مائتي سنة وكسر من الهجرة)) (1) .
ويقول البغدادي في بدء ظهور الباطنية:
((ومنهم من نسب الباطنية إلى الصابئين الذين هم بحرّان … )) إلى أن يقول: ((قال عبد القاهر: الذي يصح عندي من دين الباطنية أنهم دهرية زنادقة يقولون بقدم العالم)) (2) .
بينما يذهب الشيخ محمد بن مالك بن أبي الفضائل الحمادي إلى أن نشأة الباطنية كان في سنة مائتين وست وسبعين، حينما قام زعيمهم ميمون القداح بإنشاء هذا المذهب الخبيث وهو وزملاؤه الذين كانوا على شاكلته (3) .
والذي يظهر لي أن سبب اختلاف العلماء في تحديد نشأة الباطنية يعود إلى عوامل عدة من أهمها:
1. غموض أمر الباطنية في أدوار كثيرة مرّ بها تاريخهم، كل واحد من العلماء أرّخ لهم حسب ما وصل إليه من أخبارهم.
2. أن مذهب الباطنية نفسه يقبل تلك الاختلافات … فمن قال: إنهم ظهروا في الإسلام، فلما يبدونه من تظاهرهم به وتشيعهم أيضاً لآل البيت.
ومن قال: إن أفكارهم تعود إلى ما قبل الإسلام من أفكار الصابئة أو الدهرية، فلما وجده من آرائهم الكثيرة التي بدا عليها طابع الدهرية أو الفلاسفة القدماء أو البرهمية أو اليهودية أو النصرانية أو البوذية، لأن مذهب الباطنية خليط من شتى الديانات.--------------------------------------------
(1) بيان مذهب الباطنية وبطلانه ص.18.
(2) الفرق بين الفرق ص 294.
(3) انظر كشف أسرار الباطنية ص 32.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٤٨٠)
والحقيقة التي يجب أن ندركها أن مهما كانت الأسباب فإن الدعوة الباطنية يحوطها كثير من الغموض خصوصاً في بدء أمرها، أي في الدور الذي يسمونه ((دور الستر)) ؛ إذ لا يتمكن أحد من معرفتهم والكتابة عنهم الكتابة الدقيقة، ومهما كان فإن عقائد الباطنية على العموم قد استمدت من عقائد قديمة.
ولكن بدأ التخطيط لإقامة هذا المذهب في الإسلام كما يترجح من أقوال العلماء ما بين سنة 200و300هـ أي بعد انتشار الإسلام وعز أهله به، وانطفاء نار المجوسية، كسر صليب النصارى، وكسر طاغوت الوثنية، ودحر اليهودية، وضرب الذلة والمسكنة عليهم.
فأكل الحسد قلوبهم، وبدأوا يخططون في الخفاء لطريق ينفّسون بها عن أحقادهم للنيل من الإسلام وأهله، فاهتدوا إلى هذه الطرق التي سيأتي الحديث عنها، ليستيقن طالب العلم أن ما نعايشه في عصرنا هذا من مؤامرات ظاهرة وخفية على الإسلام وأهله إنما هو امتداد لتلك الحركات الأصول في ذلك الزمن، وإنما تخمد حيناً وتنشط أحياناً أخرى، والهدف واحد على امتداد الزمن.
* * * * * * * * * * * * * * * *
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٤٨١)
الفصل الثالث
الغرض من إقامة هذا المذهب وكيف تأسس
قام هذا المذهب الهدام من أول الأمر على النيل من الإسلام وأهله، إما بإخراج المسلم عن دينه بالكلية، أو بإدخال الشكوك في قلبه.
ولقد استفاض العلماء في بيان ذلك كله، واتضح أن قيام هذا المذهب كان لأسباب كثيرة ومقاصد خبيثة من أهمها:
إبطال الإسلام والقضاء عليه وعلى أهله، أو زعزعته من نفوس المسلمين أو تشكيكهم فيه، وإحلال المجوسية والإلحاد محله.
من أجل ذلك، ومن أجل إقامة حكم عام في الأرض تسيطر عليه الآراء الباطنية، وينفذ فيه حكمها..قام هذا المذهب.
واتخذ أهله عدّة أقنعة تستّروا بها لتحقيق ما يهدفون إليه منها:
1- اعتمادهم على تأويل النصوص تأويلات تنافي ما يقرره الإسلام ويأمر به.
2- إظهار التشيع لعلمهم بأن مذهب التشيع يحتمل كلامهم، إذ لم يجدوا مدخلاً إلى الإسلام إلا من جهة إظهار التشيع والانتساب إلى المذهب الشيعي.
وقد تم تأسيس هذا المذهب -فيما يذكر الغزالي (1) - كما يلي:
((تم في اجتماع لقوم من أولاد المجوس والمزدكية وشرذمة من الثنوية--------------------------------------------
(1) انظر فضائح الباطنية ص 18- 20.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٤٨٢)
الملحدين، وطائفة كبيرة من ملحدة الفلاسفة المتقدمين، -زاد الديلمي: وبقايا الخرمية واليهود-..جمعهم ناد واشتوروا (1) في حيلة يدفعون بها الإسلام.
وقالوا: إن محمداً غلب علينا وأبطل ديننا، واتفق له من الأعوان ما لم نقدر على مقابلتهم، ولا مطمع لنا في نزع ما في أيدي المسلمين من المملكة بالسيف والحرب، لقوة شوكتهم وكثرة جنودهم، وكذلك لا مطمع لنا فيهم من قبيل المناظرة لما فيهم من العلماء والفضلاء والمتكلمين والمحققين فلم يبق إلا اللجوء إلى الحيل والدسائس.
ثم اتفقوا على وضع حيل وخطط مدروسة يسيرون عليها لتحقيق أهدافهم من خلال الأمور التالية:
1- التظاهر بالإسلام وحب آل البيت والانتصاف لهم.
2- دعوى أن النصوص لها ظاهر وباطن، والظاهر قشور والباطن لبّ، والعاقل يأخذ اللبّ ويترك القشور.
وهذا الزعم الكاذب يريدون من ورائه سلب المعاني عن الألفاظ، والإتيان بمعان باطنية تتفق مع ما يهدفون إليه من الكيد للإسلام.
3- اختاروا أن يدخلوا على المسلمين عن طريق التشيع، وعلى مذهب الرافضة، وإن كان هؤلاء الباطنيون يعتبرون الروافض أيضاً على ضلال، إلا أنهم رأوهم- على حد ما ذكر الغزالي- أرّك الناس عقولاً، وأسخفهم رأياً، وألينهم عريكة لقبول المحالات، وأطوعهم للتصديق بالأكاذيب المزخرفات (2) ،--------------------------------------------
(1) انظر بيان مذهب الباطنية وبطلانه ص 19.
(2) فضائح الباطنية ص 19.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٤٨٣)
وأكثر الناس قبولاً لما يلقى عليهم من الروايات الواهية الكاذبة، فتستروا بالانتساب إليهم ظاهراً للوصول إلى أصناف الناس، فكان ظاهرهم الرفض، وباطنهم الكفر المحض)) كما ذكر الغزالي (1) .
أو كما قال بعض العلماء: إن الإمامية دهليز الباطنية … وهذا هو التفسير الواضح لما تلحظ من التقارب الشديد بين الباطنية والرافضة.
4- اتفقوا أن يبثوا دعاتهم وأن يلزموهم بخطة ماكرة، وهي أنه يجب على كل داعية أن يوافق هوى المدعو مهما كان مذهبه ودينه مستعملاً معه الحيل التسع المعروفة عنهم والتي سنذكرها فيما بعد.
وكان من أبرز دعاتهم ميمون بن ديصان القدّاح، وهو رئيسهم (2) ، وابنه عبيد الله، وحمدان قرمط (3) ، وزكرويه بن مهرويه -عبدان-، وأبو سعيد الجنابي، وولده أبو طاهر (4) … وغيرهم ممن يطول حصرهم هنا.
وقد تحمل دعاة الباطنية كثيراً من المشقة والآلام والأسفار الكثيرة في نشر--------------------------------------------
(1) المصدر السابق ص 37.
(2) ويذكر أنه تظاهر بالإسلام على يدي جعفر الصادق وترك المجوسية فغيروا اسمه إلى القداح فيما بعد، لأنه يقدح العلم عن خاطره على حد زعمهم وهو فارسي من الأهواز. بيان مذهب الباطنية وبطلانه ص 20، وانظر ترجمته في أعلام الاسماعيلية ص 559.
(3) هو حمدان بن الأشعث الأهوازي الملقب بقرمط، أصله من خوزستان، تزعم طائفة نسبت إليه، ولقب بقرمط لقصر كان فيه، فرجلاه قصيرتان بشكل ملفت للنظر الأمر الذي جعله ناقماً على المجتمع.
القرامطة ص5، وقد سماه ابن كثير قرط بن الأشعث البقار، انظر البداية والنهاية ج11 ص62، وسماه النوبختي قرمطويه، انظر البداية والنهاية ج11 ص62، وسماه النوبختي قرمطويه، انظر فرق الشيعة صـ93 وسماه ابن الجوزي كرميته نسبه إلى رجل يسمى بهذا الاسم تلبيس إبليس ص 110.
(4) انظر: فضائح الباطنية، وانظر: بيان بطلان مذهب الباطنية في عدة مواضع.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٤٨٤)
باطلهم من بلد إلى بلد، مما يتوجب على أهل الحق- وهم يعرفون بأنهم سيحصلون من دعوتهم إلى الله على خيري الدنيا والآخرة - ألا يكون هؤلاء الطغاة أكثر حماساً وصبراً منهم في نشر باطلهم.
* * * * * * * * * * * * * * * * * *
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٤٨٥)
الفصل الرابع
أسماء الباطنية
وسبب تسميتهم بتلك الأسماء
أطلقت على هذه الطائفة أسماء كثيرة للتمويه على الناس، بعضها يقبلونه وبعضها لا يقبلونه، ومن أشهرها:
1- الباطنية:
وقد أطلق عليهم هذا الاسم لزعمهم أن النصوص من الكتاب والسنة لها ظاهر وباطن، وأن الظاهر بمنزلة القشور والباطن بمنزلة اللب (1) .
2- الإسماعيلية:
نسبة إلى إسماعيل بن جعفر الصادق لزعمهم الانتساب إليه (2) لأن والده جعفر الصادق نص إلى إمامته من بعده، وأوصى له بها رغم أن علماء النسب مجمعون على أن إسماعيل مات في حياة والده سنة (145هـ) ، لكن الإسماعيليون يزعمون أن إسماعيل لم يمت في حياة والده وفي العام المذكور.
بل إن أباه قد جعله وصيه، ولخوفه عليه من الخليفة العباسي احتال لإخفائه عنه فكتب محظراً بوفاته وأشهد عليه عامل المنصور العباسي بالمدينة المنورة، وفي نفس الوقت توجّه إسماعيل سراً إلى (السلمية) وهي من أعمال--------------------------------------------
(1) بيان مذهب الباطنية وبطلانه ص21 وانظر فضائح الباطنية ص 11.
(2) انظر الإفحام لأفئدة الباطنية الطغام ص 23.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٤٨٦)
حماة، وإلى الجنوب الشرقي منها، بينهما 35كم، وهي مركز الإسماعيلية حيث كان يقيم فيها آنذاك رهط من بني هاشم، وانتسب إليهم فعرفوه وأقام بينهم.
يقول مصطفى غالب عن سلمية هذه:
((ويكفي سلميّة فخراً أنها أنجبت جماعة إخوان الصفا، ومنها انطلقت جحافل الإمام عبيد الله المهدي لتأسيس الدولة الفاطمية في المغرب)) .
ثم يزعم الإسماعيليون أن الخليفة العباسي علم بمكان إسماعيل في السلمية، وحينئذ خرج إسماعيل متخفياً إلى دمشق، وعلم به كذلك الخليفة، وكان العامل على دمشق إسماعيلياً فأخبر إسماعيل بما كتب به الخليفة من إلقاء القبض على إسماعيل وإرساله إلى الخليفة.
فقرر إسماعيل التوجه إلى العراق ووصل البصرة سنة 151هـ، ثم ظل ينتقل بين أتباعه سراً وتحت أزياء مختلفة وأسماء عديدة إلى أن توفي سنة 158هـ بعد أن رزق -حسب زعمهم- من الأولاد محمد وعلي وفاطمة، وبعد أن أوصى بالإمامة من بعده إلى محمد (1) .
وقد حصل شقاق وتفرق بين الإمامية والإسماعيلية في سوق الإمامة، فبينما هي عند الشيعة الاثني عشرية في جعفر الصادق ثم في موسى الكاظم، إذا هي عند الإسماعيلية في جعفر الصادق ثم في ابنه إسماعيل ثم في محمد بن إسماعيل..إلى آخر أئمتهم المستورين.
وقد تفرقت الإسماعيلية إلى ثلاث فرق معاصرة هي:--------------------------------------------
(1) انظر هذه التفاصيل في كتابه ((أعلام الإسماعيلية)) لمؤلفه الباطني مصطفى غالب ص 161-165.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٤٨٧)
أ- الدروز.
ب- الإسماعيلية النزارية-البهرة-.
ج- الإسماعيلية الأغا خانية.
وأخبار الإسماعيلية طويلة، وقد كتب فيها الشيخ إحسان إلهي كتاباً مستقلاً (1) .
3- السبعية:
قيل في سبب إطلاق هذه التسمية عليهم ما يلي:
أ- لدعواهم أن أدوار الإمامة سبعة سبعة، كلما انتهى حكم سبعة من الأئمة قامت القيامة وابتدأ الدور من جديد إلى ما لا نهاية.
ثم لشغفهم بالعدد سبعة حيث فسروا كثيراً من الأمور على وفق هذا العدد، فقالوا: إن السموات سبع، والأرضين سبع، والكواكب السيارة سبعة، والأيام سبعة، وأعضاء الإنسان سبعة، والنقب في رأس الإنسان سبعة … إلى آخر أدلتهم على مزية العدد سبعة.
وقد رد بعض العلماء على الإسماعيلية بتفضيل بعض الأعداد على السبعة، إما الأربعة، أو الخمسة، أو العشرة، وكل ذلك مما لا طائل تحته ولا حاجة تدعو إليه، والذين يتشاءمون بالأعداد أو يتفاءلون بها جهال.
ب- وقيل: إنه أطلق عليهم بسبب اعتقادهم أن العالم السفلي تديره الكواكب السبعة وهي: زحل، المشتري، عطارد، المريخ، الزهرة، الشمس،--------------------------------------------
(1) هو كتابه ((الإسماعيلية تاريخ وعقائد)) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٤٨٨)
القمر. وهي عقيدة مأخوذة من ملاحدة المنجمين (1) .
((وملتفت إلى مذاهب الثنوية في أن النور يدبر أجزاءه الممتزجة بالظلمة بهذه الكواكب السبعة)) (2) .
4- التعليمية:
وقد أطلق عليهم بسبب أن مذهبهم قائم على الحجر على العقل، وإبطال النظر والاستدلال، والدعوة إلى الإمام المعصوم المستور، وأن العلم لا يجوز أخذه إلا منه.
واستدلوا لهذا بأن الحق إما أن يعرف بالرأي أو بالتعليم، وباطل أن يعرف بالرأي لتعارض الآراء واختلاف العقلاء، فلم يبق إلا أن يعرف بالتعليم، والعلم لا يجوز أخذه عن أحد غير الإمام المعصوم لضمان صحته والوثوق به (3) .
وهذا الدليل من أردأ الأدلة، بل هو يحكي رداءة مذهبهم وأفكارهم الشريرة.
ويرد عليهم بأن الإمام الذي يدعون إليه وإلى أخذ العلم عنه لا وجود له إلا في أذهانهم وفي خططهم لاحتواء كل الأديان والسيطرة على الناس، فإن دعواهم أنه مستور لا يظهر هو أقوى الأدلة على كذبهم.
5- الإباحيّة:
وهذه التسمية التي أطلقت عليهم في الواقع مأخوذة من اعتقاداتهم--------------------------------------------
(1) انظرالأفحام ص23.
(2) فضائح الباطنية ص 16.
(3) انظر المصدر السابق ص 17.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٤٨٩)
وأفعالهم، وهم لذلك أهل إباحة لا يحرمون محرّما ولا يلتزمون بشرع، بل الحلال ما حل في أيديهم، والحرام ما منعوا منه. ويستدلون على هذا المسلك بقول الله عز وجل: {خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً} (1)
ومن أدلتهم على ما يذهبون إليه أيضاً من استحلال المحرمات حسب بواطن النصوص التي اطلعوا عليها بفهمهم السقيم قول الله عز وجل: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} (2) ، وقوله عز وجل: {وَذَرُوا ظَاهِرَ الْأِثْمِ وَبَاطِنَهُ} (3) ، أي أن فيه حكماً ظاهراً وحكماً باطناً.
فقالوا: إن الظواهر من النصوص قد تدل على التحريم، بينما بواطنها تدل على الإباحة، وهذه حيلة من حيلهم لاستدراج الناس إلى مذاهبهم الرديئة وحججهم الباطلة على أن الأحكام لها ظاهر ولها باطن، فهم يريدون من التأكيد على هذا المفهوم هدم ظواهر النصوص بعد ذلك بتلاعبهم بمعانيها وفق أهوائهم وتحريفاتهم.
6- القرامطة (4) :
أما سبب تسميتهم بهذا الاسم فلانتسابهم إلى رجل يقال له حمدان قرمط، وهو رجل من أهل الكوفة، وقد كان راعياً مائلاً إلى الزهد والديانة (5) -فيما يذكر عنه- في بداية حياته، وقيل: إنه كان يتظاهر بذلك وأنه على--------------------------------------------
(1) سورة البقرة: 29
(2) سورة لأعراف: 33
(3) سورة الأنعام: 120
(4) أصل القرامطة قصر الخطو في المشي، أو دقة الحروف وتقارب الأسطر في الكتابة.
(5) الأفحام ص 22
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٤٩٠)
المجوسية (1) فصادفه أحد دعاة الباطنية -ويسمى حسين الأهوازي- وهو متوجه إلى قريته، وبين يدي حمدان بقر يسوقها، فدارت بينهما المحادثة التالية:
قال حمدان لذلك الداعي وهو لا يعرفه ولا يعرف حاله: أراك سافرت من موضع بعيد فأين مقصدك؟ (انظر إلى تفاني أهل الباطل في تبليغ الناس باطلهم) .
فذكر له الداعي موضعاً هو قرية حمدان.
فقال له حمدان: اركب بقرة من هذا البقر لتستريح من تعب المشي- فلما رآه مائلاً إلى الزهد والديانة أتاه من حيث رآه مائلاً إليه، وهذه إحدى خطط الباطنية - فقال له: إني لم أومر بذلك.
فقال حمدان: وكأنك لا تعمل إلا بأمر؟
قال: نعم.
قال حمدان: وبأمر من تعمل؟
فقال الداعي: بأمر مالكي ومالكك ومن له الدنيا والآخرة.
فقال: ذلك هو رب العالمين.
فقال الداعي: صدقت، ولكن الله يهب ملكه لمن يشاء.
قال حمدان: وما غرضك في البقعة التي أنت متوجه إليها؟
قال: أمرت أن أدعو أهلها وأخرجهم من الجهل إلى العلم، ومن الضلال--------------------------------------------
(1) القرامطة ص6.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٤٩١)
إلى الهدى، ومن الشقاوة إلى السعادة، وأن أستنقذهم من ورطات الذل والفقر، وأملكهم ما يستغنون به عن الكد والتعب.
فقال حمدان: أنقذني أنقذك الله فما أشد احتياجي إلى مثل ما ذكرته.
فتحرج الداعي أن يخبره بشيء حتى يأخذ عليه العهد أن لا يفشي سرّ الإمام المعصوم المستور، ولا يفشي له خبر- وهذه إحدى حيل الباطنية -فعاهده حمدان على ذلك، فشرع الداعي في استدراجه إلى الباطنية حتى صار فيما بعد ركناً من أركانها، وصار له أتباع وفرقة تنسب إليه تسمى (القرامطة) أو (القرمطية) كان لهم في تاريخ الأمة الإسلامية حوادث هائلة، وأخبار بتنكيلهم بالمسلمين مؤسفة (1) .
قال ابن كثير رحمه الله في حوادث سنة 278هـ:
((وفيما تحركت القرامطة، وهم فرقة من الزنادقة الملاحدة أتباع الفلاسفة من الفرس الذين يعتقدون بنبوة زرادشت ومزدك، وكانا يبيحان المحرمات، ثم هم بعد ذلك أتباع كل ناعق إلى باطل، وأكثر ما يفسدون من جهة الرافضة، ويدخلون إلى الباطل من جهتهم، لأنهم أقل الناس عقولاً، ويقال لهم الإسماعيلية لانتسابهم إلى إسماعيل الأعرج ابن جعفر الصادق (2) .
وفي سنة 286 تحرك القرامطة برئاسة أبي سعيد الحسن بن بهرام الحنابي واستولوا على هجر وما حولها من البلاد وأكثروا فيها الفساد.
وقد كان أبو سعيد هذا سمساراً في الطعام يبيعه للناس في القطيف، فجاء بعض الدعاة الباطنيون إلى شيعة القطيف فاستجابوا له وتأمر عليهم أبو سعيد الجنابي، وأصله من بلدة جنابه قريبة من القطيف، وعاثوا في الأرض فساداً--------------------------------------------
(1) فضائح الباطنية ص 12- 13.
(2) البداية والنهاية ج1 ص 61.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٤٩٢)
وأخافوا أهل العراق والشام إلى أن هلك أبو سعيد هذا في عام301هـ فتولى بعده ولده أبو طاهر الجنابي وكثر دعاة القرامطة وصارت لهم دولة (1) .
وفي سنة 317هـ اشتدت شوكتهم جداً وتمكنوا من الوصول إلى الكعبة، والناس يوم التروية، فما شعروا إلا والقرامطة برئاسة أبي طاهر الجنابي قد انتهبوا أموالهم وقتلوا كل من وجدوا من الحجيج في رحاب مكة وشعابها وفي المسجد الحرام وفي جوف الكعبة.
وجلس أميرهم أبو طاهر -بل أبو النجس- على باب الكعبة والرجال تصرع حوله، والسيوف تعمل في المسجد الحرام، في الشهر الحرام، في يوم التروية، وكان يقول هذا الملعون: أنا الله وبالله أنا، أنا أخلق الخلق وأفنيهم أنا -تعالى الله عما يقول علواً كبيراً-، ولم يدع أحداً طائفاً أو متعلقاً بأستار الكعبة إلا قتله.
ثم أمر بإلقاء القتلى في بئر زمزم، وأمر بقلع باب الكعبة، ونزع كسوتها عنها، ثم أمر بأن يقلع الحجر الأسود، فجاء قرمطي فضرب الحجر بمثقل في يده وهو يقول: أين الطير الأبابيل، أين الحجارة من سجيل، ثم قلعه وأخذوه معهم، فمكث عندهم اثنين وعشرين سنة (2) ، وهو ابتلاء من الله للمسلمين في ذلك الوقت.
وفي نفس هذه السنة نبغت لهم نابغة في بلاد المغرب عرفت باسم الفاطميين على يد زعيمهم أبي محمد عبيد الله بن ميمون القداح، وكان يهودياً صباغاً بسلمية فادعى أنه أسلم ثم سافر من سلمية فدخل بلاد المغرب، وادعى أنه شريف فاطمي فصدقته طائفة كثيرة من البربر حتى صارت له دولة--------------------------------------------
(1) البداية والنهاية ص81
(2) المصدر السابق ص 160-161.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٤٩٣)
فملك مدينة سجلماسة (1) ، ثم ابتنى مدينة سماها المهدية، وانتزع الملك من يد أبي نصر زيادة الله آخر ملوك بني الأغلب على أفريقية، وقد اختلف في نسبه:
1) فمرة قيل: هو عبيد الله بين الحسن بن محمد، وينتهي نسبه إلى علي بن أبي طالب.
2) ومرة قيل: إنه من نسل إسماعيل بن جعفر الصادق.
قال ابن خلكان:
((والمحققون ينكرون دعواه في النسب وينصون على أن هؤلاء المتسمين بالفاطميين أدعياء، وأنهم من أصل يهودي من سلمية بالشام، وأن والده لقب بالقداح لأنه كان كحالاً يقدح العيون، وقد هلك عبيد الله سنة 322هـ.
وتمكن حفيده المعز من الاستيلاء على مصر واستمر ملك العبيديين بها نحو قرنين من الزمان، إلى أن قضى عليهم بطل الإسلام صلاح الدين الأيوبي في سنة 564هـ وأزال منها كل آثار العبيديين وقطع شرورهم عن الناس، وأراح الله منهم العباد.
أماكن وجود القرامطة:
مما يجدر ذكره أن القرامطة توزعوا إلى أقسام، وأخذوا أماكن كثيرة تجمعوا فيها؛ ويمكن أن نوجز أماكن تجمعاتهم فيما يلي:
1- في اليمن:
وقد تزعم القرامطة في أول الأمر رجلان، وهما: المنصور بن الحسن بن--------------------------------------------
(1) المصدر السابق ص 161.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٤٩٤)
زاذان، وعلي بن الفضل الجدني، أرسلهما ميمون ين ديصان القداح، وقد تلقب المنصور بمنصور اليمن، واجتمع حوله عدد من القبائل، وأظهر الدعوة باسم الإمام الإسماعيلي المنتظر، وقد تمكن عام 266هـ أن يؤسس أول دولة إسماعيلية، وقام بنشاط كبير، ثم أرسل الدعاة إلى عدة جهات بعيدة عن مركز الخلافة العباسية، مثل الداعية عبيد الله المهدي الذي ذهب إلى المغرب، وادعى كذباً أنه شريف فاطمي من آل البيت، وكون هناك -كما سبق- دولة.
وكان علي بن الفضل الجدني أيضاً من أصدقاء المنصور إلا أنه اختلف معه فيما بعد، وقامت بينهما حروب حين تمكن علي بن الفضل من جمع عدة قبائل حوله، ثم ادعى النبوة وأباح المحرمات، وكان المؤذن يؤذن في مجلسه: ((وأشهد أن علي بن الفضل رسول الله)) ، وامتد له العتو والفجور فكان يكتب إلى عماله: ((من باسط الأرض وداحيها، ومزلزل الجبال ومرسيها علي بن الفضل إلى عبده فلان … )) ) . إلى أن مات مسموماً بواسطة طبيب أقسم ليقتلنه غيرة لله، فتم له ذلك في سنة 303هـ (1) .
2- العراق:
والمعروف أن جنوب العراق القريب من فارس أرض الشيعة ومهدها الأول، ومركز الجهل والخرافات أيضاً، كان القاعدة والمركز الأساسي لانتشار القرامطة، وقد نشط الدعاة من الإسماعيلية هنا أمثال مهرويه وهو مجوسي من أصل فارسي، وحسين الأهوازي وهو فارسي وانتسب إلى الأهواز لإخفاء شخصيته، لأن الأهواز كانت عربية وتسمى ((الأحواز)) ، وعبيد الله بن ميمون--------------------------------------------
(1) انظر كشف أسرار الباطنية ص 40- 63، وانظر الباطنيون والحركات الهدامة في التاريخ الإسلامي ص 20- 24، وانظر القرامطة لمحمود شاكر ص 52- 54.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٤٩٥)
القداح رأس الدعوة الإسماعيلية الذي فرق أولاده في أماكن كثيرة من تلك الجهات.
ونشط دعاة آخرون متسترون بالدين وبالانتساب إلى آل البيت وقلوبهم المجوسية تغلي على الإسلام والمسلمين، وبسطوا نفوذهم في أماكن كثيرة من الأهواز وخراسان والشام إلى أن قتل آخر زعمائهم وهو زكرويه عام 301هـ، وتشتت أتباعه في تفاصيل كثيرة يذكرها علماء الفرق (1) .
ولقد كان أساس نشأة القرامطة في العراق بتأثير من حمدان قرمط الذي تأثر بدعوة حسين الأهوازي حين خرج من سلمية في الشام قاصداً العراق فصادف حمدان وجرى بينهما ما قدمنا الإشارة إليه من تلك المحادثة التي أعقبها دخول حمدان في دعوة الباطنية، ثم كان له بعد ذلك شأن كبير في إشاعة الفساد وتخويف الآمنين.
((وقد قدر عدد الضحايا الذين سقطوا في حروب القرامطة من أهل الشام ومن البوادي ومن الحجيج ومن أهل المدن، ومن جند مصر، ومن جند العراق بما يزيد على 600.000 بين رجل وامرأة وطفل)) (2) .
3- البحرين:
أول ما عرف شأن القرامطة في البحرين كان على يد شخص نزل البحرين وأعطى نفسه اسم يحيى بن المهدي (3) ، وبعضهم يقول: الحسن بن بهرام--------------------------------------------
(1) القرامطة ص 55.
(2) الباطنيون والحركات الهدامة ص 12-15.
(3) القرامطة ص 66.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٤٩٦)
الفارسي (1) .
وقد استمال إليه الناس بالتدريج فأظهر بالتدرج أولاً أنه شيعي، وحينما رأى إقبال الناس ادعى أنه المهدي المنتظر.
وكانت الدولة العباسية قد بدأت في مراحل الضعف واشتغلت بمشاكلها الداخلية الكثيرة، وقد تبع هذا الداعية رجال كان لهم شهرة وقيادة مثل الحسن ابن بهرام الذي عرف باسم أبي سعيد الجنابي، الذي عاث في الأرض فساداً، وأذاق الناس القتل والجوع إلى أن قتل عام 301هـ، وتولى بعده أبو طاهر، وفعل أفعالاً تقشعر منها الجلود من القتل والنهب، فقد دخل البصرة عام 311هـ في 2700من رجاله فقتل خلقاً عظيماً وحمل الأموال والأمتعة والنساء والصبيان ورجع بها.
وفي عام 312هـ قطع على الحجاج الطريق، فأخذ منهم جميع ما يملكون، وترك من لم يقتله منهم بلا ماء ولا زاد، فمات أكثرهم في تلك القفار.
وفي عام 313هـ دخل الكوفة وعاث فيها فساداً مدة ستة أيام نقل خلالها ما أراد من الأمتعة، وفعل ما فعله في العام السابق، وأغار على مدينة الأنبار وعين التمر.
وفي عام 317هـ فعل فعلته الكبرى فهجم على الحجاج في يوم التروية كما تقدم، فنهب الأموال، وقتل الحجاج في المسجد الحرام، وفي البيت نفسه، ورمى القتلى في بئر زمزم حتى امتلأت بالجثث، وخلع باب الكعبة ووقف يلعب بسيفه على بابها، وخلع الحجر الأسود ورجع به إلى بلده وبقي--------------------------------------------
(1) الباطنيون والحركات الهدامة ص16.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٤٩٧)
معهم اثنتين وعشرين سنة، إلى أن رده هؤلاء القرامطة بتأثير من الفاطميين في المغرب، وهم الذين أمروهم برد الحجر الأسود إلى مكانه بعد أن ساءت سمعتهم كثيراً في العالم الإسلامي، ولحق الفاطميين بالمغرب شيء من سوء تصرفاتهم، فسعوا في إرجاع الحجر الأسود إلى البيت تغطية لشنائعهم.
ووصل نفوذ هؤلاء القرامطة إلى نجد والحجاز والشام، وأرادوا القاهرة إلا أنهم صدّوا من قبل جوهر الصقلي.
ثم تناوب عدة زعماء إلى أن أراد الله إهلاكهم فقام أحد زعماء قبيلة بني عبد القيس المشهورة، وهو عبيد الله بن علي العيوني فاستعان بالخلفية العباسي القائم بأمر الله، كما استعان بالسلطان السلجوقي ((ملكشاه)) ، وجاءت القوات العباسية وساعدت عبيد الله بن علي العيوني، وقضت على القرامطة نهائياً في عام 467هـ وأراح الله منهم العباد، وطهر منهم البلاد (1) .
ويذكر العلماء أحداثاً كثرة لتحركات قرامطة البحرين، وما فعلوه من قتلهم المسلمين وتخريب بلدانهم لا نرى ضرورة للتطويل بذكرها، إذ إن خلاصتها أن هؤلاء الذين يتظاهرون بالتشيع والإسلام فعلوا ما لم يفعله سائر الكفار غير التتار.
7- الملاحدة:
لأنهم ينفون وجود الله عز وجل ويقولون بتأثير الكواكب (2) .
هكذا يذكر الديلمي، وهو الواقع، ولا يرد على هذا ما يوجد عندهم من--------------------------------------------
(1) انظر الباطنيون والحركات الهدامة في تاريخ الإسلامي ص 16-19. والقرامطة ص 66- 70.
(2) بيان مذهب الباطنية وبطلائه ص 24.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٤٩٨)
ذكر الله تعالى وذكر صفاته عز وجل فقد وصفوا الله تعالى بصفات سلبية مؤداها إنكار وجوده تعالى.
8- المزدكية:
نسبة إلى رجل يقال له مزدك، قيل: إنه رئيس الخرمية، وقيل غير ذلك (1) ، ولعله غير مزدك صاحب الشيوعية الأولى، ثم أطلق على الباطنية لمشابهتهم مذهب مزدك.
9- البابكية:
لانتسابهم إلى بابك الخرمي، خرج في أيام المعتصم بناحية أذربيجان، فجهز لهم الجيوش حتى قتلهم.
وقد كان من إباحية هؤلاء البابكية أن لهم ليلة يجتمع فيها رجالهم ونساؤهم ويطفئون السرج ثم يتناهبون النساء، فيبيت كل واحد مع امرأة، ويزعمون أن من احتوى على امرأة استحلها بالاصطياد كائنة من كانت، وأن هذا الصيد من أطيب المباحات بزعمهم، وتسمى هذه الليلة ((ليلة الإفاضة)) ، وهو عمل لا تقبل به حتى البهائم، وقبلته عقولهم التي هي أحط من عقول البهائم.
إضافة إلى أنهم يدعون نبوة رجل كان من ملوكهم قبل الإسلام يقال له ((شروين)) ، يزعمون أنه أفضل من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ومن سائر الأنبياء (2) .
10- الخرمية أو الخرمدينية:
وكلمة ((خرم)) أعجمية، ومعناها: الشيء المستلذ المستطاب الذي ترتاح له--------------------------------------------
(1) بيان مذهب الباطنية وبطلائه ص 24.
(2) فضائح الباطنية ص 15.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٤٩٩)