ويظهر في هذه الفرقة أثر العقائد المنحرفة الطاغية حينذاك، إذ لا يخلو قولهم في المسيح من شيء من الغلو في المسيح عليه السلام.
ثانياً: التوحيد فيما بعد مجمع نيقية
أ. الأريوسية
في عام 325م صدر أول قرار رسمي يؤله المسيح بعد تبني الامبرطور الوثني قسطنطين لهذا الرأي، ورفض ما سواه، واعتبر آريوس- الذي عقد المجمع من أجله - هرطوقياً.
وآريوس من رهبان الكنيسة المصرية، وكان يقول: "إن الابن ليس مساوياً للأب في الأزلية، وليس من جوهره، وقد كان الأب في الصل (1) وحيداً، فأخرج الابن من العدم بإرادته، والآب لا يمكن أن يراه أو يكيفه أحد، ولا حتى الابن، لأن الذي له بداية لا يعرف الأزلي، والابن إله بحصوله على لاهوت مكتسب" (2).
وقد توفي آريوس 336م، لكن دعوته انتشرت بعد وفاته، وأصبحت كما يقول الأستاذ حسني الأطير في كتابه الماتع "عقائد الفرق الموحدة في النصرانية": "أوشك العالم أن يكون كله أريوسياً - حسب قول الخصوم - لولا تدخل الأباطرة في العمل على ضرب تلك العقيدة واستئصال تبعيتها".
ويقول أسد رستم في كتابه "كنيسة مدينة الله العظمى": "كان آريوس فيما يظهر عالماً زاهداً متقشفاً يجيد الوعظ والإرشاد، فالتف حوله عدد من المؤمنين، وانضم إليه--------------------------------------------
(1) كلمة عبرية مشتق معناها من الظل، والمراد من النص أنه كان معه قبل بداية الخلق، حيث لم يكن نور ولا حياة. انظر: قاموس الكتاب المقدس، ص (546).
(2) تاريخ الكنيسة القبطية، منسى يوحنا، ص (253).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 187)
عدد كبير من رجال الاكليروس".
ويؤكد كثرة الأريوسيين المؤرخ ابن البطريق، وينقل أن أكثر أهل مصر كانوا أريوسيين، بل يقول القس جيمس أنِس: "فإن التاريخ يروي كيف أن الكنيسة المنظورة وقادتها أخطأوا وانحرفوا عن الحق، منها قبول أغلب الأساقفة ضلالة آريوس" (1).
ومما يؤكد قوة مذهب آريوس إبان حياته وبعد موته، أن الكنيسة عقدت مجامع عدة لبحث عقيدته، كما كان لآريوس وأتباعه مجامع منها، مجمع قيسارية 334م، وصور 335م، وقد قرر المجتمعون في مجمع صور عزل أثناسيوس البابا - الداعي لألوهية المسيح والذي كتبت أمانة النصارى بإشرافه في مجمع نيقية-كما نفوه إلى فرنسا، ثم عقدوا مجمعاً آخر في إنطاكية عام 341م حضره سبع وتسعون أسقفاً أريوسياً، قرروا فيه مجموعة من القوانين التي تتفق مع مبادئهم ومعتقداتهم.
إن كثرة الأريوسيين وقوتهم جعلت البابا أثناسيوس - داعية تاليه المسيح - يبدو وحيداً، حتى "قيل له مرة: العالم كله أصبح ضدك يا أثناسيوس … ثم عرف في الغرب بهذا اللقب Athanasius contra mundum أثناسيوس المضاد للعالم" (2).
ويقول الأنبا غريغوريوس: "كاد الإيمان في لاهوت المسيح أن يفنى لو لم يهب الله للكنيسة (القديس) أثناسيوس الرسولي، فقد كان له من صفات الثبات والصمود والعناد في الحق ما كفل له الانتصار الحاسم على أكبر بدعة كادت أن تمحو كيان الكنيسة المسيحية من كل الأرض .. وقد أنصف من دعاه من المؤرخين بمؤسس المسيحية الثاني" (3).
ثم أعاد الامبرطور الروماني الأسقف أثناسيوس إلى كرسي البابوية، فاحتج--------------------------------------------
(1) علم اللاهوت النظامي، جيمس أنس، ص (56).
(2) موسوعة الأنبا غريغوريوس (اللاهوت المقارن)، ص (252).
(3) المصدر السابق، ص (73).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 188)
الأريوسيون لذلك، وأثاروا اضطرابات عدة، ثم عقدوا مجمعاً في آرلس بفرنسا عام 353م، وقرروا فيه بالإجماع - عدا واحداً - عزل أثناسيوس.
ثم أكدوا ذلك في مجمع ميلانو 355م فعزل، وتولى الأسقف الآريوسي جاورسيوس كرسي الإسكندرية، وفي عام 359م عقد الامبرطور مجمعين أحدهما للغربيين في "ريمني"، والآخر للشرقيين في "سلوفيا"، وقرر المجمعان صحة عقائد الأريوسية، وباتت الكنائس الغربية آريوسية.
ويذكر المؤرخ ناسيليف أن الامبرطور قسطنطين نفسه قد تحول إلى المذهب الأريوسي ممالأة لأفراد شعبه، وذلك بعد نقل عاصمته إلى القسطنطينية، وقد تعلق بذلك الأنبا شنودة وهو يبرر كثرة أتباع المذهب الأريوسي، فذكر بأنه بسبب معاضدة الامبرطور له.
وفي مجمع إنطاكية 361م وضع الأريوسيون صيغة جديدة للأمانة، ومما جاء فيها: "الابن غريب عن أبيه، ومختلف عنه في الجوهر والمشيئة"، وفي نفس العام عقدوا مجمعاً في القسطنطينية وضعوا فيه سبعة عشر قانوناً مخالفاً لما صدر عن مجمع نيقية.
وفي هذا العام أيضاً تولى الامبرطورية يوليانوس الوثني، فأعاد أثناسيوس وأساقفته إلى أعمالهم، وجاهر بعبادة الأصنام، وسلم الكنائس للنصارى الوثنيين، ثم خلفه الامبرطور يوبيانوس 363م، فأكمل ما بدأه سلفه، وعادى الأريوسيين، وفرض عقيدة النصرانية الوثنية، ومما قاله مخاطباً شعبه وأركان دولته: " إذا أردتم أن أكون امبراطوركم كونوا مسيحيين مثلي"، ثم حرم مذهب الأريوسيين، وتبنى قرارات نيقية، وطلب من الأسقف أثناسيوس أن يكتب له عن حقيقة الدين المسيحي الذي كان قد أجبر الناس عليه قبل أن يقف على حقيقته (1).
وقد تم القضاء على الأريوسية بقوة السيف، فقد حكم مجمع نيقية بنفي آريوس و>حرق كتبه وبإعدام من يتستر عليها<، ونفذ هذا في أتباعه في القرن التالي كما نقل القس منسى يوحنا بقوله: >أيام ثيوديسيوس الثاني صدر أمر باستئصال الأريوسية وإبادتها بموجب قانون تقرر في السلطنة الرومانية، وذلك سنة 428م، ومن ذلك العهد إلى الآن لم تعرف فرق بالحقيقة أريوسية حسب تعاليم آريوس< (2)، وقد كان من نتيجة هذا الاضطهاد أن >فقدت أفريقيا خمسة ملايين من سكانها، إذ قضى على الأريوسية في تلك الأرجاء< (3).--------------------------------------------
(1) انظر: عقائد النصارى الموحدين بين الإسلام والمسيحية، حسني الأطير، ص (66 - 84)، طائفة الموحدين من المسيحيين عبر القرون، أحمد عبد الوهاب، ص (22 - 33)، اليهودية والمسيحية، محمد ضياء الرحمن الأعظمي، ص (398)، النصرانية من التوحيد إلى التثليث، محمد أحمد الحاج، ص (168 - 170)، المسيحية الحقة التي جاء بها المسيح، علاء أبو بكر، ص (131).
(2) تاريخ الكنيسة القبطية، منسى يوحنا، ص (257، 274).
(3) مختصر تاريخ الكنيسة، ملر، ص (193).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 189)
ب. النسطورية
وامتداداً لآريوس وفرقته، وفي القرن الخامس ظهرت فرقة النسطورية على يد أسقف القسطنطينية نسطور الذي شايعه بعض الأساقفة والفلاسفة، وكان يرى أن في المسيح جزء لاهوتياً، لكنه ليس من طبيعة المسيح البشرية، فلم يولد هذا الجزء من العذراء التي لا يصح أن تسمى أم الله، وكان يقول: > إني أعترف موافقًا أن كلمة الله هو قبل كل الدهور، إلا أني أنكر على القائل بأن مريم والدة الله، فذلك عين البطلان، لأنها كانت امرأة، والحال أنه من المستحيل أن يولد الله من امرأة، ولا أنكر أنها أم السيد المسيح، إلا أن الأمومة من حيث الناسوت< (1).
ويعتقد نسطور أن اتحاد اللاهوت بعيسى الإنسان ليس اتحاداً حقيقياً، بل ساعده فقط، وفسر الحلول الإلهي بعيسى على المجاز أي حلول الأخلاق والتأييد والنصرة.
وقال في إحدى خطبه: "كيف أسجد لطفل ابن ثلاثة أشهر؟ " وقال: "كيف يكون لله أم؟ إنما يولد من الجسد ليس إلا جسداً، وما يولد من الروح فهو روح. إن الخليقة لم تلد الخالق، بل ولدت إنساناً هو إله اللاهوت".
وقد عقد في أفسس 431م مجمع قرر عزله ونفيه، فمات في صحراء ليبيا، يقول المؤرخ سايرس ابن المقفع: >إن المسيح إنسان فقط، وإنه نبي لا غير، وقد جاء إلى العالم أنبياء كثير، ولم يُعبَد أحد منهم، فإذا كان هذا يعبد إنساناً فقد صار عابد وثن<.
وذكر ابن المقفع أنه عند نفيه أرسل له البطارقة أن إذا اعترف بأن المصلوب إله متجسد فسوف يعفون عنه، فيقول ابن المقفع: >فقسا قلبه مثل فرعون، ولم يجبهم بشيء< (2).
وقد تغير مذهب النسطورية بعد نسطور فأشبه مذاهب التثليث، إذ يقول النسطورية: إن المسيح شخصية لها حقيقتان: بشرية وإلهية، فهو إنسان حقاً، إله حقاً،--------------------------------------------
(1) تاريخ الكنيسة القبطية، منسى يوحنا، ص (281).
(2) تاريخ البطاركة، ساويرس ابن المقفع (1/ 447، 455).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 190)
ولكنه ليس شخصية قد جمعت الحقيقتين، بل ذات المسيح كانت تجمع شخصيتين!! (1).
ثالثاً: الطوائف النصرانية الموحدة بعد ثورة الإصلاح الديني
وطوال قرون تعاقبت على النصرانية في ظل سيطرة الكنيسة لم ينقطع تواجد الموحدين، وإن ضعف نشاطهم وتواجدهم بسبب محاكم التفتيش وقوة الكنيسة وسلطانها.
وعندما ضعف سلطان الكنسية واضمحل، عادت الفرق الموحدة للظهور، وبدأت عقيدة التثليث بالاهتزاز، وهو ما عبر عنه لوثر بقوله: "إنه تعبير يفتقد إلى القوة، وإنه لم يوجد في الأسفار".
فيما قال عنه فالبر في كتابه "تاريخ الموحدين": "إن كالفن قد أعلن قانون الإيمان الذي صدر عن مجمع نيقية كان يناسبه أن يغنى كأغنية بدلاً من أن يحفظ كبيان عن العقيدة".
وعندما ألف كالفن كتابه "خلاصة العقيدة" (1541م) لم يذكر فيه التثليث إلا نادراً.
وشيئاً فشيئاً عادت الفرق الموحدة للظهور وازدهر نشاط الموحدين في أوربا، حتى إن ملك المجر هوجون سيجسموند (ت1571م) كان موحداً.
وفي ترانسلفانيا ازدهر التوحيد كما تذكر دائرة المعارف الأمريكية، وكان من الموحدين المشهورين فرانسس داود الذي أدخل السجن بعد وفاة الملك جون وتولي الملك ستيفن باثوري الكاثوليكي، وتوفي سنة 1579م، وكان الملك الجديد قد منع--------------------------------------------
(1) انظر: عقائد النصارى الموحدين بين الإسلام والمسيحية، حسني الأطير، ص (34 - 37)، الله واحد أم ثالوث، محمد مجدي مرجان، ص (140).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 191)
الموحدين من نشر كتبهم دون إذن منه (1).
كما ظهر في هذا القرن سوسنس الموحد في بولندا (ت 1604م)، وكان له أتباع يعرفون بالسوسنيون أنكروا التثليث، ونادوا بالتوحيد، وفر بعضهم من الكنسية إلى سويسرا.
ونادى سرفيتوس بالتوحيد في أسبانيا فأحرق حياً عام 1553م، وكان يقول في كتابه "أخطاء التثليث": "إن أفكاراً مثل الثالوث والجوهر وما إلى ذلك إنما هي اختراعات فلسفي، لا تعرف عنها الأسفار شيئاً" (2).
كما ظهر في ألمانيا مذهب الأناباست الموحد، واستطاعت الكنيسة سحقه.
ثم ظهرت جمعيات تحارب التثليث منها "الحركة المضادة للتثليث"، وأنشأت في شمال إيطاليا في أواسط القرن السادس عشر، تلتها" الحركة المعادية للتثليث" والتي ترأسها الطبيب المشهور جورجيو بندراثا عام 1558م، وفي عام 1562م عقد مجمع بيزو، وكان القسس يتكلمون عن التثليث فيما كان غالبية الحضور من المنكرين له (3).
وفي القرن السابع عشر قويت بعض الكنائس الموحدة على قلة في أتباعها، وأصدر الموحدون عام 1605م مطبوعاً مهماً جاء فيه "الله واحد في ذاته، والمسيح إنسان حقيقي، ولكنه ليس مجرد إنسان، والروح القدس ليس أقنوماً، لكنه قدرة الله".
وفي عام 1658م صدر مرسوم طردت بمقتضاه جماعة موحدة في إيطاليا. وكان من رواد التوحيد يومذاك جون بيدل (ت 1662م)، وسمي: "أبو التوحيد--------------------------------------------
(1) انظر: طائفة الموحدين من المسيحيين عبر القرون، أحمد عبد الوهاب، ص (34 - 36، 42 - 45).
(2) انظر: العقائد الوثنية في الديانة النصرانية، محمد طاهر التنير، ص (171)، طائفة الموحدين من المسيحيين عبر القرون، أحمد عبد الوهاب، ص (34 - 36).
(3) انظر: طائفة الموحدين من المسيحيين عبر القرون، أحمد عبد الوهاب، ص (48 - 50).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 192)
الإنجليزي". وكان قد توصل من خلال دراسته إلى الشك في عقيدة التثليث، فجهر بذلك وسجن مرتين، ثم نفي إلى صقلية.
وفي عام 1689م استثنى مرسوم ملكي الموحدين من قانون التسامح الديني. وذلك لا ريب يعود لكثرة هؤلاء وتعاظم أثرهم، وهو ما يعبر عنه بردنوفسكي في كتابه "ارتقاء الإنسان"، فيقول: "كان العلماء في القرن السابع عشر يشعرون بالحرج من مبدأ التثليث" (1).
وفي القرن الثامن عشر سمي هؤلاء الموحدون بالأريوسيين، ومنهم الدكتور تشارلز شاونسي (ت 1787م) راعي كنيسة بوسطن، وكان يراسل الأريوسيين الإنجليز.
وكذا ناضل الدكتور يوناثان ميهيو بشجاعة ضد التثليث، ونشر الدكتور صموئيل كتابه "عقيدة التثليث من الأسفار" ووصل فيه إلى نتيجة: "أن الآب وحده هو الإله الأسمى، وأن المسيح أقل منه رتبة"، ورغم إنكاره بأنه آريوسي، فإنه يصعب التميز بين أقواله وتعليم آريوس، ومثله العالم الطبيعي جون بربستلي (ت 1768م)، وقد طبع رسالته "التماس إلى أساتذة المسيحية المخلصين الموقرين" ووزع منها ثلاثين ألف نسخة في إنجلترا، فأرغم على مغادرتها، فقضى في بنسلفانيا.
واعتزل ثيوفليس ليندساي (ت 1818م) الخدمة الكنيسة، ثم ما لبث أن تحول إلى كنيسة موحدة، كما عين زميله الموحد توماس بلشام في منصب كبير في كلية هاكني اللاهوتية، ثم أسسا معاً "الجمعية التوحيدية لترقي المعرفة المسيحية وممارسة الفضيلة عن طريق توزيع الكتب".--------------------------------------------
(1) انظر: طائفة الموحدين من المسيحيين عبر القرون، أحمد عبد الوهاب، ص (47 - 51)، دراسة عن التوراة والإنجيل، كامل سعفان، ص (234).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 193)
ثم بعد إقرار الحقوق المدنية كون الموحدون اتحاداً أسموه "الاتحاد البريطاني الأجنبي للتوحيد" (1).
وفي القرن التاسع عشر الميلادي أسس في مناطق متعددة عدد من الكنائس الموحدة التي اجتذبت شخصيات مهمة مثل وليم شاننج (ت 1842) راعي كنيسة بوسطن، وكان يقول: بأن الثلاثة أقانيم تتطلب ثلاثة جواهر، وبالتالي ثلاثة آلهة. وكان يقول: "إن نظام الكون يتطلب مصدراً واحداً للشرح والتعليل، لا ثلاثة، لذلك فإن عقيدة التثليث تفتقد أي قيمة دينية أو علمية".
ومثله قال القس جارد سباركس راعي كنيسة الموحدين في ليتمور والذي صار فيما بعد رئيساً لجامعة هارفرد.
وتكونت عام 1825م جمعية التوحيد الأمريكي، وفي منتصف هذا القرن أضحت مدينة ليدن الهولندية وجامعتها مركزاً للتوحيد، وكثر عدد الموحدين الذين عرفوا باللوثريين أو الإصلاحيين.
ومع مطلع القرن العشرين تزايد الموحدون، وزادوا نشاطهم، وأثمر بوجود ما يقرب من أربع مائة كنيسة في بريطانيا ومستعمراتها، ومثلها في الولايات المتحدة إضافة إلى كليتين لاهوتيتين تعلمان التوحيد هما مانشستر وأكسفورد في بريطانيا، وكليتين في أمريكا، إحداهما في شيكاغو، والأخرى في بركلي في كاليفورنيا، وما يقرب من مائة وستين كنيسة أو كلية في المجر، وغير ذلك في كافة دول أوربا النصرانية (2).
وفي عام 1921م عقد مؤتمر حضره عدد كبير من رجال الدين في أكسفورد--------------------------------------------
(1) انظر: طائفة الموحدين من المسيحيين عبر القرون، أحمد عبد الوهاب، ص (51 - 52).
(2) انظر المصدر السابق، ص (45 - 53).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 194)
برئاسة أسقف كارليل الدكتور راشدل الذي ذكر في خطاب ألقاه فيه: أن قراءته للكتاب المقدس لا تجعله يعتقد أن عيسى إله، وأما ما جاء في يوحنا مما لم تذكره الأناجيل الثلاثة فلا يمكن النظر إليه على أنه تاريخي، ورأى أن كل ما قيل في ميلاد المسيح من عذراء أو شفائه الأمراض أو القول أن روحه سابقة للأجساد، كل ذلك لا يدعو للقول بألوهيته. وقد شاركه في آرائه عدد من المؤتمرين.
ويقول إيميل لورد فيج: "لم يفكر يسوع أنه أكثر من نبي، وليس بقليل أن يرى نفسه في بعض الأحيان دون النبي، ولم يحدث أبداً من يسوع ما يخيل به إلى السامع أن له خواطر وآمال فوق خواطر البشر وآمالهم … يجد يسوع كلمة جديدة صالحة للتعبير عن تواضعه بقوله: إنه ابن الإنسان، وقديماً أراد الأنبياء أن يلفتوا الأنظار إلى الهوة الواسعة التي تفصلهم عن الله، فكانوا يسمون أنفسهم بأبناء الإنسان … ".
وفي عام 1977م اشترك سبعة من علماء اللاهوت في كتاب مشهور عنونوا له "أسطورة الإله المتجسد" ومما فيه عن هذه المجموعة "أنها قبلت التسليم بأن أسفار الكتاب المقدس كتبها مجموعة من البشر في ظروف متنوعة، ولا يمكن الموافقة على اعتبار ألفاظها تنزيلاً إلهياً … إن المشتركين في هذا الكتاب مقتنعون أن تطوراً لاهوتياً آخر لا بد منه في آخر هذا الجزء الأخير من القرن العشرين".
ثم أصدر ثمانية من علماء اللاهوت في بريطانيا كتابا أسموه "المسيح ليس ابن الله"، أكدوا فيه ما جاء في الكتاب الأول، وقالوا: "إن إمكانية تحول الإنسان إلى إله لم تعد بالشيء المعقول والمصدق به هذه الأيام". (1)
وفي مقابلة تلفزيونية جرت في إبريل 1984م في محطة تلفزيون "لندن لنهاية--------------------------------------------
(1) انظر: اختلافات في تراجم الكتاب المقدس، أحمد عبد الوهاب، ص (113).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 195)
الأسبوع" ( London`s Weekend Television) ذكر الأسقف ديفيد جنكنز - الذي يحتل المرتبة الرابعة بين تسعة وثلاثين أسقفاً يمثلون رأس هرم الكنيسة الأنجليكانية - أن ألوهية المسيح ليست حقيقة مسلماً بها، وقال: إنه لا يعتقد أن الولادة العذراوية وقيامة المسيح من الموت أحداث تاريخية (أي حقيقية).
وكان لكلماته صدى كبير بين أتباع الكنيسة البرتستانتية، فقامت صحيفة "ديلي نيوز" باستطلاع رأي واحد وثلاثين أسقفاً - من الأساقفة التسعة والثلاثين- حول ما قاله الأسقف ديفيد، ثم نشرت نتيجة الاستطلاع في عددها الصادر في 25/ 6/1984م، وكانت نتيجته أن "أصر 11 فقط من الأساقفة على القول بأنه يجب على المسيحيين أن يعتبروا المسيح إلهاً وإنساناً معاً، بينما قال 19 منهم بأنه كان كافياً أن ينظر إلى المسيح باعتباره الوكيل الأعلى لله"، وتشكك 9 أساقفة من فكرة قيامة المسيح من الموت، وقالوا بأنها سلسلة من التجارب أو المشاعر التي أقنعت أتباعه أنه كان حياً في وسطهم، وأكد 15 أسقفاً منهم "أن المعجزات المذكورة في العهد الجديد كانت إضافات ألحقت بقصة يسوع فيما بعد". أي أنها لا تصلح في الدلالة على الألوهية (1).
وهكذا تشكك الكنيسة ممثلة بأساقفتها في مسألة ألوهية المسيح، وترفضها، وتقر أنها عقيدة دخيلة على النصرانية، لم يعرفها المسيح ولا تلاميذه، إذ هي من مبتدعات بولس والذين تأثروا به ممن كتبوا الأناجيل والرسائل ثم المجامع الكنسية.
ومن كل ما ذكرنا يتبين لنا أن التوحيد حركة أصيلة في المجتمع النصراني، تتجدد كلما نظر المخلصون منهم في أسفارهم المقدسة، فتنجلي عن الفطرة غشاوتها، وتعلن الحقيقة الناصعة أن لا إله إلا الله.--------------------------------------------
(1) انظر: أساقفة كنيسة إنجلترا وألوهية المسيح، أحمد ديدات، ص (29 - 31)، اختلافات في تراجم الكتاب المقدس، أحمد عبد الوهاب، ص (114 - 115).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 196)
مصادر القول بألوهية المسيح
{إذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب - ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد} (المائدة: 116 - 117).
وإذا لم يكن المسيح قد قال بألوهية نفسه، ولم يقل بها معاصروه، فمن أين وفدت هذه العقائد على النصرانية؟
وفي الجواب نقول: إنه بولس عدو النصرانية، اليهودي الذي ادعى رؤية المسيح في السماء بعد رفعه، وقد نحل ذلك من الوثنيات المختلفة التي كانت تقدس بعض البشر وتعتبرهم أبناء الله. {وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون} (التوبة: 30).
أهمية بولس في الفكر النصراني
بولس أشهر كتبة العهد الجديد، وأهم الإنجيليين على الإطلاق، فقد كتب أربع عشرة رسالة، تشكل ما يقارب النصف من العهد الجديد، وفيها فقط تجد العديد من العقائد النصرانية، إنه مؤسس النصرانية وواضع عقائدها، وهو الوحيد الذي ادعى النبوة، دون سائر الإنجيليين.
فالنصرانية المحرفة عمادها الرئيس رسائل بولس، التي كانت رسائله أول ما خط من سطور العهد الجديد الذي جاء متناسقاً إلى حد ما مع رسائل بولس، لا سيما إنجيل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 197)
يوحنا، فيما رفضت الكنيسة النصرانية تلك الرسائل التي تتعارض مع نصرانية بولس التي طغت على النصرانية الأصلية التي نادى بها المسيح عليه السلام وتلاميذه من بعده.
وهذا الأثر الذي تركه بولس في النصرانية لا يغفل ولا ينكر، مما حد بالكاتب مايكل هارت في كتابه "الخالدون المائة" أن يجعل بولس أحد أهم رجال التاريخ أثراً، إذ وضعه في المرتبة السادسة بينما كان المسيح في المرتبة الثالثة.
وقد برر هارت وجود النبي صلى الله عليه وسلم في المرتبة الأولى من قائمته، وتقدمه على المسيح الذي يعد المنتسبون لدينه الأكثر على وجه الأرض، فقال: "فالمسيحية لم يؤسسها شخص واحد، وإنما أقامها اثنان: المسيح عليه السلام والقديس بولس، ولذلك يجب أن يتقاسم شرف إنشائها هذان الرجلان.
فالمسيح عليه السلام قد أرسى المبادئ الأخلاقية للمسيحية، وكذلك نظراتها الروحية وكل ما يتعلق بالسلوك الإنساني. وأما مبادئ اللاهوت فهي من صنع القديس بولس".
ويقول هارت: "المسيح لم يبشر بشيء من هذا الذي قاله بولس، الذي يعتبر المسئول الأول عن تأليه المسيح". وينبه هارت إلى أن بولس لم يستخدم لقب "ابن الإنسان" الذي كان كثيراً ما يطلقه المسيح على نفسه.
يقول السير آرثر فندلاي في كتابه "الكون المنشور": "إن بولس هو الذي وضع أساس الدين الذي يسمى بالدين المسيحي ".
وقد خلت قائمة مايكل هارت من تلاميذ المسيح الذين غلبتهم دعوة بولس مؤسس المسيحية الحقيقي، فيما كان الامبرطور قسطنطين صاحب مجمع نيقية (325م) في المرتبة الثامنة والعشرين (1).--------------------------------------------
(1) انظر: الميزان في مقارنة الأديان، محمد عزت الطهطاوي، ص (412 - 416)، المسيح في الإسلام، أحمد ديدات، ص (58).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 198)
وقد تعرض المحققون بالذكر للعديد من البدع التي أحدثها بولس في عقائد النصرانية وشرائعها، وبينوا اعتماداً على كتب العهد الجديد براءة المسيح من هذه البدع.
بولس وألوهية المسيح
وإذا خلت الأناجيل- سوى ما قد يقال عن إنجيل يوحنا - من تقرير عقيدة ألوهية المسيح فإن رسائل بولس تمتلئ بالغلو في المسيح، والنصوص التي تعتبر المسيح كائناً فريداً عن البشر.
فماذا في أقوال بولس عن المسيح؟ وهل يعتبره رسولاً أم إلهاً متجسداً أم …
عند التأمل في رسائل بولس نجد إجابة متناقضة بين رسالة وأخرى، إذ ثمة نصوص تصرح ببشرية المسيح، وثمة أخرى تقول بألوهيته، فهل هذا التناقض يرجع إلى تلون بولس حسب حالة مدعويه أم أنه متوافق مع تطوير بولس لمعتقده في المسيح؟ أم أن التناقض يرجع إلى ما تعرضت له الرسائل من تغير وتبديل … هذا كله يبقى محتملاً من غير ترجيح.
فمن النصوص التي تحدثت عن المسيح كعبد من البشر يتميز عنهم بمحبة الله له واصطفائه قول بولس: "يوجد إله واحد، ووسيط واحد بين الله والناس: الإنسان يسوع المسيح" (تيموثاوس (1) 2/ 5).
ومثله يقول معترفاً بوحدانية رب الأرباب "أن تحفظ الوصية بلا دنس ولا لوم إلى ظهور ربنا يسوع المسيح، الذي سيبينه في أوقاته، المبارك، العزيز، الوحيد، ملك الملوك، ورب الأرباب، الذي وحده له عدم الموت .. " (تيموثاوس (1) 6/ 14 - 16)، فالمسيح رب، لكن الله وحده رب الأرباب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 199)
والمسيح بشر متميز بتقديم الله له يقول عنه بولس: "مدعو من الله رئيس كهنة على رتبة ملكي صادق" (عبرانيين 5/ 10)، وهو أي المسيح "الذي في أيام جسده إذ قدم بصراخ شديد ودموع طلبات، وتضرعات للقادر أن يخلصه من الموت، وسمع له من أجل تقواه" (عبرانيين 5/ 7).
ويقارن بولس بين منزلته ومنزلة مخلوقات مثله يفضلها عليه تارة، ويفضله عليها أخرى فيقول: "لكن الذي وضع قليلاً عن الملائكة: يسوع، نراه مكللاً بالمجد والكرامة من أجل ألم الموت" (عبرانيين 2/ 9).
وفي مواضع آخر يقارن بينه وبين موسى عليه السلام فيقول: "لاحظوا رسول اعترافنا ورئيس كهنته المسيح يسوع حال كونه أميناً للذي أقامه كما كان موسى .. موسى كان في كل بيته كخادم … وأما المسيح فكابن على بيته، وبيته نحن إن تمسكنا بثقة الرجاء .. " (عبرانيين 3/ 1 - 6).
فهذه النصوص وغيرها تحدث بها بولس عن المسيح كبشر متميز بمحبة الله له واختياره ليكون وسيلة في إبلاغ وحيه.
لكن لبولس نصوص أخرى تبالغ في وصف المسيح حتى تكاد تجعله ابناً حقيقياً لله لكثرة ما فيها من الغلو والتأكيد على خصوصية المسيح، مما قد يفهم منه أن البنوة هنا تختلف عن سائر ما ورد في الكتاب المقدس، ويتضح ذلك من مواضع أخرى يعتبره فيها صورة لله، أو الجسد الذي تجسد فيه الإله.
يقول بولس: "فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطيئة" (رومية 8/ 3).
ويقول: "الذي لم يشفق على ابنه، بل بذله .. " (رومية 8/ 32).
ويقول: "أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة" (غلاطية 4/ 4)، ويفهم من النص
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 200)
بنوة حقيقية يراها بولس للمسيح، وإلا فجميع المؤمنين أبناء الله (على المجاز) مولودون من جنس النساء.
ويقول: "الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديماً بأنواع وطرقٍ كثيرة، كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه" (عبرانيين 1/ 1 - 4). فهو كما يرى بولس نوع مختلف عما سبق من الأنبياء السابقين، والذين هم جميعاً أبناء الله بالمعنى الكتابي المجازي للكلمة.
ويقول بولس عن المسيح عليه السلام: " هو صورة الله الغير المنظور، بكر كل خليقة" (كولوسي 1/ 15).
ويقول: "إذ كان في صورة الله لن يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى نفسه آخذاً صورة عبده، صائراً في شبه الناس" (فيلبي2/ 6 - 7).
ويقول: "أظهر كلمته في أوقاتها الخاصة بالكرازة التي أؤتمنت أنا عليها بحسب أمر مخلصنا: الله" (تيطس 1/ 3).
وتحدث المحققون أيضاً عن البيئة التي جعلت بولس يندفع للقول بألوهية المسيح، وتحدثوا عن المصادر التي استقى منها بولس هذه العقيدة.
أما البيئة التي بشر بها بولس فقد كانت بيئةً مليئة بالخرافات التي تنتشر بين البسطاء والسذج الذين هم غالب أفراد مجتمع ذلك الزمان، يضاف إليه أن تلك المجتمعات وثنية تؤمن بتعدد الآلهة وتجسدها وموتها، ففي رحلة بولس وبرنابا إلى لستر، صنعا بعض الأعاجيب "فالجموع لما رأوا ما فعل بولس رفعوا أصواتهم بلغة ليكاونية قائلين: إن الآلهة تشبهوا بالناس، ونزلوا إلينا، فكانوا يدعون برنابا: زفس، وبولس:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 201)
هرمس" (أعمال 14/ 11 - 12)، وزفس وهرمس كما أوضح محررو قاموس الكتاب المقدس: اسمان لإلهين من آلهة الرومان: أولهما: كبير الآلهة. والثاني: إله الفصاحة.
وهكذا اعتقد هؤلاء البسطاء الوثنيون أن بولس وبرنابا إلهان، بمجرد أن فعلا بعض الأعاجيب، بل ويحكي سفر الأعمال أيضاً أن الكهنة قربوا إليهما الذبائح، وهموا بذبحها، لولا إنكار بولس وبرنابا عليهم. (انظر أعمال 14/ 13 - 18).
فماذا يكون قول هؤلاء في الذي كان يحيي الموتى، وأشيع أنه قام من الموتى، وأتى بالأعاجيب والمعجزات.
وفكرة تجسد الآلهة مقبولة عند الوثنين الذين حددوا مواسم وأعياد معروفة لولادة الآلهة المتجسدة وموتها، وبعثتها، لذلك فإن بولس أنزل الإله للأرض ليراه الرومان، ويكون قريباً منهم.
ويرى الأستاذ حسني الأطير في كتابه القيم " عقائد النصارى الموحدين بين الإسلام والمسيحية " أن الذي دفع بولس لإظهار ألوهية المسيح هو الامبرطور الروماني طيباروس قيصر (37م).
ويستدل لذلك بما أورده المؤرخ أوسابيوس القيصري (340م)، عن طيباروس حيث بلغته أخبار المسيح، فأراد إضافته إلى الآلهة، ولكن وحسب المتبع لا بد أن يحال الأمر إلى مجلس الأعيان للمصادقة عليه، إذ لا يجوز للامبرطور أن يضيف إلهاً إلا بواسطتهم، لكن المجلس رفض ذلك، وبقي طيباروس متمسكاً برأيه.
ويوافق أوسابيوس بذلك ما جاء عن المؤرخ ترتليانوس (ق3م) إذ يقول: "وطيباروس نفسه لو أمكن أن يكون قيصراً ومسيحياً معاً لكان آمن به".
ويفترض الأطير أن بولس ربما كان أحد أهم أدوات اتخذها الامبرطور لنشر فكرته الجديدة عن المسيح كإله، وبقي هذا الوضع قائماً بعد طيباروس حتى تولى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 202)
القيصرية نيرون، فكان - كما يقول أوسابيوس - "أول امبرطور أعلن العداء للديانة الإلهية" (1).
وأما استخدام مصطلح "ابن الله" من قبل بولس فيراه شارل جنيبر غير كاف للحكم بأنه أراد الإلهية منه، فقد "بدا تصور بولس له مشوباً بالكثير من التردد والنقص بحيث لم يقدر له مقاومة الزمن، واتجهت تقوى المؤمنين في قوة - دونما إدراك للعقبات - إلى تنشيط الإيمان بالوحدة بين السيد والله".
وفسر شارل جنيبر ذلك بأن لفظ البنوة معروف في الفكر اليهودي، وقد أطلق على كثيرين أنهم أبناء الله، لكن ظهر للكلمة مفهوم البنوة الحقيقية في مرابع الفكر اليوناني في طرسوس التي كانت مركزاً للثقافات المختلفة، ومنها نقل بولس كثيراً مما أدخله في النصرانية (2).
ويحاول النصارى تأصيل فكرة ألوهية المسيح وردها إلى المسيح وتلاميذه، وتبرئة بولس منها، مستدلين بما جاء في (متى 16/ 16)، والذي يقضي بأن بطرس أول من قال بتأليه المسيح، ولم ينكر عليه المسيح إذ لما سألهم المسيح: " أنتم من تقولون إني أنا؟ فأجاب سمعان بطرس وقال: أنت هو المسيح ابن الله الحي. فأجاب يسوع: طوبى لك يا سمعان بن يونا … " (متى 16/ 15 - 16).
لكن الأطير يعتبر ما جاء في متى محرفاً بدلالة ما جاء في وصف الحدث نفسه عند غيره من الإنجيليين، ففي مرقس "فأجاب بطرس، وقال له: أنت المسيح" (مرقس--------------------------------------------
(1) انظر: عقائد النصارى الموحدين بين الإسلام والمسيحية، حسني الأطير، ص (224 - 227)، المسيح في القرآن والتوراة والإنجيل، عبد الكريم الخطيب، ص (134).
(2) انظر: اليهودية والمسيحية، محمد ضياء الرحمن الأعظمي، ص (427)، المسيح في القرآن والتوراة والإنجيل، عبد الكريم الخطيب، ص (134)، مسيحية بلا مسيح، كامل سعفان، ص (40).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 203)
8/ 29)، ولم يذكر البنوة، وفي لوقا: "فأجاب بطرس، وقال: مسيح الله" (لوقا 9/ 20).
وبذلك يكون متى قد خالف مرقس وهو ينقل عنه، كما لا يمكن قبول ما جاء في متى لفقد أصله العبراني، فلا نعلم مدى الدقة التي التزمها المترجم في ترجمة العبارة (1).
وبالعموم فإنا لو افترضنا أن إجابة بطرس هي ما ذكره متى أي " أنت هو المسيح ابن الله الحي"، فإن هذا ليس فيه أي دعوى للألوهية، بل هو مطابق لقول سفر هوشع عن بني إسرائيل: "يكون عدد بني اسرائيل كرمل البحر الذي لا يكال ولا يعدّ، ويكون عوضاً عن أن يقال لهم: لستم شعبي؛ يقال لهم: أبناء الله الحي" (هوشع 1/ 10)، فكما دعي شعب إسرائيل في التوراة بأنهم أبناء الله الحي؛ فإن بطرس يدعو المسيح ابن الله الحي، سواء بسواء.
بولس والتثليث
دأب الكثير من الكُتاب على اتهام بولس بوضع التثليث في النصرانية من غير أن يقدموا على ذلك دليلاً من أقوال بولس، مكتفين بما عرف عن دور بولس في صياغة سائر المعتقدات النصرانية، وهذا الاتهام لا أراه محقاً، إذ خلت رسائل بولس من تأليه الروح القدس، كما خلت من ذكر عناصر التثليث مجتمعة إلا في نص واحد، لا يفهم منه خالي الذهن ما يعتقده النصارى من التثليث، وقد جاء ذلك في قوله: "نعمة ربنا يسوع ومحبة الله وشركة الروح القدس مع جميعكم" (كورنثوس (2) 13/ 14)، فليس في النص ما يفيد ألوهية الروح القدس، ولا أن الثلاثة المذكوين هم واحد.
ومما يؤكد غفلة بولس عن التثليث التأمل في ترتيب عناصر التثليث المذكورين في--------------------------------------------
(1) انظر: عقائد النصارى الموحدين بين الإسلام والمسيحية، حسني الأطير، ص (204 - 206).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 204)
النص، إذ يقدم المسيح على الأب، وهو ما تعتبره الفرق النصرانية هرطقة.
ويضاف إلى ذلك أنه سمى الأقنوم الأول: الله. فيما تسميه صيغة التثليث: الآب، كما سمى الأقنوم الثاني: المسيح، فيما هو عندهم: الابن أو الكلمة.
والصحيح أن التثليث لا علاقة له ببولس، فقد كان ظهوره في مرحلة متأخرة جداً عن بولس، وأول من ذكره هو ترتليان (225م)، وأصبح عقيدة رسمية عام (381م) في مجمع القسطنطينية، ولم يرد له ذكر حتى في قرارات مجمع نيقية (325م).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 205)
ألوهية المسيح والتثليث عقيدتان منحولتان من الوثنيات القديمة
تكاملت عقائد النصارى في القرن الرابع الميلادي بتأليه المسيح ثم روح القدس وإقرار الكتاب المقدس، ونشأت مسيحية جديدة صنعها بولس ومن بعده، فمن أين استقى بولس ثم المجامع الكنسية المتأخرة هذه المعتقدات الجديدة؟
في الإجابة عن هذا السؤال ننقل ما قاله شارل جنيير في كتابه "المسيحية نشأتها وتطورها": "والدراسة المفصلة لرسائل بولس الكبرى تكشف لنا النقاب عن مزيج من الأفكار الغريبة جداً، فهي مزيج من الأفكار اليهودية والمفاهيم الوثنية اليونانية".
ولمزيد من البيان نستعرض بعضاً من آثار الديانات السابقة للمسيحية، لنقف على التشابه الكبير بين هذه الوثنيات القديمة والوثنية المسيحية، وهذا التشابه طال الأصول والفروع، وبهذا نعرف الأصل والمصدر الذي نقلت عنه المسيحية معتقداتها وشرائعها.
أولاً: تجسد الإله في الوثنيات القديمة
القول بإله متجسد يمثل الأقنوم الثاني من الإله، وأنه تجسد من أجل غفران خطايا العالمين قول قديم ومعروف في كافة الوثنيات البدائية، ومنها وثنيات الهنود حيث يقول المؤرخ ألن في كتابه "الهند": "أما كرشنا فهو أعظم من كافة الآلهة التي تجسدت، ويمتاز عنها كثيراً، لأنه لم يكن في أولئك إلا جزء قليل من الألوهية، أما هو (كرشنا) فإنه الإله فشنوَ ظهر بالناسوت".
وجاء في كتاب "بهاكافات بورون" الهندي أن كرشنا قال: "سأتجسد في متوار بيت يادوا، وأخرج من رحم ديفاكي، أولد وأموت، قد حان الوقت لإظهار قوتي،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 207)