من أقام مع النبي صلى الله عليه وسلم سنة فصاعداً أو غزا معه غزوة فصاعداً (1).
وذهب الجاحظ كما ذكر منه: اشتراطه مع طول الصحبة، الأخذ عنه عليه الصلاة والسلام.
ومنهم من اشترط البلوغ حين اجتماعه به (2).
وقد أجاب المحققون من أهل العلم والحديث عن هذا الآراء:
فقال الحافظ ابن حجر: والعمل على خلاف هذا القول؛ لأنّهم اتفقوا على عد جمع جم من الصحابة لم يجتمعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم إلا في حجة الوداع، ومن اشترط الصحبة العرفية أخرج من له رؤية، أو من اجتمع به لكن فارقه عن قرب، ومنهم من اشترط في ذلك أن يكون حين اجتماعه بالغاً، وهو مردود أيضاً؛ لأنه يخرج مثل الحسين بن علي ونحوه من أحداث الصحابة (3).
وقال رحمه الله أيضاً: لا خفاء برجحان رتبة من لازمه صلى الله عليه وسلم، وقاتل معه، أو قتل تحت رايته، على من لم يلازمه، أو لم يحضر معه مشهداً، وعلى من كلمه يسيراً أو ماشاه قليلاً، أو رآه على بعد، أو في حال الطفولة، وإن كان شرف الصحبة حاصلاً للجميع، ومن ليس له سماع منه فحديثه
مرسل من حيث الرواية، وهم مع ذلك معدودون في الصحابة، لما نالوه--------------------------------------------
(1) العيني: عمدة القارئ: 11/ 381
(2) مرجع سابق.
(3) ابن حجر: فتح الباري: 4/ 6
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 188)
من شرف الرؤية (1).
وقال الإمام ابن كثير: وروى شعبة عن موسى السبلاني، وأثنى عليه خيراً، قال: قلت لأنس بن مالك: هل بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد غيرك؟ قال: ناس من الأعراب رأوه، فأما من صحبه فلا. رواه بحضرة أبي زرعة.
قال الحافظ ابن حجر: مع أنه كان في ذلك الوقت عدد كثير ممن لقيه من الأعراب.
وقال الإمام ابن كثير: وهذا إنما نفى فيه الصحبة الخاصة، ولا ينفي ما اصطلح عليه الجمهور: أن مجرد الرؤية كان في إطلاق الصحبة، لشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلاله قدره، وقدر من رآه من المسلمين (2).
وقال الإمام العيني: وفي كلام أبي زرعة وأبي داود، ما يقتضي أن الصحبة أخص من الرؤية، فإنّهما قالا في طارق بن شهاب: له رؤية وليست له صحبة (3).
وقد ردّ العلماء ما ذكر عن ابن المسيب على وجهة الخصوص بما يلي:
1. إن صح عنه ما ذكر، فإنه يرد عليه باتفاق العلماء في عد جماعة من الصحابة لم يجتمعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم إلا في حجة الوداع.--------------------------------------------
(1) ابن حجر: النكت على نزهة النظر: 151
(2) ابن كثير: الباعث الحثيث:1717، ابن حجر: فتح الباري: فتح الباري: 7/ 6
(3) العيني: عمدة القارئ: 11/ 381
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 189)
2. أن هذا الأثر لا يصح عن ابن المسيب، لأن في الإسناد إليه محمد بن عمر الواقدي، وهو ضعيف الحديث (1).
وبيّن الإمام الجوزي فصل الخطاب في هذا المسألة فقال:
وفصل الخطاب في هذا الباب: بأن الصحبة إذا أطلقت فهي في المتعارف تنقسم إلى قسمين:
أحدهما: أن يكون الصاحب معاشراً مخالطً كثير الصحبة، فيقال: هذا صاحب فلان، كما يقال: خادمه، لكن تكررت خدمته، لا لمن خدمه يوماً أو ساعة.
والثاني: أن يكون صاحباً في مجالسة، أو مماشاة ولو ساعة، فحقيقة الصحبة موجودة في حقه، وإن لم يشتهر بِها.
فسعيد بن المسيب: إنما عني القسم الأول، وغيره يريد هذا القسم الثاني، وعموم العلماء على خلاف قول ابن المسيب، فإنهم عدوا جرير بن عبد الله من الصحابة، وإنما أسلم سنة عشر، وعدوا في الصحابة من لم يغزو معه، ومن توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صغير السن، فأما من رآه ولم يجالسه ولم يماشه فألحقوه بالصحابة إلحاقاً، وإن كانت حقيقة الصحبة لم توجد في حقه (2).--------------------------------------------
(1) العيني: مرجع سابق، ابن حجر، مرجع سابق، العراقي: التقييد والإيضاح: 283
(2) ابن الجوزي: تلقيح مفهوم أهل الأثر: 72
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 190)
وما روي عن الجاحظ: وهو اشتراط الأخذ مع طول الصحبة، فقد قال العلامة ثعلب: إنه غير ثقة ولا مأمون، ولا يوجد هذا القول لغيره (1).
ومع كونه كذلك فلا دليل لقوله: إذ فيه إخراج لكثير من المعدودين في الصحابة ممن لقوا النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنين به، وخاصة ممن أسلم يوم الفتح أو وفد عليه وبايعه (2).
نخلص من هذا إلى أن الصحابي: من صحب النبي صلى الله عليه وسلم أو رآه من المسلمين.
وقال الإمام ابن كثير: هو من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حال إسلام الراوي، وإن لم تطل صحبته، وإن لم يرو عنه شيئاً وهذا قول جمهور العلماء سلفاً وخلفاً.
وقال الحافظ ابن حجر: هو من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به، ومات على الإسلام ولو تخللت ردة على الأصح (3).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وحديث أبي سعيد هذا يدل على شيئين:
على أن صاحب النبي صلى الله عليه وسلم: هو من رآه مؤمناً به وإن قلت صحبته، كما قد نص على ذلك الأئمة أحمد وغيره. قال مالك: من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم--------------------------------------------
(1) العيني: عمدة القارئ: 11/ 381
(2) انظر: عبد الرحمن الدويش، الصحابي ومؤلف العلماء من الاحتجاج بقوله: 20
(3) ابن حجر: فتح الباري: 4/ 6، ابن حجر: النكت على نزهة النظر: 149
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 191)
سنة أو شهراً أو يوماً أو رآه مؤمناً به، فهو من أصحابه، له من الصحبة
بقدر ذلك، وذلك أن لفظ الصحبة جنس تحته أنواع، يقال صحبه شهراً
أو ساعة (1).
فمن هنا: يتبيّن أن كل من ثبتت له الصحبة ولو بالرؤية ومات على ذلك، فهو صحابي له ما للصحابة من الإجلال والإكرام والتعظيم، وعليه فمسلمة الفتح، ومن أسلم من الوفود كلهم ينالهم شرف الصحبة، وتشريف الرؤية رضي الله عنهم أجمعين.
قال الإمام ابن العربي: وفائدة صحبته في الدنيا الفتح، وفي الآخرة النجاة من النار.
وقال رحمه الله: وشرف الصحبة في أبواب أمهاتِها ست:
(الأولى): في الخلطة، وما ظنك بدرجة صاحبك فيها الله سبحانه وتعالى، والنبي صلى الله عليه وسلم، وذلك بالإتباع والإيمان.
(الثانية): بالهجرة، وقد ذكر الله فضلها وأثنى عليها، وذلك مشهور، ومن ترك أهله وولده وماله في الله، فذلك ولي الله، وثاني رسول الله.
(الثالثة): بالنصرة، وإنما ذكرناها معها، وإن كان البخاري قد أخرها للوجه الذي قدمناه؛ لأنا رأينا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار، وقال: الأنصار: كرشي - يعني: جماعتي - وعيبتي: يعني: موضع--------------------------------------------
(1) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: 4/ 465، 20/ 298، 35، 59 وما بعده.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 192)
سري وارفع ما عندي، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (حسنا): اللهم اغفر للأنصار ولأبنائهم وأبناء أبنائهم ولنسائهم.
(الرابعة) القرابة: قال الله تعالى [قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى] قال ابن عباس: يعني: قريشاً، وهم بنو النضر، وقال أبو بكر الصديق في الصحيح: والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي. وقال أبو بكر: ارقبوا محمداً في أهل بيته " وهم آل علي وأزواجه صلى الله عليه وسلم ".
(الخامسة) البدرية: لقوله في أهل بدر (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم).
(السادسة) الرضوانية: لما قال الله فيهم [لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ]
(السابعة) الزوجية: لأن مبرتهم والإحسان إليهم، كالإحسان إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكمبرته.
قال تعالى [وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ]، وحرمته باقية عليهم لبقاء زوجيته فيهم (1).
قلت: ولقد تكلم العلماء عن طرق ثبوت مسمى الصحبة، وذكرا لذلك عدة أوجه:--------------------------------------------
(1) ابن العربي: عارضة الأحوذي: 13/ 123
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 193)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والطريق التي تعلم بِها صحبته، هي الطريق التي يعلم بِها صحبة أمثاله (1).
فطرق معرفة الصحبة:
1 - التواتر كأبي بكر وعمر وبقية العشرة، وخلق منهم.
2 - الاستفاضة والشهرة القاصرة عن التواتر كعكاشة بن محصن، وضمام بن ثعلبة وغيرهما.
3 - إخبار بعض الصحابة عن فلان أنه صحابي، كحميمة بن أبي حميمة الدوسي، الذي مات بأصبهان مبطوناً، فشهد له أبو موسى الأشعري بأنه سمع من النبي صلى الله عليه وسلم، وحكم له بالشهادة.
4 - إخباره عن نفسه بأنه صحابي، بعد ثبوت عدالته قبل إخباره بذلك (2).
وسبق أن ذكرنا أن للصحابة رضي الله عنهم مراتب ودرجات، دل عليها قوله سبحانه: [لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى] الحديد 10
قال الإمام ابن العربي: وفيه دليل على أن الصحابة مراتب، وأن--------------------------------------------
(1) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: 4/ 466
(2) انظر: ابن كثير: الباعث الحثيث: 180، ابن كثير: النكت على نزهة النظر: 151، العراقي: التقييد والإيضاح: 15، الجديع: تحرير علوم الحديث: 1/ 116
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 194)
الفضل للسابق، وعلى تنزيل الناس منازلهم (1).
المبحث الثاني: عدالة الصحابة:
وهي من المسائل المهمة التي تحتاج لبيان، مع شدة وضوحها وسطوعها، ولكن لما أن طعن الطاعنون في عدالتهم لشبه واهية، كان لزاماً بيان اتفاق أهل السنة ومن يعتد بِهم في عدالة الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم.
قال الإمام ابن الصلاح: ثم إن الأمة مجمعة على تعديل الصحابة، ومن لابس الفتن منهم فكذلك بإجماع العلماء الذين يعتد بِهم في الإجماع، إحساناً للظن بِهم، ونظراً إلى ما تمهد لهم من المآثر، وكأن الله تعالى أتاح الإجماع على ذلك لكونِهم نقله الشريعة (2).
وقال الإمام ابن كثير: والصحابة كلهم عدول عند أهل السنة والجماعة، كما أثنى الله تعالى عليهم في كتابه العزيز، وبما نطقت به السنة النبوية في المدح لهم في جميع أخلاقهم وأفعالهم، وما بذلوه من الأموال والأرواح بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم رغبة فيما عند الله من الثواب الجزيل والجزاء الجميل (3).
وقال الإمام النووي: ولهذا اتفق أهل الحق ومن يُعتد به في الإجماع--------------------------------------------
(1) ابن العربي: أحكام القرآن: 4/ 178، السيوطي: الإكليل: 3/ 1232
(2) لعراقي: التقييد والإيضاح: 287
(3) ابن كثير: الباعث الحثيث: 172
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 195)
على قبول شهاداتهم ورواياتهم وكمال عدالتهم رضي الله عنهم أجمعين (1).
وقال الإمام ابن عبد البر: قد كفينا البحث عن أحوالهم لإجماع أهل الحق من المسلمين وهم أهل السنة والجماعة على أنّهم كلهم عدول (2).
وقال الإمام الخطيب: عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله تعالى لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم.
وقال الإمام ابن حجر: اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة (3).
وقال الإمام ابن حزم: وهم أئمة الإسلام حقا، والمقطوع على فضلهم وعلى أكثرهم بأنهم في الجنة، وهذا لا يخيل إلا على مخذول، وكل من ذكرنا مصيب أو مخطئ، فمأجور على اجتهاده إما أجرين وإما أجراً، وكل ذلك غير مسقط عدالتهم.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ثم مع ذلك فهم متفقون على أن مثل طلحة والزبير ونحوهما من الصحابة من أهل العدالة، ولا يجوز أن يحكم عليه بكفر ولا فسق، بل مجتهدون، إما مصيبون وإما مخطئون، وذنوبهم مغفرة لهم.
ويقول: ولكن أهل السنة متفقون على عدالة الصحابة.--------------------------------------------
(1) النووي: شرح مسلم: 15/ 159
(2) العراقي: مرجع سابق: 2870
(3) الدرويش: الصحابي: 31
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 196)
وقال العلامة: السخاوي: في بيان مرتبتهم: وهم رضي الله عنهم باتفاق أهل السنة عدول كلهم مطلقاً صغيرهم وكبيرهم لابس الفتنة أم لا وجوباً، لحسن الظن، ونظراً إلى ما تمهد لهم من المآثر، من امتثال أوامره بعده عليه الصلاة والسلام، وفتحهم الأقاليم، وتبليغهم عنه الكتاب والسنة، وهدايتهم الناس، ومواظبتهم على الصلاة والزكاة وأنواع القربات مع الشجاعة والبراعة والكرم والإيثار والأخلاق الحميدة التي لم يكن في أمة من الأمم المتقدمة.
وقال العلامة الشوكاني: اعلم أن ما ذكرناه في وجوب تقديم البحث عن عدالة الراوي إنما هو في غير الصحابي، فأما فيهم فلا؛ لأن الأصل فيهم العدالة، فنقبل روايتهم من غير بحث عن أحوالهم، حكاه ابن الحاجب عن الأكثرين، قال القاضي: هو قول السلف وجمهور الخلف، وقال الجويني بالإجماع.
وقال العلامة بدر الدين الزركشي: وقال إمام الحرمين بالإجماع. قال: ولعل السبب فيه أنّهم نقلة الشريعة، ولو ثبت وقف في روايتهم لانحصرت الشريعة على عصر الرسول صلى الله عليه وسلم ولما استرسلت سائر الأعصار. وقال إلكيا الطبري: وعليه كافة أصحابنا.
وقال الإبياري: وليس المراد بعدالتهم: ثبوت العصمة لهم واستحالة المعصية، وإنما المراد قبول رواياتهم من غير تكلف بحث عن أسباب العدالة وطلب التزكية، إلا من ثبت عليه ارتكاب قادح، ولم يثبت ذلك - ولله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 197)
الحمد - فنحن على استصحاب ما كانوا عليه زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يثبت خلافه، ولا التفات إلى ما يذكره أهل السير فإنه لا يصح. وما صح فله تأويل صحيح (1).
قلت: وهذا القول هو الصحيح الذي لا معدل عنه، ولا ينظر لمخالف الإجماع لشذوذه.
وقد تعقب الإمام العراقي، الإمام ابن الصلاح في حكايته الإجماع في تعديل الصحابة، فقال: وفي حكاية الإجماع نظر، لكنه قول الجمهور، كما حكاه ابن الحاجب والآمدي، وقال: إنه المختار، وحكيا معه قولاً آخر: أنّهم كغيرهم في لزوم البحث عن عدالتهم مطلقا، وقولاً آخر: أنّهم عدول إلى وقوع الفتن، وأما ما بعد ذلك فلا بد من البحث عمن ليس ظاهر العدالة (2).
وقد كفانا مؤونة الرد على خلاف الإجماع المحكي الإمام القرطبي، فقال: فالصحابة كلهم عدول، أولياء الله تعالى وأصفياؤه وخيرته من خلقه--------------------------------------------
(1) ابن حزم: الإحكام: 10/ 220، ابن تيمية: مجموع الفتاوى: 54/ 35، السخاوي: فتح المغيث شرح ألفية الحديث: دار الكتب العلمية، لبنان ط 1/ 1403هـ (3/ 108)، الشوكاني: إرشاد الفحول: دار الكتاب العربي ط 1/ 1419هـ (1/ 185)، الزركشي: البحر المحيط في أصول الفقه: دار الكتب العلمية بيروت، 1421هـ (3/ 357) ابن أمير محمد: التقرير والتحرير في علم الأصول: دار الفكر، بيروت 1417هـ (2/ 346)، المحلى: شرح جمع الجوامع للسبكي: 02/ 62، العلائي: تحقيق منيف الرتبة لمن يثبت له شرف الصحبة: 1/ 37
(2) العراقي: التقييد والإيضاح: 288
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 198)
بعد أنبيائه ورسله هذا مذهب أهل السنة، والذي عليه الجماعة من أئمة هذا الأمة، وقد ذهبت شرذمة لا مبالاة بهم إلى أن حال الصحابة كحال غيرهم، فيلزم البحث عن عدالتهم، ومنهم من فرق بين حالهم في بُداءة الأمر فقال: إنهم كانوا على العدالة إذ ذاك، ثم تغيرت بهم الأحوال فظهرت فيهم الحروب وسفك الدماء، فلا بد من البحث وهذا مردود، فإن خيار الصحابة وفضلاؤهم كعلي وطلحة والزبير وغيرهم ممن أثنى الله عليهم وزكاهم ورضي عنهم وأرضاهم ووعدهم بالجنة، فقال: (مغفرة وأجراً عظيما) وخاصة العشرة المقطوع لهم بالجنة بإخبار الرسول صلى الله عليه وسلم، وهم القدوة مع علمهم بكثير من الفتن والأمور الجارية عليهم بعد نبيهم بإخبارهم لهم بذلك وذلك غير مسقط من مرتبتهم وفضلهم، إذ كانت تلك الأمور مبنية على الاجتهاد، وكل مجتهد مصيب (1)
قلت: ولذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: لا تسبوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فإن الله عز وجل قد أمرنا بالاستغفار لهم وهو يعلم أنّهم سيقتلون (2)
وقال العلماء: إن عدالة الصحابة لا تنافي الخطأ في الاجتهاد (3) قال تعالى [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً] البقرة 143، أخرج سعيد بن--------------------------------------------
(1) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: 16/ 254
(2) اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة: 7/ 1324
(3) الألوسي: روح المعاني: دار الكتب العلمية، بيروت، 1415هـ (8/ 23)، القاسمي: قواعد التحديث: 1/ 167، العجلي: معرفة الثقات: 1/ 94
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 199)
منصور وأحمد والترمذي والنسائي وصححه وابن جرير وابن حبان والإسماعيلي في صحيحه والحاكم وصححه عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قوله تعالى [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً]: أي: عدلاً. والأمة الجماعة، والوسط العدل، قاله ابن عباس وأبو سعيد ومجاهد وقتادة، وقال ابن قتيبة: الوسط العدل الخيار (1) قال الإمام ابن العربي: وهذا دليل على أنّه لا يشهد إلا العدول، ولا ينفذ على الغير قول الغير إلا أن يكون عدلاً (2).
وقال جل شأنه [شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وأولو العلم قَائِماً بِالْقِسْطِ] آل عمران 18.
قال الإمام البغوي: [وَأُولُو الْعِلْمِ]: يعني الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقال ابن كيسان: هم المهاجرون والأنصار. وقوله [قَائِماً
بِالْقِسْطِ]: أي بالعدل (3).
ويقول الإمام ابن القيم: وهذا يدل على فضل العلم وأهله من وجوه أحدها: استشهادهم دون غيرهم من البشر، والثاني: اقتران شهادتهم بشهادته، والثالث: اقترانها بشهادة الملائكة، والرابع: أن في ضمن هذا--------------------------------------------
(1) السيوطي: الدرر المنثور في التفسير بالمأثور: 20/ 17، ابن الجوزي: زاد المعاد: المسير في علم التفسير: 1/ 134
(2) ابن العربي: أحكام القرآن: 1/ 61، ابن حجر: فتح الباري: 13/ 329
(3) البغوي: معالم التنزيل: 2/ 18
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 200)
تزكيتهم وتعديلهم، فإن الله لا يستشهد من خلقه إلا العدول (1).
ولذا قال الإمام الغزالي: فأي تعدل أصح من تعديل علام الغيوب سبحانه، وتعديل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف ولو لم يرد الثناء لكان فيما اشتهر وتواتر من حالهم في الهجرة والجهاد وبذل المهج والأموال وقتل الأبرياء والأهل في موالاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصرته كفاية في القطع بعدالتهم (2).
وما جرى من فتن فهم فيها معذورون، وهي غير مخلة بعدالتهم بإجماع - كما سبق - فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جلسنا مع عمر فقال: هل سمعت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً أمر به المسلم إذا سها في صلاته كيف يصنع؟ فقلت: لا والله، فبينا نحن في ذلك، أتى عبد الرحمن بن عوف فقال: فيم أنتما، فقال عمر: سألته فأخبره، فقال له عبد الرحمن بن عوف: لكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر في ذلك، فقال له عمر: فأنت عندنا عدل، فماذا سمعت؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا سها أحدكم في صلاته حتى لا يدري أزاد أم نقص، فإن كان شك في الواحدة والثنتين فليجعلها واحدة، وإذا شك في الثنتين أو الثلاث، فليجعلها ثنتين، وإن شك في الثلاث والأربع فليجعلها ثلاثاً حتى يكون الوهم في الزيادة، ثم يسجد--------------------------------------------
(1) ابن القيم: مفتاح دار السعادة: 1/ 48
(2) الغزالي: المستصف في أصول الفقه: مؤسسة الرسالة بيروت ط 1/ 1417هـ (1/ 370)، الغزالي: المنحول: دار الفكر دمشق ط 2/ 1419هـ (1/ 356)، المسعودي: مروج الذهب: 1/ 370
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 201)
سجدتين وهو جالس قبل أن يسلم ثم يسلم).
قال الإمام الذهبي: هذا حديث حسن، صححه الترمذي، ورواه الحافظ ابن عساكر في صدر ترجمة ابن عوف وفيه: فقال: فحدِّثنا فأنت عندنا العدل الرضا.
قال فأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كانوا عدولاً، فبعضهم أعدل من بعض وأثبت، فهنا عمر قنع بخبر عبد الرحمن، وفي قصة الاستئذان يقول: ائت بمن يشهد معك، وعلي بن أبي طالب يقول: كان إذا حدثني رجل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم استحلفته، وحدثني أبو بكر، وصدق أبو بكر، فلم يحتج عليّ أن يستحلف الصديق (1).
ولما تحدث رحمه الله عن سيرة العشرة المبشرين قال:
فهذا ما تيسر من سيرة العشرة، وهم أفضل قريش، وأفضل السابقين المهاجرين، وأفضل البدريين وأفضل أصحاب الشجرة، وسادة هذه الأمة في الأمة في الدنيا والآخرة، فأبعد الله الرافضة ما أغواهم، وأشد هواهم، كيف اعترفوا بفضل واحد منهم، وبخسوا التسعة حقهم، وافتروا عليهم بأنهم كتموا النص في علي أنه الخليفة؟ فو الله ما جرى من ذلك شيء، وأنهم زوروا الأمر عنه بزعمهم وخالفوا نبيهم، وبادروا إلى بيعة رجل من بني تيم، يتجر ويتكسب، لا لرغبة في أمواله، ولا لرهبة من عشيرته ورجاله،--------------------------------------------
(1) الذهبي: سير أعلام النبلاء: 3/ 32
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 202)
ويحك أيفعل هذا من له مسكة عقل؟ ولو جاز هذا على واحد لما جاز على جماعة ولو جاز وقوعه من جماعة لاستحال وقوعه والحالة هذه من ألوف سادة المهاجرين والأنصار وفرسان الأمة وأبطال الإسلام، لكن لا حيلة في برء الرفض، فإنه داء مزمن، والهدى نور يقذفه الله في قلب من يشاء، فلا قوة إلا بالله (1).
والعشرة المبشرون: هم الذين شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، ومات وهو راض عنهم:
(أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن نفيل، وأبو عبيدة بن الجراح) (2).
المبحث الثالث: التفضيل بين الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم:
أولا ً: ما يتعلق بالتفضيل بين الصحابة أمر مشتهر، وفيه نزاع مشهور.
قال الحافظ ابن حجر: واستدل بحديث (خير القرون قرني .. ) على--------------------------------------------
(1) الذهبي: سير أعلام النبلاء: 3/ 58
(2) الأقفهسي: الإرشاد إلى ما وقع في الفقه وغيره من الأعداد: 2/ 191، انظر: الجديع: تحرير علوم الحديث: 1/ 339
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 203)
جواز المفاضلة بين الصحابة قاله المازري (1).
وأهل السنة والجماعة: يفضلون من أنفق من قبل الفتح وقاتل، على من أنفق من بعد الفتح وقاتل ويقدمون المهاجرين على الأنصار، وأن المستقر عندهم، تقديم أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ويعرفون لأهل بدر والرضوان فضلهم (2).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: فإن أفضل أولياء الله من هذه الأمة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأمثالهم من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، كما ثبت ذلك بالنصوص المشهورة (3).
وقال: أما تفضيل أبي بكر ثم عمر على عثمان وعلي، فهذا متفق عليه بين أئمة المسلمين المشهورين بالإمامة في العلم والدين، من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وهو مذهب مالك وأهل المدينة ، والليث بن سعد وأهل مصر، والأوزاعي وأهل الشام، وسفيان الثوري، وأبي حنيفة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وأمثالهم من أهل العراق، وهو مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد، وغير هؤلاء من أئمة الإسلام الذي لهم لسان صدق في الأمة.--------------------------------------------
(1) ابن حجر: فتح الباري: 7/ 10، انظر: النووي: شرح مسلم: 15/ 157، انظر: ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل: 3/ 32.
(2) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: 3/ 152.
(3) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: 2/ 223.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 204)
وحكى الإمام مالك إجماع أهل المدينة على ذلك فقال: ما أدركت أحداً ممن اقتدي به يشك في تقديم أبي بكر وعمر (1) وقال: فأبو بكر وعمر كان اختصاصهما بالنبي صلى الله عليه وسلم فوق اختصاص غيرهما، وأبو بكر كان أكثر اختصاصاً (2).
وذهب إلى أن أبا بكر وعمر أفضل من الخضر، على القول بأن الخضر ليس بنبي وهو قول الأكثر من العلماء (3).
ثم إن أبا بكر أفضل الأمة بعد نبيها، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إن التفضيل إذا ثبت للفاضل من الخصائص فلا يوجد مثله للمفضول، فإذا استويا وانفرد أحدهما بخصائص كان أفضل، وأما الأمور المشتركة فلا توجب تفضيله على غيره، وإن كان كذلك ففضائل الصديق التي تميز بِها لم يشركه فيها أحد (4).
وذهب الإمام محمد بن حزم إلى تفضيل نساء النبي صلى الله عليه وسلم على الصحابة فقال: والذي نقول به، وندين الله تعالى عليه، ونقطع على أنه الحق عند الله عز وجل، أن أفضل الناس بعد الأنبياء عليهم السلام، نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم--------------------------------------------
(1) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: 4/ 421
(2) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: 4/ 400
(3) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: 4/ 398
(4) ابن تيمية: مجموع الفتاوى:4/ 414
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 205)
ثم أبو بكر رضي الله عنه (1) ثم أفاض رحمه الله بذكر أوجه التفضيل، وقد تعقبه العلماء، فقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما نساء النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يقل: إنّهن أفضل من العشرة إلا أبو محمد، ونصوص الكتاب والسنة تبطل هذا القول، وحجته التي احتج بِها فاسدة. ثم قال: وبالجملة فهذا قول شاذ لم يسبق ِإليه أحد من السلف (2).
وأما موضوع المبحث: فقد اختلف العلماء: هل كل فرد من أفراد الصحابة رضي الله عنهم أفضل ممن جاء بعده على الإطلاق، أم لا؟
وتحرير محل النزاع في المسألة هو أن يقال:
إن مجموع الصحابة رضي الله عنهم أفضل من مجموع من بعدهم.
وأن السابقين للإسلام وأهل الفضل منهم من أصحاب بدر والشجرة، أفضل بأفرادهم ممن جاء بعدهم.
يقول الحافظ ابن حجر: والذي يظهر: أن من قاتل مع النبي صلى الله عليه وسلم أو في زمانه بأمره، أو أنفق شيئاً من ماله بسببه، لا يعدله في الفضل أحد بعده كائناً من كان، وأما من لم يقع له ذلك، فهو محل البحث (3).
تحرير المسألة: اختلف العلماء فيه في هذه المسألة على قولين:--------------------------------------------
(1) ابن حزم: الفصل: 3/ 33
(2) ابن تيمية: مجموع الفتاوى:4/ 395
(3) ابن حجر: فتح الباري: 7/ 8
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 206)
القول الأول: أن أول هذه الأمة أفضل ممن بعدهم، وأن من صحب النبي صلى الله عليه وسلم ورآه، ولو مرة في عمره فهو أفضل ممن يأتي بعده، وأن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل، وهو قول معظم العلماء وأكثرهم اختاره من المحققين شيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ ابن حجر وغيرهما.
واحتجوا بما يلي:
بحديث الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خير الناس قرني، ثم الذي يلونهم ثم الذي يلونهم .. )
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وبالجملة فقد اتفقت طوائف السنة والشيعة على أن أفضل هذه الأمة بعد نبيها، واحد من الخلفاء، ولا يكون من بعد الصحابة أفضل من الصحابة. وأفضل أولياء الله أعظمهم معرفة بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم واتباعاً له، كالصحابة الذين هم أكمل الأمة في معرفة دينه واتباعه وأبو بكر الصديق أكمل معرفة بما جاء به، وعملاً به، فهذا أفضل أولياء الله، إذ كانت أمة محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الأمم، وأفضلها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وأفضل أبو بكر (1).
وقال في موضع آخر: ومنهم من يفرضها في مثل معاوية وعمر بن عبد العزيز، فإن معاوية له مزية الصحبة والجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم وعمر له مزية فضيلته من العدل والزهد والخوف من الله تعالى (2).--------------------------------------------
(1) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: 11/ 223
(2) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: 13/ 66
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 207)