ومنها: ما يستند إلى التجربة، والعادة، فيستدل على الحادث، بما وقع قبل ذلك، وقد يكون ذلك بنوع من السحر، أو بنوع يضاهي السحر، مثل: الزجر، والطرق، والنظر في النجوم.
ومنها: ما يستند إلى ظن وتخمين وحدس، وقد يبتلي الله – تعالى – بهذا النوع بعض الناس، فيقع له ما ظنه، فيكون ذلك فتنة له، ولغيره مع كثرة الكذب فيه (1) .
قوله: فقالوا: يا رسول الله. فإنهم يحدثون بالشيء يكون حقاً)) أي: إن الكهان يخبرون بالأمر، فيقع مثل ما أخبروا به. فالحق: هو الخبر المطابق للواقع، يعني: الصدق.
فقال النبي – صلى الله عليه وسلم – جواباً على هذا الإيراد: ((تلك الكلمة من الحق، يخطفها الجني)) أي: أن الحق الذي يقع في خبر الكاهن، يكون مما خطفه الجني، الذي هو الشيطان مسترق السمع، من الملائكة الذين يكونون في السحاب، فيتحدثون بينهم فيما أوحاه الله إليهم، فيخطف الجني الكلمة منهم.
((فيقرقرها في أذن وليه كقرقرة الدجاجة)) أي: يرددها مثل ترديد الدجاجة صوتها، بترجيع، وزمزمة، ولهذا صارت أخبار الكهان كذلك.
وهو يرددها لتستقر في ذهنه ويحفظها، هذا إذا لم يصبه الشهاب، الذي يرسله الله عليه، فأحياناً يقتله الشهاب، وقد يذهب بعقله، وقد يسلم.
وسمى الكاهن ولياً للشيطان؛ لأنه يطيعه ويتولاه، أو أراد العموم في الكاهن والمنجم، والعراف، ونحوهم ممن يتولى الشياطين.
قال الخطابي: ((يبين – صلى الله عليه وسلم – أن إصابة الكاهن أحياناً، إنما هي لأن الجني--------------------------------------------
(1) ((الفتح)) مع بعض التصرف (10/217) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦٩١)
يلقى إليه الكلمة، التي يسمعها استراقا من الملائكة، فيزيد عليها أكاذيب، يقيسها على ما سمع، فربما أصاب نادراً، وخطؤه الغالب)) (1) .
((فيخلطون فيه أكثر من مائة كذبة)) أي: الشياطين يخلطون مع الكلمة الواحدة من الحق، التي سمعوها من الملائكة، أكثر من مائة كذبة، ومع ذلك يصدقهم الناس، من أجل أنهم يصيبون في واحد من أخبارهم، البالغة أكثر من مائة، والباقي كله كذب، وهذا من العجائب، ومما يدل على حب النفوس للباطل، وإلا كيف يصدق، وهو إذا صدق مرة واحدة، كذب أكثر من مائة مرة؟!
قال الحافظ: ((والذي يظهر لي من مراد البخاري: أن تلفظ المنافق بالقرآن كما يتلفظ به المؤمن، فتختلف تلاوتهما، والمتلو واحد، فلو كان المتلو عين التلاوة، لم يقع فيه تخالف، وكذلك الكاهن، في تلفظه بالكلمة من الوحي، التي يخبره بها الجني، مما يختطفه من الملك تلفظه بها، وتلفظ الجني مغاير لتلفظ الملك؛ فتفاوتا)) (2) .
قلت: هذا بعض ما أراده البخاري – رحمه الله، وتمامه: أن هذا التفاوت المذكور بينهم، يدل على أن التلفظ عمل لهم، وهم وأعمالهم مخلوقون، كما تقدم إيضاح ذلك، والله أعلم.
186- قال: ((حدثنا أبو النعمان، حدثنا مهدي بن ميمون، سمعت محمد بن سيرين يحدث، عن معبد بن سيرين، عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: ((يخرج ناس من قبل المشرق، ويقرءون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون--------------------------------------------
(1) ((الفتح)) (10/220) .
(2) ((الفتح)) (13/536) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦٩٢)
من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم إلى فوقه)) .
قيل: ما سيماهم؟ قال: ((سيماهم التحليق – أو قال: التسبيد -)) .
هذا الحديث تقدم في باب قوله تعالى: {تَعرُجُ المَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِليهِ} ، وتقدم شرحه هنا، إلا أن هذه الرواية فيها ما ليس في تلك، فنبين ما لم يتقدم، فمن ذلك قوله: ((يخرج ناس من قبل المشرق)) . المراد: مشرق المدينة، وهو العراق أو قربه، وقد خرجوا فيه كما هو معلوم، وقاتلهم علي ابن أبي طالب – رضي الله عنه – وقتل معظمهم، ولكنهم لم يزل يخرج منهم طوائف، حتى صار لهم أسوأ الأثر على الأمة الإسلامية.
ومن ذلك قوله: ((ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم إلى فوقه)) أي: المكان الذي خرج منها لما رمي به، ومعنى ذلك: أنهم لا يعودون إلى الإسلام أبداً، وهذا شأن أهل الأهواء، والبدع؛ لأنهم يرون أن ما هم عليه هو الحق، ومن عداهم فهو على الباطل؛ فهم الذين زين لهم سوء أعمالهم فرأوها حسنة.
وقوله: ((سيماهم التحليق)) أي: علامتهم أنهم يحلقون رؤوسهم. ((والتسبيد)) : هو التحليق، أو المبالغة فيه، وقيل: هو ترك غسل الشعر ودهنه، وقال الكرماني: هو: استئصال الشعر)) (1) .
وقد ذكروا، أن السلف لم يكونوا يحلقون رؤوسهم إلا في النسك، أو الحاجة.
ولا يلزم أن يكون الحلق علامة على الخوارج في جميع الأزمنة، فإن عادات--------------------------------------------
(1) انظر شرحه (25/248) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦٩٣)
الناس تتغير، وتختلف.
والمراد من الحديث: أن قراءة هؤلاء لا تجاوز تراقيهم، والترقوة: هي العظم الناتئ في أعلى الصدر، وأسفل الرقبة، ولكل واحد ترقوتان.
والمعنى: أن القرآن لا يصل إلى قلوبهم، فلا يفقهونه، ولا يؤثر فيهم، مع أنهم يحفظونه، ويتلونه فتلاوتهم لا تنفعهم، بخلاف المؤمنين المتقين، فإنهم إذ تلوا آيات الله زادتهم إيماناً، فهم يزدادون إيمانا بعملهم، ثم يجزيهم الله على ذلك أفضل الجزاء؛ لأن ذلك عملهم، أما المذكورون في هذا الحديث، فلم ينتفعوا بفهم كتاب الله، فيدخل الإيمان في قلوبهم، وإنما يتلونه بألسنتهم ولا يصل إلى القلوب، فلم يتأثروا بآيات الله تقى، ولا علماً، ولا إيماناً، فعملهم مردود؛ لأنه لا أثر له في نفوسهم، فلم يمتثلوا أمر الله وما أريد منهم، ولم ينتفعوا بعملهم، وهذا يدل على أن التلاوة التي انتفع بها المتقون، ولم تنفع هؤلاء، أنها عملهم الذي يجزون عليه، وأعمالهم مخلوقة لله من سائر المخلوقات، وهذا المطلوب.
******
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦٩٤)
قال: ((باب قول الله تعالى: {وَنضَعُ المَوازِينَ القِسطَ لِيَومِ القِيامَةِ} وأن أعمال بني آدم وقولهم يوزن)) .
معنى وضع الموازين: إحضارها، والقسط: العدل.
قال الكرماني: ((القسط: مصدر يستوي فيه المفرد والمثنى والجمع، أي: الموازين العادلات. وجمع باعتبار العباد، وأنواع الموزونات.
{لِيَومِ القِيامَةِ} أي: في يومها. وقال الزجاج: أي: نضع الموازين ذوات القسط، وفائدة ذلك إظهار العدل، والمبالغة في الإنصاف، والإلزام، قطعاً لأعذار العباد)) (1) .
وقال الخازن: {وَنضَعُ المَوازِينَ القِسطَ} أي: ((ذوات العدل، وصفها بذلك؛ لأن الميزان قد يكون مستقيماً، وقد يكون بخلافه، فبين أن تلك الموازين تجري على حد العدل)) (2) .
((وقال الزجاج: المعني: ونضع الموازين ذوات القسط، والقسط العدل، وهو مصدر يوصف به، يقال: ميزان قسط، وميزانان قسط، وموازين قسط)) (3) .
قال ابن كثير: ((الأكثر على أنه ميزان واحد، وإنما جمع باعتبار تعدد الأعمال الموزونة)) (4) .
قال الحافظ: ((اختلف في ذكر الميزان بلفظ الجمع، هل المراد: أن لكل شخص ميزاناً، أو لكل عمل ميزان؟ فيكون الجمع على ظاهره، أو ليس هناك--------------------------------------------
(1) ((شرح الكرماني)) (25/248) .
(2) ((تفسير الخازن)) (4/296) .
(3) ((الفتح)) (13/538) .
(4) ((تفسير ابن كثير)) (5/339) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦٩٥)
إلا ميزان واحد، والجمع باعتبار تعدد الأعمال، والأشخاص؟
والذي يترجح، أنه ميزان واحد، ولا يشكل بكثرة من يوزن عمله؛ لأن أحوال يوم القيامة لا تكيف بأحوال الدنيا)) (1) .
((قال أبو إسحاق الزجاج، أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن يوم القيامة، وأن الميزان له لسان، وكفتان، ويميل بالأعمال.
وأنكرت المعتزلة الميزان. وقالوا: هو عبارة عن العدل.
فخالفوا الكتاب، والسنة؛ لأن الله - تعالى - أخبر أنه يضع الموازين، لوزن الأعمال؛ ليرى العباد أعمالهم ممثلة، ليكونوا على أنفسهم شاهدين)) (2) .
قلت: وإنكار المعتزلة ونحوهم للميزان، وأن الأعمال توزن يوم القيامة، هو سبب النص، على وجوب الإيمان به، في عقائد أهل السنة، وإلا فهو من جملة ما اشتمل عليه اليوم الآخر، والإيمان به ركن من أركان الإيمان، لا يتم لأحد إيمان إلا به.
قوله: ((وأن أعمال بني آدم وقولهم يوزن)) يعني: أن كل ما يصدر من بني آدم، ويترتب عليه الجزاء، فهو يوزن؟ لأنهم متعبدون لله مكلفون بما أراده منهم، فراقبهم الله على ذلك، فإذا حضروا لديه يوم القيامة، جازاهم أتم الجزاء، وأظهر عدله في حكمه عليهم، حتى يعذروا من أنفسهم.
ومراد البخاري رحمه الله أن أعمال بني آدم وأقوالهم، مخلوقة لله--------------------------------------------
(1) ((الفتح)) (13/537-538) .
(2) ((الفتح)) (13/538) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦٩٦)
- تعالى -؛ فلهذا توزن، فيجازون عليها، ومن ذلك قراءتهم القرآن، وذكرهم لله - تعالى - بالتسبيح والتحميد والتهليل، كما يأتي في الحديث.
قال ابن المنير: ((جمع البخاري في هذه الترجمة بين فوائد:
منها: وصف الأعمال بالوزن.
ومنها: إدراج الكلام في الأعمال، لأنه لما وصف الكلمتين بالخفة على اللسان والثقل في الميزان، دل على أن الكلام عمل يوزن.
ومنها: أنه ختم كتابه بهذا التسبيح، وقد ورد في الحديث ما يدل على استحباب ختم المجالس بالتسبيح، وأنه كفارة لما لعله يتفق في أثناء الكلام، مما ينبغي هجره، وهذا نظير كونه بدأ كتابه بحديث ((الأعمال بالنيات)) فكأنه تأدب في فاتحته وخاتمته، بآداب السنة والحق.
فالأدب في الابتداء: إخلاص القصد والنية، وفي الانتهاء: مراقبة الخواطر ومناقشة النفس على الماضي، والاعتماد في تكفير ما لعله يحتاج إلى تكفير، بما جعله الشرع مكفراً للهفوات (1) .
قال الحافظ: ((الظاهر أن أعمال بني آدم وأقوالهم كلها توزن، لكن خص من ذلك طائفتان:
الأولى: الكفار الذين ليس لهم حسنات، فهم يقعون في النار من غير حساب ولا ميزان، كما قال تعالى: {فَلَا نُقِيمُ لَهُم يَومَ القِيامَةِ وَزناً} (2) .
الثانية: المؤمنون الذين لا سيئات لهم، ولهم حسنات كثيرة، فهم يدخلون الجنة بغير حساب، كما في حديث السبعين ألفا، وهم الذي يمرون على الصراط كالبرق الخاطف، أو كلمح البصر، أو كالريح (3)--------------------------------------------
(1) ((المتواري)) (ص432-433) .
(2) الآية 105 من سورة الكهف.
(3) ((الفتح)) (13/538) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦٩٧)
قوله: ((وقال مجاهد: القسطاس: العدل، بالرومية)) .
يعني: أن هذه عربت فصارت عربية، وأنكر بعض العلماء أن يكون في القرآن شيء من غير العربية، وهذا حق؛ لأن ما عرب، وأدخل في اللغة، يكون منها.
قال الإمام الطبري: ((كل ما ذكر عن أهل التفسير من الكلمات، أنها بلسان الحبشة، أو الروم، أو الفرس، أو غيرهم، معناه: اتفاق اللسانين فيها)) (1) .
((ويقال: القسط: مصدر المقسط، وهو العادل)) .
قال الأزهري: ((قال الليث، القسط بكسر القاف: العدل، والفعل منه: أقسط، بالألف.
والقسط: بفتح القاف: الجور. يقال: قسط يقسط قسطاً، وقسوطاً.
والقسط بكسر القاف: النصيب، وقال الله – تعالى -: {وَأَمَّا القَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً} ، قال الفراء: هم الجائرون، الكفار.
وأما المقسطون: [فهم] العادلون، المسلمون)) (2) .
قال الحافظ: ((وقد اعترض على البخاري في قوله: ((القسط مصدر المقسط)) ؛ لأن مصدر المقسط: الإقساط، قال ابن بطال، والكرماني: إنه أراد بالمصدر ما حذفت زوائده كقول الشاعر: وإن أهلك فذلك قدري.
يقصد: تقديري، فرد إلى أصله)) (3) .--------------------------------------------
(1) انظر مقدمة تفسيره.
(2) ((تهذيب اللغة)) (8/388) ، وانظر ((معاني القرآن)) للفراء (3/193) .
(3) ((الفتح)) (13/540) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦٩٨)
وقيل: إن القسط من الأضداد، أي: يأتي للعدل، وللجور.
((وأما القاسط فهو الجائر)) .
تقدم كلام الفراء فيه.
*****
187- قال: ((حدثنا أحمد بن إشكاب، حدثنا محمد بن فضيل عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال النبي –صلى الله عليه وسلم: ((كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)) .
والمراد بالكلمتين: الجملتان، ((فسبحان الله وبحمده)) جملة تامة، و ((سبحان الله العظيم)) كذلك، ففيه إطلاق الكلمة على الكلام، وهو كثير.
وقوله: ((حبيبتان إلى الرحمن)) فيه: أن الله تعالى يحب بعض الكلام، وبعض العمل أكثر من غيره، ومحبة الله من صفاته، التي يجب أن تثبت له، على ما يليق بعظمته، ولا يجوز تأويل محبته، وتحريف الكلم فيها عن مواضعه، كفعل أهل البدع.
وقد مضى القول في ذلك.
((خفيفتان على اللسان)) أي: عند النطق بهما لا تثقلان اللسان، ولا تكلفه؛ لسهولة حروفهما، وخفتهما على اللسان، مع ما فيهما من الثواب العظيم، ومحبة الرحمن – عز وجل – لهما، فخليق بالعبد أن يكثر منهما، وهذا يوضح مراد المؤلف – رحمه الله – وهو: أن تكلم العبد، وتلفظه، ونطقه بالكلام، من عمله الذي يجزى عليه، وعمله كله مخلوق، مع أنه لا يجوز أن يقال: إن هاتين الكلمتين:
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦٩٩)
((سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)) أنهما مخلوقتان، وإنما المخلوق فعل العبد وعمله، وكذا تلاوة التالي، هي فعله وعمله، يجازى عليها، وتوضع في الميزان، أما المتلو، فهو كتاب الله وكلامه، وهو غير مخلوق.
فهاتان الكلمتان توزنان، ويثقل بهما الميزان، وهذا دليل واضح، على أن تكلم العبد بالذكر وبالقرآن، عمل له يثاب عليه، ويوضع في ميزانه، ليعطيه الله أجره عليه وافراً غير منقوص، ونحن نردد هذا المعنى ونكرره؛ لأن المؤلف – رحمه الله – صنع ذلك، كما سبق أن ذكرناه.
وقد أجمع السلف على أن أعمال العباد مخلوقة، كما سبق، وهذا هو المقصود من الحديث الذي أراده المؤلف؛ لأن ما يوضع في الميزان فهو مخلوق؛ لأنه من عمل العبد، وما يتلمس من مقاصد غير هذا، هي تابعة لهذا، وليست مقصودة لذاتها.
قوله: ((ثقيلتان في الميزان)) قال الحافظ: ((هو موضع الترجمة؛ لأنه مطابق لقوله: ((وأن أعمال بني آدم توزن)) (1) ، وما يوزن، فهو عمل للعبد وهو مخلوق.
((سبحان الله وبحمده)) قال الأزهري: ((قال الليث: سبحان الله، تنزيه لله، عن كل ما لا ينبغي له أن يوصف به [ونصب على المصدر] ، تقول: سبحت الله تسبيحاً، أي: نزهته تنزيها، وكذلك روي عن النبي – صلى الله عليه وسلم.
قال الزجاج: ((سبحان)) في اللغة: تنزيه لله – عز وجل – عن السوء.
قلت: وهذا قول سيبويه. يقال: سبحت الله تسبيحا وسبحانا، بمعنى واحد، فالمصدر ((تسبيح)) ، والاسم ((سبحان)) يقوم مقام المصدر.--------------------------------------------
(1) ((الفتح)) (13/540) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٧٠٠)
قلت: ومعنى تنزيه الله من السوء: تبعيده منه، وكذلك تسبيحه: تبعيده، من قولك: سبحت في الأرض: إذا أبعدت فيها. ومنه قوله – جل وعز -: {كُلُُُُُ ُ فِي فَلَكٍ يَسبَحُونَ} ، وكذلك قوله: {وَالسَابِحَاتِ سَبحاً} هي: النجوم تسبح في الفلك، أي تذهب فيه بسطاً، كما يسبح السابح في الماء.
وكذلك السابح من الخيل، يمد يديه في الجري سبحاً، كما يسبح السابح في الماء. وجماع معناه: بعده تبارك وتعالى عن أن يكون له مثل أو شريك أو ضد، أو ند)) (1) .
وقال الحافظ: ((معنى التسبيح: تنزيه الله عما لا يليق به من كل نقص.
فيلزم نفي الشريك، والصاحبة، والولد، وجميع الرذائل، ويطلق التسبيح، ويراد به جميع ألفاظ الذكر.
ويطلق، ويراد به صلاة النافلة. و ((سبحان)) : اسم مصدر منصوب على أنه واقع موقع المصدر، لفعل محذوف، تقديره: سبحت الله سبحاناً، كسبحت الله تسبيحاً، ولا يستعمل غالبا إلا مضافاً)) (2) .
قوله: ((وبحمده)) . قيل: الواو للحال، والتقدير: أسبح الله متلبساً بحمدي له، من أجل توفيقه. وقيل: عاطفة، والتقدير: أسبح الله، وأتلبس بحمده، ويحتمل أن تكون الباء متعلقة بمحذوف متقدم، والتقدير: وأثني عليه بحمده، فتكون ((سبحان الله)) جملة مستقلة، ((وبحمده)) جملة أخرى.
قال الخطابي في حديث: ((سبحانك اللهم ربنا وبحمدك)) أي: بقوتك--------------------------------------------
(1) ((تهذيب اللغة)) (4/338-339) .
(2) ((الفتح)) (11/206) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٧٠١)
التي هي نعمة، توجب عليّ حمدك، سبحتك، لا بحولي، وقوتي)) (1) .
قوله: ((سبحان الله العظيم)) أعاد التسبيح للتكرير والمبالغة في تنزيهه تعالى، والإكثار من ذكره تعالى، وهو من أفضل الأعمال.
ووصفه بالعظمة؛ ليستحضر أنه أهل التسبيح ومستحقه دائماً، وأن العبد لن يؤدي حقه، مهما أكثر من تسبيحه، وعبادته.
((قال ابن بطال: هذه الفضائل الواردة في فضل الذكر، إنما هي لأهل الشرف في الدين، والكمال، كالطهارة من الحرام والمعاصي العظام، فلا تظن أن من أدمن الذكر، وأصر على ما شاءه من شهواته، وانتهك دين الله – تعالى – وحرماته، أنه يلتحق بالمطهرين المقدسين، ويبلغ منازلهم، بكلام أجراه على لسانه، ليس معه تقوى، ولا عمل صالح)) (2) .
قال الكرماني: ((هذا الكلام من جوامع الكلم، وفيه امتثال لقوله تعالى: {فَسَبِح بِحَمدِ رَبِكَ} ، وتفسير له، ولما كان ذلك مندوبا إليه، عند أواخر المجالس، جعل البخاري – رحمه الله تعالى كتابه كمجلس علم؛ فختم به.
وذكر هذا الباب هنا ليس مقصوداً بالذات، بل هو لإرادة أن يكون آخر كلامه تسبيحاً وتحميداً)) (3) .
قلت: بل الظاهر: أنه مقصود بالذات، مع ما أشار إليه الكرماني، وتقدم بيان ذلك.--------------------------------------------
(1) ((الفتح)) (13/541) .
(2) ((الفتح)) (13/541) .
(3) ((شرح الكرماني)) (25/251) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٧٠٢)
قال الحافظ نقلا عن شيخه البلقيني: ((لما كان أصل العصمة أولاً وآخراً، هو توحيد الله - تعالى - ختم بكتاب التوحيد، وكان آخر الأمور التي يظهر بها المفلح من الخاسر: ثقل الموازين وخفتها، جعله آخر تراجم الكتاب، فبدأ بحديث: ((إنما الأعمال بالنيات)) وذلك في الدنيا، وختم بأن الأعمال توزن يوم القيامة، وأشار إلى أنه إنما يثقل منها، ما كان بالنية الخالصة لله - تعالى -.
وفي الحديث الذي ذكره، ترغيب وتخفيف، وحث على الذكر المذكور، لمحبة الرحمن له.
والخفة بالنسبة لما يتعلق بالفعل، والثقل بالنسبة لإظهار الثواب.
وجاء ترتيب هذا الحديث على أسلوب عظيم، وهو أن حب الرب سابق، وذكر العبد وخفة الذكر على لسانه تال، ثم بين ما فيها من الثواب العظيم، النافع يوم القيامة)) انتهى (1) .
قال الحافظ: ((والذي يظهر: أنه قصد ختم كتابه بما دل على وزن الأعمال؛ لأنه آخر آثار التكليف، فإنه ليس بعد الوزن، إلا الاستقرار في إحدى الدارين، إلى أن يريد الله - تعالى - إخراج من قضى بتعذيبه من الموحدين، فيخرجون من النار بالشفاعة، كما تقدم.
قال الكرماني: وأشار أيضاً، إلى أنه وضع كتابه قسطاساً، وميزاناً يرجع إليه، وأنه سهل على من يسره الله - تعالى - عليه.
وفيه إشعار بما كان عليه المؤلف في حالتيه، أولاً وآخراً، تقبل الله - تعالى - منه، وجزاه أفضل الجزاء)) (2) .--------------------------------------------
(1) ((الفتح)) (13/542) .
(2) ((الفتح)) (13/542) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٧٠٣)
قلت: كل هذه الأمور، إن كانت مقصودة للبخاري - رحمه الله تعالى - فإنها جاءت تبعاً لما ذكر، من أن مراده: بيان خلق أفعال العباد، وأصواتهم وكلامهم، فإنها توزن، فيجازون عليها، وأن تلفظهم بالقرآن، والذكر والتسبيح، من أعمالهم، والعباد وأعمالهم من مخلوقات الله - تعالى - فإنه خالق كل شيء. والله أعلم.
وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأزواجه وأصحابه أجمعين.
****
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٧٠٤)