أسلموا- إنه مكتوب في التوراة في السطر الأول: محمد رسول الله عبده المختار، مولده مكة مهاجره طيبة. وأخرج كذلك: مكتوب في التوراة صفة النبي وعيسى بن مرييم يدفن معه»
أقلو: لم أجد الخبر الأول في جامع الترمذي، ولا ذكره صاحب ذخائر المواريث، وسيأتي ما يتعلق به. وأما السند ففي سنده عثمان بن الضحاك مجهول، ومحمد بن يوسف بن عبد الله، ولم يوثقا توثيقاً يعتد به، وقد ذكر البخاري في ترجمة محمد من التاريخ 2631:1 طرفاً من هذا الخبر وقال «هذا لا يصح عندي، ولا يتابع عليه»
قال أبو رية «وهذا … قد أحكمه الداهية كعب، فقد روى الدارمي عنه في صفة النبي في التوارة قال: في السطر الأول: محمد رسول الله عبده المختار، مولده مكة ومهاجره طيبة وملكه الشام/ وقد بحثنا عن السطر الثاني من هذه الأسطورة حتى وجدناه في سنن الدارمي كذلك عن الداهية الأكبر كعب فقد روى ذكوان عنه: في السطر الأول محمد رسول- الله عبده المختار … ، وهذا الكلام قد أورده ابن سعد في طبقاته عن ابن عباس في جواب لكعب، وقد أمتدت هذه الخرافة إلى أحد تلاميذ كعب، عبد الله بن عمرو بن العاص فقد روى البخاري من عبد الله (1) بن يسار، وزاد ابن كثير: قال ابن يسار: ثم لقيت كعبا الخبر فسألته فما اختلفا في حرف» قال أبو رية «وكيف يختلفان وكعب هو الذي علمه»
أقول: خبر عبد الله بن عمرو نسبه بعضهم إلى عبد الله بن سلام كما ذكره البخاري، وذكر ابن حجر أنه لا مانع من صحته عنهما. وقد بحثت عن هذا الخبر بطرقه المذكورة هنا وغيره ونظرت في الأسانيد، فترجح عندي صحته عن عبد الله--------------------------------------------
(1) الصواب عن هلال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
بن عمرو، فأما نسبته إلى عبد الله بن سلام ففي صحتها نظر، وكذلك نسبته إلى كعب، وبيان ذلك يطول، وهذا الذي ظهر لي هو الظاهر من صنيع البخاري (1) .
هذا وفي بعض روايات الخبر أنه من التوراة، فإن صح ذلك في الرواية فقد يراد به الكتب المنسوبة إلى موسى وقد يراد به ما يعم كتبه وكتب أنبياء بني إسرائيل وهو ما يسمى عند القوم «العهد القديم» وذلك إطلاق شائع كما يؤخذ من إظهار الحق 1: 38 وفي تفسير ابن كثير7:7 56يقع في كلام كثير من السلف إطلاق التوارة على كتب أهل الكتاب، وقد ورد في بعض الأحاديث ما يشبه هذا» . وعلى كل حال فالرويات تعطي وجود معنى تلك العبارة في بعض كتب أهل الكتاب، وأبو رية يزعم أن الخبر «أسطورة، خرافة» فإن بنى ذلك على امتناع أن يكون في كتب الأنبياء السابقين أخبار بأمور مستقبلة كبعثة محمد صلى الله عليه وسلم وصفته فهذا تكذيب صريح للقرآن وتكذيب بكتب الله ورسله، فإن كان أبو رية ينطوي على هذا فليجهر به حتى يخاطب بحسبه. وإن بنى على استبعاد صحة الخبر لأنه لا يوجد في كتب أهل الكتاب الآن ما يؤدي ذاك المعنى، ولم يكن موجوداً فيها منذ ألف سنة تقريباً عندما شرع بعض علماء المسلمين يطلعون عليها وينقلون عنها، فهذا يبنيء عن جهل أو تجاهل بتاريخ كتب أهل الكتاب وأحوالهم فيها، واقتصر هنا على عبارات عن كتاب «إظهار الحق» للشيخ رحمة الله الهندي ففيه 220:1 عن الدكتور كني كات وهو من أعظم محققي كتب العهدين قال «إن نسخ العهد العتيق التي هي موجودة كتبت ما بين ألف وألف وأربعمائة … » وقال «إن جميع النسخ التي كانت كتبت في المائة السابعة (الميلادية) أو الثامنة أعدمت بأمر محفل الشورى لليهود لأنها كانت تخالف مخالفة كثيرة للنسخ التي--------------------------------------------
(1) وفي خبر عبد الله بن عمرو أجل والله إنه لموصوف.. علق عليه أبو رية «هكذا يورطه أستاذه حتى يقسم بالله» وهذا من افتراء أبي رية فإن عبد الله بن عمرو كان عنده جملة من صحف أهل الكتاب كما اعترف به أبو رية، فإقسامه يدل على أنه شاهد تلك الصفة في تلك الصحف
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
كانت معتمدة عندهم» وحكى عن (والتن) ما يوافق ذلك. ويعلم منه أن اليهود / تتبعوا نسخ كتبهم التي كتبت قبل الإسلام أو في صدر الإسلام إلى نحو مائتي سنة فأتلفوها لمخالفتها الكثيرة لما يهوونه. وانظر إ ظهار الحق 242:1-245 وفيه 227:1-229 إن لأهل الكتاب نحو عشرين كتاباً مفقودة، وبعضها منسوب إلى موسى فيكون من التوارة الحقيقة عندهم. وقد تكون ثم كتب أخرى مفقودة لم يعثر المتأخرون على أسمائها. وذكر من شيوع التحريف القصدي في اليهود والنصارى قديماً وحديثاً ما يجاوز الوصف. وحق على من يبتلى بسماع شبهات دعاة النصرانية والإلحاد أن يقرأ ذاك الكتاب (إظهار الحق) ليتضح له غاية الوضوح أن الفساد لم يزل يعترى كتب أهل الكتاب جملة وتفصيلا، ومحققوهم حيارى ليس بيدهم إلا التظنى والتمني والتحسر والتأسف، ومن ثم يتبين السر الحقيقي لمحاولتهم الطعن في الأحايث النبوية، لأن دهاتهم حاولوا الطعن في القرآن فتبين لهم أنه ما إلى ذلكم من سبيل، فأقبلوا على النظر في الأحاديث فوجدوا أنه قد روي في جملة ما روي كثير من الموضوعات، وحيرهم المجهود العظيم الذي قام به علماء الأمة لاستخلاص الصحيح ونفي الواهي والساقط والموضوع حتى قال بعضهم «لتفتخر المسلمين بعلم حديثهم ما شاءوا» . ولكنهم اغتنموا انصراف المسلمين عن علم الحديث وجهل السواد الأعظم منهم بحقيقته فراحوا يشككون ويتهجمون، ولا غرابة أن يوقعهم الحسد في هذا وأكثر منه، وإنما الغرابة في تقليد بعض المسلمين لهم
نعم اتضح ما تقدم عن إظهار الحق أنه لا مانع من أنه كان في كتب أهل الكتاب عند ظهور الإسلام ما تواطئوا بعد ذلك على تحريفه أو إسقاطه أو فقد ذاك الكتاب باتلافهم عمداً أو غيره. وقد كان اليهود في بلاد العرب منذ زمن طويل قبل الإسلام فلا يستبعد أنه كان بقي عندهم مالم يكن عند
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
النصارى (1) ، وإذا لا مانع وقد صحت الرواية فالواجب تصديقها، ومن تدبر القرآن ومحاورات النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لليهود وما حكي عنهم قبل البعثة وما حكاه من أسلم منهم بان له صحة ما قلناه. وقد صحت الرواية عن عبد الله بن عمرو وهو صحابي فاضل، وقد كان عارفاً بكتب أهل الكتاب، ووقعت له عدة منها. فالظاهر أنه أخذ العبارة منها. وإن صحت عن عبد الله بن سلام فالأمر أوضح، فإنه كان من أحبار اليهود وأسلم مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وكان من خيار الصحابة وشهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة كما رواه كبار الصحابة وإن صحت عن كعب فالظاهر صدقه لأنه إذا كان صادق الإسلام / نقياً كما هو الظاهر ولم يتيبن خلافه فالأمر واضح، وإن كان كما زعمه بعضهم منافقا مصراً على الباطن على اليهودية متعصباً لها فليس من المعقول أن يكذب للمسلمين بما يزيدهم ثباتاً على الإسلام وحنقا على اليهود، وما يقال إن كعباً كان يستدرج المسلمين ليثقوا به ليس بشيء، لأنه يعلم أن غاية ما يفيده وثوقهم هو تصديقهم له في أن ما يحكيه عن كتب أهل الكتاب موجود فيها، وماذا يفيده هذا وإن كان منافقاً وقد علم أنهم يعتقدون
أن كتب أهل الكتاب محرفة مبدلة، وقد تقدم إيضاح ذلك. وما يزعمه أبو رية من مكايد كعب لم يتحقق منها شيء. والله والمستعان
ثم ذكر (ص115) حكايات معضلة لا تعرف أسانيدها، ومثل ذلك لا يصح أن يبنى عليه شيء
مكيدة مهولة
ثم قال «لما قدم كعب إلى المدينة في عهد عمر وأظهر إسلامه أخذ يعمل في--------------------------------------------
(1) ومن الهين جداً على اليهود حين قرووا إتلاف النسخ أن يتلقوا جميع ما كان تبقى منها بأيدي المسلمين من أعقاب كعب ووهب وغيرهما لأنها تصير إلى مسلم لا يحسن قراءتها وقد يكره بقاءها عنده فقد يتلفها وقد يعطيها يهودياً بغير ثمن أو بثمن بخس، ويتأكد ذلك عند سعي اليهود في جمعها، وحسبك برهاناً على ذلك وما في معناها فقد النسخ من العالم سوى ما بأيدي اليهود من النسخ الحديثة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
دهاء ومكر لما أسلم من أجله من إفساد الدين وافتراء الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم … » (1)
أقول: هذه مكيدة مهولة يكاد بها الإسلام والنسة، اخترعها بعض المستشرقين فيما أرى ومشت على بعض الأكابر وتبناها أبو رية وارتكب لترويجها ما ارتكب كما ستعلمه، وهذا الذي قاله هنا رجم بالغيب وتظن للباطل وحط لقوم فتحوا العالم ودبروا الدنيا أحكم تدبير إلى أسفل درجات التغفيل، كأنهم رضي الله عنهم لم يعرفوا النبي صلى الله عليه وسلم ودينه وسنته وهديه فقبلوا ما يفتريه عليه وعلى دينه إنسان لم يعرفه، وقد ذكر أبو رية في مواضع حال الصحابة في توقف بعضهم عما يخبره أخوه الذي يتيقن صدقه وإيمانه وطول صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم، فهل تراهم مع هذا يتهالكون على رجل كان يهودياً فأسلم بعد النبي صلى الله عليه وسلم بسنين فيقبلون منه ما يخبرهم عن النبي صلى الله عليه وسلم مما يفسد دينه؟ كان الصحابة رضي الله عنهم في غنى تام بالنسبة إلى سنة نبيهم، إن احتاج أحد منهم إلى شيء رجع إلى إخوانه الذين صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم وجالسوه، وكان كعب أعقل من أن يأتيهم فيحدثهم عن نبيهم فيقولوا: من أخبرك؟ فإن ذكر صحابياً سألوه فيبين الواقع، وإن لم يذكر أحدا كذبوه ورفضوه، إنما كان كعب يعرف الكتب القديمة فكان يحدث عنها بآداب وأشياء في الزهد والورع أو بقصص وحكايات تناسب أشياء في القرآن أو السنة، فما وافق الحق قبلوه، وما رأوا باطلاً قالوا: من أكاذيب أهل الكتاب، وما رأوه محتملاً أخذوه على الاحتمال كما أمرهم نبيهم صلى الله عليه وسلم ذلك كان فن كعب وحديثه. ولم يرو عنه أحد من الصحابة إلا ما كان من هذا القبيل. نعم ذكر أصحاب التراجم أنه سئل عن النبي صلى الله عليه وسلم وروى عن عمر وصهيب وعائشة. وعادتهم أن يذكروا مثل ذلك وإن كان خبراً واحداً في صحته عن كعب نظر / فهذه كتب الحديث والآثار موجودة لا تكاد تجد فيها خبراً يروى عن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم فإن وجد فلن تجده إلا من رواية بعض التابعين عن كعب، ولعله مع ذلك--------------------------------------------
(1) قوله على النبي صلى الله عليه وسلم هذا أساس المكيدة المهولة الآتية
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
لا يصح عنه.
وكذا روايته عن عمر. وكذا روايته عن صهيب وعائشة مع أنه مات قبلها بزمان. وعامة ما روي عنه حكايات عن أهل الكتاب ومن قوله.
قال «ومما أغراه بالرواية أن عمر بن الخطاب كان في أول أمره يستمع إليه، فتوسع في الرواية الكاذبة ما شاء أن يتوسع، قال ابن كثير: لما أسلم كعب في الدولة العمرية جعل يحدث عمر رضي الله عنه، فربما استمع له عمر، فترخص الناس في استماع ما عنده ونقلوا ما عنده من غث وسمين» (1) .
أقول: الذي عنده هو الحكايات عن صحف أهل الكتاب وأشياء من قوله في الحكمة والموعظة، وقوله «الرواية الكاذبة» لا ريب أن في صحف أهل الكتاب التي كان كعب يحكي عنها ما هو كذب، فمن صحفهم ما أصله من كتب الأنبياء ولكن حرف وزيد فيه ونقص، ومنها ما هو منسوب إلى بعض الأنبياء كذباً، وعندهم عدة كتب كذلك، ومنها ما هو من كتب أحبارهم، فأما أن يكون كعب كذب فهذا لم يثبت، وسيأتي الكلام فيه
قال «ثم لم يلبث عمر أن تفطن لكيده وتبين له سوء دخلته، فنهاه عن الرواية عن النبي (2) وتوعده إن لم يترك الحديث عن رسول الله أو ليحقنه بأرض القردة»
أقول: هذا من دجل أبي رية، لم يتبين لعمر من كعب كيد ولا سوء دخلة، ولا كان كعب يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، ،إنما كان يحكي عن صحف أهل الكتاب، فإن كان عمر نهاه فعن ذلك. والحكاية التي تشبث بها أبو رية عزاها إلى البداية والنهاية 106:8 وهي هناك «وقال لكعب الأحبار: لتتركن الحديث عن الأول أو لألحقنك بأرض القردة» قال «عن الأول» فأبدلها الشاطر أبو رية بقوله «عن--------------------------------------------
(1) عزاه أبو رية إلى تفسير ابن كثير 17:4 ولم أجده هناك فلينظر
(2) قوله عن النبي عن رسول الله هو أساس المكيدة كما مرت الإشارة إلى مثله ص73 يحاول أبو رية أن يمكنه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
النبي - عن رسول الله» (1) . ومعها في البداية والنهاية كلمة تتعلق بأبي هريرة ذكرها أبو رية ص163 وسيأتي هناك بيان سقوط هذه الرواية مع الكشف عن بعض أفاعيل أبي رية
على أن كلام أبي رية متناقض، فسيحكي قريباً أن عمر لم يزل إلى آخر حياته معتداً بكعب، والصحيح أن كعباً كان رجلاً عريباً ذا رأي، قد قرأ الكتب واستفاد منها أشياء في الحكمة والزهد والورع، وهذه كانت وسيلته إلى عمر. ويحكي الناس عنه أشياء من الأخبار عن الأمور المستقبلة مسنداً له إلى صحف / أهل الكتاب، ولا أدري ما يصح عنه من ذلك
قال «على أن عمر ظل يترقب هذا الداهية بحزمه وحكمته وينفذ إلى أغراضه الخبيثة بنور بصيرته كما نرى في قصة الصخرة»
أقول: قد سرح عمر من المدينة إلى العراق نصر بن حجاج لغير ذنب إلا أنه كان بارع الجمال وكان بالمدينة كثير من النساء، يغيب أزواجهن في الجهاد وقد ذكرت إحداهن نصرا في شعر لها، وجلد عمر صبيغ بن عسل ونفاه إلى العراق وكتب أن لا يجالسه أحد لأمر واحد وهو أنه يكثر من السؤال عن كلمات من القرآن لا تتعلق بالأحكام، ونصر سلمى وصبيغ تميمي لم يكن لهما عرق في يهودية ولا نصرانية. وكعب حميري حديث العهد باليهودية لا منعة له ولاحاجة بالمسلمين إليه، فهل يعقل أن يشعر الفاروق منه بأن إسلامه مدخول وأنه داهية ذو أغراض خبيثة ثم يدعه معه بالمدينة يدخل إليه مع أصحابه ويتكلم في مجلسه وربما يستشيره لا يحذره ولا يحذر الناس منه؟ أما قصة الصخرة فرواها الإمام أحمد من طرق حماد بن سلمة عن أبي سنان [عيسى بن سنان القسملي] عن عبيد بن آدم قال «سمعت عمر يقول لكعب: أين ترى أن أصلي؟ قال: إن أخذت عني صليت--------------------------------------------
(1) وهكذا بزور أبو رية لتمكين أساس تلك المكيدة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
خلف الصخرة، وكانت القدس كلها بين يديك. فقال عمر: ضاهيت اليهودية، لا، ولكن أصلى حيث صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
عبيد هذا لم يذكر له راو إلا أبو سنان، وأبو سنان ضعفه الإمام أحمد نفسه وابن معين وغيرهما، وقال أبو زرعة «مخلط ضعيف الحديث» ، ولا ينفعه ذكر ابن حبان في الثقات لما عرف من تساهل ابن حبان، ولا قول العجلي «لا بأس به» فإن العجلي قريب من ابن حبان أو أشد، عرفت ذلك بالاستقرار. ومع هذا فليس في القصة ما يشعر بسوء دخيله، عرف كعب فضيلة بيت المقدس في الإسلام بنص القرآن، وعلم أنه كان قبلة المسلمين أولاً فظن أنه الأفضل للمصلى هناك أن يجعله كله بينه وبين الكعبة، ورأى عمر أن في هذا مضارعة أي مشابهة لليهودية، فيما علم من الإسلام خلافه، وهو صلاة النبي صلى الله عليه وسلم. هذا على فرض صحة الرواية. وذكر أبو رية (ص126-127) رواية أخرى عن تاريخ الطبري. وهي في التاريخ منقطعة الأول والآخر، إنما قال «وعن رجاء بن حيوة عمن شهد» والسند إلى رجاء مجهول، وشيخ رجاء مجهول، ومثل هذا لا يثبت به شيء
قال أبو رية «فإن شدة دهاء هذا اليهودي غلبت على فظنه عمر وسلامة نيته» كذا رجع أبو رية فسلب عمر ما ذكره أولا بقوله «بحزمه وحكمته وينفذ … بنور بصيرته» ، وهذا شأن من يتظنى الباطل (1)
/ قال «فظل يعمل بكيده في السر والعلن»
أقول كلمة «العلن» هذه تأتي على بقية ما جعله لعمر سابقاً وتبين أن مقصوده بقوله «سلامة نيته» الغفلة. قال «حتى انتهى الأمر بقتل عمر بمؤامرة اشترك فيها هذا الدهي»
ذكر بعد هذا ما حكى عن المسور بن مخرمة، وعزاها إلى تاريخي ابن جرير--------------------------------------------
(1) والملجئ لأبي رية إلى هذا هو محاولته بالتمكين لتلك المكيدة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
وابن الأثير، والثاني مستمد من الأول، وأرى أن أحكيها كما هي عند ابن جرير في أخبار سنة 23 قال «حدثني سلمة (الصواب: سلم» بن جنادة قال حدثنا سليمان بن عبد العزيز بن أبي ثابت [عمران] ابن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف قال: حدثنا أبي عن عبد الله بن جعفر عن أبيه عن المسور بن مخرمة … قال: خرج عمر بن الخطاب يطوف في السوق فلقيه أبو لؤلؤة … قال [أبو لؤلؤة] : لئن سلمت لأعملن لك رحى يتحدث بها من بالمشرق والمغرب، ثم انصرف. فقال عمر: لقد توعدني العبد آنفاً. قال ثم انصرف عمر إلى منزله فلما كان من الغد جاء كعب الأحبار فقال له: يا أمير المؤمنين اعهد فإنك ميت في ثلاثة أيام. قال: وما يدريك؟ قال: أجده في كتاب الله عز وجل التوراة. قال عمر: آلله أنك لتجد عمر بن الخطاب في التوراة؟ قال: اللهم لا، ولكن أجد صفتك وحليتك … فلما كان من الغد جاء كعب فقال: … بقي يومان. قال: ثم جاء من غد الغد فقال: … بقي يوم وليلة وهي لك إلى صبيحتها … » وقال فيه «فضرب عمر ست ضربات» وفي آخرها «ثم توفي ليلة الأربعاء لثلاث بقين من ذي الحجة»
أقول: هل يسمع عمر هذا الوعيد الشديد من عبد كافر ثم لا يحترس منه ولا يأمر بالقبض عليه وسجنه أو ترحيله من المدينة؟ أو على الأقل يضع عليه عيوناً تراقبه، فقد كان لعمر عيون على الناس ترقب أقل من هذا، وكان له عيون على عماله في البلدان البعيدة، أو ليس عمر هو الذي رجع عن بلد الطاعون فقال له أبو عبيدة: أفراراً من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك يا أبا عبيدة قالها. نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله. هب أن عمر لم يبال نفسه، أفلم يكن بقاء ذلك العبد الكافر بين ظهراني المسلمين خطراً عليهم، وقد جاهر الخليفة بالتوعد، فما عسى أن يكون حاله مع غيره؟ قد يقال يمكن أن تكون وضعت عليه عيون راقبته مدة فلم ير منه ما ينكر، فترك. لكن / هذه الحكاية تجعل التوعد يوم الجمعة 22 ذي الحجة سنة 23 والقتل بعد ذلك بأربعة أيام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
أضف إلى ذلك أنه قد ثبت أن عمر قال في خطبته في تلك الجمعة «رأيت ديكا نقرني ثلاث نقرات، ولا أراه إلى حضور أجلي» وفي بعض الروايات أنه ذكر أن الرؤيا عبرت بأن رجلاً من الأعاجم يعتدي عليه. راجع فتح الباري 50:7 هل يخبر عمر بهذه الرؤيا في اليوم الذي توعده فيه الأعجمي ثم لا يحترس ولا يقبض على ذاك الأعجمي؟
وفوق هذا تزعم الحكاية أن كعباً جاء إلى عمر بعد الإخبار بالرؤيا وإيعاد الأعجمي بيوم واحد فقال لعمر ما تقدم. أفلم يكن في اقتران هذه الثلاثة ما يدعو إلى الاحتراس؟
أمر آخر: تقدم (ص46) تشديد عمر على أبي موسى لما أخبر بخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهل يعقل أن عمر هذا الذي شدد على أخيه المؤمن الصادق المهاجر القديم الإسلام لا يشدد على كعب حديث العهد باليهودية ولا صحبة ولا هجرة، مع أن خبره أولى وأحق بأن يستنكر؟
أمر ثالت: عهدنا بهذا الحميري داهياً فهل يعقل أن يكون واقفاً على المؤامرة ثم يقع منه ما حكته الحكاية؟ المعقول أن يسكت إن كان له هوى في قتل عمر، وأن يخبره بالمؤامرة على وجهها إن لم يكن له هوى في قتله. أما السكوت فخشية أن يؤدي كلامه إلى حبوط المؤامرة بأن يحترس عمر ويقبض على أبي لؤلؤة، وقد يجر إلى اكتشاف المؤامرة ووقوع كعب نفسه، وأما الإخبار بالمؤامرة على وجهها فلأنه بذلك يكون له يد عند عمر والمسلمين ينال بها جاها ومكانه. وكلا هذين الغرضين أهم وأعظم من حبه إيهام اطلاعه على بعض أمور المستقبل، على أن هذا قد كان حاصلاً في الجملة، فقد كانوا يعرفون معرفته بصحف أهل الكتاب ويعرفون أن فيها أشياء من ذلك.
ومن قابل هذه الحكاية بالروايات الصحيحة وجد مخالفة: منها عدد الطعنات،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
اتفقت الروايات الصحيحة على أنها ثلاث فقط، ووقع في هذه الحكاية أنها ست
فأنت ترى أن النظر في متن هذه الحكاية يبين أنها مدخولة لا يمكن الاعتماد عليها في شيء، ويؤكد ذلك سقوط سندها، فإن سليمان مجهول لم نجد له ترجمة وأبوه ساقط الحديث كما بينه جمع من الأئمة، وعبد الله بن جعفر لا بأس به، فأما أبوه جعفر بن المسور فلا يعرف برواية أصلاً، ولا يدرى أدرك أباه أم لا
/ وقال ص 117: «ووقع في رواية أبي إسحاق عند ابن سعد: وأتى كعب عمر فقال: ألم أقل لك إنك لا تموت إلا شهيداً، وإنك تقول من أين وإني في جزيرة العرب»
أقول: هي عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون وأبو إسحاق مشهور بالتدليس ولم يذكر سماعا وروى غيره القصة عن عمرو بن ميمون كما في صحيح البخاري وغيره بدون هذه الزيادة. ومع هذا فأي شيء فيها؟ أما الشهادة فقد كان عمر مبشراً بها يقيناً، ففي الصحيحين وغيرهما من حديث أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد أحداً وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم فقال: اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان» . وصح معناه من حديث عثمان وبريدة وأبي هريرة وسهل بن سعد. راجع فتح الباري 32:7
وفي الصحيحين وغيرهما سؤال عمر لحذيفة عن الفتنة، وقول حذيفة «لا بأس عليك يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها بابا ًمغلقاً» قال عمر «يفتح الباب أو يكسر» ؟ قال حذيفة «لا بل يكسر» . قيل لحذيفة «علم عمر بالباب» ؟ قال «نعم، كما أن دون غد الليلة، إني حدثته حديثاً ليس بالأغاليط» ثم بين حذيفة أن الباب هو عمر نفسه. فالمراد بقوله «يفتح أو يكسر» : يموت أو يقتل
وثم أخبار أخرى كرؤيا عوف بن مالك في عهد أبي بكر، وفيها في ذكر عمر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
«شهيد مستشهد» . وفي صحيح البخاري أن عمر قال «اللهم ارزقني شهادة في سبيلك وموتاً في بلد رسولك» وراجع فتح الباري 86:4 و 446:6 ولا ريب أن كعبا كان عارفاً بصحف أهل الكتاب وأن فيها أخباراً عن المستقبل، وأنه كان يوجد في صحفهم في عهد الإسلام ما لا يوجد عندهم الآن، راجع ما تقدم ص72. وشأن عمر من أعظم الشئون في العالم وأحقها أن يبشر به الأنبياء السابقون عند تبشيرهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، ومع هذا فليس في رواية أبي إسحاق ذكر التوراة، فقد يكون استند إلى تلك الأخبار الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال أبو رية «وإليك خبراً عجيباً من أخبار ذلك الكاهن لعله يمتلخ منك عرق الشك في اشتراكه في هذه المؤامرة، فقد أخرج الخطيب عن مالك أن عمر دخل على أم كلثوم بنت علي وهي زوجته فوجدها تبكي، فقال: ما يبكيك؟ قالت: هذا اليهودي- أي كعب الأحبار – يقول إنك من أبواب جهنم. فقال عمر: ما شاء الله. ثم خرج فأرسل إلى كعب، فجاءه فقال: ياأمير المؤمنين والذي نفسي بيده لا ينسلخ ذو الحجة حتى تدخل الجنة، فقال عمر: ما هذا؟ مرة في الجنة ومرة في النار! قال كعب: إنا لنجدك في كتاب الله على باب من أبوب جهنم تمنع الناس أن يقتحموا فيها، فإذا مت اقتحموا وقد صدقت يمينه … فقد قتل عمر في ذي الحجة سنة 23هـ
أقول: ذكر ابن حجر في فتح الباري هذه الحكاية في شرح حديث حذيفة الذي فيه وصف عمر بأنه باب مغلق دون الفتنة، وقد تقدم قريباً. وفي الفتح أيضاً 446:2 حديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى عمر وقال: هذا غلق الفتنة، لا يزال بينكم وبين الفتنة باب شديد الغلق ما عاش، وأن أبا ذر قال لعمر «يا غلق الفتنة» فغير منكر أن يكون في صحف أهل الكتاب إشارة إلى هذا المعنى بنحو ما في الحكاية – إن صحت- وإنما الذي يستنكر أن يكون فيها بيان
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
وقت موت عمر على التحديد. وقد كان عمر في شهر ذي الحجة سنة23 حاجاً واتفق هناك علامات تؤذن بقرب موته، منها أن رجلاً ناداه يا خليفة. فقال آخر من حزاةالعرب: إنا لله، ناداه باسم ميت. ثم لما كان يرمي الجمرات أصابت حصاة جهة عمر فأدمته، فقال ذاك الحازي: إنا لله، أشعر أمير المؤنين. والإشعار تدمية البعير الذي يهدى لينحر. وجاء عن عائشة أنها سمعت عقب ذاك الحج منشداً ينشد:
لا الأرض العضاء باسوق
أبعد قتيل بالمدينة أظلمت
يد الله في ذاك الأديم الممزق..
عليك سلام من إمام وباركت
ولما انصرف عمر من الحج دعا الله تعالى فقال «اللهم كبرت سني وضعفت قوتي وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط» . فلما قدم المدينة خطب الناس وقال في خطبته «رأيت ديكاً نقرني ثلاث نقرات، ولا أراه إلا حضور أجلي»
فمن الجائز إن صحت تلك الحكاية أن يكون كعب استند إلى بعض هذه العلامات أو شبهها، وقد يكون مع ذلك وجد في صحفه إشارة فهم منها بطريق الرمز مع النظر إلى القرائن والعلامات السابقة أن عمر لا يعيش في تلك السنة
وبعد فسند الحكاية غير صحيح، تفرد بها عن مالك رجل يقال له «عبد الوهاب بن موسى» لا يكاد يعرف وليس من رجال شيء من كتب الحديث المشهورة، ولا ذكر في تاريخ البخاري ولا كتاب ابن أبي حاتم، بل قال الذهبي في الميزان «لا يدري من ذا الحيوان الكذاب» وفي مقدمة صحيح مسلم «الذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث من الحديث أن يكون قد شار ك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وجد كذلك ثم زاد بعد ذلك شيئا ًليس عند أصحابه قبل منه … »
وهذا الرجل لم يمعن في المشاركة فضلاً عن أن يكون ذلك على / الموافقة. لكن هذا الشرط لا يتقيد به
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
بعض المتأخرين كابن حبان والدارقطني، ومن ثم – والله أعلم – وثق الدارقطني عبد الوهاب هذا وزعم أن الخبر صحيح عن مالك. أما بقية سنده عن مالك فهو عن عبد الله بن دينار عن سعد الجاري، وسعد الجاري غير مشهور ولا موثق، ولا يدرى أدركه عبد الله بن دينار أم لا
ومقطع الحق أن ليس بيد من يتهم كعباً بالمؤامرة غير كلمات يروي أن كعباً قالها لعمر. وقد كان عمر والصحابة أعلم بالله ورسوله وكتبه منا، وأعلم بعد أن طعن عمر بالمؤامرة وقد انكشفت وهو حي، وأعلم بحال كعب لأنه صحبهم وجالسهم. والمعقول أنه لو كان في ما خطب به عمر ما يوجب اتهامه لاتهموه، وقد علمنا أنهم لم يتهموه لا قبل انكشاف المؤامرة ولا بعده، فوجب الجزم بأنه لم يقع منه ما يقتضي اتهامه
قال أبو رية ص118 «حديث الاستسقاء..»
حكى أن كعباً في عام الرمادة قال لعمر «إن بني إسرائيل كانوا إذا أصابهم مثل هذا استسقوا بعصبة الأنبياء»
أقول لم يعز إل كتاب لينظر في سنده … ولا أراه إلا ساقطا
قال «ومما لا مراء فيه أن هذا اليهودي قد أراد بقوله هذا أن يخدع عمر عن أول أساس جاء عليه الدين الإسلامي وهو التوحيد الخالص، ليزلقه إل هوة التوسل الذي هو الشرك بعينه»
أقول: أما المسلمون الذي يعرفون الإسلام فالذي لا مراء فيه عندهم أن أبا رية مجازف، وأنه على فرض صحة هذه الحكاية ليس فيها ما يدل على سوء طوية كعب، وإن استسقاء عمر بالعباس رضي الله عنهما لا علاقة بالشرك البتة، بل هو أمر يقره الشرع إجماعاً، ويؤيده الكتاب والسنة، قال الله تعالى (64:4 ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
رحيماً» وقال سبحانه (5:63 وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون» وقال تعالى في يعقوب وبنيه97:12- قالوا ياأبانا استغفر لنا ذنوبنا إناكنا خاطئين: قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم» وتواتر في السنة طلب الصحابة من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لهم بالسقيا وغيرها، وأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نسلم عليه في التشهد، وبالصلاة عليه والدعاء له عقب الأذان، وغير ذلك مما صورته طلب الدعاء.
ثم ذكر خبر أنس الذي في صحيح البخاري أن عمر قال «اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا صلى الله عليه وسلم / فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا» وزعم أنه لا يصح، وعارضه بروايات منها عن خوات قال «خرج عمر يستسقي بهم فصلى ركعتين فقال: اللهم إنا نستغفرك ونستسقيك، فما برح من مكا نه حتى مطروا»
أقول: لا أدري ما سنده، ولو صح فلا يعارض خبر أنس، فقد تكون واقعة أخرى، فإن عمر لبث خليفة عشر سنين، وقد تكون واقعة واحدة اختصر خوات في ذكرها
قال «وعن الشعبي قال: خرج عمر يستسقي بالناس فما زاد على الاستغفار»
أقول: الشعبي لم يدرك عمر، وعمر لبث خليفة عشر سنين، فلم يكن استسقاؤه مرة واحدة
قال «وقال الجاحظ: ولما صعد (عمر) على المنبر قابضاً على يد العباس … » فذكر نحو خبر الشعبي، وذكر أبو رية أن الطبري أخرجه في تفسيره، وأن ابن قتيبة ذكره في الشعر والشعراء
أقول: نعم، ولكن لم يقل أحد «قابضاً على يد العباس» إلا الجاحظ، فأراه زادها توهما
قال «قال معاوية لكعب … » عزا هذا إلى تفسير ابن كثير 101:3
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)
وإنما هو فيه 323:5 قال في سنده «ابن لهيعة حدثني سالم بن غيلان عن سعيد بن أبي هلال أن معاوية الخ» وابن لهيعة ضعيف، وسعيد بن أبي هلال ولد بعد موت كعب بنحو أربعين سنة
قال «وذكر القرطبي في تفسير سورة غافر عن خالد بن معدان عن كعب … »
أقول: قال القرطبي «قال ثور بن زيد عن خالد....» ولا أدري كيف السند إلى ثور، وخالد لم يدرك كعبا
قال «وفي التفسير أن عبد الله بن قلابة الخ»
أقول: عبد الله بن قلابة مجهول لا ذكر له إلا في هذه الحكاية، وفي السند إليه عبد الله بن لهيعة وهو ضعيف كثير التخليط
قال ص121 «وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن كعب … »
أقول: كتاب العظمة تكثر فيه الرواية عن الكذابين والساقطين والمجاهيل
قال «وعن وهب بن منبه: أربعة أملاك يحملون العرش … »
أقول: وهذا أيضاً من كتاب العظمة
/ قال «وقرأ معاوية الخ»
أقول: في سنده سعيد بن مسلمة بن هشام، قال فيه البخاري «منكر الحديث فيه نظر» ، وهذا من أشد الجرح في اصطلاح البخاري، وفي سياق القصة ما يشعر بانقطاع آخرها
قال ص122 «وذكر الحافظ ابن حجر أن كعب الأحبار روى أن باب السماء الذي يقال له مصعد الملائكة يقابل بيت المقدس، فأخذ منه بعض العلماء أن الحكمة في الإسراء إلى بيت المقدس قبل العروج ليحصل العروج مستويا … » قال أبو رية «وهكذا تنفذ الاسرائيليات إلى معتقداتنا»
أقول: الحكاية عن كعب لا ندري ما سندها، وذاك الأخذ إنما هو احتمال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)
لا تثبت به عقيدة ولا تنتفي
قال «وقال ابن حجر بعد أن أورد تلك الخرافة … »
أقول: من أين لك أنها خرافة؟
قال «وروى كعب أن في الجنة ملكا الخ»
أقول: ذكر بنحو ما هنا ابن القيم في حادى الأرواح المطبوع مع أعلام الموقعين 314:1 وهو من رواية شمر بن عطية عن كعب، وشمر لم يدرك كعباً وليس في الحكاية ما يستنكره المسلم
قال «ومما يدلك على أن الصحابة كانوا يرجعون إليه (1) حتى فيما هو من علمهم، وبخاصة عند ما قال: ما من شيء إلا وهو مكتوب في التوراة. أن أبا عبد الرحمن محمد بن الحسين النيسابوري ذكر أن عمر قال لكعب - وذكر الشعر- يا كعب هل تجد للشعر ذكراً في التوراة....»
أقول: عزاه إلى كتاب العمدة لابن رشيق، وابن رشيق لم يلق النيسابوري والنيسابوري ضعيف جداً حتى اتهم بالوضع، تجد ترجمته في لسان الميزان 140:5 وبينه وبين عمر أكثر من ثلاثمائة سنة، وهب أن القصة صحت فأي شيء فيها يدل على تلك الدعوى الفاجرة؟ وما نسبه إلى كعب من قوله «ما من شيء الخ» لم يعزه
قال «وروى البيهقي في الأسماء والصفات بسند صحيح عن ابن عباس [قال] … في كل أرض نبي كنبيكم وآدم كآدمكم ونوح كنوح وإبراهيم كإبراهيم وعيسى كعيسى»
أقول: أما هذا فليس سنده صحيح، لأنه من طريق شريك عن عطاء بن السائب عن أبي الضحى عن / ابن عباس، وشريك يخطئ كثيراً ويدلس، وعطاء--------------------------------------------
(1) هذا من محاولات أبي رية تمكين تلك المكيدة التي مرت ص73
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)
بن السائب اختلط قبل موته بمدة وسماع شريك منه بعد الاختلاط. لكن أخرج البيهقي عقب هذا بسند آخر من طريق «آدم بن أبي إياس حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي الضحى عن ابن عباس في قوله عز وجل (خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن) قال: في كل أرض نحو إبراهيم» ثم قال البيهقي «إسناد هذا عن ابن عباس صحيح، وهو شاذ بمرة لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعاًَ» وأخرجه ابن جرير عن عمرو بن علي عن غندر عن شعبة فذكره بنحوه، وزاد «ونحو ما على الأرض من الخلق»
وعلى هذا فالمعنى والله أعلم أن في كل أرض خلقاً كنحو بني آدم، وفيهم من يعرف الله تعالى بالنظر في آياته كما عرف إبراهيم عليه السلام، وهذا القول قد يتوصل إليه بالنظر في الآية المذكورة وسياقها وقوله تعالى (وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق» وقوله (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون» وغيرها على أن بعضهم قد فسر ماجاء في الرواية الأخرى التي تقدمت أنها لا تصح، ففي روح المعاني «لامانع عقلا ًولا شرعأً من صحته، والمراد أن في كل أرض خلقاً يرجعون إلى أصل واحد رجوع بني آدم في أرضنا إلى آدم عليه السلام، وفيهم أفراد ممتازون على سائرهم كنوح وإبراهيم فينا» أما ما في البداية «محمول إن صح نقله عنه على أنه أخذه ابن عباس رضي الله عنه عن الاسرائيليات» فغير مرضي، فابن عباس – كما مر ويأتي – كان ينهى عن سؤال أهل الكتاب، فإن كان مع ذلك قد يسمع من بعض من أسلم منهم أو يسأله فإنما ذلك شأن العالم يسمع ما ليس بحجة لعله يجد فيه ما ينبهه ويلفت نظره إلى حجة، وسيأتي تمام هذا إن شاء الله
وقال ص123 «وفي تفسير الطبري أن ابن عباس سأل كعباً عن سدرة المنتهى. فقال: إنها على رءوس حملة العرش، وإليها ينتهي علم الخلائق، وليس لأحد وراءها علم، ولذلك سميت سدرة المنتهى لانتهاء العلم بها»
أقول هو من طريق الأعمش عن شمر بن عطية عن هلال بن يساف قال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)
سأل ابن عباس كعباً وأنا حاضر» كذا قال، والأعمش مشهور بالتدليس، وهلال بن يساف لم يدرك كعباً
قال أبو رية «هذا ما قاله لتلميذه الثاني، أما تلميذه الأول فهو أبو هريرة … »
أقول: لم يتعلما من كعب شيئاً، وإنما سمعا منه شيئاً محتملاً فحكياه، أو سألاه سؤال خبير ناقد لينظرا ما يقول، ولا يضرهما تهكم أبي رية كما لم يضر النبي صلى الله عليه وسلم قول المشركين «إنما يعلمه بشر»
/ قال: ففي حديث له أنها شجرة من أصلها أنهار الخ»
أقول: هذا رواه أبو جعفر الرازي، وشك فيه فقال «عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي هريرة أو غيره» وأبو جعفر والربيع فيهما كلام، وقال ابن حبان في الربيع «الناس يتقون من حديثه ما كان من رواية أبي جعفر عنه، لأن في أحاديثه عنه اضطراباً كثيراً»
قال «وفي حديث المعراج: أنه لما فرض الله خمسين صلاة على العباد في النهار وفي الليل ولم يستطع أحد من الرسل جميعاً غير موسى أن يفقه استحالة أدائها على البشر، فهو وحده الذي فطن ذلك … وكأن الله سبحانه … كان لا يعلم مبلغ قوة احتمال عباده … وكذلك لا يعلم محمد … حتى بصره موسى. وهكذا ترى الاسرائيليات تنفذ إلى ديننا … ولا تجد أحداً إلا قليلاً يزيفها … »
أقول إن كانت الاسرائيليات تشمل عند أبي رية كل خبر فيه فضيلة لموسى عليه السلام ففي القرآن كثيرمنها، بل في عدة آيات منها ذكر تفضيل بني إسرائيل على العالمين وغير ذلك. وإن كانت خاصة بما ألصق بالإسلام وليس منه من مقولات أهل الكتاب فلم يزل أهل العلم يتتبعونها ويزيفونها. أما سكوتهم عن محاولة تزييف ما ثبت في أحاديث الإسراء فعذرهم واضح، وهو أنه لم يبلغ أحد منهم في العلم والعقل والحياء مبلغ أبي رية. ودونك الجواب:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
كانت الصلاة قبل الهجرة ركعتين ركعتين كما ثبت في الصحيح، فخمسون صلاة مائة ركعة، وليس أداة مائة ركعة في اليوم والليلة بمستحيل، وفي الناس الآن من يصلي في اليوم والليلة نحو مائة ركعة، ومنهم من يزيد، وفي تراجم كثيرمن كبار المسلمين أن منهم من كان يصلي أكثر من ذلك بكثير، بل إن أداء مائة ركعة في اليوم والليلة ليس بعظيم المشقة في جانب ما لله عز وجل من الحق وما عنده من عظيم الجزاء في الدنيا والآخرة، نعم قال الله تعالى (45:3 واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين، الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون» . وما وقع في كلام موسى «إن أمتك لا تطيق» وفي رواية «لا تستطيع» ليس معناه أن ذلك مستحيل، وإنما معناه أن ذلك يشق عليها، ولهذا أطلق هذه العبارة بعد بيان رجوع الصلاة إلى خمس، قال موسى «إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم» راجع مفرات / الراغب (طوع) و (طوف)
فأما الله تعالى فالفرض في علمه خمس صلوات فقط. ولكنه سبحانه إذا أراد أن يرفع بعض عباده إلى مرتبه هيأ له ما يستحق به المرتبة، ومن ذلك أن يهيئ ما يفهم منه العبد أنه مكلف بعمل معين شاق فيقبل التكليف ويستعد لمحاولة الأداء فحينئذ يعفيه الله تعالى من ذلك العمل ويكتب له جزاء قبوله ومحاولة الوفاء به أو الاستعداد لذلك ثواب من عمله، ومن هذا القبيل قصة إبراهيم في ذبح ابنه
وأما محمد صلى الله عليه وسلم فكان يعلم أن الأداء ممكن كما مر، وكان في ذلك المقام الكريم مستغرقاً في الخضوع والتسليم ووفقه الله عز وجل لقبول ما فهمه في فرض خمسين والاستعداد لأدائها ليكون هذا القبول والاستعداد مقتضياً لاستحقاق ما أراد الله عز وجل أن يعطيه وأمته من ثواب خمسين صلاة، وقبوله واستعداده عنه وعن أمته في حكم قبول الأمة فإنها تبع له وكان هو النائب عنها، على أنه ما من مؤمن من أمته
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)