فالنبي صلى الله عليه وسلم خبيث، فهو كافر فاضربوا عنقه، فضربوا عنقه وأنا حاضر.
وروي عن محمد بن زيد - أخي الحسن بن زيد - أنه قدم عليه رجل من العراق، فذكر عائشة بسوء، فقام إليه بعمود فضرب به دماغه، فقتله، فقيل له: هذا من شيعتنا ومن بني الأباء، فقال: هذا سمي جدي قرنان أي الديوث لا غيرة له - ومن سمي جدي قرنان، استحق القتل، فقتله (1).
الثاني: أن يسب أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بغير ما برأها الله منه، مما لا يقدح في عدالتها ولا دينها.
حكمه: من جنى هذه الجناية العظيمة، استحق التأديب والتعزير، ولكنه لا يكفر.
فقد سئل الإمام أحمد عمن شتم رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أرى أن يضرب وما أراه إلا على الإسلام.
وقال الإمام العربي: ولو أن رجلاً سب عائشة بغير ما برأها الله منه، لكان جزاؤه الأدب (2).
وقال الإمام القرطبي: ومن سب الصحابة بغير القذف، يجلد الجلد الموجع، وينكل التنكيل الشديد، وقال الإمام ابن حبيب: ويخلد في السجن--------------------------------------------
(1) اللالكائي: مرجع سابق: 7/ 1345، 1270، آل عبد اللطيف: نواقض الإيمان: 432
(2) الحجاوي: الإقناع: 4/ 278، ابن العربي: أحكام القرآن: 3/ 366
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)
إلى أن يموت (1).
وقد أخرج الإمام اللالكائي بسنده عن عائشة: أنّها ذكرت عند رجل فسبها، فقيل: أتسب أمك؟ فقال: ما هي أمي. فبلغها، فقالت: صدق أنا أم المؤمنين، وأما الكافرين فلست لهم بأم.
وعنها قالت: لا ينتقصني أحد في الدنيا إلا تبرأت منه في الآخرة (2).
وقال الإمام الآجري: وبلغني عن بعض الفقهاء من المتقدمين: أنه سئل عن رجلين حلفا بالطلاق، أحدهما: أن عائشة أمه، وحلف الآخر: أنها ليست أمه؟ فقال: إن كلاهما لم يحنث، فقيل له: كيف هذا؟ لا بد أن يحنث أحدهما، فقال: إن الذي حلف أنّها أمه هو مؤمن لم يحنث، والذي حلف أنّها ليست أمه، هو منافق لم يحنث.
وذكر الإمام ضياء الدين المقدسي: أن رجلاً نال من عائشة، فقام عمار بن ياسر يتخطى الناس فقال: اجلس مقبوحاً منبوحاً، أنت الذي تقع في حبيبة رسول الله، فوالله إنّها لزوجته في الدنيا والآخرة (3).
فرضي الله تعالى عن الصديقة بنت الصديق، المبرأة من فوق سبع سماوات، فإنها لما اشتكت - أي ضعفت - جاء ابن عباس فقال: يا أم--------------------------------------------
(1) انظر: الحطاب: مواهب الجليل: 8/ 380
(2) اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة: 7/ 1523، الآجري: الشريعة: 5/ 3932
(3) الآجري: الشريعة: 5/ 2393، الهلالي: حديث الإفك: 87، المقدسي: النهي عن سب الأصحاب: 18
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)
المؤمنين، تقدمين على فرط صدق، على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أبي بكر (1).
قال الإمام العيني: إن ابن عباس قطع لعائشة رضي الله عنها، بدخول الجنة، إذ لا يقال ذلك إلا بتوقيف، وهذه فضيلة عظيمة، وقال، وحاصل المعنى: أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر قد سبقاك وأنت تلحقينهما، وهما قد هيئا لك المنزل في الجنة، فلا تحملي الهم، وأفرحي بذلك (2) وكان مسروق إذا حدث عنها قال: حدثتني الصادقة بنت الصادق البرة المبرأة، بكذا وكذا .. (3).
وقد سأل بعض الأساقفة الإمام محمد بن الطيب أبو بكر الباقلاني بحضرة ملكهم فقال: ما فعلت زوجة نبيكم؟ وما كان من أمرها بما رميت به من الإفك؟ فقال الباقلاني: مجيباً على البديهة: هما امرأتان ذكرتا بسوء: مريم وعائشة، فبرأهما الله عز وجل، وكانت عائشة ذات زوج، ولم تأت بولد، وأتت مريم بولد ولم يكن لها زوج - يعني أن عائشة أولى بالبراءة من مريم - وكلاهما بريئة مما قيل فيها، فإن تطرق في الذهن الفاسد احتمال ربية إلى هذه فهو إلى تلك أسرع، وهما بحمد الله منزّهتان مبرأتان من السماء بوحي الله عز وجل (4).--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة، في باب فضل عائشة رضي الله عنها (3771)
(2) العيني: عمدة القارئ: 11/ 491
(3) الفاكهاني: رياض الأفهام: 1/ 51
(4) ابن كثير: البداية والنهاية: 11/ 376
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)
2 - حكم سب بقية أمهات المؤمنين:
زوجات النبي الأكرم عليه الصلاة والسلام، الطاهرات المطهرات أمهات المؤمنين وهن:
{خديجة بنت خويلد القرشية الأسدية - سودة بنت زمعة القرشية - عائشة بنت أبي بكر الصديق - حفصة بنت عمر بن الخطاب - زينب بنت خزيمة بن الحارث القيسية - أم سلمة هند بنت أبي أمية القرشية المخزومية - زينب بنت جحش الأسدية - جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار المصطلقية - أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان القرشية - صفية بنت حيي بن أخطب - ميمونة بنت الحارث الهلالية}
قال الإمام ابن القيم: فهؤلاء نساؤه المعروفات اللاتي دخل بِهنّ (1).
اختلف العلماء فيمن قذف إحدى أمهات المؤمنين - غير عائشة - هل هو كقذف عائشة؟ أو كسب واحد من الصحابة، على قولين:
القول الأول: أن قذف إحدى أمهات المؤمنين هو كقذف عائشة رضي الله عنهن أجمعين. وهو قول جمهور أهل العلم وهو الصحيح من مذهب الحنابلة ورواية للمالكية، ورجحه جماعة من المحققين من أهل العلم منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن كثير، وابن حزم الظاهري، والسبكي،--------------------------------------------
(1) ابن القيم: زاد المعاد: 1/ 105 - 113
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)
والمهلب، وجماعة غيرهم (1).
واحتجوا بما يلي:
- قال الله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ] النور 23. قالوا: هذه الآية تشمل أمهات المؤمنين.
قال ابن عباس رضي الله عنهما، والضحاك وغيرهما: هذه الآية في عائشة وسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ولا تنفع التوبة ومن قذف غيرهن من المحصنات فقد جعل الله له التوبة، لأن الله تعالى يقول: [وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ … ] النور 3. فجعل لهؤلاء توبة، ولم يجعل لأولئك توبة (2)
قال الإمام ابن كثير: هذا وعيد للذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات، خرج مخرج الغالب، فأمهات المؤمنين أولى بالدخول في هذا من كل محصنة.--------------------------------------------
(1) ابن تيمية: الصارم المسلول: 567، ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: 3/ 287، النووي: شرح صحيح مسلم: 16/ 326، ابن حجر: فتح الباري: 4/ 44، الحطاب: مواهب الجليل: 8/ 380، الحجاوي: الإقناع: 4/ 289، العيني: عمدة القارئ: 9/ 530، ابن حزم: المحلى: 13/ 238، ابن عثيمين: الشرح الممتع: 14/ 437، الفضيلات: أحكام الردة: 227، آل عبد اللطيف: نواقض الإيمان 424
(2) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: 12/ 188
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)
ثم قال: وفي بقية أمهات المؤمنين قولان: أصحهما: أنّهن كهي (1).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: والأصح أن من قذف واحدة من أمهات المؤمنين فهو كقذف عائشة لأن هذا منه عار وغضاضة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأذى له أعظم من أذاه بنكاحهن (2).
فالرسول صلى الله عليه وسلم واجب الاحترام حياً وميتاً، بل جرم من تنقصه بعد موته أعظم من جرم من تنقصه في حياته، إذ يمكن في حياته العفو عمن فرط منه ذلك، وأما بعد وفاته، فالعفو متعذر، ولا ريب أن أذاه بقذف نساءه الطاهرات أعظم من أذاه بنكاحهن بعده (3).
- وقال الله تعالى [وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ] النور26. قال الإمام ابن حزم: وكذلك القول في سائر أمهات المؤمنين ولا فرق، فكلهن مبراءات من قول إفك.
- أن في سب إحدى أمهات المؤمنين، قدح في النبي صلى الله عليه وسلم، لاسيما فيما يعود على دنس الفراش وفساد الأخلاق، فإن هذا من أكبر الجرائم على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
القول الثاني: أن قذف إحدى أمهات المؤمنين لا يوجب الكفر ولا القتل، وإنما يستحق صاحبه اللعن والحد، وهو قول فقهاء الأحناف--------------------------------------------
(1) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: 3/ 287
(2) ابن تيمية: الصارم المسلول: 567
(3) الحطاب: مواهب الجليل: 8/ 381، الفضيلات: أحكام الردة: 227
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)
والمالكية ورواية عن أحمد والشافعية.
واحتجوا بما يلي:
- لا يوجد نص في تكفير من قذقهم كما وجد في أم المؤمنين رضي الله عن الجميع.
- وقالوا: يفرق في وقوع ذلك القذف في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته، وقالوا: ويتجه أن محل كون قذف إحدى نسائه الطاهرات غير عائشة في حياته خاصة، لتنقيصه عليه الصلاة والسلام، ولما فيه من الغضاضة والعار عليه الصلاة والسلام، وهذا مفقود بعد وفاته عليه الصلاة والسلام.
قال القاضي عياض: سبّ آل النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه وأصحابه، وتنقصهم حرام ملعون فاعله، مشهور مذهب مالك في هذا، الاجتهاد والأدب الموجع (1).
وقال الإمام النووي: وسب أحدهم من المعاصي الكبائر، ومذهبنا مذهب الجمهور، أنه يعزر ولا يقتل (2).
وقال الإمام ابن نجيم: ويكفر بقذفه عائشة من نسائه فقط (3).
والراجح - والعلم عند الله - القول الأول: وهو أن قذف إحدى أمهات المؤمنين كقذف عائشة:--------------------------------------------
(1) المواق: حاشية المواق مع مواهب الجليل: 8/ 385، 380
(2) النووي: شرح مسلم: 16/ 236، الشوكاني: فتح القدير: 3/ 168
(3) ابن نجيم: البحر الرائق: 5/ 196
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)
وذلك أن المقذوفة زوج النبي صلى الله عليه وسلم والله جل وعلا إنما غضب لها؛ لأنّها زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي وغيرها منهن سواء.
وكما أن جميع أمهات المؤمنين فراش للنبي صلى الله عليه وسلم والوقيعة في أعراضهن تنقص ومسبة للنبي صلى الله عليه وسلم ومن المعلوم أن سب المصطفى عليه الصلاة والسلام كفر وخروج من الملة بالإجماع (1).
وهذا فيما يتعلق بقذفهن، أما ما يتعلق بسبهنّ من غير جنس القذف، الذي لا يوجب الطعن في دينهن وعدالتهن، فالقول فيه كالقول في عائشة رضي الله عن الجميع.
مبحث في سب فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم:
أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن المسور بن مخرمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني) (2).
قال الإمام العيني: واستدل به البيهقي على أن: من سبها فإنه يكفر (3).
وقال الحافظ ابن حجر: استدل به السهيلي على أن من سبها فإنه يكفر، وتوجيهه: أنّها تغضب ممن سبها، وقد سوّى بين غضبها وغضبه،--------------------------------------------
(1) مراجع سابقة، آل عبد اللطيف: نواقض الإيمان: 425، الفضيلات: أحكام الردة: 228
(2) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة في باب مناقب فاطمة عليها السلام (3767)
(3) العيني: عدة القارئ: 11/ 489
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)
ومن أغضبه صلى الله عليه وسلم يكفر وفي هذا التوجيه نظر لا يخفى (1).
قلت: والصحيح - والعلم عند الله تعالى - دخول فاطمة رضي الله عنها في جملة القول فيمن سبّ بقية الصحابة رضي الله عنهم غير أمهات المؤمنين.
جاء في حاشية الدسوقي: ومن قال قبيحا ًلأحد ذريته شدد عليه بالضرب والسجن والقيود ولم يقتل. قيل: وانحصرت ذريته في أولاد فاطمة الزهراء، وأما آل البيت من غيرها مع العلم بِهم، فالظاهر أنه كذلك (2).--------------------------------------------
(1) ابن حجر: فتح الباري: 7/ 132
(2) الدسوقي: حاشية الدسوقي: 4/ 482
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)
المبحث الثاني
سبّ بقية الصحابة رضي الله عنهم
وينقسم هذا المبحث إلى قسمين:
1. في سبّ الشيخين: وهما أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما.
2. في سبّ بقية الصحابة رضي الله عنهم.
[1] في سب الشيخين:
تمهيد:
أي أمة هذه الأمة التي لا تعرف للشيخين فضلهما ومنزلتهما ومكانتهما، فحبهما ومعرفة فضلهما من السنة، بل فريضة ومن جهل فضلهما فقد جهل السنة، ولذا قال الإمام عبد الله بن المبارك لما سئل عن الجماعة قال: أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، ومن هنا قال الإمام مالك: كان السلف يعلّمون أولادهم حب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، كما يعلّمون السورة من القرآن (1).
فهما من أفضل الصحابة رضي الله عنهم وأجلهم قدراً، وأعظمهم منزلة، مع أن حب الصحابة رضي الله عنهم كلهم من السنة.--------------------------------------------
(1) انظر: اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة: 7/ 1312
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)
قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: كنا نخير بين الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فنخير أبا بكر ثم عمر ثم عثمان بن عفان رضي الله عنهم (1).
قال الإمام الشافعي: أجمع الصحابة وأتباعهم على أفضلية أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي (2)
ولفضلهما، قال النبي صلى الله عليه وسلم في تصديق أمر الغيب في قصة الراعي في غنمه مع الذئب: فإني أؤمن بذلك وأبو بكر وعمر بن الخطاب (3).
قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم قال ذلك لما اطلع عليه من غلبة صدق إيمانهما وقوة يقينهما، وهذا أليق بدخوله في مناقبهما (4).
وعن أنس بن مالك حدثهم أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد أحداً وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بِهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اثبت أحد فإن عليك نبي وصديق وشهيدان) (5).
وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه كثيراً ما يسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ذهبت أنا--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري، في صحيحه في كتاب فضائل باب فضل أبي بكر بعد النبي صلى الله عليه وسلم (3655)
(2) ابن حجر: فتح الباري: 7/ 21
(3) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة باب قول النبي صلى الله عليه وسلم" لو كنت متخذا خليلاً " (3663)
(4) ابن حجر: فتح الباري: 7/ 33
(5) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الفضائل باب قول النبي صلى الله عليه وسلم " لو كنت متخذاً خليلاً " (3675)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)
وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر) (1).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن يطع الناس أبا بكر وعمر يرشدوا) (2).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وفي السنن عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر) ولم يجعل هذا لغيرهما، بل ثبت عنه أنه قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي .. ) فأمر باتباع سنة الخلفاء الراشدين، وهذا يتناول الأئمة الأربعة، وخص أبو بكر وعمر بالاقتداء بِهما، ومرتبة المقتدي به في أفعاله وفيما سنه للمسلمين، فوق سنة المتبع فيما سنه فقط، وفي صحيح مسلم أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا معه في سفر فقال: (إن يطع القوم أبا بكر وعمر يرشدوا)، وقد ثبت عن ابن عباس أنه كان يفتي من كتاب الله، فإن لم يجد فبما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن لم يجد أفتى بقول أبي بكر وعمر، ولم يكن يفعل ذلك بعثمان وعلي رضي الله عنهم، ويقول: وأيضاً فأبو بكر وعمر كان اختصاصهما بالنبي صلى الله عليه وسلم فوق اختصاص غيرهما، وأبو بكر كان أكثر اختصاصاً. ثم قال: وفي الصحيحين وغيرهما: أنه لما كان يوم أحد، قال أبو سفيان: - لما أصيب المسلمون - أفي القوم محمد ..... ، قال: فهذا أمير الكفار في تلك الحال إنما سأل عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر دون غيرهم، لعلمه بأنّهم رؤوس--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الفضائل باب مناقب عمر بن الخطاب (3685)
(2) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب المساجد باب قضاء الصلاة الفائتة (681)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 158)
المسلمين: النبي صلى الله عليه وسلم ووزيراه ولهذا لما سأل الرشيد مالك بن أنس عن منزلتهما من النبي صلى الله عليه وسلم في حياته فقال: منزلتهما منه في حياته كمنزلتهما منه بعد مماته. وكثرة الاختصاص والصحبة مع كمال المودة والائتلاف والمحبة والمشاركة في العلم والدين، تقتضي أنهما أحق بذلك من غيرهما، وهذا ظاهر بيّن لمن له خبرة بأحوال القوم (1).
وقد سئل الإمام مالك: أي الناس أفضل بعد نبيهم؟ فقال: أبو بكر وعمر ثم قال: أفي ذلك شك (2).
وقال عبد الله بن أحمد، سألت أبي عن الشهادة لأبي بكر وعمر أنّهما في الجنة؟ فقال: نعم، اذهب إلى حديث سعيد بن زيد (3).
ولذا قال طلحة بن مصرف: كان يقال: بغض بني هاشم نفاق، وبغض أبي بكر وعمر نفاق، والشاك في أبي بكر كالشاك في السنة.
وقال جعفر بن محمد: برئ الله ممن برئ من أبي بكر وعمر.
وأخرج الإمام اللالكائي: أنه ما سب أبا بكر وعمر أحد إلا مات قتلاً أو فقراً.
فإذا كان هذا هو شأن الشيخين؛ وهذه منزلتهما ومكانتهما، فلا قدست أمة تطعن فيهما، وتحط من أقدارهما، وتنتقص مقامهما، وتزدري--------------------------------------------
(1) ابن تيمية: مجموع الفتاوى:4/ 399 - 403، ابن تيمية: مختصر منهاج السنة: 1/ 363
(2) المازري: المعلم بفوائد مسلم: 3/ 138
(3) الذهبي: سير أعلام النبلاء: 3/ 57
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)
سيرهما.
ونقول فيهما ما قاله أئمة أهل البيت، فقد سُئل عنهما عبد الله بن الحسن فقال: صلى الله عليهما، ولا صلى الله على من لا يصلي عليهما (1).
وبعد هذا التطواف مع العمرين يرد السؤال: ما حكم سب الشيخين:
اختلف العلماء في حكم سب الشيخين على رأيين:
الأول: أن من طعن في الشيخين فإنه يكفر، وهو قول جماهير أهل العلم.
قال العلامة ابن نجيم: والردة لسب الشيخين أبي وعمر، وقد صرح في الخلاصة والبزازية، بأن الرافضي إذا سب الشيخين وطعن فيهما كفروا، ولعنهما كافر (2)
وذهب سحنون - الإمام العلامة - إلى ردة من طعن في الشيخين (3)
وكذا ذهب الإمام السبكي إلى كفر من سبّ الشيخين، قال الحافظ ابن حجر: اختلف في ساب الصحابة … ، وقال: وخص بعض الشافعية ذلك بالشيخين والحسنين فحكى القاضي حسين في ذلك وجهين، وقواه--------------------------------------------
(1) اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة: 7/ 1337 - 1342 - 1343 - 1344، المقدسي: النهي عن سب الأصحاب:15
(2) ابن نجيم: البحر الرائق: 5/ 203
(3) الدسوقي: حاشية الدسوقي: 4/ 482
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 160)
السبكي في حق من كفر الشيخين (1)
وقال العلامة الخرشي: ومن أنكر صحبة أبي بكر أو إسلام العشرة أو إسلام جميع الصحابة، أو كفر الأربعة أو واحداً منهم كفر (2)
وقال ابن حجر الهيثمي: من استحل لعن الشيخين وعثمان فقد استحل ما حرم الله، ومن استحل ما حرم الله تعالى كفر (3)
الثاني: أن ساب الشيخين لا يكفر: وهو قول بعض فقهاء الأحناف والشافعية والمالكية والحنابلة.
قال العلامة ابن عابدين: وأما الرافضي ساب الشيخين بدون قذف للسيدة عائشة، ولا إنكار لصحبة الصديق، ونحو ذلك فليس بكفر، فضلاً عن عدم قبول التوبة، بل هو ضلالة وبدعة (4)
وفي حاشية الدسوقي: كلام السيوطي في شرح مسلم يفيد: عدم كفر من كفّر الأربعة، وأنه المعتمد، فيؤدب فقط (5)--------------------------------------------
(1) ابن حجر: فتح الباري: 11/ 42 - 12/ 313
(2) الخرشي: حاشية الخرشي: 8/ 274
(3) ابن حجر الهيثمي: الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة: 1/ 137
(4) ابن عابدين: حاشية ابن عابدين: 6/ 378
(5) الدسوقي: حاشية الدسوقي: 4/ 482
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)
وقال العلامة الرملي: ولا يكفر بسب الشيخين أو الحسن والحسين (1)
وقال العلامة العدوي: من كفر بعضهم ولو الخلفاء الأربعة، فالراجح عدم كفره (2)
الترجيح: نستخلص من مجموع النصوص السابقة ما يلي:
1) أن من أن أنكر صحبة الصديق رضي الله عنه خاصة، فإنه يكفر باتفاق أهل العلم.
وقد نقل الإمام ابن القطان الاتفاق، فقال: من أنكر صحبة أبي بكر فإنه يكفر؛ لأنه تكذيب للقرآن (3) وقد تواردت وتواترت نصوص الأئمة على بيان هذا الحكم.
وهل يلحق بالصديق في إنكار الصحبة بقية الأربعة (عمر وعثمان وعلي)؟
ذهب بعض العلماء إلى أن إنكار صحبة غير أبي بكر الصديق لا يكفر به؛ لأن صحبتهم لم تثبت بالنص، كما ثبتت لأبي بكر الصديق (4).--------------------------------------------
(1) الرملي: نهاية المحتاج: 7/ 416، القليوبي: حاشية القليوبي: 4/ 268، النووي: شرح مسلم: 16/ 326
(2) انظر: العدوي: حاشية العدوي مع شرح الجزشي: 8/ 247، الحطاب: مواهب الجليل: 8/ 386
(3) ابن القطان: الإقناع في مسائل الإجماع: 2/ 353
(4) الرملي: نهاية المحتاج مع حاشية البراملي: 7/ 416
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 162)
قلت: الحكم في التكفير، وإلا فإن من جحد صحبتهم فإنه جاحد مكابر ضال مبتدع، مما ذكرنا من نصوص السنة المستفيضة في إثبات صحبتهم، بل نص بعض أهل العلم: على أن سب واحد منهم من حيث هو صحابي، أنه كفر، لأنه استخفاف بالصحبة فيكون استخفافاً به (1).
2) أن سب الشيخين فيه تفصيل، وهو جمع بين الأقوال، فيقال:
أ. أن من سبّهم سباً يقدح في عدالتهم ودينهم، فهذا يعد كفراً مخرجاً من الملة، لأنه يتضمن تكذيب للأحاديث الشريفة الدالة على فضلهم ومكانتهم وتزكيتهم، ولذا يقول شيخ الإسلام بان تيمية: ومن ظن أن هذا السب لا يعد كفرا فقد خالف الكتاب والسنة والإجماع (2).
وعلى هذا الوجه يُحمل قول الإمام مالك حينما قال: من شتم أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أو عمر أو عثمان أو معاوية أو عمرو بن العاص، فإن قال: كانوا على ضلال وكفر قتل، إن شتمهم بغير هذا من مشاتمة الناس نكل نكالاً شديداً (3).
وقال الإمام ابن كثير: [لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ]: ومن هذه الآية انتزع الإمام مالك رحمه الله في رواية عنه بتكفير الروافض الذين يبغضون--------------------------------------------
(1) الهيثمي: الصواعق المحرقة: 1/ 137
(2) ابن تيمية: الصارم المسلول: 571 - 589، آل عبد اللطيف: نواقض الإيمان: 420
(3) القاضي عياض: الشغال بتعريف حقوق المصطفى: 2/ 1108، آل عبد اللطيف: نواقض الإيمان: 421
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 163)
الصحابة رضي الله عنهم، قال: لأنّهم يغيظونهم ومن غاظ الصحابة رضي الله عنهم فهو كافر لهذه الآية، ووافقه طائفة من العلماء على ذلك (1).
وذكر عند الإمام مالك بن أنس رجل ينتقص الصحابة، فقرأ مالك هذه الآية وقال: من أصبح بين الناس في قلبه غيظ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أصابته هذه الآية (2).
وكذا يحمل ما روي عن الإمام أحمد حينما سئل عمن يشتم أبا بكر وعمر وعائشة، فقال: ما أراه على الإسلام.
وسئل عمن يشتم عثمان، فقال: هذه زندقة، بأن هذا محمول على ما إذا طعن في عدالتهم ودينهم أو استحل سبهم (3)
ب. أن يسبهم سبا لا يقدح في عدالتهم ودينهم، كمن وصفهم بالبخل أو الجبن أو قلة العلم، فهذا يستحق التأديب والتعزير، ولا يحكم بكفره، وعلى هذا الوجه يحمل كلام الأئمة الذين ذهبوا إلى عدم تكفيرهم.
وعليه يُحمل كلام الإمام مالك حينما قال: من سب الصديق جلد، ومن سب عائشة قتل، قيل له: ولم؟ قال: من رماها فقد خالف القرآن. فهذا القول منه رحمه الله يحمل على من سب الصديق سباً لا يقدح في عدالته ودينه.--------------------------------------------
(1) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: 4/ 219
(2) أبو حيان: البحر المحيط: 9/ 503، السيوطي: الإكليل: 3/ 1243
(3) آل عبد اللطيف: مرجع سابق: 416
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 164)
وكذا يحمل كلام الإمام أحمد حينما سئل عمن شتم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أرى أن يضرب، وقال: ما أراه إلا على الإسلام (1)
قلت: ومع ذلك فإن شواهد التاريخ وكلام الأئمة يدل على تسليط سيف الحق على ساب الشيخين:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وكل شيعة علي الذين صحبوه لا يعرف عن أحد منهم أنه قدمه على أبي بكر وعمر لا في فقه ولا علم ولا غيرهما، بل كل شيعته الذين قاتلوا معه عدوه كانوا مع سائر المسلمين يقدمون أبا بكر، طائفة غلت فيه كالتي ادعت فيه الإلهية، وهؤلاء حرقهم علي بالنار، وطائفة كانت تسب أبا بكر، وكان على رأسهم عبد الله بن سبأ، فلما بلغ ذلك طلب قتله فهرب، وطائفة كانت تفضله على أبي بكر وعمر، قال: لا يبلغني من أحد منكم أنه فضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري (2).
وكذا فإن الإمام المقدام علي بن أبي طالب رضي الله عنه بلغه أن ابن السوداء تنقص أبا بكر وعمر، فدعا به وبالسيف، فهمّ بقتله، فكلم فيه فقال: لا يساكني بلداً أنا فيه، فنفاه إلى الشام.
وأن ابن عبد الرحمن بن أبزى سأل أباه عبد الرحمن فيمن سب
أبا بكر ما كنت تصنع به؟ قال: كنت أضرب عنقه، قلت: فعمر،--------------------------------------------
(1) الفضيلات: أحكام الردة: 234
(2) ابن تيمية: الفتاوى الكبرى: 4/ 436
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 165)
قال: أضرب عنقه (1).
وقد بلغ علياً أن رجلاً سب أبا بكر وعمر، فبعث إليه فأتاه، قال: فجعل يعرض له بعيبهما ففطن فقال أما والذي بعث محمداً بالحق، لو سمعت منك بلغني أو ثبتت عليك بينه، لألقيت أكثرك (2).
وقيل لمحمد بن يوسف الفريابي: ما تقول في أبي بكر وعمر؟ قال: قد فضلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أخبرني رجل من قريش أن بعض الخلفاء أخذ رجلين من الرافضة فقال لهما: والله لئن لم تخبراني بالذي يحملكما على تنقص أبي بكر وعمر لأقتلنكما فأبيا، فقدم أحدهم فضرب عنقه، ثم قال للآخر: والله لأن لم تخبرني لألحقنك بصاحبك، قال: فتؤمني؟ قال له: نعم، قال: فإنا أردنا النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا: لا يتابعنا الناس عليه فقصدنا قصد هذين الرجلين فتابعنا الناس على ذلك.
قال محمد بن يوسف: ما أرى الرافضة والجهمية إلا زنادقة (3).
قال الإمام ابن كثير: وفي صبيحة يوم الاثنين الحادي والعشرين منه قتل بسوق الخليل: حسن ابن الشيخ السكاكيني على ما ظهر منه من الرفض الدال على الكفر المحض، شهد عليه عند القاضي شرف الدين المالكي بشهادات كثيرة، تدل على كفره، وأنه رافضي جلد، فمن ذلك تكفير--------------------------------------------
(1) اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة: 7/ 1336، المقدسي: النهي عن سب الأصحاب: 9
(2) المقدسي: النهي عن سب الأصحاب: 9
(3) اللالكائي: مرجع سابق: 8/ 1544
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 166)