آية الرجم، ويحتمل أن الكتاب الذي يقرأ بغير العربية، وأنه يقرأه ويترجمه، ويحتمل أنه قد ترجم إلى العربية، فعلى الأول وضعه يده على الموضع الذي فيه آية الرجم؛ لإخفائها عمن يعرف لغتهم ممن أسلم، أو لا يوافقهم، وعلى الثاني ظاهر.
قوله: ((ارفع يدك، قيل: إن القائل عبد الله بن سلام، كما في بعض الروايات، وهذا يؤيد الاحتمال الأول.
((تلوح)) يعني: أنها واضحة لمن يقرأ ذلك الكتاب.
((نتكاتمه فيما بيننا)) يعني: يتواطئون على كتمانه، وعدم إظهاره لأحد.
((يجانئ عليها الحجارة)) يعني: أنه يقيها بنفسه عن الحجارة.
والمقصود: أن الأمر بتلاوة التوراة على من لا يعرف اللغة التي كتبت بها لا بد أن يكون ذلك عن ترجمة لها، ثم اعتماد تلك الترجمة مما يقتضي الاكتفاء بترجمة المترجم وإن كان واحداًً.
والترجمة ليست هي المُتَرْجَم، وإنما هي فعل المُتَرْجِم وعمله.
وفعله وعمله مخلوق، وهذا هو المراد بالاستدلال بهذه القصة.
وفيه دلالة ظاهرة في أن اليهود كانوا ينسبون إلى التوراة ما ليس فيها، وأنهم يعرفون الحق، ولا يتبعونه، بل يتعمدون تركه.
قال: ((باب قول النبي – صلى الله عليه وسلم: ((الماهر بالقرآن مع السفرة البررة، وزينوا القرآن بأصواتكم)) .
قصد البخاري – رحمه الله – بهذا الباب: زيادة إيضاح ما سبق في الأبواب قبل هذا، من أن التلاوة فعل التالي، فهي داخلة في أفعال العباد، ولهذا
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٥٩١)
توصف بالمهارة، وهي جودة الحفظ، وعدم التردد في التلاوة، وتوصف بالحسن والمد، والترتيل، والتطريب، وتحسين الصوت، وبأضداد ذلك، كما سبق وصفها بالترجيع، والخفض، والرفع، ومد الصوت.
وهذا كله يحقق أن التلاوة فعل القارئ الذي يقرأ القرآن.
قوله: ((الماهر)) قال الأزهري: ((الماهر: الحاذق بكل شيء، وأكثر ما يوصف به السابح، يقال: مهرت بهذا الأمر، أمهر به، مهارة: إذا صرت به حاذقاً)) (1) .
قال الحافظ: ((الماهر هو: الحاذق، والمراد به هنا: جودة التلاوة مع حسن الحفظ.
والمراد بالسفرة: الكتبة، جمع سافر، مثل كاتب، وزنه ومعناه، وهم هنا: الذين ينقلون من اللوح المحفوظ (2) ، وصفوا بالكرام؛ لكثرة طاعتهم، وبعدهم عما يشين.
والبررة: المكثرون في الطاعة، المبالغون فيها)) .
وقال الحافظ: ((المطيعون، المطهرون من الذنوب، والكرام: المكرمين عند الله)) (3) .
ومعلوم أن إكرام الله لهم لطاعتهم، وبرهم.
ورواية مسلم: ((الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه، وهو عليه شاق، له أجران)) (4) .--------------------------------------------
(1) ((تهذيب اللغة)) (6/298-299) .
(2) ((الفتح)) (13/518) .
(3) المصدر المذكور.
(4) انظر مسلم (1/549-550) رقم (798) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٥٩٢)
فالمهارة بالقرآن: جودة الحفظ، وجودة التلاوة، من غير تردد فيه؛ لأن الله – تعالى يسره عليه كما يسره على الملائكة الكرام البررة، فكان مثلهم في قراءة القرآن ومعهم في الدرجة عند الله – تعالى -.
وتقدم الكلام على معنى قوله: ((زينوا القرآن بأصواتكم)) ، وأن المراد به: تحسين الصوت حتى يجذب المستمع إلى الإصغاء إليه، ويجد به لذة، وينفتح له قلبه، وتحسين الصوت فعل العبد، ووصفه، ولهذا قال في ((خلق أفعال العباد)) :
((فبين النبي – صلى الله عليه وسلم – أن أصوات الخلق،، وقراءتهم، ودراستهم وتعليمهم، وألسنتهم مختلفة، بعضها أحسن، وأزين، وأحلى، وأصوت، وأرتل، وأعلى، وألحن، وأخف، وأغض، وأخشع، قال تعالى: {وَخَشَعَتِ الأَصوَاتُ لِلرَّحمَنِ فَلَا تَسمَعُ إِلا هَمساً} ، وأجهر، وأخفى، وأمهر، وأمد، وألين، وأخفض من بعض، ثم ذكر بسنده عن عائشة – رضي الله عنها، عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: ((الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يشتد عليه له أجران)) (1) .
*****
168- قال: ((حدثني إبراهيم بن حمزة، حدثني ابن أبي حازم، عن يزيد، عن محمد ابن إبراهيم عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أنه سمع النبي – صلى الله عليه وسلم – يقول: ((ما أذن الله لشيء، ما أذن لنبي حسن الصوت بالقرآن، يجهر به)) .
رواية مسلم: ((ما أذن الله لشيء، ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به)) (2)
وكأن قوله ((يجهر به)) مدرج في الحديث، ومعنى ((ما أذن)) : ما استمع--------------------------------------------
(1) ((خلق أفعال العباد)) (93-94) .
(2) انظر ((صحيح مسلم)) (1/545) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٥٩٣)
لشيء كاستماعه لنبي حسن الصوت، يتغنى بالقرآن، فالله – تعالى – يحب حسن الصوت فيمن يتلو كتابه، ويستمع لذلك الصوت أكثر من غيره، وإلا فهو تعالى لا يفوت سمعه صوت.
والقرآن هنا اسم جنس لكل كتاب أنزله الله – تعالى – على نبي من أنبيائه.
وقوله: ((يجهر به)) تفسير لقوله: ((يتغنى به)) ، وهو كلام لأحد رواة الحديث، وتقدم شرح هذا الحديث في باب قول الله – تعالى -: {وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعةُ عِندَهُ إِلا لِمَن أَذِنَ لَهُ} .
والمقصود منه هنا قوله: ((ما أذن لنبي حسن الصوت بالقرآن)) فأضاف حسن الصوت إلى النبي، لأنه فعله وعمله، وبين أنه مطلوب منه، ومحبوب لله – تعالى -، فتبين بهذا أن التلاوة وتحسين الصوت بها، والجهر بها، وخفض الصوت، كله فعل العبد، والعبد وأفعاله مخلوق.
وأما القرآن الذي يحسن صوته به، ويرفعه أو يخفضه، فهو كلام الله غير مخلوق.
169- قال: ((حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، أخبرني عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عبد الله، عن حديث عائشة – حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، وكل حدثني طائفة من الحديث – قالت: فاضطجعت على فراشي، وأنا حينئذ أعلم أني بريئة، وأن الله يبرئني، ولكن والله ما كنت أظن أن الله ينزل في شأني وحيا يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر يتلى، وأنزل الله – عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفكِ} عشر الآيات كلها)) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٥٩٤)
((الإفك)) هو: الكذب الظاهر البين، وهو من عظائم الذنوب.
((طائفة من الحديث) أي: قطعة منه، وهو جمع حديثهم، ولم يكونوا متفقين على جميعه، والقائل هو ابن شهاب الزهري.
((وأنا حينئذ أعلم أني بريئة)) يعني: أن ما قاله أهل الإفك، بعيد عنها، وليست من أهله، فهي أعلم بنفسها، وعلى يقين من أن الله سيظهر براءتها لنبيه وعباده ويجزي الأفاكين، الذين آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله والمؤمنين.
قال أبو بكر ابن العربي: ((كل من سب عائشة رضي الله عنها بما برأها الله منه فهو مكذب لله، ومن كذب الله، فهو كافر، وهذا قول مالك، وهو أمر واضح لأهل البصائر)) (1) .
وقال القاضي أبو يعلى: ((من قذف عائشة بما برأها الله منه كفر، بلا خلاف)) .
وقد حكى الإجماع على هذا غير واحد، وصرح غير واحد من الأئمة بهذا الحكم.
فروي عن مالك: من سب أبا بكر جلد، ومن سب عائشة قتل، قيل له: لم؟ قال: من رماها فقد خالف القرآن؛ لأن الله - تعالى - قال: {يَعِظِكُم اللهُ أَن تَعُودُواْ لِمثلِهِ أَبَدَاً إِن كُنتُم مُؤمِنينَ} .
وقال أبو بكر بن زياد النيسابوري: سمعت القاسم بن محمد يقول لإسماعيل ابن إسحاق: أتي أمير المؤمنين بالرقة برجلين شتم أحدهما فاطمة، والآخر عائشة، فأمر بقتل الذي شتم عائشة، وترك الآخر، فقال إسماعيل، ما حكمهما إلا أن يقتلا؛ لأن الذي شتم عائشة رد القرآن، وعلى هذا مضت سيرة أهل الفقه والعلم، من أهل البيت وغيرهم.--------------------------------------------
(1) ((أحكام القرآن)) (3/135) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٥٩٥)
وقال أبو السائب القاضي: كنت يوما بحضرة الحسن بن زيد الداعي، وكان بحضرته رجل، فذكر عائشة بذكر قبيح من الفاحشة، فقال: يا غلام، اضرب عنقه، فقال له العلويون: هذا رجل من شيعتنا، فقال: معاذ الله، هذا رجل طعن على النبي – صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} ، فإن كانت عائشة خبيثة فالنبي – صلى الله عليه وسلم – خبيث، فهو كافر فاضربوا عنقه، فضربوا عنقه وأنا حاضر. رواه اللالكائي.
وروى عن محمد بن زيد، أخي الحسن بن زيد، أنه قدم عليه رجل من العراق، فذكر عائشة بسوء، فقام إليه بعمود فضرب به دماغه فقتله، فقيل له: هذا من شيعتنا، ومن بني الآباء، فقال: هذا سَمّى جدي – يعني: رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قرنان (1) . ومن سمى جدي: قرنان، استحق القتل، فقتله.
وأما سب غير عائشة من أزواج النبي – صلى الله عليه وسلم – ففيه قولان: أحدهما: أنه كَسَابّ غيرهن من الصحابة.
والثاني: وهو الأصح أنه من قذف واحدة من أمهات المؤمنين، فهو كقذف عائشة – رضي الله عنها.
وذلك لأن هذا فيه غضاضة على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأذي له أعظم من أذاه بنكاحهن بعده، وهذا ظاهر (2) .
((وأن الله يبرئني)) أي: أنها على علم ويقين بأن الله – تعالى – سيظهر براءتها لنبيه، بأمر يطلعه عليه، إما رؤيا يريها إياه، أو غير ذلك، غير أنها ما كانت تنتظر أن ينزل في شأنها وحيا من كلامه تعالى يتلى إلى يوم القيامة، كما وقع؛--------------------------------------------
(1) قال الليث: القرنان: نعت سوء في الرجل، الذي لا غيرة له، قال الأزهري: ((هذا من كلام حاضرة العراق، ولم أر البوادي لفظوا به، ولا عرفوه)) ((تهذيب اللغة)) (9/93) .
(2) من ((الصارم المسلول)) (565-567) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٥٩٦)
لأنها في نفسها أقل قدرا من أن تتطلع إلى هذا الأمر العظيم.
فأنزل الله – عز وجل – في براءتها بضعة عشر آية.
والمقصود قولها: ((والله ما كنت أظن أن الله ينزل في شأني وحيا يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر يتلى)) ، فبينت أن التلاوة غير المتلو المنزل، فالتلاوة فعل العباد، والإنزال والإيحاء والتكلم فعل الله وصفته، كما قال المؤلف في ((خلق أفعال العباد)) : ((فبينت بقولها: ((ما كنت أظن أن الله ينزل في شأني وحيا يتلى)) إن الإنزال من الله، وإن الناس يتلونه)) (1) .
قال العيني: ((مطابقته للترجمة في قوله: ((بأمر يتلى)) أي: بالأصوات في المحاريب والمحافل)) (2) ، وتقدم شرح الحديث في باب قوله تعالى:: {يُرِيدُونَ أَن يُبَدِلُواْ كَلَامَ اللهِ} .
*****
170- قال: ((حدثنا أبو نعيم، حدثنا مسعر، عن عدي بن ثابت، أراه عن البراء، سمعت النبي – صلى الله عليه وسلم – يقرأ في العشاء:: {وَالتِينِ وَالزَّيتُونِ} فما سمعت أحدا أحسن صوتا – أو قراءة – منه)) .
ذكر هذا الحديث في كتاب الصلاة، وفيه أنه كان في سفر، وذكر الحافظ في شرحه أن في رواية النسائي: أنها في الركعة الأولى، وذكر في تفسير سورة {وَالتِينِ} أن في كتاب الصحابة لأبي علي ابن السكن في ترجمة زرعة بن خليفة، رجل من أهل اليمامة، أنه قال: سمعنا بالنبي – صلى الله عليه وسلم – فأتيناه، فعرض علينا الإسلام فأسلمنا، وأسهم لنا، وقرأ في الصلاة
بـ {وَالتِينِ وَالزَّيتُونِ} و {إِنَّاَ أَنزَلنَاهُ فِي لَيلةِ القَدرِ} .--------------------------------------------
(1) ((خلق أفعال العباد)) (ص86) .
(2) ((عمدة القاري)) (25/193) ، وأخذه من الكرماني، انظر شرحه (25/234) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٥٩٧)
ثم قال: ((فيمكن أن تكو هي الصلاة التي عين البراء بن عازب أنها العشاء، ويقوي ذلك أنا لا نعرف في خبر أنه قرأ بالتين، إلا في حديث البراء بن عازب، ثم حديث زرعة المذكور)) (1) .
وفيه أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان يقرأ في الصلاة أحيانا بقصار المفصل.
وفيه استحباب تحسين الصوت بالقرآن في الصلاة وغيرها.
والمقصود قوله: ((فما سمعت أحدا أحسن صوتا – أو قراءة – منه)) فجعل الصوت والقراءة له، فدل على أن الصوت والقراءة ليست هي المصوت به، المقروء، وهو واضح، والإمام البخاري – رحمه الله – يكرر ذلك، وينوع عليه الأدلة؛ لأنه قد خفي على بعض العلماء، ولأنه قد ابتلي بمن يقول: إن القراءة هي المقروء، والتلاوة هي المتلو، ونسب إليه زورا أنه يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، وهو برئ من ذلك.
171- قال: ((حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: كان النبي – صلى الله عليه وسلم – متواريا بمكة، وكان يرفع صوته، فإذا سمع المشركون سبوا القرآن، ومن جاء به، فقال الله – عز وجل – لنبيه: {وَلَا تَجهَر بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِت بِهَا} .
تقدم شرح هذا الحديث، والشاهد منه هنا: قوله: ((يرفع صوته، فإذا سمع المشركون سبوا القرآن)) وقوله: {وَلَا تَجهَر بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِت بِهَا وَابتغِ بَينَ ذَلِكَ سَبِيلاً} ويعني بالصلاة: القراءة، فالصوت له – أي للقارئ – ورفعه وخفضه وصف للصوت، وهو الذي إن شاء رفعه، وإن--------------------------------------------
(1) ((الفتح)) (2/250) و (8/713-714) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٥٩٨)
شاء خفضه، فلذلك فعله، وهو فعله مخلوق، أما القرآن الذي يُسِرُّ به صوته، أو يخافت به، أو يبتغي به بين ذلك سبيلا، فهو كلام ربه غير مخلوق، بل هو وصف له.
*****
172- قال: ((حدثنا إسماعيل، حدثني مالك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن أبيه، أنه أخبره، أن أبا سعيد الخدري – رضي الله عنه – قال له: إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك، أو باديتك فأذنت للصلاة، فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس، ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة، قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله – صلى الله عليه وسلم)) .
((تحب الغنم والبادية)) محبته للبادية تابعة لمحبة الغنم؛ لطلب المراعي لها، وذلك لا يكون إلا في البادية غالباً، والبادية خلاف الحاضرة التي فيها البناء والمدن.
وهي مأخوذة من البدو والظهور؛ لأنها ليس فيها ما يسترها من المباني والحيطان، فهي صحراء، لا عمارة فيها.
((فأذنت للصلاة)) الأذان هو: الإعلام بدخول وقت الصلاة، وطلب حضور المصلين لأدائها جماعة، ولا يسمى أذانا إلا إذا كان برفع الصوت.
قال تعالى: {ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} (1) ، وقال تعالى: {وَأَذِن فِي النَّاسِ بِالحَجِ} (2) ، ولما نزل قول الله – تعالى - {وَأَذَانٌ--------------------------------------------
(1) الآية 70 من سورة يوسف.
(2) الآية 27 من سورة الحج.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٥٩٩)
مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} (1) أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برفع الصوت بهذه البراءة في ذلك اليوم، قال أبو هريرة: كنت مع علي بن أبي طالب حيث بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة ببراءة، فكنا ننادي: أن لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فإن أجله - أو مده - إلى أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة الأشهر، فإن الله برئ من المشركين ورسوله، ولا يحج هذا البيت بعد العام مشرك، قال: فكنت أنادي حتى صحل صوتي)) (2) ، أي: بحّ صوته؛ لشدة رفعه.
((فارفع صوتك بالنداء)) أي: اجتهد في رفع صوتك، ولا تألو، وإلا فأصل الأذان لا يكون إلا برفع الصوت.
قال الحافظ: ((فيه إشعار بأن أذان من أراد الصلاة كان متقررا عندهم؛ لاقتصاره على الأمر بالرفع دون أصل التأذين.
واستدل به الرافعي على استحباب الأذان للمنفرد، وهو الراجح عند الشافعية)) (3) .
((فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن، ولا إنس، ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة)) .
مدى الصوت: نهايته، وأقصى ما يبلغه، والمعنى: أن كل من سمع صوته من عاقل وغيره، من البهائم والجمادات - فإن لها سماعا يعلمه الله - تعالى - فإنها تشهد للمؤذن بالتوحيد عند الله يوم القيامة، وهذه فضيلة عظيمة--------------------------------------------
(1) الآية 3 من سورة براءة.
(2) ((مسند الإمام أحمد)) (2/299) .
(3) ((الفتح)) (2/88) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦٠٠)
للأذان، فينبغي أن يحافظ على ذلك ويحرص عليه.
وفي ((سنن)) أبي داود والنسائي عن أبي هريرة: ((المؤذن يغفر له مدى صوته، ويشهد له كل رطب ويابس)) ، قال الخطابي: ((المعنى أنه يستكمل مغفرة الله إذا استوفى وسعه في رفع الصوت، فيبلغ الغاية من المغفرة، إذا بلغ الغاية من الصوت، وقيل: المعنى: لو قدر أن المكان الذي يصل إليه صوته لو كان له ذنوب تملؤه لغفرت)) (1) .
((وقال النوربشتي: المراد من هذه الشهادة: اشتهار المشهود له يوم القيامة بالفضل وعلو الدرجة، كما يفضح بالشهادة قوما، فكذلك يكرم بالشهادة آخرين)) (2) .
وقال الكرماني: ((رفع الصوت بالقرآن، أحق بالشهادة، وأولى)) (3) .
يعني: أن ذلك مراد البخاري من الحديث.
والظاهر أن مراده: أن أصوات العباد من أفعالهم التي يثابون عليها، أو يعاقبون، ومن ذلك القراءة، والتلاوة، فهي فعل التالي الذي يثاب عليه.
*****
173- قال: ((حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن منصور، عن أمه، عن عائشة – رضي الله عنها – قالت: كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يقرأ القرآن، ورأسه في حجري، وأنا حائض)) .
ترجم لهذا الحديث في الحيض: باب قراءة الرجل في حجر امرأته وهي حائض. وكان أبو وائل يرسل خادمه، وهي حائض، إلى أبي رزين فتأتيه بالمصحف، فتمسكه بعلاقته، ثم ذكر الحديث بلفظ: ((كان يتكئ في حجري، وأنا--------------------------------------------
(1) ((معالم السنن)) (1/354) ، و ((النسائي)) (2/13) .
(2) ((الفتح)) (2/89) .
(3) انظر شرحه للبخاري (25/235) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦٠١)
حائض، ثم يقرأ القرآن)) وفعل أبي وائل يدل على جواز حمل الحائض المصحف، ولكن من وراء حائل، وكذا أبو رزين لو كان ذلك غير جائز عنده لم يمكنها من حمله، إلا أن يقال: إنه لم يعلم بحالها، والحجر بفتح الحاء وسكون الجيم وكسرها، هو: حضن الإنسان ما بين يديه من ثوبه.
قال ابن دقيق العيد: ((فيه إشارة إلى أن الحائض لا تقرأ القرآن؛ لأن قولها: ((فيقرأ القرآن)) إنما يحسن التنصيص عليه إذا كان ثمة ما يوهم منعه، ولو كانت قراءة القرآن للحائض جائزة، لكان هذا الوهم منتفياً، أعني: توهم قراءة القرآن في حجر الحائض، ومذهب الشافعي الصحيح: امتناع قراءة الحائض القرآن)) (1) .
والمقصود من الحديث هنا أن القراءة غير القرآن، إذ لو كانت القراءة هي القرآن، لما جاز أن يقرأ ورأسه في حجر عائشة وهي حائض.
((قال ابن المنير: ظن الشارح (2) أن غرض البخاري: إثبات جواز قراءة القرآن بتحسين الصوت، وليس كذلك.
وإنما غرضه الإشارة إلى ما تقدم من وصف التلاوة بالحسن، والتحسين، والترجيع، والرفع، والخفض، ومقارنة الحالات البشرية، كقولها: ((يقرأ القرآن في حجري وأنا حائض)) . فكل ذلك يحقق: أن القراءة فعل القارئ، وأنها متصفة بما تتصف الأفعال به، ومتعلقة بالظروف المكانية، والزمانية)) (3) .--------------------------------------------
(1) ((شرح العمدة)) (1/127) .
(2) هو ابن بطال.
(3) ((الفتح)) (13/519) ، وانظر المنواري لابن المنير (ص431) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦٠٢)
قال: ((باب قول الله – تعالى -: {فَاقرَأُوا مَا تَيَسَرَ مِنهُ} .
أمر الله – تعالى – عباده أن يقرءوا ما تيسر من القرآن، وهذا من اليسر عليهم، إذ قيد ذلك بما تيسر، ولم يكلفهم قراءته كله.
والقراءة التي أمر الله عباده بها هي فعلهم، ومعلوم أنهم يتفاوتون في القراءة، وفي الحفظ والتحصيل، وفي جودتها والمهارة في القرآن، وفي الفهم ومعرفة المراد من الخطاب، وغير ذلك. وهذا كله فعلهم وعملهم، الذي يجازون عليه ويثنى عليهم به، ويمدحون، وهذا مراد البخاري – رحمه الله تعالى – من ترجمته بالآية، وسواء أريد بالقراءة الصلاة، أو نفس القراءة فإن القراءة ركن في الصلاة، وقد يعبر عن الشيء بركنه.
قال الخازن: ((فيه قولان: أحدهما: أن المراد بهذه القراءة: القراءة في الصلاة؛ لأن القراءة أحد أجزاء الصلاة، فأطلق اسم الجزء على الكل.
الثاني: أن المراد بما تيسر منه دراسته، وتحصيل حفظه، فيقرأ ما سهل عليه حفظه)) (1) .
وقال الحافظ: ((المراد بالقراءة: الصلاة؛ لأن القراءة بعض أركانها)) (2) .
قال ابن جرير: ((يقول: فاقرأوا من الليل ما تيسر لكم من القرآن في صلاتكم، وهذا تخفيف من الله – عز وجل – عن عباده فرضه الذي كان فرض عليهم، بقوله: {قُمِ الَّليلَ إِلا قَلِيلاً {2} نِصفَهُ أَوِ انقُص مِنهُ قَلِيلاً} )) (3) .
وقال القرطبي: ((فيه قولان: أحدهما: أن المراد نفس القراءة، أي: فاقرأوا فيما تصلونه بالليل ما خف عليكم.--------------------------------------------
(1) ((تفسير الخازن)) (7/170) .
(2) ((الفتح)) (13/520) .
(3) ((تفسير الطبري)) (29/141) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦٠٣)
والثاني: ((فاقرأوا ما تيسر منه)) أي: فصلوا ما تيسر عليكم، والصلاة تسمى قرآنا، كقوله: {وَقُرآنَ الفَجرِ} أي: صلاة الفجر)) (1) .
174- قال: ((حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، حدثني عروة أن المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن عبد القاري حدثاه، أنهما سمعا عمر بن الخطاب يقول: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان، في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فكدت أساوره في الصلاة، فتصبرت حتى سلم، فلببته بردائه، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: كذبت، أقرأنيها على غير ما قرأت.
فانطلقت به أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، فقال: ((أرسله، اقرأ يا هشام)) فقرأ القراءة التي سمعته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((كذلك أنزلت)) ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اقرأ يا عمر)) ، فقرأت، فقال: ((كذلك أنزلت. إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرأوا ما تيسر منه)) .
هشام بن حكيم بن حزام الأسدي، هو وأبوه صحابيان، ممن أسلم يوم الفتح، له فضائل جمة، وكان يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، فلذلك كان--------------------------------------------
(1) ((الجامع لأحكام القرآن)) (19/53-54) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦٠٤)
عمر – رضي الله عنهما – إذا بلغه الشيء المكروه يقول: أما ما عشت أنا وهشام فلا يكون ذلك.
قال الحافظ: ((تأخر موته إلى خلافة علي بن أبي طالب، ووهم من زعم أنه استشهد في خلافة أبي بكر، وتوفي قبل والده رضي الله عنهما، وعن جميع صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم (1) ، قال ابن سعد: توفي أول خلافة معاوية)) (2) .
قوله: ((فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة)) الخ، يعني: أن قراءة هشام تختلف عما قرأه عمر عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في ألفاظ كثيرة، فلذلك ظن عمر رضي الله عنه أن ذلك غلط من هشام.
((فكدت أساوره)) بالسين المهملة، أي: أواثبه وأجرره، قال النابغة:
فبت كأني ساورتني ضئيلة من الرقش في أنيابها السم ناقع
أي: واثبتني، وفي رواية مالك: ((أن أعجل عليه)) .
ومعنى كدت: قربت من أن أفعل فيه ذلك.
((فتصبرت)) أي: حملت نفسي على الصبر، حتى ينتهي من صلاته، وفي رواية مالك: ((ثم أمهلت حتى انصرف)) يعني: من صلاته، كما قال هنا: ((حتى سلم)) .
((فلببته بردائه)) أي: أدرت رداءه على رقبته، وجمعت طرفيه عند لبته، وأمسكته خشية أن ينفلت، ولهذا قال: ((فانطلقت به أقوده)) يعني: بردائه، ((فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟)) ظن عمر – رضي الله--------------------------------------------
(1) انظر ((الفتح)) (9/25) .
(2) ((سير أعلام النبلاء)) (3/52) وانظر ((الاستيعاب)) (ص1538) ، و ((الإصابة)) : الترجمة رقم (8965) ، و ((أسد الغابة)) … (5/398) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦٠٥)
عنه – أن هشاما أخذ هذه السورة عن غير رسول الله – صلى الله عليه وسلم، فأخطأ الذي أقرأه، أو أنه لم يتقنها فوقع في مخالفة ما تلقاه عمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا لما قال هشام: أقرأنيها رسول الله – صلى الله عليه وسلم، قال له عمر: كذبت، أقرأنيها على غير ما قرأت)) وكان عمر رضي الله عنه شديدا في أمر الله – تعالى -، ولهذا ذهب به يقوده بردائه حتى دخل به على رسول الله –صلى الله عليه وسلم – فقال له: ((إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان)) إلى آخره، وقد علم أن من قرأ القرآن على غير ما أنزله الله – تعالى – فقد ارتكب جرما يستحق العقاب عليه، وهذا هو الذي حمل عمر على ما فعله رضي الله عنه.
((فقال: أرسله، اقرأ يا هشام، فقرأ القراءة التي سمعته)) يؤخذ من هذا مشروعية التثبيت في الأمور، ووقوف الحاكم
بنفسه على الحقائق، وإن كان المخبر موثوقا به.
((فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم: ((كذلك أنزلت)) يعني: أنزلت من عند الله على ما قرأه هشام، ولم يكن مخطئا كما ظنه عمر – رضي الله عنه.
((ثم قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم: اقرأ يا عمر، فقرأت، فقال: كذلك أنزلت)) .
يعني: أن الله أنزل هذه السورة على ما قرأه عمر، فعمر وهشام كلاهما مصيب في قراءته؛ لأن القرآن نزل على أكثر من حرف، بل على سبعة أحرف.
وأما قول الحافظ: ((وكان سبب اختلاف قراءتهما أن عمر حفظ هذه السورة من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قديما، ثم لم يسمع ما أنزل فيها، بخلاف ما حفظه وشاهده.
ولأن هشام من مسلمة الفتح، فكان النبي – صلى الله عليه وسلم – أقرأه ما نزل أخيرا فنشأ اختلافهما من ذلك)) (1) . ففيه نظر، إذ لو كان الأمر على ما ذكره لقال--------------------------------------------
(1) ((الفتح)) (9/26) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦٠٦)
الرسول صلى الله عليه وسلم – لعمر: إن هذه الأحرف التي سمعتها من هشام نزلت بعد ما قرأت هذه السورة، ولكنه قال بعد ما سمع قراءة كل واحد منهما: ((كذلك أنزلت)) ، فتبين أن كلا من الحروف التي قرأها هشام، والحروف التي قرأها عمر، نزلت من عند الله.
وليس في قراءة هشام زيادة عما عند عمر في الآيات، وإنما هناك اختلاف في الحروف فقط، ومن أجل ذلك قال لكل واحد منهما بعد ما سمع قراءته: ((كذلك أنزلت)) ويوضح ذلك قوله: ((إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف، فاقرأوا ما تيسر منه)) أي: لا تتكلفوا التزام حرف واحد، فإن الله – تعالى – قد أوسع عليكم، ويسر لكم قراءة القرآن على سبعة أحرف، رحمة منه وفضلاً، فله الحمد والمنة.
قال الجزري: ((نزل القرآن على سبعة أحرف؛ للتخفيف على هذه الأمة واليسر بها، والتهوين عليها؛ شرفا لها وتوسعة ورحمة؛ لأن العرب الذين نزل القرآن بلغاتهم، لغاتهم مختلفة، ويعسر على أحدهم انتقاله من لغته إلى غيرها، بل قد يكون بعضهم لا يقدر على ذلك، ولا بالتعليم والعلاج، ولا سيما الشيخ والمرأة الكبيران، ومن لا يقرأ كتاباً، كما أشار إليه النبي – صلى الله عليه وسلم – بقوله: ((بعثت إلى أمة أميين، فيهم الشيخ الفاني، والعجوز الكبيرة)) (1) .
ومعنى الحرف كما قال أهل اللغة: حرف كل شيء طرفه وحافته، وأحد حروف التهجي، كأنه قطعة من الكلمة (2) .
وقد اختلف العلماء في تعيين الحروف السبعة اختلافاً كثيراً، وأشكل ذلك على كثير من العلماء.--------------------------------------------
(1) النشر (1/71-72) ملخصاً.
(2) سيأتي معنى الحرف أيضا في كلام ابن قتيبة.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦٠٧)
فقيل: الحروف السبعة سبع لغات من لغات العرب مفرقة في القرآن، ورد هذا القول ابن جرير، وابن عبد البر، وغيرهما، ودل على عدم صحته هذا الحديث؛ لأن هشاماً وعمر كلاهما قرشي، فلغتهما واحدة، ولا يعقل أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – يعلم الرجل القرآن بغير لغته.
وقيل: المراد بها: تأدية المعنى الواحد باللفظ المرادف، ولو كان من لغة واحدة؛ لأن هشاماً وعمر لغتهما واحدة، وقد اختلف قراءتهما.
اختار هذا القول ابن جرير الطبري، وابن عبد البر، وقال: إنه قول أكثر العلماء، وهذا هو الصواب، كما يأتي بيانه.
((وقال الداني: معنى نزول القرآن على سبعة أحرف يحتمل وجهين:
أحدهما: أنه نزل على سبعة أوجه من اللغات متغايرة في القرآن.
الثاني: أنها قراءات سميت أحرفاً؛ لعادة العرب في تسمية الشيء باسم ما هو منه.
وقد أجمع العلماء على أنه لم يقصد أن كل حرف يقرأ على سبعة أوجه، إذ لا يوجد ذلك إلا في كلمات معدودة، نحو ((أف)) و ((جبريل)) و ((أرجه)) و ((هيهات)) و ((هيت)) .
كما أجمعوا أنه ليس المراد بالأحرف السبعة: قراءات القراء السبعة الذين اشتهروا بذلك؛ لأن أول من جمع قراءاتهم ابن مجاهد في أثناء المائة الرابعة.
وأكثر العلماء على أنها لغات، كما قال أبو عبيد: إنها سبع لغات متفرقة في القرآن (1) .
وهذا خلاف ما قاله ابن عبد البر: إن أكثر أهل العلم على أن المراد تأدية--------------------------------------------
(1) النشر (1/74-75) ملخصاً.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦٠٨)
المعنى الواحد بألفاظ مترادفة، وإن كان ذلك في لغة واحدة كما سبق قريباً، وتقدم أن هذا الحديث يؤيد صحة هذا القول، ويرد ما قاله الداني: إنه قول أكثر العلماء.
قال الجزرى: رحمه الله – ((ما زلت أستشكل هذا الحديث، وأفكر فيه، وأمعن النظر من نيف وثلاثين سنة، حتى فتح الله عليَّ بما يمكن أن يكون صواباً إن شاء الله – تعالى -، وذلك أني تتبعت القراءات صحيحها وشاذها، وضعيفها، ومنكرها، فإذا هو يرجع اختلافها إلى سبعة أوجه من الاختلاف، لا يخرج عنها.
(1) إما في الحركات بلا تغير فى المعنى والصورة، نحو ((البخل)) بأربعة، و ((يحسب)) بوجهين.
(2) أو بتغير في المعنى فقط، نحو: (فَتَلَقَّى آدَمَ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٌ) (1) ، {وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} و ((أمه)) (2) .
(3) وإما في الحروف بتغير المعنى، لا الصورة، نحو ((تبلوا)) و ((تتلوا)) (نُنَحِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ) ، {نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ} (3) .
(4) أو عكس ذلك [أي بتغير الحروف مع اتفاق المعنى] نحو ((بصطة)) و ((بسطة)) و ((الصراط)) و ((السراط))
(5) أو بتغيرهما نحو ((أشد منكم)) و ((أشد منهم)) ، و ((يأتل)) و ((يتأل)) و (فامضوا إِلَى ذِكْرِ اللهِ) و {فَاسعَواْ إِلَى ذِكرِ اللهِ} .--------------------------------------------
(1) يعني: بنصب آدم، ورفع كلمات، عكس القراءة المشهورة.
(2) بالتاء المربوطة، وبالهاء.
(3) الأولى بالحاء المهملة، والثانية بالجيم المشددة.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦٠٩)
(6) أو بالتقديم والتأخير نحو {فَيَقتُلُونَ وَيُقتَلُونَ} و (وَيُقْتَلُونَ فَيَقْتُلُونَ) ، و {وَجَاءَت سَكرَةُ المَوتِ بِالحَقِ} و (جَاءَتْ سَكْرَةُ الحَقِّ بالْمَوْتِ) .
(7) أو في الزيادة والنقصان، نحو ((وأوصى)) و ((وصى)) و {وَمَا خَلَقَ الذَكَرَ وَالأُنثَى} و ((والذكر والأنثى)) .
وأما اختلاف الإظهار والإدغام، والروم والإشمام، والتفخيم والترقيق، والمد والقصر، والإمالة والفتح، والتخفيف والتسهيل، والإبدال والنقل، ونحو ذلك مما يعبر عنه بالأصول، فهذا ليس من الاختلاف الذي يتنوع فيه اللفظ والمعنى)) (1) .
وقال ابن قتيبة – رحمه الله – ((وقد غلط في تأويل هذا الحديث قوم، فقالوا: السبعة الأحرف: وعد، ووعيد، وحلال، وحرام، ومواعظ، وأمثال، واحتجاج.
وقال آخرون: هي سبع لغات في الكلمة، وليس شيء من ذلك لهذا الحديث بتأويل.
ومن قال: فلان يقرأ بحرف ((أبي عمرو)) (2) .
أو بحرف ((عاصم)) (3) ، فإنه لا يريد شيئاً مما ذكر، وليس يوجد في كتاب الله – تعالى – حرف قرئ على سبعة أوجه يصح، فيما أعلم.
وإنما تأويل قوله – صلى الله عليه وسلم: ((نزل القرآن على سبعة أحرف)) : على سبعة أوجه من اللغات، متفرقة في القرآن، يدلك على ذلك قول رسول الله – صلى الله عليه وسلم:--------------------------------------------
(1) النشر (1/77-78) .
(2) هو: أبو عمرو بن العلاء بن عمار المازني، المقرئ، أحد الأئمة السبعة، توفي سنة (154هـ) .
(3) هو عاصم بن أبي النجود، المقرئ المشهور، توفي سنة (127هـ) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦١٠)