روى ابن جرير عن الحسن"قال: الناس مختلفون على أديان شتى، إلا من رحم ربك، فمن رحم غير مختلفين".
وروي عن مجاهد: قال: "ولا يزالون مختلفين" أهل الباطل، "إلا من رحم ربك"أهل الحق". (1)
وقال: "معنى ذلك: ولا يزال الناس مختلفين في أديانهم، وأهوائهم، على أديان وملل، وأهواء شتى، إلا من رحم ربك، فآمن وصدق رسله، فإنهم لا يختلفون في توحيد الله، وتصديق رسله، وما جاءهم من عند الله". (2)
وقال ابن كثير: "يخبر تعالى أنه قادر على جعل الناس كلهم أمة واحدة، من إيمان أو كفران، كما قال تعالى: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا} . (3)
وقوله: " ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك" أي: ولا يزال الخلف بين الناس في أديانهم، واعتقاداتهم في مللهم ونحلهم، ومذاهبهم، وآرائهم، إلا المرحومين من أتباع الرسل، الذين تمسكوا بما أمروا به من الدين الذي جاءت به رسل الله إليهم، ففازوا بسعادة الدنيا والآخرة، لأنهم الفرقة الناجية". (4)
وقد أخبر النبي-صلى الله عليه وسلم بوقوع هذا الاختلاف، محذراً منه، فروى أبو داود، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم: "افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفرقت أمتي على ثلاث وسبعين فرقة". (5)--------------------------------------------
(1) "تفسير الطبري" (15/534) ط المعارف.
(2) المصدر السابق، (ص534) .
(3) الآية 99 من سور يونس.
(4) "تفسير ابن كثير" (4/290-291) ملخصاً، ط الشعب.
(5) "السنن" (5/4) رقم (4596) ، ورواه الترمذي، "التحفة" (7/397) ، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (2/1321) رقم (3991) .
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢١)
ورواه أيضاً من حديث معاوية بن أبي سفيان- رضي الله عنهما قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: "ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب، افترقوا على اثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، اثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة، وهي الجماعة". (1)
قال ابن كثير: "روي هذا الحديث في "السنن" و"المسانيد" من طرق يشد بعضها بعضاً". (2)
وأصل الفرق الذي ترجع إليه أربع كما قال طائفة من السلف، وهم الروافض، والخوارج، والقدرية {المعتزلة} ، والمرجئة، وبعض العلماء يجعلها خمساً ويدخل أهل السنة، كما قال أبو محمد بن حزم: "فرق المقرين بملة الإسلام
خمس، وهم: أهل السنة، والمعتزلة، والشيعة، والخوارج، والمرجئة، ثم افترقت كل فرقة من هذه على فرق". (3)
ومراده: غير أهل السنة، فإنهم فرقة واحدة، وهم الذين تمسكوا بكتاب الله واتبعوا سنة رسوله-صلى الله عليه وسلم.
وقال الطرطوشي: "اعلم أن علماءنا قالوا: أصول البدع أربعة، وسائر الأصناف الاثنتين والسبعين فرقة عن هؤلاء تفرقوا، وتشعبوا. وهم: الخوارج: وهي أول فرقة خرجت على علي بن أبي طالب، والروافض، والقدرية، والمرجئة". (4)--------------------------------------------
(1) "السنن" (5/5) ، والترمذي من حديث عبد الله بن عمرو مع بعض الاختلاف في اللفظ، وقال: حديث حسن مفسر، انظر "تحفة الأحوذي" (7/399) .
(2) "تفسير ابن كثير" (4/291) .
(3) "الفصل" (2/265) .
(4) "الحوادث والبدع" (ص31) .
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٢)
ومن هذه الفرق تشعبت سائر الفرق، وقد ألف فيها وفي بيان نحلها مؤلفات قديماً وحديثاً.
وكان من أول هذه الفرق الشيعة، فإنها حدثت في آخر عصر الصحابة، ثم تطور التشنيع إلى الرفض، ومبدأه من ابن سبأ اليهودي، وغيره من المجوس ممن دخل في الإسلام ظاهراً وفي الباطن هم إما يهود ماكرون، أو مجوس موتورون، قصدهم إفساد الدين الإسلامي، كما تقدم.
فكان الرفض في أوله يسمى التشيع، فاشتهروا بالشيعة-أي شيعة علي بن أبي طالب- وكانوا في زمنه ثلاث فرق:
فرقة تقول: إنه إله، وقد صرحوا له بذلك، فحرق الذين تمكن منهم بالنار.
والثانية: الذين يسبون أبا بكر وعمر- رضي الله عنهما وقد توعد علي رضي الله عنه من فعل ذلك بأن يقيم عليه الحد- قيل: إنه القتل.
والثالثة: المفضلة، الذين يفضلون علياً على أبي بكر وعمر، وبقية الصحابة، وقد روي عنه أنه قال: "لا أوتي برجل يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته الحد". (1)
ولما خرج زيد بن علي بن الحسين في أوائل المائة الثانية، سأله الشيعة عن أبي بكر وعمر، فترضى عنهما، وبين أنه يتولاهما، تبرأ منه عند ذلك أكثرهم، فقال: رفضتموني. فسموا: الرافضة، والذين اتبعوه سموا زيدية.
وأما القدرية: فأصلهم-فيما يبدو، والله أعلم- من المجوسية المتعاونة مع اليهودية والنصرانية على حرب الإسلام.--------------------------------------------
(1) انظر: "فضائل الصحابة" للإمام أحمد (1/83) .
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٣)
وحدثت هذه الضلالة أيضاً في آخر عهد الصحابة- رضي الله عنهم ثم تطورت إلى الاعتزال.
وقد أغتر بهذا المبدأ كثير من الناس، الذين عجزت عقولهم عن استيعاب الإيمان بقدر الله، وأمره ونهيه، ووعده ووعيده، وظنوا امتناع الجمع بين ذلك، فنفوا علم الله بالمستقبل، لظنهم أنه لا يحسن أن يأمر من يعلم أنه يعصي أمره ثم يعذبه على ذلك، حيث جعلوا هذا ظلماً لا يجوز، فقابلتهم الجبرية، الذين هم صنو منهم، ثم تطورت إلى التجهم، والتعطيل، بتغذية اليهودية المفسدة في الأرض.
وأما الخوارج: فهم الذين خرجوا عن الحق من جيش أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وهم كذلك كان ظهورهم في آخر عهد الصحابة رضي الله عنهم. وهم إنما أتوا من سوء فهمهم للنصوص، ولم يقصدوا مخالفة القرآن، ولكن فهمهم أداهم إلى ما لم يدل عليه القرآن، وهو تكفير أهل الذنوب، والقول بخلودهم في النار، ولابد أنه اندس في صفوفهم من يضللهم من منظمات الموتورين، والحاقدين على دين الله وعباده المؤمنين.
وأما الإرجاء: فإنه وإن كان أخف هذه البدع، ومعتنقوه من أقربهم إلى أهل السنة، ففيه من الضلال والمخالفة لشرع الله تعالى ما هو معروف في مواطنه.
الأشعرية
من نتائج الافتراق والتشتت، برزت الأشعرية، وهي عبارة عن خليط من مذاهب عدة فرق، كالمعتزلة، والكلابية، والجهمية، وقد كان إمام هذه النحلة-أبو الحسن الأشعري- تلميذاً لأبي علي الجبائي، قرأ عليه أصول المعتزلة، ولازمه ما يقرب من أربعين عاماً، ولهذا كان خبيراً بمذاهب المعتزلة، ثم انتقل إلى طريقة
عبد الله بن سعيد بن كلاب، وهي أقرب إلى مذهب أهل السنة من طريقة
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٤)
المعتزلة، وجعل يبين فساد مذهب الاعتزال ويرد عليهم، ويوضح فساد أصولهم، وتناقضهم، وبعدهم عن الحق، ومثلهم الرافضة والفلاسفة، ولهذا صار له ذكر حسن وقدر عند المسلمين.
والذين ينتسبون إليه من المتأخرين ليسوا على طريقته، مع أنه لم يكن من أهل السنة المحضة، إذ لم يستطيع أن يتخلص من بعض مسائل أهل الكلام.
قال شيخ الإسلام: "لا ريب أن الأشعرية إنما تعلموا الكتاب والسنة من أتباع الإمام أحمد، ونحوه، ولهذا يوجد أكثر ألفاظه التي يذكرها عن أهل السنة والحديث، إما ألفاظ زكريا بن يحيي الساجي، التي وصف بها مذهب أهل السنة، أو ألفاظ أصحاب الإمام أحمد، وما ينقل عن أحمد في رسائله الجامعة في السنة، وإلا فالأشعري لم يكن له خبرة بمذهب أهل السنة، وأصحاب الحديث، وإنما يعرف أقوالهم من حيث الجملة، لا يعرف تفاصيل أقوالهم، وأقوال أئمتهم، وقد تصرف فيما نقله عنهم باجتهاده في مواضع يعرفها البصير.
وأما خبرته بمقالات أهل الكلام فكانت تامة على سبيل التفصيل.
ولهذا لم يذكر عن أهل السنة في كتاب "مقالات الإسلاميين" إلا جملة مقالاتهم، مع أن لهم في تفاصيل تلك ما ليس لأهل الكلام.
ولا ريب أن للآشعري في الرد على أهل البدع كلاماً حسناً، هو من الكلام المقبول، الذي يحمد قائله إذا أخلص فيه النية.
وله أيضاً كلام خالف به بعض السنة هو من الكلام المردود، الذي يذم قائله إذا أصر عليه بعد قيام الحجة" (1) والله يغفر لنا وله.
وقد انتسب إلى الأشعري أكثر العالم الإسلامي اليوم من أتباع المذاهب الأربعة، وهم يعتمدون على تأويل نصوص الصفات تأويلاً يصل أحياناً إلى--------------------------------------------
(1) "التسعينية" (5/286-287) من الفتاوى المصرية، ملخصاً.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٥)
التحريف، وأحياناً يكون تأويلاً بعيداً جداً، وقد أمتلأت الدنيا بكتب هذا المذهب، وادعى أصحابها أنهم أهل السنة، ونسبوا من آمن بالنصوص على ظاهرها إلى التشبيه والتجسيم.
هذا ولابد لعلماء الإسلام-ورثة رسول الله صلى الله عليه وسلم من مقاومة هذه التيارات الجارفة، على حسب ما تقتضيه الحال، من مناظرات، أو بالتأليف، وبيان الحق بالبراهين العقلية والنقلية، وقد يصل الأمر أحياناً إلى شهر السلاح.
وقد أكثر علماء السنة من التأليف في الرد على أهل الأهواء والانحراف، كما ظهر بعض الطوائف المقابلة لتلك البدع كالسالمية والكلابية، الذين تولوا أيضاً الرد على أهل تلك الانحرافات، غير أنهم كثيراً ما يردون البدع ببدع مماثلة لما يرد أو قريباً منها، يزداد من أجل ذلك التباس الحق على كثير من الناس، بخلاف ما إذا كان الرد بما دل عليه كتاب الله- تعالى- وسنة رسوله-صلى الله عليه وسلم كما هو نهج أهل السنة، بالإضافة إلى المعقول الصريح.
ومن كبار علماء السنة الذين ردوا على أهل البدع، الإمام البخاري-رحمه الله تعالى - في كتاب أفرد لذلك سماه "خلق أفعال العباد"، ولم يقتصر فيه على ما يفهم من الاسم، بل رد فيه على الجهمية والقدرية وغيرهم، كما رد على المرجئة في كتاب الإيمان من "الجامع الصحيح"، ورد على الجهمية والمعتزلة ومن سلك طريقهم في كتاب "التوحيد"، الذي ختم به كتابه "الجامع الصحيح"، وسلك فيه طريقاً واضحاً في الرد، إذ اقتصر على ذكر النصوص، من الكتاب والسنة، التي فيها بيان بطلان مذاهب هؤلاء المشار إليهم، فكأنه يقول: هذا كتاب ربنا الذي أنزله علينا وأمرنا باتباعه، وحضنا على تدبره وفهمه، وجعله هدى ونوراً وشفاءً للمؤمنين به، وهذه سنة نبينا الذي كلفنا بطاعته، ومتابعته، وفيهما العصمة عن الخطأ، وهما صريحان في بيان الحق، الذي ضل عنه هؤلاء المبتدعة، ففيهما تكفلا برد ما جاؤوا به، فلا يسع المسلم إلا الأخذ بهما، ورد ما خالفهما، ففيهما الهدى والنور، وفي تركهما الضلال والهلاك، والله-تعالى- لم يكلنا إلى
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٦)
عقولنا، بل أرسل إلينا رسولاً بين لنا كل ما نحتاج إليه من أمور ديننا، وأنزل عليه كتابه، فيه تبيان لكل شيء فرق فيه بين الحق والباطل، فلسنا نحتاج معه إلى غيره، فإن تمسكنا به أوصلنا إلى الله من أقرب طريق وأهداه، وإن أعرضنا عنه تخطفتنا الشياطين من كل
جانب، كما قال الله -تعالى-: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ {36} وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ {37} حَتَّى إِذَا جَاءنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ} . (1)
الإمام البخاري
هو أبو عبد الله، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه. (2)
قال النووي: "اتفق العلماء على أنه ولد بعد صلاة الجمعة، لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال، سنة أربع وتسعين ومائة، وتوفي ليلة السبت، عند صلاة العشاء ليلة الفطر، سنة ست وخمسين ومائتين، ودفن يوم الفطر بعد الظهر". (3)
طلب العلم من صغره، وتبينت نجابته، وذكاؤه، وفطنته، وحفظه، ونبله من صغره، وقد طوف البلاد مراراً لطلب الحديث، وأخباره مشهورة، واتفق العلماء على جلالته، وإمامته في الحديث، وفقهه، وتميز بذلك عن غيره، وقد كتب في ترجمته كثيراً، في كتب الرجال، والشروح، وأفرد لذكر فضائله وشمائله كتب خاصة، فلا نطيل في ذلك.
وأما كتابه "الجامع الصحيح"فقال النووي-رحمه الله: "اتفق--------------------------------------------
(1) الآيات 36-38من سورة الزخرف.
(2) "هدي الساري" (2/250) ، و" تاريخ بغداد" (2/4) .
(3) " شرح النووي"للبخاري (ص4) .
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٧)
العلماء على أن أصح الكتب المصنفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتفق الجمهور على أن "صحيح البخاري" أصحهما صحيحاً، وأكثرهم فوائد". (1)
قلت: هو كتاب عظيم ونافع جداً لمن قرأه، وتدبره، وقد أودعه من التراجم التي تعين على الفهم الشيء الكثير، وهي تدل على عظيم فقهه في الحديث، ودقة استنباطه، وقد بلغت ثلاثة آلاف وثمانمائة واثنتين وثمانين ترجمة، وتزيد على ذلك في بعض النسخ.
هذا، وقد اعتنى به العلماء عناية فائقة، قراءة، وحفظاً، وتدريساً، وشرحاً.
فحظي بشروح كثيرة جداً، فذكر في "كشف الظنون" ما يقرب من ثمانين شرحاً للبخاري (2) ، وله أكثر من ذلك بكثير.
ومع هذا، فإن كتاب التوحيد منه بحاجة إلى شرح يبين مقاصد البخاري-رحمه الله تعالى - ووجه الرد منه على أهل البدع، لأن غالب من قام بشرحه، على المذهب الأشعري، ولا سيما الشروح المتداولة اليوم، ولهذا تجد أحدهم يوجه الكلام من النصوص، ليتفق مع ما يعتقده، ولو بالتعسف.
وكثير من الصفات التي يثبتها البخاري، مستدلاً عليها بنص من كتاب الله، أو عن رسوله، يحاولون ردها، إما بالتحريف الذي يسمونه تأويلاً، أو بدعوى الإجماع على خلافها، كما ذكر الحافظ-رحمه الله تعالى- عن ابن بطال، في قوله-صلى الله عليه وسلم: "لا شخص أغير من الله".
قال: "أجمعت الأمة على أن الله-تعالى- لا يجوز أن يوصف بأنه شخص". (3)--------------------------------------------
(1) "شرح النووي"للبخاري (ص7) .
(2) انظر: "كشف الظنون" (1/545) .
(3) انظر: "الفتح" (13/400) وسيأتي-إن شاء الله- الكلام عليه وذكر من رواه.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٨)
وذكر عن الخطابي: أنه رد وصف الرب تبارك وتعالى بالأصابع، كما في حديث عبد الله بن مسعود في ذكر الحبر الذي سأل رسول الله-صلى الله عليه وسلم ونسب ذلك إلى تخليط اليهود، وتشبيههم، وقال في قوله في الحديث: "فضحك رسول الله-صلى الله عليه وسلم تصديقاً لقوله" إنه ظن من ابن مسعود، وحسبان، وحاول عكس الأمر، وأن الضحك من جرأة اليهود على التشبيه (1) ، وأمثال ذلك كثير، مما هو خلاف ما أراد إثباته مؤلف الكتاب.
ولذلك أرى من الواجب أن يتولى شرح هذا الكتاب العظيم، الذي ألفه ذلك الرجل السلفي الفاهم للحق تمام الفهم، من هو على نهج المؤلف في العقيدة، ويفهم مقصده، وماذا يريد من إيراده للنصوص.
ولما أعوزني وجود شرح على هذا الوصف، ولم يسعفني من طلبت منه القيام بذلك من مشائخنا، تطفلت على كتب العلماء، وقمت بجمع ما أراه مناسباً لشرح
ما أورده البخاري-رحمه الله تعالى- وأرجو من الله الإمداد بالعون والسداد، فإنه لا يخيب سائله، ولا يحرم آمله، ولست أزعم أنني أفهم من كتاب البخاري-رحمه الله ما لا يفهمه شارحوه، أمثال ابن حجر والعيني والخطابي وابن بطال والقسطلاني وغيرهم، ولكن لكل منهم نهجه الخاص، وعقيدته التي تملي عليه مسلكاً معيناً.
وطريقتي فيه أني:
1- أذكر نص الحديث بسنده، ثم أتبعه بترجمه لراويه من الصحابة موجزة جداً.
2- أحاول بيان مراد البخاري-رحمه الله من إيراده النص، وبيان وجه استدلاله بذلك، حسب المستطاع.--------------------------------------------
(1) انظر: "الفتح" (13/398) . وسيأتي-إن شاء الله - ذكر ذلك في موضعه، وإبطاله بالبراهين المعتمدة على الحق اليقيني، لا ظنون المتكلمين وشكوكهم، والله المستعان.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٩)
3- أعزو الكلام إلى قائله، مبيناً مكانه من المصدر، بالجزء والصفحة، واذكر رقم الآية واسم السورة، ومكان الحديث في المصدر، وأما"صحيح البخاري" فغالباً أعزو ما فيه إلى "الفتح".
4- لا أتطرق إلى الكلام على رجال السند، إذ هو أمر مفروغ منه، فكل ما في البخاري ثابت، عن المصطفى-صلى الله عليه وسلم، وقد تلقته الأمة بالقبول، فلا يطعن فيه إلا من كان له غرض، أو في قلبه مرض، خلا بعض المعلقات، وقد تولى الحافظ رحمه الله وصل أسانيده، والإجابة عما قيل فيها في كتابه: "تغليق التعليق".
5- أحاول جهدي بيان مذهب السلف، في أسامي الله -تعالى-، وأوصافه، ومدى تمسكهم بالكتاب والسنة، مستعيناً على ذلك بنقل ما تيسر لي من كلامهم على سبيل الإيجاز.
6- أحاول رد القول الباطل، أو الضعيف، الذي لا تؤيده النصوص، إذ إن مبنى أوصاف الله -تعالى- على ثبوت النص في ذلك، ولا دخل لقياس وعقل في ذلك، وكل ذلك حسب المستطاع.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٠)
قال البخاري - رحمه الله تعالى-:
"باب ما جاء في دعاء النبي-صلى الله عليه وسلم -أمته إلى توحيد الله-تبارك وتعالى"
مقصده بهذا أن يبين أن النبي-صلى الله عليه وسلم قد أوضح ما يجب على المسلم أن يعتقده في حق الله-تعالى- نفياً وإثباتاً، وأوضح ما يجب لله على عباده، من توحيد القصد والنية، لأن قوله: "توحيد الله" يعم أنواع التوحيد، فلم يترك الأمر مشتبهاً، بل بينه، فيجب أن يتبع بيانه في ذلك، فلا يصار إلى رأي متكلم، أو عقل متفلسف، أو قول مؤول.
وقوله: "دعاء النبي-صلى الله عليه وسلم أمته" أي الدعوة التي كلفه الله بها وأمره بإبلاغها.
يعني: أن هذا مقصود الرسالة، فلابد أن يبينه، ويبلغه أمته، البلاغ المبين، بحيث لا يبقى فيه التباس، أو اشتباه.
وقد قام-صلوات الله وسلامه عليه- بهذا الواجب خير قيام، فأوضحه غاية الإيضاح، فلا عذر لمن انحرف عنه، وتلقى توحيده من الفلاسفة والمتكلمين الذين كثر في هذا الباب اضطرابهم، وغلظ عن معرفة الله-تعالى- حجابهم. (1)
وبهذا يبين أن معرفة التوحيد، الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم--------------------------------------------
(1) اقتباس من كلام شيخ الإسلام في أول الحموية، انظر (ص5) بتعليقات محمد عبد الرزاق حمزة.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣١)
ودعا أمته إليه، لا يمكن الوصول إليها إلا بما جاء به صلى الله عليه وسلم من كتاب الله- تعالى-، وسنته التي هي شارحة ومبينة لكتاب الله- تعالى-.
والأمة هنا يقصد بها: الأمة المطلقة، أي أمة الدعوة.
1- "حدثنا أبو عاصم، حدثنا زكريا بن إسحاق، عن يحيى بن عبد الله بن صيفي، عن أبي معبد، عن ابن عباس- رضي الله عنهما أن النبي-صلى الله عليه وسلم بعث معاذاً إلى اليمن".
2- وحدثني عبد الله بن أبي الأسود، حدثنا الفضل بن العلاء، حدثنا إسماعيل ابن أمية، عن يحيى بن عبد الله بن صيفي، أنه سمع أبا معبد مولى ابن عباس يقول: سمعت ابن عباس يقول: " لما بعث النبي-صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى نحو أهل اليمن، قال له: إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم، إلى أن يوحدوا الله تعالى، فإذا عرفوا ذلك، فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا صلوا فاخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة أموالهم، تؤخذ من غنيهم فترد على فقيرهم، فإذا أقروا بذلك، فخذ منهم، وتوق كرائم أموال الناس".
عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، الهاشمي، ابن عم رسول الله- صلى الله عليه وسلم، وحبر هذه الأمة، من المكثرين عن النبي-صلى الله عليه وسلم، وجل ما يرويه بواسطة أحد الصحابة، دعا له النبي-صلى الله عليه وسلم بأن يفقهه الله في الدين، ويعلمه التأويل، فظهرت عليه آثار دعوته-صلى الله عليه وسلم حتى عرف بأنه ترجمان القرآن.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٢)
توفي النبي-صلى الله عليه وسلم وهو ابن خمس عشر سنة، على الراجح.
وقد توفي سنة ثمان وستين في الطائف. (1)
ومعاذ بن جبل بن عمرو بن أوس، الأنصاري، الخزرجي، من علماء الصحابة وساداتهم، قال له رسول الله-صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح: "والله يا معاذ إني أحبك" (2) .
وقال ابن مسعود: "إن معاذاً كان أمة قانتاً لله حنيفاً، ولم يكن من المشركين، إنا كنا لنشبه معاذاً بإبراهيم، عليه السلام". (3)
شهد العقبة، والمشاهد كلها مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم توفي في الشام بطاعون عمواس، سنة ثماني عشرة، وكان عمره ثمان وثلاثون سنة. (4)
قوله: "بعث معاذاً إلى اليمن" أي أرسله مبلغاً عنه، وداعياً إلى عبادة الله وتوحيده.
"وأصل البعث: إثارة الشيء، وتوجيهه. ويختلف باختلاف ما علق به.
فبعثت البعير: أثرته من مبركه، وسيرته، وقوله تعالى: {وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ--------------------------------------------
(1) انظر: "الإصابة" (4/141) ، "تذكرة الحفاظ" (1/37) ، "أسد الغابة" (3/290) ، "أسير أعلام النبلاء" (3/331) ، وغيرها كثير.
(2) "السنن" (2/180) ، الحديث رقم (1522) ، وانظر: "المجتبى" (3/53) .
(3) انظر: "الإصابة" (6/137) .
(4) "سير أعلام النبلاء" (1/443) ، "أسد الغابة" (5/194) ، "الإصابة" (6/136) .
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٣)
اللهُ} (1) أي يخرجهم من الأرض أحياء، ويسيرهم إلى المحشر.
وقوله تعالى: {وَلَكِن كَرِهَ اللهُ انبِعَاثَهُمْ} (2) أي: توجههم، ومضيهم معك. وقوله تعالى: {فَبَعَثَ اللهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ} (3) أي: قيضه لذلك.
وقوله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً} (4) أي: أرسلناهم لدعوة قومهم إلى الله تعالى، فالبعث ضربان: أحدهما: يتعلق بفعل المخلوق، كبعث البعير، وبعث الإنسان في حاجة.
والثاني: إلهي، وهو قسمان:
الأول: إيجاد الأعيان، والأجناس، والأنواع، من العدم، على غير مثال سابق، وهذا خاص بالله تعالى.
والثاني: إحياء الموتى، وهذا قد أعطى، جل وعلا- بعض من يشاء من عباده شيئاً منه، كعيسى-عليه السلام ليكون آية على صدقه" (5) ولا يقع ذلك إلا بإذن الله تعالى وإرادته.
و"اليمن" اسم البلاد المعروفة الواقعة في الجنوب الغربي من جزيرة العرب.
قال في "القاموس": "اليمن ما كان عن يمين القبلة من بلاد الغور" (6) ، وفي "المراصد": "سميت اليمن لتيامنهم إليها، لما تفرقت العرب من مكة، كما سميت--------------------------------------------
(1) الآية 36 من سورة الأنعام.
(2) الآية 46 من سورة التوبة.
(3) الآية 31 من سورة المائدة.
(4) الآية 36 من سورة النحل.
(5) "المفردات"للراغب، بتصرف (ص52) .
(6) " القاموس" (4/279) .
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٤)
الشام لأخذهم الشمال". (1)
قلت: وفيه نظر، وذلك أن اليمن قديم، قبل وجود مكة على يدي إبراهيم وابنه إسماعيل-عليهما السلام-إلا أن تكون التسمية حادثة. وقال قطرب: "سمى اليمن ليمنه". (2)
قال الحافظ: "كان بعث معاذ إلى اليمن سنة عشر، قبل حجة الوداع" (3) ، وعند أهل المغازي، أن ذلك في ربيع الآخر، من سنة تسع، والصحيح ما قاله الحافظ، وقد أشار البخاري-رحمه الله إلى ذلك بقوله: باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع". (4)
وقيل: كان ذلك في أواخر سنة تسع، عند منصرفه-صلى الله عليه وسلم من تبوك، رواه الواقدي بإسناده إلى كعب بن مالك، وحكى ابن سعد أنه كان في ربيع الآخر سنة عشر" (5) فالله أعلم.
قوله: "إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب". تقدم-بفتح الدال-لأن ماضيه ثلاثي مكسور العين، ومصدره قدوماً، لأنه يدل على معالجة.
"القوم" الجماعة من الرجال والنساء، أو من الرجال خاصة، وتدخل النساء على التبعية. قاله في "القاموس". (6)
"وأهل الكتاب" هم اليهود والنصارى، "والمقصود هنا اليهود، وكان--------------------------------------------
(1) "المراصد" 03/1483) .
(2) "تاج العروس" (9/371) .
(3) "الفتح" (3/358) .
(4) انظر: "البخاري" (5/204) .
(5) انظر: "الفتح" (3/358) .
(6) انظر: "القاموس" (4/168) .
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٥)
ابتداء دخولهم اليمن في زمن "أسعد ذي كرب" تبع الأصغر، كما ذكر ذلك ابن إسحاق في السيرة" (1) .
والمقصود بالكتاب: الجنس، والمراد: التوراة، والإنجيل.
وسمى اليهود، والنصارى: أهل الكتاب، لأن الله تعالى أنزل عليهم التوراة والإنجيل، فيهما أوامر الله، ونواهيه، ليعملوا بهما، وهدى من الله ونور يخرجهم من ظلمات الغي والشهوات، قال الله تعالى: {وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ {3} مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ} (2) . فتوارثوه جيل عن جيل، ثم إنهم حرفوه، وغيروا فيه وزادوا ونقصوا، فاختلط حقه في باطلهم، ثم نسخه الله تعالى بالقرآن الذي أنزله على خاتم الرسل-صلى الله عليه وسلم.
قال الحافظ: "قوله: "إنك تقدم" الخ، كالتوطئة للوصية، لتستجمع همته عليها، لكون أهل الكتاب علم في الجملة، فلا تكون مخاطبتهم كمخاطبة أهل الجهل من عبدة الأوثان" (3) . ولا يدل على أن كل من يقدم عليهم من أهل الكتاب، بل أغلبهم من عبدة الأوثان، كما هو معلوم.
قوله: "فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى" اللام للأمر، وإذا اقترنت بالفاء أو الواو فهي ساكنة في الغالب الأكثر.
وقوله: "إلى أن يوحدوا الله تعالى" ذكره في الزكاة بلفظ: " ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله" (4) .
وفي رواية" "فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (13/348) .
(2) الآيات 3-4 من سورة آل عمران.
(3) "الفتح" (3/358) .
(4) انظر: "الفتح" (3/261) .
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٦)
فأخبرهم … " الخ (1) .
وفي أخرى: " فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله" (2) .
وفي رواية لمسلم: "فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله-عز وجل فإذا عرفوا الله فأخبرهم … "الخ (3) .
وهذه الروايات متفقة في المعنى.
فمعنى شهادة أن لا إله إلا الله: توحيد الله بالعبادة، والبعد عن عبادة ما سواه، وهذا هو الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله، الذي قال الله تعالى فيه" {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لَا انفِصَامَ لَهَا} (4) .
والطاغوت: كل ما عبد من دون الله- كما قال مالك رحمه الله (5) سواء كان من البشر، أو من الحجر، أو الشجر، أو الحيوان، أو الأضرحة والعتبات.
والكفر به: الابتعاد عن عبادته، التي هي طلب البركات منه، أو--------------------------------------------
(1) المصدر نفسه (ص322) .
(2) المصدر السابق، (ص357) ، (8/64) "الفتح".
(3) انظر: "مسلم بشرح النووي" (1/199) .
(4) الآية 256من سورة البقرة.
(5) قال ابن جرير: " الطاغوت: كل ذي طغيان على الله لمن عبده من دونه، إما بقهره لمن عبده أو بطاعة من العباد له، إنساناً كان ذلك المعبود، أو شيطاناً، أو وثناً، أو صنماً، أو كائناً ما كان من أي شيء" انظر "تفسير الطبري" (5/419) تحقيق: أحمد ومحمود شاكر.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٧)
الشفاعات، أو دفع البليات، أو إنالة الحاجات، أو التوجه إليه بالدعاء، ولابد من بغضه وعداوته، وعداوة عابديه ومقاطعتهم، والتبري منهم؛ لقول الله تعالى: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} (1) .
والإيمان بالله-تعالى- هو: إفراده بالعبادة، التي تتضمن غاية الحب ومنتهاه مع غاية الذل وأقصاه، والانقياد لأمره والتسليم له.
وهذا هو حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله، كما قال صلى الله عليه وسلم لوفد عبد القيس: "آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ " قالوا: الله ورسوله اعلم، قال: "شهادة أن لا إله إلا الله … " الخ (2) .
وقال-تعالى-: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} (3) ، أخذ البخاري- رحمه الله من هذه الآية وجوب العلم قبل العمل، فقال: باب العلم قبل القول والعمل؛ لقول الله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ} (4) .
فالعلم بمعنى هذه الشهادة التي لابد لكل داخل في دين الإسلام أن يشهد بها هو الإيمان المطلوب من العباد، وهو معرفة حق الله على عباده، الذي لا يجوز الإخلال بشيء منه، وإلا استحقوا عذابه.
وأما معنى شهادة أن محمداً رسول الله، فهو: العلم اليقيني بأنه رسول من الله كلفه إبلاغ العباد أوامر الله ونواهيه، وطاعته في كل ما أمر به، واجتناب ما نهاهم عنه، وأن لا يعبد الله إلا بما جاء به، وأن كل من سلك طريقاً غير سنته--------------------------------------------
(1) الآية 22 من سورة المجادلة.
(2) انظر: "الفتح" (1/129) ، و"مسلم بشرح النووي" (1/188) .
(3) الآية 19من سورة محمد.
(4) انظر: "الفتح" (1/159) .
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٨)
فمصيره إلى النار، وأنه بلغ العباد ما أرسل به، وبين لهم دينهم أتم بيان، وأنه عبد الله أكرمه بالرسالة، وليس له من العبادة شيء، بل العبادة كلها لله تعالى.
وهاتان الشهادتان متلازمتان، لا تقبل إحداهما دون الأخرى، فمن شهد أن لا إله إلا الله، ولم يشرك به شيئاً، ولم يشهد أن محمداً رسول الله، فهو كافر بالله وخالد في النار، وإن جاء بعبادة أهل الأرض.
ومن شهد أن محمداً رسول الله، وأشرك بالله شيئاً شركاً كبيراً، فهو كافر خالد في النار، فلا بد من اجتماع هاتين الشهادتين في العبد حتى يكون موحداً.
وأما مجرد النطق بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، مع عبادة غير الله، وتعلق القلب بمن يعتقدهم أولياء، وطلب الحاجات منهم التي لا يقدر عليها إلا الله، ومع مخالفة أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتكاب ما نهى عنه، فإن ذلك لا يفيد شيئاً، ولا يكون الإنسان به مسلماً.
قال النووي- رحمه الله: "واتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء، والمتكلمين على أن المؤمن الذي يحكم بأنه من أهل القبلة، ولا يخلد في النار، لا يكون إلا من اعتقد بقلبه دين الإسلام، اعتقاداً جازماً خالياً من الشكوك، ونطق مع ذلك بالشهادتين، فإن اقتصر على أحدهما لم يكن من أهل القبلة أصلاً، بل يخلد في النار، إلا أن يعجز عن النطق لخلل في لسانه" (1) .
وهذه الشهادة أيضاً تتضمن الإيمان بأسماء الله وصفاته؛ لأن ذلك من عبادة الله التي تعبد الخلق بها.
وهذا الحديث دليل ظاهر على أن التوحيد الذي هو إخلاص العبادة لله وحده، والبعد عن عبادة ما سواه، والإيمان بأسمائه وصفاته، كما جاء في وحيه إلى رسله، هو أول واجب على العباد.--------------------------------------------
(1) "شرح النووي للبخاري" (ص113) ، ولا بد مع اعتقاد القلب، ونطق اللسان، من العمل مع التمكن، فلابد من إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع، وغير ذلك من الواجبات.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٩)
لا كما يقول أهل الكلام، من المعتزلة، والأشعرية، وغيرهم: إن أول ما يجب على العبد: النظر في الأدلة العقلية على وجود الله تعالى، أو القصد إلى النظر أو الشك، فهذا الحديث وأمثاله من نصوص الكتاب والسنة يبطل هذا الزعم الخاطيء.
"وذلك أن أصل العلم الإلهي ومبدأه، هو الإيمان بالله ورسوله، والاهتداء بوحيه، كما قال - تعالى -: {يُعِيدُ {49} قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ} (1) . وقال تعالى -: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا} (2)
وقال- صلى الله عليه وسلم: " أمرت أن أقاتل الناس، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم، إلا بحقها". (3)
ولهذا ابتدأ البخاري - رحمه الله تعالى - "صحيحه" ببدء الوحي ونزوله، الذي يحصل به الهدى، والنور، ثم أتبعه بكتاب الإيمان، الذي هو الإقرار بالوحي والانقياد له، ثم اتبعه كتاب العلم الذي هو معرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وفقهه، فهذا هو الترتيب الحقيقي.
والمطلع على أقوال أهل الكلام يعجب مما جعلوه أصل الدين الإسلامي، وبنوا عليه أن من لم يعرفه فليس بمسلم.--------------------------------------------
(1) الآية 50 من سورة سبأ.
(2) الآية 52 من سورة الشورى.
(3) رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر، "الفتح" (1/75) ، وانظر: "مسلم بشرح النووي" (1/212) ، وروى من حديث جماعة من الصحابة في "الصحيحين" وغيرهما.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٠)