ولما أظهر المعجزات لقومه قرنها بدعوى نبوته قائلاً وهو يناجي الله: " ولكن أسألك من أجل هذه الجماعة، ليؤمنوا بأنك أنت أرسلتني " (يوحنا 11/ 42).
ولما أرادوا قتله قال: "تطلبون أن تقتلوني، وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله " (يوحنا 8/ 40)، فهو إنسان رسول، وهذا نص صريح بإنسانيته أنه رسول من الله.
ولما بعث تلاميذه للدعوة قال لهم: " فقال لهم يسوع أيضاً: سلام لكم، كما أرسلني الآب أرسلكم أنا" (يوحنا 20/ 21).
وأكد رسالته بقوله: " الآب الذي أرسلني هو أعطاني وصية ماذا أقول، وبماذا أتكلم " (يوحنا 12/ 49).
وهو في كل ما يقوله عن الله معصوم لأنه ينطق بالوحي، فقد قال: "الكلام الذي تسمعونه ليس لي، بل للآب الذي أرسلني" (يوحنا 14/ 24)، وفي موضع آخر: "تعليمي ليس لي، بل للذي أرسلني" (يوحنا 7/ 16). وقال: " ولا رسول أعظم من مرسله " (يوحنا 13/ 16).
ومما يبطل قول النصارى بألوهية المسيح النصوص التي جعلته رسولاً خاصاً إلى بني إسرائيل، والإله لا يكون خاصاً بأمة دون أمة.
ومن ذلك قوله: "لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة " (متى10/ 6).
ومثله قصة المرأة الكنعانية التي رفض شفاء ابنتها أول مرة، لأنها ليست من شعبه. (انظر متى 15/ 21 - 28).
ومثله الوعد الذي وُعِده كما جاء في لوقا "وسيعطيه الرب الإله عرش داود أبيه، ويملك على آل يعقوب إلى الأبد" (لوقا 1/ 32 - 33)، فهل هو إله خاص ببني
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)
إسرائيل أم رسول خاص بهم؟ فلو كان إلهاً لما صح اختصاصه بشعب دون شعب، فهذا شأن الأنبياء.
ونبوته عليه الصلاة والسلام هي معتقد الناس عامة فيه، وقد صرحوا بذلك أمامه فلم يخطئهم، فعندما أحيا المسيح ابن الأرملة في نايين " أخذ الجميع خوف ومجدوا الله قائلين: قد قام فينا نبي عظيم، وافتقد الله شعبه" (لوقا 7/ 16).
ولما أطعم الخمسة آلاف إنسان من خمسة أرغفة قالوا: " فلما رأى الناس الآية التي صنعها يسوع قالوا: إن هذا هو بالحقيقة النبي الآتي إلى العالم" (يوحنا 6/ 14).
وقد قال بولس معترفاً برسالته وبشريته: "لأنه يوجد إله واحد، ووسيط واحد بين الله والناس، الإنسان يسوع المسيح" (تيموثاوس (1) 2/ 5).
وقد صدق السير آرثر فندلاي في قوله في كتابه "الكون المنشور": "لا يعتبر عيسى إلهاً أو مخلصاً، إنما هو رسول من الله خدم في حياته القصيرة في علاج المرضى وبشر بالحياة الأخرى، وعلم بأن الحياة الدنيا ما هي إلا إعداد للملكوت الإلهي بحياة أفضل لكل من عمل صالحاً".
وهكذا رأينا من الضروب الأربعة ما قام فيه دليل وبرهان واضح على عبودية المسيح عليه السلام لله، وأنه رسول عظيم من لدن ربه جل وعلا، وهذا موافق بل مطابق لما يؤمن به المسلمون {إن هو إلا عبدٌ أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل} (الزخرف: 59).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)
القول بتدرج إعلان ألوهيته
ولما عدِم النصارى الدليل على ألوهية المسيح، ورأوا أن أحداً من معاصريه لم يدرك تلك الألوهية التي يتحدثون عنها صدر بعضهم بقول جديد، مفاده أن المسيح لم يعلن ألوهيته لتلاميذه في بدء دعوته، بل تدرج بهم حتى كشف لهم عنها بعد قيامته، أي لم يدركوا هذا السر إلا بعد موته.
ومن القائلين بهذا الرأي بتر سمث في كتابه الشهير "سيرة المسيح الشعبية"، فيقول عن مريم وموقفها من ابنها: "هل حسبته إلهاً ابن الآب الأزلي … إن رواية الإنجيل تجعل هذه الفكرة محالة، كما أن العقل لا يسلم بها، وإلا كيف استطاعت أن تؤنبه على توانيه في الهيكل مع أحبار وعلماء اليهود؟ وكيف عالجت شؤونه كلها كطفلها الخاضع لها …
كلا إن العذراء لم تفكر في ولدها كإله … لم تدرك سر ألوهيته الهائل الذي لم تفطن إليه ولم تعرفه إلا مؤخراً، وحتى التلاميذ أنفسهم لم يدركوا هذا السر الهائل إلا قبيل نهاية حياته … لكنهم لم يفطنوا إليه ويدركوه تماماً إلا بعد موته وقيامته وصعوده بمجد وإرساله الروح القدس.
عندئذ أخذوا يرجعون بذكرياتهم إلى الوراء خلال ثلاث سنوات تقضت في صحبته، ويتعجبون كيف أمسكت عيونهم عن معرفة ما عرفوه الآن".
إذاً كانت ألوهية المسيح استنتاجاً عقلياً توصل إليه التلاميذ بعد رفع المسيح، وكل ما ينقل من أدلة كتابية على ألوهيته لم تكن كافية ليصلوا إلى هذا المعتقد أو يدينوا به.
وهذه الدعوى من النصارى تثور في وجهها تساؤلات عدة منها: لمَ أخفى المسيح هذه الحقيقة عن تلاميذه؟ ولم َلم ْيعلنها منذ اليوم الأول؟ إن إخفاءه المزعوم لها جعل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)
الكثيرين - من معاصريه ومن بعدهم من الذين تسميهم الكنيسة بالهراقطة - يقولون ببشريته، وحُقّ لهم ذلك، إذ لم يقل المسيح عن نفسه أنه إله، ولم يعتقد ذلك أحد من تلاميذه زمن كرازته.
ونتساءل هل كان إخفاؤه لحقيقته خوفاً من اليهود؟ كيف وهو الرب الذي نزل ليصلب كما زعموا؟
والحق أن المتتبع لآخر أحاديث المسيح لا يجد أي مفارقة بين أقوال المسيح أول بعثته وبين أقواله قبل وبعد حادثة الصلب المزعوم، كما لا يجد في أحوال التلاميذ ما يدل على أنهم اكتشفوا ما لم يدروه من قبل، فلوقا يذكر أن المسيح على الصليب قال: "يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون" (لوقا 23/ 34)، وكان ينبغي أن يجهر بألوهيته فيقول: سأغفر لكم. لكنه بشر يعجز عن ذلك، فطلب من الله أن يغفر لهم.
وأيضاً قال للص المصلوب: "تكون معي في الفردوس" (لوقا 23/ 43)، ولو كان إلهاً لقال: أنعمت عليك بالفردوس.
وها هو المسيح بعد القيامة المزعومة يقول: "إني ذاهب إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم" (يوحنا 20/ 17).
وها هم تلاميذه بعد قيامته يعتبروه إنساناً فقط، فيقول اثنان منهم: "الناصري الذي كان إنساناً نبياً مقتدراً في الفعل والقول أمام الله وأمام الناس" (لوقا 24/ 19).
وكذلك قال عنه بطرس بعد رفعه وهو ممتلئ من الروح القدس: "يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من الله بقوات وعجائب" (أعمال 2/ 22).
وقال في مرة أخرى: "يسوع الذي من الناصرة كيف مسحه الله بالروح القدس والقوة … " (أعمال 10/ 38).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)
إن مجرد الحديث عن تدرج إعلان ألوهية المسيح يطعن في كل ما تورده النصارى من أدلة على ألوهية المسيح من التوراة والأناجيل، إذ هذه الأدلة كلها وغيرها لم تجعل تلاميذه يقولون بألوهيته، فهم عندما أسموه ابن الله أو الرب أو الله ما كانوا يقصدون الحقيقة، إنما كانوا يريدون المجاز، وهكذا الحال في جميع ما يتعلق به النصارى في موضوع ألوهية المسيح من أدلة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)
مبررات تجسد الابن
يعتقد النصارى أن الله تجسد في المسيح، ويحتجون لذلك بقول يوحنا: "والكلمة صار جسداً، وحل بيننا" (يوحنا 1/ 14).
ولفهم هذا النص نقرأ ما يقوله محققو الرهبانية اليسوعية تعليقاً على الحكمة المتجسدة المذكورة في (الأمثال 8/ 22): "إن فكرة الحكمة المجسدة، وهو مجرد فن أدبي في مثل (الأمثال 14/ 1)، قد تطورت في إسرائيل ابتداء من زمن الجلاء، حين لم يبق تعدد الآلهة مهدداً الدين القويم .. ففي جميع هذه النصوص التي تجسد فيها الحكمة أو الكلمة أو الروح؛ يصعب علينا أن نميز بين ما هو فن شعري، وما هو تعبير عن مفاهيم دينية قديمة، وما هو شعور بوحي جديد".
وهكذا، فنص تجسد الكلمة يحتمل أن يكون مجرد استعارة فنية أدبية، لا تختلف عن تجسيد الحكمة، حين خرجت "الحكمة تنادي في الخارج، في الشوارع تعطي صوتها، تدعو في رؤوس الأسواق" (الأمثال 1/ 20 - 21)، ومثله تجسيد الجهل بامرأة صخابة خادعة (الأمثال 9/ 13 - 18) (1).
وقد تساءل المحققون - في هذا الصدد - عن سبب تجسد الابن دون الآب أو روح القدس؟ وتساءلوا لم كان التجسد الإلهي على صورة بشر؟ ما ضرورته؟ لماذا نزل الابن من عليائه ليدخل جوف امرأة ثم يخرج من فرجها؟ لم كان هذا كله؟
اجتهد رجال الكهنوت في الإجابة عن هذه الأسئلة، ولما لم يجدوا لها إجابة في ثنايا كتابهم أعملوا عقولهم، فصدرت عنهم أقوال مختلفة، كلٌ بحسب ما أداه إليه عقله،--------------------------------------------
(1) وقد تكرر تجسيد المعاني في الكثير من النصوص الكتابية (انظر: ابن سيراخ 4/ 11، الأمثال 9/ 1 - 6، 23/ 23، وغيرها).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)
إذ كما لم يجدوا في العهد الجديد ما يؤكد قول بولس بأن الإله قد تجسد، أيضاً لم يجدوا في هذه الأسفار تبريراً له.
وقد انحصرت إجاباتهم في أقوال، أهمها:
أولها: أن هذا السر لا نفهمه، وينبغي أن نؤمن به.
ثانيها: أن التجسد كان لردم الهوة بين الله والبشرية وإيناسها برؤية الإله - كما سيمر معنا في كلام البابا أثناسيوس-.
ثالثها: أن التجسد كان طريقة لرد الناس لعبادة الله بعد أن عبدوا المخلوقات والمصنوعات، وتركوا الخالق وهجروا عبادته، فتجسد الله ليعبده الناس، يقول (القديس) أفرام: "إن الله رأى أننا (أي البشر) عبدنا المصنوعات، ولذلك لبس جسداً مصنوعاً، ليقتنصنا به ونتعبد له" (1).
رابعها: أن التجسد كان ضرورة للتوفيق بين عدل الله ورحمته، حيث اقتضى عدل الله موت البشرية وتسلط الموت عليها واقتضت رحمته حياتها، فكان المسيح كبش الفداء.
وفي ذلك يقول البابا أثناسيوس وهو أحد أهم رجال مجمع نيقية: "لهذا كان أمام كلمة الله أن يأتي بالإنسان الفاسد إلى عدم فساد، وفي نفس الوقت أن يؤمن مطالب الأب العادل المطالب به الجميع، وحيث إنه هو كلمة الأب ويفوق الكل، فكان هو وحده الذي يليق بطبيعته أن يجدد خلقه كل شيء وأن يتحمل الآلام عن الجميع لدى الآب .. لأجل ذلك نزل إلى عالمنا كلمة الله الخالي من الجسد، العديم الفساد وغير المادي .. وإذ لم يتحمل أن يرى الموت تصير له السيادة لئلا تفنى به الخليقة، وتذهب--------------------------------------------
(1) الرأي الصريح في طبيعة ومشيئة المسيح، القمص غبريال عبد المسيح، ص (59).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)
صنعه أبيه في البشر هباء، فقد أخذ لنفسه جسداً لا يختلف عن جسدنا .. لأنه لو لم يكن الرب مخلص الجميع ابن الله قد جاء إلينا وحل بيننا ليوفي غاية الموت، لكان الجنس البشري قد هلك".
ثم ماذا بعد موت المسيح هل تغير حال البشر فلم يعد الموت متسلطاً عليهم؟
فيجيب أثناسيوس: "بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم .. وعندما تم ذلك بدأ البشر يموتون، وصار عليهم من الفساد في ذلك الوقت فصاعداً، وصار له سلطان على الجنس البشري أكثر من سلطانه الطبيعي، لأنه أتى نتيجة تهديد الله في حال العصيان".
لكنا لم نعرف ما هو السلطان الطبيعي للموت؟ ولا ندري ما الفرق بين موت الناس قبل المسيح وبعده .. كما يحق لنا أن نتساءل هنا عن سر تسلط الموت على غيرنا كأنواع الحيوانات المختلفة.
كما يذكر أثناسيوس سبباً آخر للتجسد - وهو الإيناس الذي ذكرناه قبلُ - فيقول: "عندما خلق الله الضابط للكل الجنس البشري بكلمته، ورأى ضعف طبيعتهم، وأنها لا تستطيع من نفسها أن تعرف خالقها، أو أن تكون فكرة عن الله على الإطلاق .. لهذا تحنن الله على الجنس البشري على قدر صلاحه ولم يتركهم خالين من معرفته، لئلا يروا أن لا منفعة على الإطلاق من وجودهم في الحياة" (1).
لقد كان الهدف من التجسد إذاً أن تأنس البشرية برؤية ومعرفة ربها وأن تنهدم الهوة الواسعة بين الخالق والمخلوق، وهو ما عبر عنه سنوت في كتابه "المسيحية الأصلية" حيث يقول: "توجد فقط هوة واسعة لا حد لها … ولو لم يكن الله بادر--------------------------------------------
(1) انظر: المسيح في القرآن والتوراة والإنجيل، عبد الكريم الخطيب، ص (158 - 160)، وتجسد الكلمة، البابا أثناسيوس، ص (15 - 24).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)
وتدراك الأمر لبقيت الحالة على ما هي عليه، ولظل الإنسان بلا رجاء يتخبط في دياجير اللا إرداية، ولكن الله تكلم، ولقد بادر وأعلن عن نفسه" (1).
وهنا يتساءل الدكتور عبد الكريم الخطيب: كيف كانت صلة الأنبياء بربهم مع هذه الهوة؟ هل عرفوا ربهم المعرفة التي تدفعهم لعبادته وطاعته؟ أم كان إيمانهم باهتاً؟ وماذا تغير في حياة البشرية بعد تجسد الإله؟ هل آمن الناس وعرفوا ربهم؟ وهل زال الإلحاد من البشرية؟
ثم أين الإيناس للبشرية في رؤيتها للرب وهو يصفع ويضرب ويجلد. إن هذا من شأنه أن يقلل من مقام الألوهية عندهم، فالنفس البشرية طلعة تتوقد أشواقها إلى المجهول، وتتحرك نزعاتها إلى عالم الغيب، فإذا انكشف لهم المجهول أو ظهر لهم ما وراء الغيب سكنت نزعاتها وبردت أشواقها نحو هذا الشيء الذي كانت تسعى إليه وتجدُّ في البحث عنه.
ثم ماذا عن باقي أجيال البشرية التي لم تأنس بمعرفة هذا المتجسد. هل من العدل أن تحرم منه؟ وكيف لها أن تعرف ربها ولم تراه؟!
ثم لم كان أنسنا بالإله حال طفولته وشبابه فقط، ولم نأنس به أيضاً حال كهولته وهرمه. فلماذا؟!
وهكذا يرفض المسلمون هذه التبريرات المتهافتة التي تسيء إلى عظمة الله، وتجعله عاجزاً عن العفو والغفران، حائراً بين عدله ورحمته، ومثل هذا لا يقع به الحكماء من الناس فضلاً عن رب العالمين، أو تظهره عاجزاً عن هداية خلقه إلى عبادته إلا بموافقتهم على ما ألفوه من صور الشرك.--------------------------------------------
(1) المسيح في القرآن والتوراة والإنجيل، عبد الكريم الخطيب، ص (130 - 132، 160 - 170).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)
ويشاركنا شارل جنيبر الرأي في ضعف هذه التبريرات، ويقرر أن بولس هو الذي قرر تجسد الإله، ويوضح الأسباب التي دعته لذلك، لقد ابتكر عقيدة التجسد بعد أن أدرك " أن الأتباع الجدد من المشركين لم يكونوا ليتقبلوا كل القبول فضيحة الصلب، وأنه يجب تفسير ميتة عيسى المشينة - والتي لم يكف الأعداء بطبيعة الحال عن الرجوع إليها - تفسيراً مرضياً، يجعل منها واقعة ذات مغزى ديني عميق.
وأعمل الحواري (بولس) فكره في هذه المشكلة … ووضع حلاً كان له صدى بالغ المدى قد تجاهل فكرة عيسى الناصري التي أغرم بها الاثنا عشر، ولم يتجه إلا إلى عيسى المصلوب، فتصوره شخصية إلهية تسبق العالم نفسه في الوجود، وتمثل نوعاً من التشخيص … وقد عثر الحواري على العناصر الجوهرية في الأسرار، عثر عليها في غالب الظن دون أن يبحث عنها … " (1).
لكن حرجاً آخر واجهه بولس وهو يضع لمساته النهائية على الإله المتجسد المصلوب، وهو كيف يقول بنهاية حياة المسيح على الصليب، والتوراة تنص على لعن كل مصلوب. (انظر التثنية 21/ 23)، فهذا يزري بالمسيح ويجعله ملعوناً حسب شرائع اليهود.
لحل هذه القاصمة، رأى بولس أن يجعل من الملعون مثلاً أعلى في التضحية، وأن يجعل منه إلهاً نزل وتجسد ليفدي البشرية من خطاياها، فصار لعنة ليفتديهم من لعنة الناموس، وكما قال بولس: "ولكن الله من محبته لنا، لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا، فبالأولى كثيراً ونحن متبررون الآن بدمه، نخلص به من الغضب، إنه وإن كنا ونحن أعداء قد صولحنا مع الله بموت ابنه .. " (رومية 5/ 8 - 10)، لقد صار لعنة--------------------------------------------
(1) انظر: المسيحية، نشأتها وتطورها، ص (134).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)
لأنه حررنا من لعنة الناموس! (1).
وأخيراً، فإن هذا الذي تقوله النصارى في الرب جل وعلا من تعدد وتجسد نوع من العبث الإنساني وجرأة صارخة على مقام الرب جل وعلا وتطاول مستغرب، فإن المثّال كما يقول الأستاذ المهتدي محمد مجدي مرجان "حين يصنع تمثالاً فإنه يستطيع أن يهدمه، ولا يتصور أحد أن يدعي التمثال أنه من جِبلة صانعه، أو أنه جزء أو عنصر من هذا الصانع.
ولكن الإنسان الضعيف - أحد مخلوقات الله - تطاول على صانعه، ثم أخذه الغي، ولعبت برأسه نشوة الضلال، فقلب الوضع وعكس الآية، فقام بإعادة تكوين وتشكيل صانعه، ثم راح يعيد تقسيم خالقه إلى أقسام ثلاثة ابتدعها خياله، جاعلاً كل قسم منها إلهاً قائماً بذاته، محولاً الإله الواحد إلى ثلاثة … ثم قام بتقسيم الأعمال والأعباء والوظائف بين آلهته الثلاثة التي صنعها عطفاً وإشفاقاً من أن يتحمل كل تلك الأعمال والأعباء والوظائف إله واحد. حقاً ما أشقى الإنسان" (2).
والحق أن فكرة التجسد النصرانية كانت أحد أهم أسباب انتشار الإلحاد بين المسيحيين، فإن الإنسان يميل بفطرته وعقله إلى تعظيم الخالق وتنزيهه عن الشبيه والمثيل، فيما تجعله النصرانية إنساناً خرج من فرج امرأة من بني إسرائيل.
يقول كيرانس ايرسولد: "أما من وجهة نظر العلم فإنني لا أستطيع أن أتصور الله تصوراً مادياً، بحيث تستطيع أن تدركه الأبصار أو أن يحل في مكان .. " (3).--------------------------------------------
(1) يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء، رؤوف شلبي، ص (265).
(2) الله واحد أم ثالوث، محمد مجدي مرجان، ص (125).
(3) طائفة الموحدين من المسيحين عبر القرون، أحمد عبد الوهاب، ص (38 - 39، 45).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)
وعندئذ يخيَر الناس بين المعتقد الخاطئ والفطرة الصحيحة المؤيدة بسلطان العقل، فلا يجد كثير منهم مفراً من الكفر بإله الكنيسة المصفوع والمصلوب، فيكثر الإلحاد. تعالى الله عما يقول هؤلاء علواً كبيراً.
ومن الآثار السيئة التي تتركها عقيدة التجسد إضعاف المثُل والقيم التي جاء بها المسيح ودعا إليها، ثم كان بسبقهم إليها قدوة صالحة لأتباعه، لكن أثر هذا الخلق يضيع مع القول بالألوهية، إذ لن يتصور البشر إمكانية تطبيق هذه المُثُل التي سبقهم إليها إله.
هذا ما يراه كُتاب دائرة المعارف الأمريكية في قولهم: "لو كان إلهاً فإن المثُل التي ضربها لنا بعيشته الفاضلة يفقد كل ذرة من القيمة، حيث إنه يمتلك قوى لا نملكها. إن الإنسان لا يستطيع تقليد الإله".
ويقول توماس أكمبسفي كتابه "على خطى المسيح": "إذا كان المسيح إلهاً فإن المرء لا يستطيع اقتفاء أثره والسير على منهجه".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)
هل المسيح هو الله؟
وقد اهتم المحققون بمناقشة الطبيعة الواحدة للمسيح والتي تقول بها الكنيسة الأرثوذكسية المصرية (المرقسية).
وفي بيان معتقد الكنيسة المصرية يقول حبيب جرجس عميد الكلية الإكليريكية بمصر موضحاً عقيدة الأرثوذكس الشرقيين في مسألة الطبيعة الواحدة: "إن فادينا العظيم قد تنزل عن سماء مجده، وقبِل أن يتحد بالإنسان باتخاذه جسداً حقيقياً بنفس عاقلة ناطقة، فحبل به بقوة الروح القدس … واتحادهما بدون اختلاط ولا امتزاج، يصيران شخصاً واحداً، ذا طبيعة واحدة … صار المسيح ذاتاً واحدة جوهراً واحداً طبيعة واحدة، مشيئة واحدة".
ولعل هذا المذهب أشد مذاهب النصارى كفراً، إذ أنه جعل الله هو المسيح عليه السلام كما قال الله عنهم: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم} (المائدة: 17).
ويعجب المسلمون كيف جعل أتباع هذا المذهب الله بشراً؟ فالقديم الأزلي لا يصير محدثاً، ولا يجري عليه ما يجري على البشر من عوارض كالنوم والنسيان والأكل والشرب وكونه يرى …
لكن النصوص المقدسة تثبت أن المسيح ليس الله، فثمة مفارقات واضحة بينهما، فالمسيح بشر، أصابته العوارض التي تصيب سائر البشر، وهي عوارض تنزه النصوص التوراتية، بل والإنجيلية الله عز وجل عنها.
فالمسيح عليه السلام مولود امرأة، وهيهات لمولود المرأة، ابن آدم الدود، أن يكون إلهاً، فقد جاء في التوراة "فكيف يتبرر الإنسان عند الله؟ وكيف يزكو مولود المرأة. هوذا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)
نفس القمر لا يضيء، والكواكب غير نقية في عينيه. فكم بالحري الإنسان الرمّة وابن آدم الدود! " (أيوب 25/ 4 - 5).
والمسيح إنسان، وهو ابن الإنسان "وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله " (يوحنا 8/ 40)، بينما الله "ليس الله إنساناً فيكذب، ولا ابن إنسان فيندم" (العدد 23/ 19).
والمسيح نام في السفينة. (انظر مرقس 4/ 35 - 38)، أما الله فهو " لا ينعس ولا ينام حافظ إسرائيل" (المزمور 121/ 4).
والمسيح عليه السلام كان جسداً مرئياً، والله لا يرى "الذي لم يره أحد من الناس، ولا يقدر أن يراه الذي له الكرامة والقدرة الأبدية" (تيموثاوس (1) 6/ 16). وهو ما يقوله يوحنا: " الله لم يره أحد قط " (يوحنا 1/ 18).
يمضي يوحنا فيقول: " الله روح" (يوحنا 4/ 24)، أي ليس جسماً محسوساً، في حين كان المسيح جسماً محسوساً باللمس، والمسيح عن نفسه يقول: " انظروا يديّ ورجليّ، إني أنا هو، جسوني وانظروا، فإن الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي. وحين قال هذا، أراهم يديه ورجليه" (لوقا 24/ 37 - 41).
بل لا تقدر الأجسام أن ترى الله، ومن رآه يموت. (انظر الخروج 10/ 28) فكيف يزعم الزاعمون بأن البشر رأوه؟
والمسيح عليه السلام كان صوته مسموعاً، أما الآب فالأسفار تخبر أن أحداً لم يسمع صوته، ولم يره "والآب نفسه الذي أرسلني يشهد لي. لم تسمعوا صوته قط ولا أبصرتم هيئته" (يوحنا 5/ 37).
وكيف يقول النصارى: إن جسداً بشرياً قد اكتنفه في بطنه إلى حين ولادته، والله يستحيل عليه ذلك، كما تخبرنا التوراة الكاثوليكية حين تقول: " فقال الرب: لا تحل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)
روحي على إنسان أبداً، لأنه جسد" (التكوين 6/ 3)، فروح الله لا تحل في الأجساد، فضلاً عن حلول ذاته العلية، لأن "العلي لا يسكن في هياكل مصنوعات الأيادي" (أعمال 7/ 48).
ومن المحال أن يكتنفه جسد أرضي مهما عظم، فالسماوات والأرض لا تسعه " هل يسكن الله حقاً على الأرض؟ هوذا السماوات وسماء السماوات لا تسعك، فكم بالأقل هذا البيت الذي بنيت" (الملوك (1) 8/ 27).
والمسيح صلب - كما ذكرت الأناجيل - ومات، والله عن نفسه يقول: "حي أنا إلى الأبد" (التثنية 32/ 40)، ويقول: "أقسم بالحي إلى أبد الآبدين" (الرؤيا 10/ 6)، وهو "الذي وحده له عدم الموت ساكناً في نور، لا يدنى" (تيموثاوس (1) 6/ 16).
كما أفادت نصوص أخرى عجزاً للمسيح عليه السلام وقعوداً عن مرتبة الألوهية، فدل ذلك على أنه ليس الله، فقد جهل موعد الساعة " وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد، ولا ملائكة السماوات، إلا أبي وحده " (متى 24/ 36).
وقال عن نفسه: "أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئاً " (يوحنا 5/ 30).
لذا عجز أن يعد ابني زبدي بالملكوت (انظر متى 20/ 23)، ولما سماه أحدهم صالحاً قال: "لم تدعوني صالحاً؟ ليس أحد صالحاً إلا واحد، وهو الله" (لوقا 18/ 18 - 20).
وذكر بولس أن للمسيح شركاء "من أجل ذلك مسحك الله بزيت الابتهاج أكثر من شركائك" (عبرانيين 1/ 8 - 10). فهل هؤلاء شركاء له حتى في الألوهية؟
كما ثمة نصوص أفادت بأن المسيح عليه السلام عبد إلهاً غيره، وهو الله، يقول لوقا: "وفي تلك الأيام خرج إلى الجبل ليصلّي، وقضى الليل كله في الصلاة لله" (لوقا 6/ 12)،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)
وقد ذكر الإنجيليون أنه صرخ إلى ربه مستغيثاً وناداه وهو على الصليب: " إلهي إلهي لماذا تركتني" (متى 27/ 46).
وقال للتلاميذ عن الله: " أبي وأبيكم، وإلهي وإلهكم" (يوحنا 20/ 17).
كما كان المسيح عليه السلام يعبد ربه ويصلي له، ومن ذلك صلاته ليلة أن جاء الجند للقبض عليه. (انظر متى 26/ 39)، فإذا كان هو الله فلمن كان يصلي؟ هل الله يصلي لله؟ وهل الله يدعو الله؟ ثم هل يستجيب الله لدعاء الله؟!
وقال للشيطان لما طلبه أن يسجد له: "مكتوب: للرب إلهك تسجد، وإياه وحده تعبد" (متى 4/ 10)، فهل كان يتحدث عن نفسه؟
كما تثبت النصوص تغايراً بين المسيح عليه السلام والله، وتذكر عشرات النصوص أن المسيح مرسل من الله والمرسَل غير المرسِل، منها "الكلام الذي تسمعونه ليس لي، بل للآب الذي أرسلني" (يوحنا 14/ 24)، ويقول المسيح عليه السلام أخرى: "أرسلتني إلى العالم … ليؤمن العالم أنك أرسلتني … " (يوحنا 17/ 21 - 24)، وفي رسالة يوحنا: " الله قد أرسل ابنه الوحيد إلى العالم لكي نحيا به" (يوحنا (1) 4/ 9).
وأكد يوحنا المغايرة بين الآب والابن، وأنهما ليسا واحداً في قوله على لسان المسيح: "لم أتكلم من نفسي، لكن الأب الذي أرسلني، هو أعطاني وصية ماذا أقول، وبماذا أتكلم" (يوحنا 12/ 49)، فإذا كان الابن مساوياً للآب في كل شيء أو هو الآب نفسه، فلم كان الابن لا يتكلم من تلقاء نفسه، بل لابد له من موافقة الآب الذي أرسله وأعطاه وأوصاه بالكلام الذي ينبغي أن يقوله.
ومن النصوص التي أفادت المغايرة قول بولس عن المسيح: "الذي أقامه من الأموات" (كولوسي 2/ 12)، فالقائم من الموت غير الذي أقامه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)
ويقول بولس: "نشكر الله أبا ربنا يسوع المسيح" (كولوسي 1/ 3)، فالأب ليس الابن، بل أبوه.
ويقول المسيح: "كما أحبني الأب" (يوحنا 15/ 9)، ويقول: " ليفهم العالم أني أحب الآب وكما أوصاني الآب " (يوحنا 14/ 31)، فالمحب غير المحبوب، والموصي غير الموصى.
ويقول: "ما سمعته من أبي" (يوحنا 1/ 15)، فالسامع ليس القائل.
ويؤكد الفرق بينه وبين الله، فيقول: "أبغضوني أنا وأبي" (يوحنا 15/ 24).
ومما يفيد أيضاً المغايرة بين الأقانيم الثلاثة قول بطرس: "يسوع الذي من الناصرة كيف مسحه الله بالروح القدس والقوة الذي جال يصنع خيراً" (أعمال 10/ 38)، فالله مسح عيسى بالروح القدس، فهم ثلاث شخصيات متمايزة منفصلة.
وجاءت نصوص تقول بأن المسيح عليه السلام بعد القيامة "ارتفع وجلس عن يمين الله" (مرقس 16/ 19). ويقول بولس: "المسيح جالس عن يمين الله" (كولوسي 3/ 1)، فالذي عن اليمين غير للذي عن شماله.
وقد قال لمريم المجدلية: " وقولي لهم: إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم" (يوحنا 20/ 17)، فالصاعد غير الذي يصعد إليه.
كما أن هذه الغيرية تنطوي على عدم تساوٍ بين الله والمسيح، فقد قال المسيح: "أبي أعظم مني" (يوحنا 14/ 28)، وقال: "أبي الذي أعطاني إياها هو أعظم من الكل" (يوحنا 10/ 29)، وقال: "الحق الحق أقول لكم: إنه ليس عبد أعظم من سيده، ولا رسول أعظم من مرسله" (يوحنا 13/ 26)، وقال: "الحق أقول لكم، لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئاً إلا ما ينظر الآب يعمل" (يوحنا 5/ 19).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)
وأكد بولس خضوع المسيح في النهاية لله فقال: " ومتى أخضع له الكل، فحينئذ الابن نفسه أيضاً سيخضع للذي أخضع له الكل، (أي لله) كي يكون الله الكل في الكل " (كورنثوس (1) 15/ 28)، فهو ولاشك دون الآب، خاضع له، وليس هو الآب، فهل هذان أقنومان متساويان أم شخصان متغايران؟
وأخيراً: الله ليس له شبيه ولا نظير، لا في السماء ولا في الأرض، لا المسيح ولا غيره "قال: أيها الرب إله إسرائيل، لا إله مثلك في السماء والأرض" (الأيام (2) 6/ 14)، وقال: " لأنه مَن في السماء يعادل الرب؟ من يشبه الرب بين أبناء الله؟ " (المزامير 89/ 6).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)
استدلال النصارى بآيات من القرآن على ألوهية المسيح
يورد النصارى ويثيرون في وجه المسلمين شبهات زعموا فيها أن القرآن يصدق عقيدتهم وقولهم في المسيح، وأنه ابن الله. واستندوا في ذلك إلى متشابه الآيات التي فهموها وفق مرادهم، وإلى ما في الآيات الكريمة من ثناء على المسيح وأمه والحواريين والمؤمنين من النصارى.
وفي مواجهة شبهات النصارى واستدلالهم نذكر أنه ثمة آيات كثيرة تكفر النصارى، وتبين فساد عقيدتهم، منها قوله: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم} (المائدة: 17)، وقوله: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصارٍ - لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثةٍ وما من إلهٍ إلا إلهٌ واحدٌ وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذابٌ أليمٌ} (المائدة:72 - 73)، ومثله قوله: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} (التوبة: 29).
وقد أنكر القرآن أشد النكير وأغلظه على أهل الكتاب من النصارى ادعاءهم أن المسيح ابن مريم عليه السلام ولد الله {وقالوا اتخذ الرحمن ولداً - لقد جئتم شيئاً إداً - تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً - أن دعوا للرحمن ولداً - وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً - إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً} (مريم: 88 - 93) وقال: {ذلك عيسى ابن مريم قول الحق
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)
الذي فيه يمترون - ما كان لله أن يتخذ من ولدٍ سبحانه إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون} (مريم: 35 - 36).
وذكر القرآن عبودية المسيح عليه السلام في آيات كثيرة، ومنه قوله تعالى: {إن هو إلا عبدٌ أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل} (الزخرف: 59)، ولما نطق في مهده عليه السلام صرح بهذه الحقيقة، فقال: {قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً} (مريم: 20)، {ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون - إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراطٌ مستقيمٌ} (الزخرف: 63 - 64).
وقال القرآن مصرحاً برسالته عليه السلام: {ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون} (المائدة: 75).
وكان أهم ما تمسك النصارى وتعلقوا به في شبهتهم قول الله تعالى: {فنفخنا فيه من روحنا} (التحريم: 12). وقوله: {إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه} (النساء: 171).
فلقد فهموا من هذين النصين أن عيسى هو روح الله القائمة به، وهو كلمته، أي عقله الناطق (اللوغس)، وهو تعلق غريق أعياه أن يجد في كتابه دليلاً يصرح بألوهية المسيح، فعمد إلى كتب غيره يحرف معانيها ويتنكب حقائقها.
وهذه الشبهة ألقاها نصارى نجران بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: " ألست تزعم أنه كلمة الله وروح منه؟ فقال: بلى. قالوا: فحسبنا. فأنزل الله عز وجل: {فأما الذين في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)