قال القرطبي: " لو لم يكن في الكلام إلا مسألتان، هما من مبادئه، لكان حقيقاً بالذم.
إحداهما: قول بعضهم: إن أول واجب: الشك إذ هو اللازم لوجوب النظر، أو القصد إلى النظر.
والثانية: قول جماعة منهم: من لم يعرف الله بالطرق التي رتبها أهل الكلام، لم يصح إيمانه.
والقائل بهاتين المسألتين كافر؛ لجعله الشك في الله - تعالى - واجباً، ومعظم المسلمين كفاراً، حتى يدخل في عموم كلامه السلف الصالح، من الصحابة والتابعين، وهذا معلوم الفساد من الدين بالضرورة، وإلا فلا يوجد في الشرعيات ضروري" (1) .
وقال الغزالي: " أسرفت طائفة فكفروا عوام المسلمين، وزعموا أن من لم يعرف العقائد الشرعية بالأدلة التي حرروها فهو كافر، فضيقوا رحمة الله الواسعة، وجعلوا الجنة مختصة بشرذمة يسيرة من المتكلمين" (2) .
وقوله: " فإذا عرفوا ذلك، فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم".
أي إذا عرفوا توحيد الله، وعملوا به، بأن أخلصوا عبادتهم لله وحده، واجتنبوا عبادة كل معبود سواه، عند ذلك يخبرون بفرائض الإسلام، ويؤمرون بها، وأعظمها - بعد التوحيد - الصلوات الخمس.
وفي هذا دليل على أنه لا يجب على العبد من الصلاة غير الخمس المذكورة.
ومعلوم أن بعث معاذ إلى اليمن في آخر حياة الرسول صلى الله عليه وسلم كما سبق.--------------------------------------------
(1) من " الفتح" (13/350) بتصرف.
(2) نفس المصدر، (13/349) بتصرف أيضاً.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤١)
كما فيه: أنه يجب على إمام المسلمين بعث الدعاة إلى توحيد الله تعالى، وتعليم الناس شرائع الإسلام، وأمرهم بالتزامها، وجباية الزكاة، ودفعها إلى مستحقيها، الذين ذكرهم الله تعالى بقوله: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ} الآية (1) .
وفيه: أن الإنسان لا يصير مسلما إلا إذا وحد الله -تعالى – بالعبادة، بأن لا يقصد بعبادته غير الله، بل تكون عبادته كلها لله وحده، وهذا هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله، وأما معنى شهادة أن محمداً رسول الله هو: أن يعبد الله بما جاء به الرسول-صلى الله عليه وسلم، والإيمان بأن الله أوحى إليه أوامره، ونواهيه، وكلفه إبلاغ الثقلين ذلك.
وفيه: أن أي تعبد يتعبد به العبد غير معتبر، ولا معتد به بدون التوحيد.
وفيه: أن أخذ خيار المال في الزكاة ظلم يجب اجتنابه.
وقصد البخاري – رحمه الله – بيان أن النبي –صلى الله عليه وسلم قد بين للناس التوحيد بأنواعه، وأنه أول واجب، وأول ما يدعى إليه، فلا حاجة بعد بيانه إلى بيان أحد من الناس، كما تقدم.
قال شيخ الإسلام: " وقد علم بالاضطرار من دين الرسول –صلى الله عليه وسلم واتفقت عليه الأمة، أن أصل الإسلام، وأول ما يؤمر به الخلق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فبذلك يصير الكافر مسلماً، والعدو ولياً، والمباح دمه وماله معصوم الدم والمال، ثم إن كان ذلك من قلبه فقد دخل في الإيمان.
وإن قال بلسانه دون قلبه، فهو في ظاهر الإسلام، دون باطن الإيمان " (2) والبخاري – رحمه الله – في بدئه كتاب التوحيد بهذا الحديث، يشير إلى الرد على--------------------------------------------
(1) الآية 60 من سورة التوبة.
(2) نقلاً من "تيسير العزيز الحميد" (ص101) .
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٢)
المتكلمين الذين جعلوا عمدتهم، في إثبات ما يثبتون، ونفي ما ينفون: العقل.
فهذا الحديث دل على أن أول ما يجب على العبد: عبادة ربه تعالى بامتثال أوامره، واجتناب ما نهى عنه، وأن المقصود من الدعوة: وصول العباد إلى ما خلقوا به، من عبادة الله تعالى وحده لا شريك له.
ولا سبيل إلى ذلك إلا باتباع الوحي الذي جاء به محمد –صلى الله عليه وسلم فيجب أن يتبع، وأن يكون هو الأصل المعول عليه في معرفة عبادة الله، والإيمان به، وبرسله، وملائكته، وكتبه، واليوم الآخر، والإيمان بأسمائه وصفاته وعبادته بها، خلافاً لطريقة المتكلمين، الذين جعلوا عمدتهم عقولهم في إثبات وجود الله تعالى، بناء على حدوث الكون، ثم إثبات صفاته نفياً وإثباتاً بالقياس العقلي، ثم إثبات النبوات، ثم بعد ذلك يتكلمون في السمعيات.
وهذه طريقة المعتزلة، والكرامية، والكلابية، والأشعرية، غير أن الأشعرية سلكوا هذه الطريقة في الأصول الاعتقادية العلمية، دون العملية.
وأما المعتزلة فلم يفرقوا بين العقيدة والعمل في القياس العقلي، حتى إنهم ينظرون إلى القدر المشترك في الأفعال بين الرب والعباد، فما كان حسناً من العباد في نظرهم، فهو عندهم حسن من الله تعالى، وما كان قبيحاً منهم، فهو من الله تعالى قبيح، ولهذا سماهم أهل السنة: مشبهة الأفعال، نفاة الصفات.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٣)
3-"حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن أبي حصين، والأشعث بن سليم، سمعا الأسود بن هلال، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم: " يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد؟ " قال: الله ورسوله أعلم، قال: " أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئاً أتدري ما حقهم عليه؟ " قال: الله ورسوله أعلم، قال: " أن لا يعذبهم ".
جاء بصيغة الاستفهام ليكون أوقع في النفس، وأبلغ في التعليم؛ لأن الإنسان إذا سئل عن شيء لا يعلمه، ثم أخبر به بعد الامتحان بالسؤال صار ذلك أدعى لفهمه وحفظه.
وهذا من حسن تعليمه، وإرشاده صلى الله عليه وسلم، وهذا الأسلوب ورد عنه صلى الله عليه وسلم كثيراً.
يقال: درى يدري دراية: إذا عرف، فالدراية هي المعرفة.
و"الحق": كل موجود متحقق، أو ما سيوجد لا محالة، ويقال للكلام الصدق: حق؛ لأن وقوعه متحقق، لا تردد فيه، ولأنه مطابق للواقع، وكذا المستحق على الغير، إذا كان لا تردد فيه، فهو حق.
والمراد هنا " ما يستحقه الله تعالى على عباده، مما جعله متحتماً عليهم، وألزمهم إياه بخطابه" (1) .
فحقه تعالى على عباده: أن يعبدوه، مخلصين له العبادة، ممتثلين ما أمرهم به وأوجبه عليهم، وأعظمه التوحيد، ومجتنبين ما نهاهم عنه، وحرمه عليهم،--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (11/339) .
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٤)
وأعظمه الشرك، فإذا فعلوا ذلك، فحقهم عليه أن يغفر لهم، ولا يعذبهم، وأن يدخلهم الجنة، وقد وعدهم ذلك، ووعده حق لا يخلف.
قوله: " الله ورسوله أعلم" يؤخذ منه حسن الأدب في التعلم، وأنه لا ينبغي لمن سئل عما لا يعلمه أن يتكلف الجواب بدون يقين، ولكن يكل العلم إلى عالمه.
" ذكر يعقوب بن سفيان بإسناده، عن ربيعة قال: قال ابن خلدة: إذا جاءك الرجل يسألك، فلا يكن همك أن تخرجه مما وقع فيه، وليكن همك أن تتخلص مما
سألك عنه" (1) .
قوله: " أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئاً " المراد بالعبادة: فعل الطاعات، واجتناب المعاصي.
والعبادة في اللغة هي: الذل، والخضوع.
قال الأزهري: " معنى العبادة في اللغة: الطاعة مع الخضوع، يقال: طريق معبد، إذا كان مذللاً بكثرة الوطء وبعير معبد إذا كان مطلياً بالقطران" (2) .
وقال الجوهري: " أصل العبودية: الخضوع والذلة، والتعبيد: التذليل، والعبادة: الطاعة، والتعبد: النسك" (3) .
وأما العبادة الشرعية فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة" (4) .--------------------------------------------
(1) "تهذيب التهذيب" (7/443) .
(2) " تهذيب اللغة" (2/234) .
(3) "الصحاح" (2/503) ، هذا متفق عليه كتب اللغة.
(4) انظر أول فقرة من رسالة العبودية.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٥)
وقيل: هي كمال الحب مع كمال الخضوع؛ لأن الحب الكامل مع الذل التام يتضمن طاعة المحبوب، والانقياد له، فالعبد هو الذي ذلله الحب والخضوع لمحبوبه، فطاعة العبد لربه تكون بحسب محبته وذله له.
وعطف على العبادة عدم الشرك؛ لأن العبادة لا تنفع عند الله ولا تعتبر إلا إذا كانت خالصة من الشرك.
والمشركون كانوا يعبدون الله، ويعبدون معه غيره، ولهذا اشترط نفي الشرك. والجملة حالية، والتقدير: يعبدونه في حال عدم الإشراك به.
قال ابن حبان: عبادة الله: إقرار باللسان، وتصديق بالقلب، وعمل بالجوارح.
ولهذا قال في الجواب: " فما حق العباد إذا فعلوا ذلك؟ فعبر بالفعل، ولم يعبر بالقول" (1) .
قوله: " أتدري ما حقهم عليه؟ " فسره بقوله: " أن لا يعذبهم".
وفي الرواية الأخرى: " أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً" (2) ، والتقدير: أن لا يعذب من يعبده، ولا يشرك به شيئاً؛ لأن عدم الشرك مع عدم العبادة لا ينفع، وهذا معلوم من نصوص الشرع.
قال الحافظ: " اقتصر على نفي الشرك؛ لأنه يستدعي التوحيد بالاقتضاء، ويستدعي إثبات الرسالة باللزوم، إذ من كذب رسول الله فقد كذب الله، ومن كذب الله فهو مشرك، أو هو مثل قول القائل: من توضأ صحت صلاته، أي مع سائر الشروط، فالمراد: من مات حال كونه مؤمناً--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (11/339) .
(2) انظر: " الفتح" (6/58) .
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٦)
بجميع ما يجب الإيمان به" (1) .
وحق العباد على الله تعالى هو من فضله وكرمه، وليس استحقاق عوض وجزاء، كما تقول المعتزلة.
والناس في هذه المسألة ثلاث فرق:
منهم " من يقول: للمخلوق على الله حق يعلم بالعقل.
فهم يقيسون الخالق تعالى على المخلوق - كما تقدمت الإشارة إليه -.
ومنهم من يقول: لا حق للمخلوق على الله تعالى بحال، ولكن يعلم ما يفعله بعبده بحكم وعده وخبره. وهذا قول أتباع جهم، وبعض من ينتسب إلى السنة.
ومنهم من يقول: بل أوجب الله تعالى على نفسه حقاً لعباده المؤمنين، كما حرم الظلم على نفسه، ولم يوجب ذلك عليه مخلوق.
ولا يقاس بمخلوقاته تعالى، بل هو برحمته، وحكمته، وعدله، كتب على نفسه الرحمة، وحرم على نفسه الظلم، كما في الحديث الذي في "صحيح مسلم" وغيره (2) "يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا".
وقال تعالى: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} (3) ، وقال تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} (4) .
فمن قال: ليس للمخلوق على ربه حق، فهو صحيح، إذا أراد أنه ليس--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (1/228) .
(2) انظر: " صحيح مسلم" (4/1994) الحديث رقم (2577) .
(3) الآية 54 من سورة الأنعام.
(4) الآية 47 من سورة الروم.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٧)
عليه حق بالاعتبار والقياس على خلقه، كما يجب للمخلوق على مثله، وكما يظن جهال العباد أن لهم على الله حقاً بعبادتهم؛ لأن النفوس الجاهلة تتخيل أن الإنسان بعبادته وعلمه يصير له على الله حق، من جنس ما يصير للمخلوق على المخلوق (1) ، كمن يطيع سيده ورئيسه فيجلبه له منفعة، أو يدفع عنه مضرة، ويبقى يتقاضى العوض، والمجازاة على ذلك، ويقول عند الجفاء والإعراض: ألم أفعل كذا؟ يمن عليه بما فعل معه، وإن لم يقله بلسانه، كان ذلك في قلبه، وتخيل مثل هذا في حق الله من جهل الإنسان وظلمه.
ولهذا بين الله تعالى أن عمل الإنسان يعود نفعه عليه، وأن الله غني عن الخلق.
قال - تعالى -: {وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} (2)
وقال -تعالى-: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَاّمٍ لِّلْعَبِيدِ} (3) .
ومن قال: للمخلوق على الله حق، فهو صحيح، إذا أراد به الحق الذي أخبر الله بوقوعه، فإن الله لا يخلف الميعاد، وهو الذي أوجبه على نفسه بحكمته وفضله ورحمته" (4) .--------------------------------------------
(1) ولهذا نجد الجهال وأنصاف المتعلمين يلهجون إلى الله تعالى بسؤاله بحق فلان وفلان، ويعتقدون أن هذا أقرب إلى حصول مطلوبهم، وهو من جهل الإنسان بربه، وعدم تقديره حق قدره، وأكثر ما يقع الشرك في المسلمين من هذا الباب.
(2) الآية 40 من سورة النمل.
(3) الآية 46 من سورة فصلت.
(4) "مجموع الفتاوى" (1/213) بتصرف.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٨)
وهذا القول: هو الحق الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وأما القول الأول فهو ضلال بين، حيث لم يفرق قائله بين ما يجب على الخالق - تعالى - وما يجب على المخلوق.
"والفروق بين الخالق والمخلوق لا تخفى إلا على من عميت بصيرته"
منها: أن الرب- تعالى - غنى بنفسه عن كل ما سواه، ويمتنع أن يكون محتاجاً إلى غيره، بوجه من الوجوه، وأما الخلق فسادتهم وملوكهم ومن دونهم محتاجون إلى غيرهم، حاجة ضرورية.
ومنها: أن الرب - تعالى - وإن كان يحب الأعمال الصالحة، ويفرح بتوبة التائبين، فهو الذي يخلق ذلك، وييسره، فلا يحصل ما يحبه ويرضاه إلا بقدرته ومشيئته، والمخلوق كثيراً ما يحصل له ما يحبه بغير فعله بل بفعل غيره.
ومنها: أن الرب- تعالى - أمر العباد بما يصلحهم، ونهاهم عما يفسدهم.
قال قتادة: " إن الله لم يأمر العباد بما أمرهم به لحاجته إليهم، ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلاً عليهم، بل أمر بما ينفعهم، ونهاهم عما يضرهم" بخلاف المخلوق الذي يأمر غيره بما يحتاج إليه هو، وينهاه بخلاً عليه.
ومنها: أنه - سبحانه - هو المنعم بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وهو المنعم بإيجاد القدرة والحواس، وغير ذلك مما يحصل به العلم والعمل الصالح، وهو الهادي لعباده، والمخلوق لا يقدر على شيء من ذلك.
ومنها: أن نعمه - تعالى - على عباده أعظم من أن تحصى، فلو قدر أن العبادة جزاء لنعمه لم نقم بشكر قليل منها، فكيف والعبادة من نعمه؟
ومنها: أن العباد لا يزالون مقصرين في حقه، محتاجين إلى عفوه، ومغفرته،
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٩)
فلن يدخل أحد الجنة بعمله (1) ، وما من أحد إلا وله ذنوب يحتاج فيها إلى مغفرة ربه، {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ} (2) .
فمن ظن أنه قائم بما يجب عليه، وأنه غير محتاج إلى مغفرة ربه وعفوه وهدايته وتوفيقه، فهو ضال" (3) .
والمقصود من الحديث هنا: بيان أن حق الله على عباده هو عبادته – تعالى – الخالصة من الشرك، وهي: طاعته بفعل ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه، فلا يخالف ما جاء عن الله، أو جاء عن رسوله، لغرض أو منفعة عاجلة أو آجلة، وغير ذلك.
ومن ذلك – يعني حق الله على عباده-: اتباع ما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله من غير تحريف، ولا إلحاد فيه، ولهذا ترجم على هذا الحديث في كتاب الرقاق بقوله: باب من جاهد نفسه في طاعة الله.
ومراده: أن الرسول –صلى الله عليه وسلم قد بين ما يجب لله على عباده من عبادته باتباع أمره، واجتناب نهيه، وعبادته بأسمائه وصفاته، وتنزيهه عن مشابهة المخلوق، وما يستحقه من فعل ذلك.--------------------------------------------
(1) في" صحيح مسلم" عن جابر، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يدخل أحداً منكم عمله الجنة ولا يجيره من النار، ولا أنا، إلا برحمة من الله" (4/2171) رقم الحديث (2817) . وأخرجه البخاري في عدة مواضع من "صحيحه" من حديث أبي هريرة وعائشة. انظر: "الفتح" (11/294) .
(2) الآية 45 من سورة فاطر.
(3) "مجموع الفتاوى" (1/216) .
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٠)
4-"حدثنا إسماعيل، حدثني مالك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن ابن أبي صعصعة، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري: " أن رجلاً سمع رجلاً يقرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} يرددها، فلما أصبح جاء إلى النبي –صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك، وكأن الرجل يتقالها، فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده، إنها لتعدل ثلث القرآن ".
زاد إسماعيل بن جعفر، عن مالك، عن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي سعيد: أخبرني أخي قتادة بن النعمان، عن النبي –صلى الله عليه وسلم.
أبو سعيد الخدري هو: سعد بن مالك بن سنان بن ثعلبة بن الأبجر –وهو خدرة- الذي ينسب إليه، أنصاري خزرجي، بايع تحت الشجرة، وغزا مع رسول الله-صلى الله عليه وسلم غزوات عدة، وكان أبوه من شهداء أحد. وأبو سعيد من علماء الصحابة وفقهائهم، والمكثرين الحديث عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم.
توفي رضي الله عنه سنة أربع وسبعين (1) .
قوله: " أن رجلاً سمع رجلاً" السامع هو أبو سعيد راوي الحديث، والقاريء هو قتادة، كما بينه البخاري بقوله: "زاد إسماعيل" الخ. وقد جاء مصرحاً به في مسند أحمد، ولفظه:
"بات قتادة بن النعمان يقرأ من الليل كله {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} فذكر ذلك للنبي-صلى الله عليه وسلم، فقال- صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده: لتعدل نصف القرآن أو ثلثه" (2) .--------------------------------------------
(1) "الإصابة" (3/78) ، "أسد الغابة" (2/365) .
(2) "المسند" (3/15) ، وانظر: "الفتح الرباني" (18/346) .
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥١)
"وقتادة هو أخو أبي سعيد لأمه، وكانا متجاورين في السكن" (1)
قوله: " وكأن الرجل يتقالها" بتشديد اللام، أي: يعدها قليلة بالنسبة إلى غيرها من سور القرآن "يقال": تقلل الشيء واستقله وقاله: إذا رآه قليلاً. والمراد أنه رآها قليلة في العمل، لا أنه عدها ناقصة" (2) .
قوله: " والذي نفسي بيده" كان-صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يحلف بهذه الصيغة، وقد ذكر البخاري- رحمه الله – في الأيمان والنذور في باب: كيف كانت يمين النبي-صلى الله عليه وسلم عدة أحاديث بهذا اللفظ.
وقد روى الطبراني، وابن ماجة، عن رفاعة بن عرابة: " كان النبي –صلى الله عليه وسلم إذا حلف قال: والذي نفسي بيده".
وروى ابن أبي شيبة، عن أبي سعيد: كان النبي-صلى الله عليه وسلم إذا اجتهد في اليمين قال: " لا والذي نفس أبي القاسم بيده". ورواه ابن ماجه من وجه آخر، بلفظ: "كانت يمين رسول الله التي يحلف بها – أشهد عند الله- والذي نفسي بيده" (3) .
قلت: وحديث أبي سعيد رواه أبو داود في "السنن" (4) .
فقوله: " والذي نفسي بيده" أي روحي، وحياتي وموتي، يتصرف في كيف يشاء. وسيأتي، إن شاء الله تعالى – الكلام على صفة اليد، وأنها من صفات الله الثابتة قطعاً، وأنها يد حقيقية تليق بعظمة الرب وقدره، تعالى وتقدس عن مشابهة الخلق، وعن الظنون السيئة التي أوجبت لأصحابها تعطيل الله- تعالى- عن--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (9/61) .
(2) "المنهل العذب المورود" (8/113) .
(3) "فتح الباري" (11/526) .
(4) انظر: الحديث رقم (3264) .
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٢)
صفاته، ودعتهم إلى الإلحاد في أسمائه وصفاته.
قوله: " إنها لتعدل ثلث القرآن " عدل الشيء بفتح العين: ما عادله من غير جنسه، والعدل بكسر العين: المثل، تقول: عندي عدل شاتك، أو عدل مالك، إذا كان عندك شاة مثل شاة من تخاطبه، ومال مثل ماله، فإن أردت ما يعادل ذلك من غير جنسه فتحت العين، ذكر ذلك بعض أهل اللغة. (1)
ومعنى كونها تعدل ثلث القرآن: أن القرآن أنزل على ثلاثة أقسام: ثلث منه الأحكام وبيان الحلال من الحرام.
وثلث منه الوعد والوعيد، والجزاء، وما وقع بمن كذب الله ورسله، وما سيقع بهم في الآخرة، وكذا من أطاعه.
وثلث منه في أسماء الله تعالى وصفاته. وهذه السورة خالصة في الأسماء والصفات، قاله أبو العباس ابن سريج، وغيره من السلف.
واعتراض ابن عبد البر على هذا: بأن في القرآن آيات كثيرة اشتملت على أكثر مما في هذه السورة من التوحيد، كآية الكرسي، وآخر سورة الحشر، وأول سورة الحديد، قد أجاب عنه القرطبي في شرحه لمسلم: بأن سورة الإخلاص قد اشتملت على اسمين من أسماء الله متضمنين جميع أوصاف الكمال، ولم يوجدا في غيرها من السور، وهما "الأحد" و"الصمد".
" والقرآن باعتبار معانيه ثلاثة أقسام: توحيد، وقصص، وأمر ونهي، وكله كلام الله تعالى، والكلام إما إنشاء، وإما إخبار.
فالإنشاء: هو الأمر والنهي، وما يتبع ذلك كالإباحة.
والإخبار: أما عن الخالق - تعالى -، أو عن المخلوق، فالإخبار عن الخالق--------------------------------------------
(1) انظر: " ترتيب اللسان" (3/707) .
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٣)
هو التوحيد وما يتضمنه من أسماء الله وصفاته.
والإخبار عن المخلوق، هو القصص، وهو الخبر عما كان، وما يكون.
و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} هي صفة الرحمن خالصة لذلك، وبهذا الاعتبار عدلت ثلث القرآن؛ لما فيها من التوحيد، الذي هو ثلث معاني القرآن، وليس معنى ذلك أنه يكتفي بها عن سائر القرآن، بمعنى أن من قرأها ثلاثاً كفاه عن قراءة القرآن؛ لأن النبي –صلى الله عليه وسلم قال: " إنها تعدل ثلث القرآن ".
وقد تقدم أن عدل الشيء- بالفتح- يطلق على ما ليس من جنسه، كما قال تعالى: {أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} فجعل الصيام عدل الكفارة، وهما جنسان.
فثواب قراءة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} وإن كان يعدل ثواب قراءة ثلث القرآن في القدر، فلايلزم أن يكون مثله في النوع والصفة؛ لأنها لا تغني عما اشتمل عليه القرآن من الأمر والنهي، والوعد والوعيد، وسائر ما يحتاج إليه العباد. فالناس محتاجون إلى جميع القرآن، ومنتفعون به لا تغني عنها سورة الإخلاص، وإن كانت تعدل ثلث القرآن " (1) .
وفي هذا الحديث دلالة ظاهرة على تفاضل كلام الله – تعالى -، وصافته، وهو المأثور عن السلف، وعليه أئمة الفقهاء وغيرهم، ونصوص الكتاب والسنة تؤيد ذلك.
قال الله – تعالى –: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} (2) فأخبر- تعالى – أنه يأتي بخير منها أو مثلها، فدل على أن الآيات تتماثل مرة، وتتفاضل أخرى، والتوراة، والإنجيل والقران كلها كلام الله – تعالى – وقد أجمع--------------------------------------------
(1) "مجموع الفتاوى" (17/207-208) بتصرف.
(2) الآية 106 من سورة البقرة.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٤)
المسلمون على أن القرآن أفضلها، كما قال - تعالى - {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} (1) أي هو المؤتمن، والشاهد، والحاكم، على ما سبقه من الكتب.
وأما الأحاديث فكثيرة، من جملتها هذا الحديث، ومن تأمل كلام السلف، ومن سار على نهجهم، علم أن هذا من الأمور المستقرة في نفوسهم، ولم يعرف من السلف من قال: لا يكون كلام الله بعضه أشرف من بعض؛ لأنه كله من صفات الله، وإنما حدث ذلك لما ظهرت البدع من المعتزلة، والجهمية، ومن سلك طريقهم، الذين اختلفوا في القرآن، وجعلوه عضين.
وتفاضل الكلام من جهة المتكلم فيه - سواء كان خبراً أو إنشاء - أمر معلوم بالفطرة، والشرع، فليس الخبر المتضمن حمد الله والثناء عليه بأسمائه الحسنى، كالخبر المتضمن لذكر إبليس، وفرعون وأبى لهب، ونحوهم، وإن كان الكل كلاماً عظيماً تكلم الله به.
وكذلك ليس الأمر بالتوحيد، والإيمان بالله ورسله، والنهي عن الشرك وقتل النفس بغير حق، والزنا، وغير ذلك مما أمرت به الشرائع كلها، أو حرمته، كالأمر بأخذ الزينة عند كل مسجد، أو الأمر بالإنفاق على الحامل، والنهي عن قول: "راعنا" وإن كان لكل واجباً.
وليس تفاضل الكلام باعتبار نسبته إلى المتكلم به، فإنه سبحانه واحد، ولكن باعتبار معانيه التي يتكلم بها، وباعتبار ألفاظه المبينة لمعانيه.
قال شيخ الإسلام: " الكلام له نسبتان: نسبة إلى المتكلم به، ونسبة إلى المتكلم فيه، فهو يتفاضل باعتبار النسبتين، وباعتبار نفسه أيضاً، فـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} و {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} كلاهما كلام الله - تعالى -، وهما مشتركان من هذه--------------------------------------------
(1) الآية 48 من سورة المائدة.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٥)
الجهة، ولكنهما متفاضلان من جهة المتكلم فيه، المخبر عنه، فـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} كلام الله وخبره الذي يخبر عن نفسه، وصفته التي يصف بها نفسه، وكلامه الذي يتكلم به عن نفسه.
و {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} كلام الله الذي يتكلم به عن بعض خلقه، ويصف به حاله، فهما من هذه الجهة متفاضلان" (1) .
ولا يلزم من كثرة الحروف أفضلية ذلك، كما توهمه بعض العلماء؛ لأن الفضل يتبع تفاضل المعاني.
فحروف الفاتحة لقارئها بكل حرف حسنة أعظم من حسنات {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}
فلا يلزم من مماثلة الشيء مساواته في الفضل، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم "أنه لو أنفق من جاء بعد السابقين مثل أحد ذهباً، ما بلغ مد أحد السابقين إلى الإسلام، ولا نصيفه" (2) .
قال شيخ الإسلام: " فإذا قرأ الإنسان {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} حصل له من الثواب بقدر ثلث القرآن، لكن لا يلزم أن يكون الثواب من جنس الثواب الحاصل بقراءة ثلث القرآن؛ لأن الإنسان يحتاج إلى ما يحصل له من ثواب الأمر والنهي والقصص، وغير ذلك، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} لا تسد مسد ذلك، ولا تقوم مقامه، مع أن فضل القراءة والذكر والدعاء وغير ذلك، يختلف باختلاف حال الإنسان، فالقراءة بتدبر أفضل من القراءة بلا تدبر، والصلاة بخشوع وحضور
قلب، أفضل من الصلاة بدون ذلك، فإذا كانت {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} يعدل--------------------------------------------
(1) " مجموع الفتاوى" (17/57) .
(2) رواه البخاري في "فضائل الصحابة" ولفظه: " لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" انظر: " الفتح" (7/21) ، ورواه مسلم في "الفضائل" (4/1967) .
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٦)
ثوابها ثواب ثلث القرآن، فلا بد من اعتبار التماثل في سائر الصفات، وإلا فقراءة غيرها مع التدبر والخشوع أفضل من قراءتها مع الغفلة والجهل.
والناس متفاضلون في فهم هذه السورة، وما اشتملت عليه، كما هم متفاضلون في فهم سائر القرآن" (1) .
وهذا الحديث يدل أيضاً على تعدد صفات الرب تعالى، وتفاضلها؛ لأن القرآن كله، وكلامه من صفاته.
والتفاضل إنما يقع بين شيئين فصاعداً، إذ الواحد لا يعقل فيه شيء أفضل من شيء، وقد دلت النصوص الكثيرة على تعدد أسمائه تعالى وصفاته، وأن لها معاني متعددة، وهذا المعنى هو الذي قصده البخاري بهذا الحديث، فيما ظهر لي، ولا شك أن فضل هذه السورة لما اشتملت عليه من أوصاف الله تعالى، ولهذا أعقب ذلك بأن ترجم بقوله تعالى: {قُلِ ادْعُواْ اللهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى} (2) .
وقال الحافظ: " مراده ما فيه من التصريح بلفظ الأحدية في وصفه تعالى، كما في الذي بعده" (3) .
وقول ابن بطال: " ومذهب الأشعري، وأبي بكر بن الطيب الباقلاني، وابن أبي زيد، والداودي، وأبى الحسن القابسي، وجماعة علماء السنة: أن القرآن لا يفضل بعضه بعضاً، إذ كله كلام الله وصفته، وهو غير مخلوق، ولا يجوز التفاضل إلا في المخلوقات ".
ومثله قول ابن الدراج: "أجمع أهل السنة على أن ما ورد مما ظاهره المفاضلة بين آي القرآن وسوره، ليس المراد به تفضيل ذوات بعضها على بعض، إذ هو--------------------------------------------
(1) " مجموع الفتاوى" (17/138-140) بتلخيص وتصرف.
(2) الآية 110 من سورة الإسراء.
(3) "الفتح" (13/355) بالمعنى.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٧)
كله كلام الله، وصفة من صفاته" (1) .
فهذا النقل عمن ذكرهم، والزعم بأن هذا مجمع عليه من أهل السنة هو بحسب ظن هؤلاء- يعني ابن بطال ومن يقول ذلك - لأنهم ظنوا: أن هذا القول الذي هو عدم المفاضلة لازم لمن يقول: إن القرآن كلام الله، فهو من صفاته، والتفاضل لا يكون إلا في المخلوقات، والقرآن عندهم غير مخلوق.
وهو ظن خطأ، فلم ينقل عن أحد من السلف أنه نفى المفاضلة بين آيات القرآن وسوره، ونحن نطالب مدعي الإجماع على نفي ذلك بالدليل، ولن يجد ذلك، والنصوص من الكتاب والسنة تبطل هذه الدعوى كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، وابن بطال -عفا الله عنا وعنه- كثيراً ما يدعي الإجماع على مسائل، الحق خلافها، كما ستأتي الإشارة إلى بعضها، إن شاء الله تعالى.--------------------------------------------
(1) انظر"مجموع الفتاوى" (17/73) .
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٨)
5- "حدثنا محمد، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، حدثنا عمرو، عن ابن أبي هلال، أن أبا الرجال محمد بن عبد الرحمن حدثه، عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن- وكانت في حجر عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن عائشة: " أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاته، فيختم بـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي-صلى الله عليه وسلم فقال: "سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟ " فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي-صلى الله عليه وسلم "أخبروه أن الله يحبه".
عائشة بنت أبي بكر الصديق، وزوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحبيبته، كانت فقيهة ربانية، وعالمة بأشعار العرب وأنسابهم، وأيامهم.
أكثرت عن رسول الله-صلى الله عليه وسلم الرواية، فلذلك صارت مرجعاً للصحابة في كثير من أمور الدين، فهي من حفاظ الصحابة وعلمائهم.
روى عنها خلق كثير من الصحابة والتابعين.
ولدت-رضي الله عنها سنة أربع من البعثة النبوية، وتزجها رسول الله-صلى الله عليه وسلم بعد موت خديجة-رضي الله عنها بثلاث سنوات، ودخل بها في المدينة، وهي أبنة تسع سنوات، وتوفي عنها ولها من العمر ثماني عشرة سنة، ومات-صلى الله عليه وسلم وهي حاضنته على صدرها.
مناقبها كثيرة، توفيت في المدينة سنة سبع-أو ست- وخمسين، وقيل: ثمان
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٩)
وخمسين، وصلى عليها أبو هريرة، ودفنت في البقيع، رضي الله عنها (1) .
قوله: "بعث رجلاً على سرية" هذا غير الرجل المتقدم ذكره في باب الجمع بين السورتين في ركعة واحدة؛ للفروق الواضحة بين القصتين.
والسرية قطعة من الجيش، يقال: خير السرايا أربعمائة رجل، وفي "اللسان" "ما بين خمسة أنفس إلى ثلاثمائة، سميت سرية؛ لأنها تسري ليلاً في خفية؛ لئلا ينذر بهم فيحذر الأعداء ويمتنعوا" (2) .
قوله: "فيختم بـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} قال ابن دقيق العيد: يدل على أنه كان يقرأ بغيرها، والظاهر أنه كان يقرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} مع غيرها في ركعة واحدة، ويختم بها في تلك الركعة، وإن كان اللفظ يحتمل أن يكون يختم بها في آخر ركعة يقرأ فيها السورة" (3) .
وقوله: " لأنها صفة الرحمن" قال ابن دقيق العيد: "يحتمل أن يراد: أن فيها ذكر صفة الرحمن، كما إذا ذكر وصف، فعبر عن ذلك الذكر بأنه الوصف، وإن لم يكن ذلك الذكر نفس الوصف، ويحتمل أن يراد به غير ذلك، إلا أنه لا يختص ذلك بـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ولعلها خصت بذلك لاختصاصها بصفات الرب-تعالى- دون غيرها" (4) .
قلت: يريد بيان قول الصحابي لها بما ذكر، أنها خالصة لذكر وصف الرحمن تعال وتقدس.--------------------------------------------
(1) انظر: "الحلة" (2/43) ، "أسد الغابة" (7/188) ، "الاستيعاب" (4/1881) ، "الإصابة" (4/359) ، "سير أعلام النبلاء" (2/135) .
(2) "ترتيب اللسان" (2/141) .
(3) "شرح العمدة" (1/246) .
(4) المصدر نفسه (1/247) .
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٦٠)