًا، والأصل في هذا التوقف قول مصعب الزبيري ((ليس بالمدينة عير ولا ثور)) ، وأثبت غيره عيرًا فوافقه على إنكار ثور. قال أبو عبيد (القاسم بن سلام) : قوله: ((ما بين عير إلى ثور)) . هذه رواية أهل العراق، وأما أهل المدينة فلا يعرفون جبلاً عندهم يقال له ثور، وإنما ثور بمكة، ونرى أن أصل الحديث ما بين عير إلى أحد. قلت (قائله الحافظ) : وقد وقع ذلك في حديث عبد الله بن سلام عند أحمد والطبراني (في الكبير قال عبد الله بن سلام: ما بين كذا وأحد حرام حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كنت لأقطع به شجرة ولا أقتل به طائرًا. هذا لفظ أحمد (ج 5: ص 450) ، ولفظ الطبراني ((قال: ما بين عير وأحد حرام)) . قال الهيثمي: ورجاله ثقات) وقال عياض: لا معنى لإنكار عير بالمدينة فإنه معروف، وقد جاء ذكره في أشعارهم، وأنشد أبو عبيد البكري في ذلك عدة شواهد. وقال ابن السيد في المثلث: عير اسم جبل بقرب المدينة معروف. قال الحافظ: وقد سلك العلماء في إنكار مصعب الزبيري لعير وثور مسالك، منها ما تقدم، ومنها: قول ابن قدامة في المغنى (ج 3: ص 354) : يحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد قدر ما بين ثور وعير لا أنهما بعينهما في المدينة، ويحتمل أنه أراد الجبلين الذين بطرفي المدينة وسماهما عيرًا وثورًا تجوزًا وارتجالاً – انتهى. وحكى ابن الأثير كلام أبي عبيد
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 501)
...................................................................................
ــ
مختصراً ثم قال: وقيل إن عيرًا جبل بمكة، ويكون المراد أنه حرم من المدينة قدر ما بين عير وثور من مكة أو حرم المدينة تحريماً مثل تحريم ما بين عير وثور بمكة، على حذف المضاف ووصف المصدر المحذوف. وقال النووي: يحتمل أن ثوراً كان اسمًا لجبل هناك إما أحد وإما غيره فخفي اسمه، وقال صاحب البيان والانتصار: قد صحت الرواية بلفظ ثور فلا ينبغي الإقدام على توهيم الرواة بمجرد عدم العرفان فإن أسماء الأماكن قد تتغير أو تنسى ولا يعلمها كثير من الناس، وأيضًا فقد يكون للشيء اسمان فيعرف أحدهما دون الآخر. وقال المجد صاحب القاموس: لا أدري كيف وقعت المسارعة من هؤلاء الأعلام إلى إثبات وهم في الحديث المتفق على صحته بمجرد ادعاء أن أهل المدينة لا يعرفون جبلاً يسمى ثورًا وذكر احتمال طرق التغيير في الأسماء والنسيان لبعضها، قال: حتى إني سألت جماعة من فقهاء المدينة وأمرائها وغيرهم من الأشراف عن فدك ومكانها فكلهم أجابوا بعدم معرفة موضع يسمى بذلك في بلادهم مع أن هذه القرية لم تبرح في أيدي الأشراف والخلفاء يتداولونها إلى أواخر الدولة العباسة فكيف بجبل صغير لا يتعلق به كبير أمر مع أنه معروف بين أهل العلم بالمدينة ونقل بعض الحفاظ وصفه بذلك خلفًا عن سلف – انتهى. ونقل جماعة عن المحدث أبي محمد عفيف الدين عبد السلام بن مزروع البصري نزيل المدينة المشرفة أنه رآه غير مرة وأنه لما خرج رسولاً من صاحب المدينة إلى العراق كان منه دليل يذكر له الأماكن والأجبل، فلما وصلا إلى أحد إذا بقربه جبل صغير فسأله ما اسم هذا الجبل؟ فقال له: يسمى ثورًا. وقد حكى عنه نحو هذا القطب الحلبي في شرح البخاري ثم قال: فعلمت بذلك صحة الرواية. وقال المحب الطبري في الأحكام بعد حكاية كلام أبي عبيد ومن تبعه: قد أخبرني الثقة الصدوق الحافظ العالم أبو محمد عبد السلام البصري أن حذاء أحد عن يساره جانحًا إلى وراءه جبل صغير يقال له ثور. وأخبر أنه تكرر سؤاله عنه لطوائف من العرب العارفين بتلك الأرض وما فيها من الجبال فكل أخبر أن ذلك الجبل اسمه ثور وتواردوا على ذلك. قال الطبري: فعلمنا بذلك أن ذكر ثور في الحديث صحيح، وأن عدم علم أكابر العلماء به لعدم شهرته وعدم بحثهم عنه. قال: وهذه فائدة جليلة – انتهى. وقال الحافظ بعد حكاية كلام ابن مزروع البصري والمحب الطبري والقطب الحلبي: وذكر شيخنا أبو بكر بن حسين المراغي نزيل المدينة في مختصره لأخبار المدينة أن خَلَفَ أهل المدينة ينقلون عن سلفهم أن خَلْفَ أحد من جهة الشمال جبلاً صغيرًا يضرب لونه إلى الحمرة بتدوير يسمى ثوراً. قال: وقد تحققته بالمشاهد – انتهى كلام الحافظ. ونقل السمهودي عن الإقشهري أنه قال: قد استقصينا من أهل المدينة تحقيق خبر جبل يقال له ثور عندهم فوجدنا ذلك اسم جبل صغير خلف جبل أحد يعرفه القدماء دون المحدثين من أهل المدينة. والذي يعلم حجة على من لا يعلم – انتهى. واعلم أن ما ورد في حديث على هذا من
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 502)
...................................................................................
ــ
تحديد حرم المدينة بما بين عير وثور لا ينافي الحديث الآتي: ((إني أحرم ما بين لابتي المدينة)) . لأن اللابتين حرتان يكتنفانها، كما في القاموس، وعير وثور مكتنفان المدينة، فحديث عير وثور يفسر اللابتين، وقيل حديث: ((ما بين لابتيها)) يعني من جهة المشرق والمغرب، فإن من جهة المشرق حرة ومن جهة المغرب أخرى، وحديث: ((ما بين عير إلى ثور)) يعني من جهة الجنوب والشمال، فثور من جهة الشمال، وعير من جهة الجنوب، والله أعلم. وفي حديث علي هذا وفيما يأتي من أحاديث سعد بن أبي وقاص، وحديث أبي سعيد وحديث أنس دليل على أن المدينة حرمًا كحرم مكة، وقد روي في هذا عن جماعة من الصحابة غير هؤلاء، ذكر أحاديثهم المجد في المنتقى، والعيني في العمدة (ج10: ص 231) والهيثمي في مجمع الزوائد (ج3: ص 303) والسمهودي في وفاء الوفا (ص 89، 105، 108) . قال الشوكاني: استدل بما في هذه الأحاديث من تحريم شجر المدينة وخبطه وعضده وتحريم صيدها وتنفيره الشافعي ومالك وأحمد وجمهور أهل العلم على أن للمدينة حرمًا كحرم مكة يحرم صيده وشجره. قال الشافعي ومالك: فإن قتل صيدًا أو قطع شجرًا فلا ضمان لأنه ليس بمحل للنسك فأشبه الحمى. وقال ابن أبي ذئب وابن أبي ليلى: يجب فيه الجزاء كحرم مكة، وبه قال بعض المالكية وهو ظاهر قوله ((كما حرم إبراهيم مكة)) ، وذهب أبو حنيفة وزيد بن علي والناصر إلى أن حرم المدينة ليس بحرم على الحقيقة ولا تثبت له الأحكام من تحريم قتل الصيد وقطع الشجر، والأحاديث ترد عليهم – انتهى. وقال العيني: احتج بأحاديث تحريم حرم المدينة محمد بن أبي ذئب والزهري والشافعي ومالك وأحمد وإسحاق، وقالوا: المدينة لها حرم فلا يجوز قطع شجرها ولا أخذ صيدها، ولكنه لا يجب الجزاء فيه عندهم خلافًا لابن أبي ذئب فإنه قال: يجب الجزاء، وكذلك لا يحل سلب من يفعل ذلك عندهم إلا عند الشافعي، وقال في القديم: من اصطاد في المدينة صيدًا أخذ سلبه ويروى فيه أثرًا عن سعد، وقال في الجديد بخلافه. وقال الثوري وعبد الله بن المبارك وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: ليس للمدينة حرم كما كان لمكة، فلا يمنع أحد من أخذ صيدها وقطع شجرها – انتهى. والمراد من المنع منع استحباب لا تحريم، فلا يحرم عند الحنفية أخذ صيدها وقطع شجرها، بل يكره فقط كما في المرقاة. قال في الكافي: لأن حل الاصطياد عرف بالنصوص القاطعة فلا يحرم إلا بقاطع كذلك، ولم يوجد، وأما تحريم مكة فنصوص الكتاب فيه صريحة. قال التوربشتي: قوله صلى الله عليه وسلم في حديث مسلم ((لا تخبط منها شجرة إلا لعلف)) وأشجار حرم مكة لا يجوز خبطها بحال، وأما صيد المدينة وإن رأى تحريمه نفر يسير من الصحابة فإن الجمهور منهم لم ينكروا اصطياد الطور بالمدينة ولم يبلغنا فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم نهي من طريق يعتمد عليه – انتهى. وأيضًا قال
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 503)
...................................................................................
ــ
أصحابنا: قوله عليه الصلاة والسلام ((أحرم)) من الحرمة لا من التحريم بمعنى أعظم المدينة جمعًا بين الدليلين بقدر الإمكان، وبه نقول فنعظمها ونوقرها أشد التوقير والتعظيم، لكن لا نقول بالتحريم لعدم القاطع احترازًا عن الجرأة على تحريم ما أحل الله تعالى. فإن قيل: إنه شبه التحريم بمكة فكيف يصح الحمل على التعظيم؟ أجيب: بأنه لا يخلو عن أمرين، إما أن يكون المراد التشبيه من كل الوجوه أو من وجه دون وجه، فإن كان الأول فلا يصح الحمل على ما حملتم عليه قوله ((كتحريم إبراهيم مكة)) فقلتم في الحرمة فقط لا في وجوب الجزاء في المشهور من المذهب، وإن قلتم بوجوب الجزاء فلا نسلم لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة رضي الله عنهم إلا عن سعد فقط. وعن عمر في قول، وهو سلب القاطع والصائد وقد أجمعنا أن ذلك لا يجب في حرم مكة فكيف يجب هناك؟ وإن كان الثاني فكما حملتم على شيء ساغ لنا أن نحمل على آخر، وهذا لأن تشبيه الشيء بالشيء يصح من وجه واحد وإن كان لا يشبهه من كل الوجوه كما في قوله تعالى {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم} (سورة آل عمران: الآية 52) . يعني من وجه واحد وهو تخليقه بغير أب فكذلك نقول إن تشبيهه بمكة في تحريم التعظيم فقط لا في التحريم الذي يتعلق به أحكام أخر، لأن ذلك يوجب التعارض بين الأحاديث، وبالحمل على ما قلنا يدفع ودفعه هو المطلوب مهما أمكن بالإجماع، فصار المصير إلى ما ذهبنا إليه أولى وأرجح بلا نزاع – انتهى. قال صاحب فتح الملهم بعد ذكر هذا كله: قلت: ولكن يرد هذا كله حديث جابر عند مسلم بلفظ: ((إن إبراهيم حرم مكة وإني أحرم المدينة ما بين لابتيها لا يقطع عضاهها ولا يصاد صيدها)) . وأصرح منه حديث سعد بلفظ: ((إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاهها أو يقتل صيدها)) . وفي حديث ابن عباس عند أحمد (ج 1: ص 318) بإسناد حسن: ((لكل نبي حرم وحرمي المدينة، اللهم إني أحرمها بحرمك أن لا يؤوى بها محدث ولا يختلى خلاها ولا يعضد شوكها ولا تؤخذ لقطتها إلا لمنشدها)) . فقد ثبت النهي عن الاصطياد بطريق يعتمد عليه، وظهر أن التحريم فيه ليس بمعنى التوقير والتعظيم فقط بل هو واقع على قطع العضاه وقتل الصيد كالحرم المكي والله أعلم – انتهى. قلت: والأصل في المنع والنهي التحريم حتى تقوم دلالة على التنزيه ولم يقم دليل على كون النهي لكراهة التنزيه، بل ورد ما يدل على كونه للتحريم فقد روى مسلم من طريق يزيد بن هارون عن عاصم الأحول قال: سألت أنسًا أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة؟ قال: نعم هي حرام، لا يختلى خلاها، فمن فعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. ففي هذه الرواية ترتب الوعيد الشديد على المختلي، قال صاحب فتح الملهم: هذا مخالف لما ذهب إليه الحنفية من حمل النهي عن الاختلاء ونحوه على الكراهة مع إثبات الإباحة. قال: ولم أجد في غير هذا الطريق ويختلج في قلبي أن الرواية وقع فيها اختصار، وحذف بعض الرواة ذكر الإحداث وإيواء المحدث وكان
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 504)
...................................................................................
ــ
الوعيد مرتبًا على ذلك المحذوف كما هو المصرح في سائر الروايات عن أنس، وأيضًا ليس في هذه الرواية التصريح برفع هذه الجملة إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما لا يخفى على المتأمل – انتهى. قلت: ليس منشأ هذا الاختلاج إلا أن هذه الرواية مخالفة لمذهب الحنفية فاضطر إلى توهينها والتشكيك في رفعها، وإلا فليس ها هنا ما يدل على كونها مخالفة لسائر الروايات فتأمل. وأحاب الحنفية أيضًا عن الأحاديث المذكورة بأنه صلى الله عليه وسلم إنما قال ذلك لا لأنه لما ذكروه من تحريم صيد المدينة وشجرها، بل إنما أراد بذلك بقاء زينة المدينة ليستطيبوها ويألفوها وذلك كمنعه صلى الله عليه وسلم من هدم آطام المدينة وقال: " إنها زينة المدينة ". قال الحافظ: قال الطحاوي: يحتمل أن يكون سبب النهي عن صيد المدينة وقطع شجرها كون الهجرة كانت إليها فكان بقاء الصيد والشجر مما يزيد في زينتها ويدعو إلى ألفتها كما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن هدم آطام المدينة فإنها من زينة المدينة فلما انقطعت الهجرة زال ذلك، وما قاله ليس بواضح لأن النسخ لا يثبت إلا بدليل، وقد ثبت على الفتوى بتحريمها سعد وزيد بن ثابت وأبو سعيد وغيرهم كما أخرجه مسلم. قال الحافظ: واحتج الطحاوي (لما ذهب إليه الحنفية) بحديث أنس في قصة أبي عمير ((ما فعل النغير)) قال: لو كان صيدها حرامًا ما جاز حبس الطير. وأجيب باحتمال أن يكون من صيد الحل. قال أحمد: من صاد من الحل ثم أدخله المدينة لم يلزمه إرساله لحديث أبي عمير، وهذا قول الجمهور، لكن لا يرد ذلك على الحنفية لأن صيد الحل عندهم إذا دخل الحرم كان له حكم الحرم، ويحتمل أن تكون قصة أبي عمير كانت قبل التحريم (لأنه في أول الهجرة، وتحريم المدينة كان بعد رجوعه صلى الله عليه وسلم من خيبر) واحتج بعضهم بحديث أنس في قصة قطع النخل لبناء المسجد، ولو كان قطع شجرها حرامًا ما فعله صلى الله عليه وسلم، وتعقب بأن ذلك كان في أول الهجرة كما سيأتي واضحًا في أول المغازي، وحديث تحريم المدينة كان بعد رجوعه صلى الله عليه وسلم من خيبر كما سيأتي في حديث عمرو بن أبي عمرو عن أنس في الجهاد، وفي غزوة أحد من المغازي واضحًا. قلت: واستدل الحنفية أيضًا بما رواه الطحاوي والطبراني وابن أبي شيبة عن سلمة أنه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما إنك لو كنت تصيدت بالعقيق لشيعتك إذا ذهبت وتلقيتك إذا جئت فإني أحب العقيق ". قال الطحاوي: ففي هذا الحديث ما يدل على إباحة صيد المدينة ألا ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دل سلمة وهو بها على موضع الصيد وذلك لا يحل بمكة فثبت أن حكم صيد المدينة خلاف حكم صيد مكة. وقال في النخبة: هذا تصريح من النبي صلى الله عليه وسلم على جواز صيد المدينة فإن الأئمة اتفقوا على أن العقيق من المدينة ولم يخالف فيه مخالف. وأجيب عن ذلك بما قال البيهقي أن حديث سلمة ضعيف ومن يدعي العلم بالآثار لا ينبغي له أن يعارض الأحاديث الثابتة في حرم المدينة بهذا
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 505)
...................................................................................
ــ
الحديث الضعيف، وقد يجوز أن يكون الموضع الذي كان سلمة يصيد فيه خارجًا من حرم المدينة، والموضع الذي رأى فيه سعد بن أبي وقاص غلامًا يقطع شجرًا من حرم المدينة داخله حتى لا يتنافيان، ولو اختلفا كان الحكم لرواية سعد لصحة حديثه وثقة رجاله دون حديث سلمة - انتهى. ويحتمل أن حديث سلمة كان قبل تحريم المدينة. قال صاحب فتح الملهم: والذي تحصل من مجموع الروايات – والله سبحانه وتعالى أعلم – أن لمكة حرمًا وللمدينة حرمًا يختلف عن حرم مكة في نوع من الأحكام كالنهي عن دخولها بغير إحرام وغيره، ويشبهه في نوع منها كالنهي عن الاصطياد وقطع الشجر مع تفاوت الدرجات فيه من حيث ورود التشديد والتغليظ في شأن مكة وإيجاب العقوبات على من جنى فيها على غير شاكلة ما هو في شأن المدينة من وقوع التساهل والإغماض عمن ارتكب شيئًا مما نهى عنه، وهذا غير خاف على من تأمل في الأحاديث التي ذكرناها من الطحاوي وغيره، ويشهد لهذا التخفيف أيضًا ما رخص النبي صلى الله عليه وسلم في خبط شجرها لعلف الدواب، وقال في حديث جابر عند أبي داود وغيره لا يخبط ولا يعضد حمى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن يهش هشًا رفيقًا أي ينثر نثرًا بلين ورفق، ولهذا لم يجر التعامل على ما في حديث سعد من التعزير بالسلب؛ بل قال ابن بطال: حديث سعد في السلب لم يصح عند مالك ولا رأى العمل عليه بالمدينة كما في عمدة القاري – انتهى. وقال الحافظ: قال ابن قدامة: يحرم صيد المدينة وقطع شجرها، وبه قال مالك والشافعي وأكثر أهل العلم، وقال أبو حنيفة: لا يحرم ثم من فعل مما حرم عليه فيه شيئًا أثم ولا جزاء عليه في رواية لأحمد وهو قول مالك والشافعي في الجديد وأكثر أهل العلم وفي رواية لأحمد وهو قول الشافعي في القديم وابن أبي ذئب واختاره ابن المنذر وابن نافع من أصحاب مالك وقال القاضي عبد الوهاب: إنه الأقيس واختاره جماعة بعدهم فيه الجزاء وهو كما في حرم مكة وقيل: الجزاء في حرم المدينة أخذ السلب لحديث صححه مسلم عن سعد بن أبي وقاص، وفي رواية لأبي داود ((من وجد أحدًا يصيد في حرم المدينة فليسلبه)) . قال القاضي عياض: لم يقل بهذا بعد الصحابة إلا الشافعي في القديم. قلت (قائله الحافظ) : واختاره جماعة معه وبعده لصحة الخبر فيه، ولمن قال به اختلاف في كيفيته ومصرفه، والذي دل عليه صنيع سعد عند مسلم وغيره أنه كسلب القتيل وأنه للسالب لكنه لا يخمس، وأغرب بعض الحنفية فادعى الإجماع على ترك الأخذ لحديث السلب ثم استدل بذلك على نسخ أحاديث تحريم المدينة، ودعوى الإجماع مردودة فبطل ما ترتب عليها. قال ابن عبد البر: لو صح حديث سعد لم يكن في نسخ أخذ السلب ما يسقط الأحاديث الصحيحة، ويجوز أخذ العلف لحديث أبي سعيد في مسلم: ((ولا يخبط فيها شجرة إلا لعلف)) . ولأبي داود من طريق أبي حسان عن علي نحوه، وقال المهلب: في حديث أنس دلالة على أن المنهي عنه في الحديث الماضي مقصور على القطع الذي
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 506)
...................................................................................
ــ
يحصل به الإفساد، فأما من يقصد الإصلاح كمن يغرس بستانًا مثلاً فلا يمتنع عليه قطع ما كان لتلك الأرض من شجر يضر بقاؤه. قال: وقيل: بل فيه دلالة على أن النهي إنما يتوجه إلى ما أنبته الله من الشجر مما لا صنع فيه للآدمي كما حمل عليه النهي عن قطع شجر مكة وعلى هذا يحمل قطعه صلى الله عليه وسلم النخل وجعله قبلة المسجد ولا يلزم منه النسخ المذكور – انتهى. ويأتي مزيد الكلام على حرم المدينة ومسألة السلب في شرح حديث سعد الآتي. فائدة: روى مسلم من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، قال: حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين لابتي المدينة. قال أبو هريرة: فلو وجدت الظباء ما بين لابتيها ما ذعرتها، وجعل اثني عشر ميلاً حول المدينة حمى. وروى أبو داود من حديث عدي بن زيد قال: حمى رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ناحية من المدينة بريدًا بريدًا لا يخبط شجره ويعضد إلا ما يساق به الجمل. وقد سكت عليه أبو داود وكذا سكت عليه الحافظ في الفتح، وقال المنذري: في إسناده سليمان بن كنانة، سئل عنه أبو حاتم الرازي فقال: لا أعرفه، ولم يذكره البخاري في تاريخه، وفي إسناده أيضًا عبد الله بن أبي سفيان وهو في معنى المجهول – انتهى. وقال في التقريب في عبد الله بن أبي سفيان: إنه مقبول. قال السمهودي (ص 96) : اعلم أن قوله في حديث مسلم ((وجعل اثني عشر ميلاً حول المدينة حمى)) . ظاهر في التحريم لذلك القدر، إذ حول المدينة إنما هو حرمها وحمى النبي صلى الله عليه وسلم الذي ليس بحرم لم يكن حول المدينة على ما سيأتي بيانه، ولأن التقي السبكي قال: إن في سنن أبي داود تحديد حرم المدينة ببريد من كل ناحية. قال: وإسناده ليس بالقوي. والذي رأيته في أبي داود عن عدي بن زيد: حمى رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ناحية من المدينة بريدًا بريدًا، إلخ. قال: ورواه البزار بنحوه، ورواه ابن زبالة بلفظ ((حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم شجر المدينة بريدًا في بريد منها، وأذن في المسد والمنجدة ومتاع الناضح أن يقطع منه)) . وروى المفضل الجندي عن سعد بن أبي وقاص أنه قال في قصة العبد الذي وجده يعضد أو يخبط عضاها بالعقيق: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من وجد من يعضد أو يخبط شيئًا من عضاه المدينة بريدًا في بريد فله سلبه ". وروى البزار عن جابر قال: حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة بريدًا من نواحيها كلها. (قال الهيثمي بعد عزوه للبزار: وفيه الفضل بن مبشر وثقه ابن حبان وضعفه جماعة) قال السمهودي: وفي الأوسط للطبراني: وفيه ضعيف عن كعب بن مالك، قال: حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم الشجر بالمدينة بريدًا في بريد فأرسلني فأعلمت على الحرم على شرف ذات الجيش وعلى شريب، وعلى أشراف مخيض وعلى نبت (قال الهيثمي: في طرقه عبد العزيز بن عمران بن أبي ثابت، وهو ضعيف) قال السمهودي: ورواه ابن النجار وابن زبالة بلفظ ((حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة بريدًا في بريد وأرسلني فأعلمت على الحرم)) إلخ. قال: وروى ابن زبالة أيضًا من طريق مالك بن أنس عن أبي بكر بن حزم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الحمى: إلى مضرب القبة. قال مالك: وذلك نحو من بريد. قال السمهودي بعد بيان الألفاظ المتعلقة بالتحديد ما نصه:
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 507)