وجه الدفع عنه من النبي صلى الله عليه وسلم أسبق، ولذا جاء في رواية: كان بين خالد وابن عوف شيء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعوا لي أصحابي أو أصيحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً لم يدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه).
وعن ابن أبي أوفى قال: شكا عبد الرحمن بن عوف خالداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا خالد لا تؤذ رجلاً من أهل بدر فلو أنفقت مثل أحد ذهباً لم تدرك عمله، فقال: يقعون فيّ فأرد عليهم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تؤذوا خالداً، فإنه سيف من سيوف الله صبه الله على الكفار) (1)
والخطاب في الحديث للجماعة فقال: (لا تسبوا أصحابي .. ) ولذا ذهب بعض أهل العلم إلى أن الحديث لا يدل على أن المخاطب خالد، ولا يبعد أن يكون الخطاب لغير الصحابة، ويدخل فيه خالد، لأنه ممن سب (2)
قال الحافظ ابن حجر معقباً: وغفل من قال: إن الخطاب بذلك لغير (من) الصحابة، وإنما المراد من سيوجد من المسلمين المفروضين في العقل تنزيلاً لمن سيوجد، منزلة الموجود للقطع بوقوعه، ووجه التعقب عليه: وقوع التصريح في نفس الخبر بأن المخاطب بذلك خالد بن الوليد، وهو من الصحابة الموجودين إذ ذاك بالاتفاق.
وقال: ومع ذلك فنهي بعض من أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، وخاطبه بذلك عن--------------------------------------------
(1) انظر: ابن كثير: البداية والنهاية: 77/ 154، ابن حجر: فتح الباري: 7/ 127، العيني: عمدة القاري: 11/ 406
(2) العيني: مرجع سابق: 11/ 406
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 271)
سب من سبقه، يقتضي زجر من لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يخاطبه عن سب من سبقه من باب أولى (1)
ومن أوجه الدفاع عن خالد: ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصدقة، فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس بن عبد المطلب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم (ما ينتقم ابن جميل إلا أن كان فقيراً فأغناه الله، وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً، قد احتبس أدراعه واعتده في سبيل الله، وأما العباس بن عبد المطلب، فعم رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي عليه صدقة ومثلها معها (2).
قال العلامة العيني: ومن فوائد الحديث: الاعتذار بما يسوغ الاعتذار به (3).
ففي الحديث ذكر بعض من منع الصدقة وهم (ابن جميل وخالد بن الوليد، والعباس بن عبد المطلب).
واختلف العلماء في المقصود والمراد من الصدقة:
فقيل: هي الصدقة الواجبة، وقيل: هي صدقة التطوع، وهذا رجحه جماعة من العلماء؛ تحسيناً للظن بالصحابة رضي الله عنهم إذ لا يظن بهم منع الواجب.--------------------------------------------
(1) ابن حجر: مرجع سابق: 7/ 42
(2) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الزكاة باب قول النبي صلى الله عليه وسلم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله (1468)
(3) العيني: عمدة القاري: 6/ 492
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 272)
فعلى هذا القول:
فعذر خالد ظاهر؛ لأنه أخرج ماله في سبيل الله، فما بقي له مال يحتمل المواساة.
والعباس فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " هي علي " وفيه تنبيه على سبب ذلك وهو قوله (إن العم صنو أبيه) تفضيلاً وتشريفاً.
وقيل: معنى: (علي): أي هي عند قرض؛ لأنني استسلفت منه صدقة عامين.
وأما ابن جميل: فقيل: كان منافقاً ثم تاب بعد ذلك، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيراً فأغناه الله ورسوله).
قال الحافظ ابن حجر: وإنما ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه؛ لأنه كان سبباً لدخوله في الإسلام فأصبح غنياً بعد فقره، بما أفاء الله على رسوله وأباح لأمته الغنائم (1).
ولذا فالمعنى: أنه لم يكن له عذر في منعها.
وأما على القول الأول: وهو الذي رجحه المحققون من أهل العلم: أن المقصود بالصدقة في الحديث، هي الصدقة الواجبة، ويدل عليها: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث لها السعاة ولم يكن يبعث السعاة إلا في الصدقة الواجبة.
ومن هنا يتبين وجه الدفاع من النبي صلى الله عليه وسلم عن أصحابه وهو بيّن في--------------------------------------------
(1) ابن حجر: فتح الباري: 3/ 390
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 273)
قوله: (فإنكم تظلمون خالداً) أي: بنسبتكم إياه للمنع، إذ كيف يمنع الفرض وقد تطوع بتحبيس سلاحه وخيله في سبيل الله تعالى.
وقد بيّن العلماء وأفاضوا في سبب منع خالد، واعتذروا له رضي الله عنه وأرضاه (1).
[5] ومن شواهد دفاع الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ودفعه عن أصحابه وأهل بيته، دفعه عن زوجه وحبيبته أم المؤمنين عائشة الصديقة بنت الصديق الطاهرة العفيفة المبرأة من فوق سبع سماوات، ووجوه الدفاع والدفع متعددة:
أ/ أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن هشام عن أبيه قال: كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، قالت عائشة: فاجتمع صواحبي إلى أم سلمة فقلن: يا أم سلمة، والله إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، وإنا نريد الخير كما تريده عائشة، فمري رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأمر الناس أن يهدوا إليه حيث كان، أو حيث ما دار، قالت: فذكرت ذلك أم سلمة للنبي صلى الله عليه وسلم قالت: فأعرض عني، فلما عاد إليّ ذكرت له ذلك فأعرض عني، فلما كان في الثالثة ذكرت له فقال: يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة، فإنه والله ما نزل عليّ--------------------------------------------
(1) انظر: مراجع سابقة: النووي: شرح مسلم: 7/ 61، الفاكهاني: رياض الأفهام: 3/ 330، ابن الملقن: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام: 5/ 78، ابن دقيق: إحكام الإحكام: 2/ 193، السفاريني: كشف اللثام: 3/ 434، العثيمين: تنبيه الأفهام: 3/ 398، البسام: تيسير العلام: 1/ 388
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 274)
الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها (1)
وفي رواية: فإن الوحي لم يأتني وأنا في ثوب امرأة إلا عائشة، فقلت: أتوب إلى الله تعالى.
وفي المسند: فقالت أم سلمة: أعوذ بالله أن أسوءك في عائشة. قال الحافظ ابن حجر: وفي هذا منقبة عظيمة لعائشة رضي الله عنها (2)
وفي روايات هذا الحديث في الصحيح:
ثم إنهن دعون فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تقول: إن نساءك ينشدنك العدل في بنت أبي بكر، فكلمته فقال: يا بُنية: ألا تحبين من أحب؟ قالت: بلى، فرجعت إليهن فأخبرتهن، فقلن: ارجعي إليه، فأبت أن ترجع، فأرسلن زينب بنت جحش، فأتته فأغلظت، وقالت: إن نساءك ينشدنك الله العدل في بنت أبي قحافة، فرفعت صوتها حتى تناولت عائشة وهي قاعدة فسبتها، حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لينظر إلى عائشة هل تكلمه، قال: فتكلمت عائشة ترد على زينب حتى أسكتتها، قالت: فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى عائشة وقال: إنّها بنت أبي بكر (3)
والمقصود من قولهن رضي الله عنهن: ينشدنك العدل: أي يسألنك--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب فضائل الصحابة باب فضل عائشة (3775)
(2) أخرجه أحمد في المسند: انظر: البنا: الفتح الرباني: 22/ 115، ابن حجر: فتح الباري: 7/ 136
(3) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الهبة باب من أهدى إلى صاحبه وتحرى بعض نسائه دون بعض (2581)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 275)
العدل، والمراد به: التسوية بينهن في كل شيء من المحبة وغيرها (1)
قال العلماء: يستفاد من الحديث، أنه لا حرج على المرء في إيثار بعض نسائه بالتحف، وإنما اللازم العدل في المبيت والنفقة، ونحو ذلك من الأمور اللازمة، كذا قرره ابن بطال عن المهلب، وتعقبه ابن المنير، بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك وإنما فعله الذين أهدوا له، وهم باختيارهم في ذلك، وإنما لم يمنعهم النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه ليس من كمال الأخلاق التعرض لمثل هذا، على أن حال النبي صلى الله عليه وسلم يشعر بأنه كان يشركهن في ذلك، ولم تقع المنافسة إلا لكون العطية تصل إليهن من بيت عائشة (2)
وفي رواية الإمام مسلم: قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة: فأحبي هذه، فقامت فاطمة حين سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم (3)
وقول النبي صلى الله عليه وسلم في عائشة (إنّها ابنة أبي بكر) فيه الإشارة إلى كمال فهمها، وحسن نظرها. وقيل: أي إنّها شريفة عاقلة عارفة كأبيها. وقيل: هي أجود فهماً وأدق نظراً منها.--------------------------------------------
(1) قال الإمام النووي: وأما محبة القلب فكان يحب عائشة أكثر منهن، وأجمع المسلمون على أن محبتهن لا تكلف فيها، ولا يلزمه التسوية فيها، لأنه لا قدرة لأحد عليها إلا الله وإنما يؤمر بالعدل في الأفعال. النووي: شرح مسلم: 15/ 216
(2) ابن حجر: فتح الباري: 5/ 246، العيني: عمدة القاري: 9/ 396
(3) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب فضائل الصحابة باب فضل عائشة (2442)، انظر: اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة: 8/ 1512
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 276)
وفي الحديث (فسبتها) تقول عائشة: وأنا أرقب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرقب طرفه هل يأذن لي فيها، قالت: فلم تبرح زينب حتى عرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكره أن انتصر (1).
قال الإمام النووي: اعلم أنه ليس فيه دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لعائشة ولا أشار بعينه، ولا غيرها، ولا يحل اعتقاد ذلك، فإنه صلى الله عليه وسلم تحرم عليه خائنة الأعين، وإنما فيه أنّها انتصرت لنفسها (2).
قال الحافظ ابن حجر: لكن روى النسائي وابن ماجه مختصراً من طريق عبد الله البهي عن عروة عن عائشة قالت: دخلت علي زينب بنت جحش فسبتني، فردعها النبي صلى الله عليه وسلم فأبت، فقال: سبيها فسببتها حتى جف ريقها في فمها. قال: فيمكن أن يحمل على التعدد. وقال العلامة العيني: يحتمل أن تكون هذه قضية أخرى (3).
وروى الإمام أحمد في مسنده: قالت عائشة: ما علمت حتى دخلت عليّ زينب بغير إذن وهي غضبى، ثم قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أحسبك إذا أقلبت لك بنية أبي بكر ذريعتيها، ثم أقبلت إليّ فأعرضت عنها، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: دونك فانتصري فأقبلت عليها حتى رأيتها قد يبس ريقها في فمها--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب فضائل الصحابة باب فضل عائشة (2442).
(2) النووي: شرح مسلم: 15/ 218، ابن حجر: فتح الباري: 5/ 246
(3) ابن حجر: فتح الباري: 5/ 246، العيني: عمدة القاري: 9/ 395
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 277)
ما ترد علىّ شيئاً، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتهلل وجهه (1).
ومعنى قولها: أحسبك إذا أقلبت لك ذريعتيها، أي ساعديها، والمعنى: أنك تسمع لقولها، وتعمل بإشارتها.
قال العلماء: وإنما أذن لها النبي صلى الله عليه وسلم بالانتصار من زينب لكونه رآها زادت في الاعتداء، وعائشة ساكنة لا ترد عليها (2).
وقال الإمام الخطابي: في حديث أبي داود (فنهاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبت فقال لعائشة: سبيها فسبتها فغلبتها: فيه من العلم إباحة الانتصار، بالقول ممن سبك من غير عدوان في الجواب (3).
ومع كل مجريات القصة فإن عائشة أنصفت أم المؤمنين زينب رضي الله عنهن، فقالت مظهرة مزيتها وفضلها: ولم أر امرأة خيرا منها، وأكثر صدقة، وأوصل للرحم، وأبذل لنفسها في كل شيء يتقرب به إلى الله عز وجل من زينب، ما عدا سورة من غرب حد كان فيها توشك منها الفيئة.
والغرب: الحدة، والمعنى: أن جميع خصالها محمودة ما عدا سورة من غرب، والسورة: الثوران وعجلة الغضب، وأما الحدة: فهي شدة الخلق وثورانه، والمعنى: أنّها كانت كاملة الأوصاف إلا أن فيها شدة خلق وسرعة غضب تسرع منها الفيئة، أي الرجوع، أي: إذا وقع منها ذلك رجعت منه--------------------------------------------
(1) أخرجه أحمد في المسند، انظر: البنا: الفتح الرباني: 22/ 114
(2) البنا: الفتح الرباني: 22/ 114
(3) الخطابي: معالم السنن: 4/ 113
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 278)
سريعاً ولا تصرُّ عليه (1).
ب: ومن أعلى أوجه الدفع والدفاع عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من الحبيب المصطفى والنبي المجتبى صلى الله عليه وسلم: ما وقع في حادثة الإفك، وأنه لما خاض في عرضها الخائضون، قام النبي صلى الله عليه وسلم فاستعذر من عبد الله بن أبي وهو على المنبر، فقال: (يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل بلغني عنه أذاه في أهلي، والله ما علمت على أهلي إلا خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً، وما يدخل على أهلي إلا معي) (2).
وجاء في رواية: (أشيروا علىّ في أناس أبنوا أهلي). ومعناه: عابوا أهلي، أو اتّهموا أهلي. قال الإمام ابن الجوزي: أي رموا أهلي بالقبيح.
وقال في رواية: (في قوم يسبون أهلي)، وزاد: (ما علمت عليهم من سوء قط).
يقول الحافظ ابن حجر: ومن فوائد الحديث: استصحاب حال من اتّهم بسوء، إذا كان قبل ذلك معروفاً بالخير، إذا لم يظهر عنه بالبحث ما يخالف ذلك (3).
ولاشك أن في قول النبي صلى الله عليه وسلم في حق عائشة: (ما علمت عن أهلي إلا خيراً)، أن فيه تزكية لعائشة.--------------------------------------------
(1) البنا: الفتح الرباني: 22/ 114
(2) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب المغازي: باب حديث الإفك (4141)
(3) ابن حجر: فتح الباري:7/ 498، 8/ 327 - 337
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 279)
قال الحافظ ابن حجر: وفيه استعمال (لا نعلم إلا خيراً) في التزكية (1)
فالخيرية التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) (2)، تقتضي الوقوف في وجه من يطعن في عرض أهله، والذب والدفاع، وبذل الطاقة والوسع لتبرئتهم.
ولذا تجد في ثنايا قصة الإفك، أن النبي صلى الله عليه وسلم استشار وسأل، فاستشار علياً وأسامة، وسأل الجارية وسأل زينب:
فأما أسامة فقال: أهلك ولا نعلم إلا خيراً.
وأما علي فقال: يا رسول الله، لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك فقالت الجارية لما سئلت، ما رأيت عليها أمراً قط أغمصه غير أنّها جارية حديثة السن تنام من عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله.
وفي رواية قالت: ما علمت عنها إلا ما يعلم الصائغ على الذهب الأحمر، أي: كما لا يعلم الصائغ من الذهب الأحمر إلا الخلوص من العيب.
وفي رواية قالت: والله لعائشة أطيب من الذهب، ولئن كانت صنعت ليخبرنك الله.
يا لها من جارية، أنوار الحكمة فيها سارية، وأقوال الحق والصدق--------------------------------------------
(1) ابن حجر: فتح الباري: 8/ 337
(2) أخرجه الترمذي في جامعه كتاب فضائل الصحابة المناقب باب فضل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم (3904)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 280)
على لسانها جارية رضي الله عنك إذ قلت ما قلت ورفع الله قدرك إذ لأم المؤمنين نصرت، ولكرب النبي صلى الله عليه وسلم فرجت، ولقلوب أبنائها بعده أرحت.
وأما زينب بنت جحش فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلا خيراً (1)
قال الإمام ابن القيم: فإن قيل: فما بال رسول الله صلى الله عليه وسلم توقف في أمرها، وسأل عنها وبحث واستشار، وهو أعرف بالله، وبمنْزلته عنده، وبما يليق به، وهلاّ قال: سبحانك هذا بُهتان عظيم، كما قال فضلاء الصحابة؟
فالجواب: أن هذا من تمام الحكم الباهرة التي جعل الله هذه القصة سبباً لها، وامتحاناً وابتلاء لرسوله صلى الله عليه وسلم، ولجميع الأمة إلى يوم القيامة، ليرفع بِهذه القصة أقواماً ويضع بِها آخرين، ويزيد الله الذين اهتدوا هدى وإيماناً، ولا يزيد الظالمين إلا خساراً، واقتضى تمام الامتحان والابتلاء أن حبس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي شهراً في شأنها، لا يوحى إليه في ذلك شيء، لتتم حكمته التي قدرها وقضاها، وتظهر على أكمل الوجوه، ويزداد المؤمنون الصادقون إيماناً وثباتاً على العدل والصدق، وحسن الظن بالله ورسوله، وأهل بيته والصديقين من عباده، ويزداد المنافقون إفكاً ونفاقاً، ويظهر لرسوله وللمؤمنين سرائرهم منها ومن أبويها، والافتقار إلى الله والذلة له، وحسن الظن به، والرجاء له، ولينقطع رجاؤها من المخلوقين، وتيأس من--------------------------------------------
(1) انظر: ابن حجر: فتح الباري: 7/ 498، 8327 وما بعده، العيني: عمدة القاري: 9/ 396، النووي: شرح مسلم: 15/ 218 وما بعده.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 281)
حصول النصرة والفرج على يد أحد من الخلق، ولهذا وفت هذا المقام حقه، لما قال لها أبويها: قومي إليه، وقد أنزل الله عليه براءتها، فقالت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله، هو الذي أنزل براءتي.
وقال رحمه الله: وأيضاً فكان من حكمة حبس الوحي شهراً، أن القضية محّصت وتمحضت واستشرفت قلوب المؤمنين أعظم استشراف إلى ما يوحيه الله إلى رسوله فيها، وتطلعت إلى ذلك غاية التطلع، فوافى الوحي أحوج ما كان إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته والصديق وأهله وأصحابه والمؤمنون، فورد عليهم ورود الغيث على الأرض أحوج ما كانت إليه، فوقع منهم أعظم موقع وألطفه، وسروا به أتم السرور، وحصل لهم به غاية الهناء.
وأيضاً فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان هو المقصود بالأذى، والتي رميت زوجته، فلم يكن يليق به أن يشهد ببراءتها مع علمه، أو ظنه الظن المقارب للعلم ببراءتها، ولم يظن بِها سوءاً قط، وحاشاه وحاشاها فكان عنده من القرائن التي تشهد ببراءة الصديقة أكثر مما عند المؤمنين، ولكن لكمال صبره وثباته وحسن ظنه بربه وثقته به وفى مقام الصبر والثبات وحسن الظن بالله حقه، حتى جاء الوحي بما أقر عينه، وسر قلبه، وعظم قدره، وظهر لأمته احتفال ربه به، واعتناؤه بشأنه (1).
وما جاء عن علي رضي الله عنه حينما استشاره النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لم يضيق الله--------------------------------------------
(1) ابن القيم: زاد المعاد: 3/ 261 - 263
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 282)
عليك والنساء سواها كثير، لم يكن هذا عداوة ولا بغضاء، ولكن لما رأى انزعاج النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر، وتعلقه به، أراد إراحة خاطره، وتسهيل الأمر عليه. قاله العلامة العيني (1).
وقال الإمام ابن أبي جمرة: ولم يقل ذلك علي كراهية في عائشة، وإنما قصد الأخذ بخاطره صلى الله عليه وسلم فإنه كان شديد الغيرة واعتراه من القلق ماأوجبه أن يشير عليه براحته عنه إما بالطلاق، وإما بالبحث، حتى تتحقق البراءة، ولعلمه أن بريرة لا تعلم من عائشة إلا البراءة المحضة أحال عليها بقوله (وأسال) وفي رواية: وسل الجارية تصدقك: أي: تخبرك بالصدق (2)
وقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن الزهري قال: قال لي الوليد بن عبد الملك، أبلغك أن علياً كان فيمن قذف عائشة؟ قلت: لا، ولكن قد أخبرني رجلان من قومك - أبو سلمة بن عبد الرحمن ، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث - أن عائشة قالت لهما: كان علي مسلماً في شأنها فراجعوه فلم يرجع، وقال: مسلماً بلا شك، وعليه كان في أصل العتيق كذلك (3)
روي قول أم المؤمنين عائشة: " كان علي مسلماً في شأنها " على ثلاثة أوجه:--------------------------------------------
(1) عمدة القاري: 12/ 177
(2) ابن أبي جمرة: مختصر صحيح البخاري ِ: 158
(3) أخرجه البخاري في صحيح كتاب المغازي باب حديث الإفك (4142)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 283)
1 - مسلِّما: بالكسر.
2 - مسلَّما: بالفتح. قال الإمام العيني: والمعنى متقارب، وتعقبه الحافظ ابن حجر وقال: وفيه نظر، فرواية الفتح، تقتضي سلامته من ذلك، وراية الكسر، تقتضي تسليمه لذلك (1).
3 - مسيئاً: يعني من الإساءة: قال الإمام ابن التين: وفيه بُعد.
قال الحافظ ابن حجر: بل هو الأقرب من حيث نقل الرواية. وقال: ويقويه ما رواه ابن مردويه المذكورة بلفظ: " إن علياً أساء في شأني والله يغفر له "، وإنما نسبته إلى الإساءة؛ لأنه لم يقل كما قال أسامة (أهلك ولا نعلم إلا خيراً).
وقال رحمه الله: وقد حرّف بعض من لا خير فيه من الناصبة قول عائشة، تقرباً لبني أمية فبيّن الزهري أن الحق خلاف ذلك، فأخرج يعقوب بن شيبة في مسندة عن الحسن بن علي الحلواني عن الشافعي قال: حدثنا عمي قال: دخل سليمان بن يسار على هشام بن عبد الملك فقال له يا سليمان الذي تولى كبره من هو؟ قال: عبد الله بن أبي، قال: كذبت هو علي، قال: أمير المؤمنين أعلم بما يقول، فدخل الزهري فقال: يا ابن شهاب من الذي تولى كبره؟ قال: ابن أبي، قال: كذبت هو علي، فقال: أنا أكذب لا أبا لك، والله لو نادى مناد من السماء أن الله أحل الكذب ما كذبت، حدثني عروة وسعيد وعبيد الله وعلقمة عن عائشة: أن الذي تولى كبره: عبد الله بن أبي،--------------------------------------------
(1) ابن حجر: فتح الباري: 7/ 501
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 284)
فقال: نحن هيجنا الشيخ (1).
قال الإمام البخاري: فراجعوه فلم يرجع وقال: مسلما بلا شك فيه.
قيل: المراجعة في ذلك وقعت من هشام بن يوسف، وهو الذي أملى من حفظه، ورجحه الحافظ ابن حجر.
وقيل: المراجعة وقعت من الزهري، أي: فراجعوا الزهري، في هذه المسألة فلم يرجع، أي فلم يجب بغير ذلك، وهو قول الكرماني، رجحه العلامة العنيني.
وقول الإمام الزهري، مسلماً لا فيه: أي قال الزهري: قالت عائشة: قال علي بلفظ مسلماً، لا بلفظ مسيئاً (2)
ومع أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، هي المتهمة إلا أن أحداث القصة أظهرت أوجهاً عظيمة لأم المؤمنين في الذب والدفع عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن ذلك:
قالت رضي الله عنها: فانطلقت أنا وأم مسطح فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي حين فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئس ما قلت: أتسبين رجلاً شهد بدراً.
وفي رواية: أن أم مسطح عثرت ثلاث مرات كل ذلك تقول: تعس--------------------------------------------
(1) ابن حجر: مرجع سابق: 7/ 502
(2) مراجع سابقة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 285)
مسطح، وإن عائشة تقول لها " أي أم تسبين ابنك " وأنها انتهرتها في الثالثة، فقالت: والله ما أسبه إلا فيك.
وعند الطبراني: فقلت أتسبين ابنك وهو من المهاجرين الأولين. وفي رواية: فقلت: أتقولين هذا لابنك وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ففعلت مرتين، فاعدت عليها، فحدثتني بالخبر.
وفي هذه المقطوعة بيان فضيلة أهل بدر وشرفهم، ووجوب الذب عنهم، كما فعلت أم المؤمنين، رضي الله عنها، في ذبّها عن مسطح، وهذا هو المنهج النبوي الذي كان قائماً على حسن الظن والذب عن المؤمنين.
وكذا فإن أم مسطح لم تحاب ولدها في وقوعه في حق عائشة، بل تعمدت سبه على ذلك دفاعاً عن عائشة، وهي قالت ما قالته إما عمداً لتتوصل إلى إخبار عائشة بما قيل فيها، وهي غافلة، أو يكون قولها ذلك وقع اتفاقاً، أجراه الله تعالى على لسانِها، لتستيقظ عائشة من غفلتها عما قيل فيها، وهذا فيه فضيلة قوية لأم مسطح (1)
قال الإمام الذهبي: إياك يا جري أن تنظر إلى هذا البدري شزراً؛ لهفوة بدت منه، فإنّها قد غُفرت، وهو من أهل الجنة، وإياك يا رافضي أن تلوّح بقذف أم المؤمنين بعد نزول النص في براءتِها فتجب لك النار (2) لكن ما جرى من أم مسطح مع ابنها كان فعلاً طبيعياً، وردة فعل عادية، تأثراً مع--------------------------------------------
(1) ابن حجر: فتح الباري: 8/ 322 - 338، العيني: عمدة القاري: 9/ 529 - 530
(2) الذهبي: سير أعلام النبلاء: 3/ 78
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 286)
مجريات الحدث.
قال العلامة العيني: وفي الحديث كراهة الإنسان صاحبه وقريبه إذا كان آذى أهل الفضل، أو فعل غير ذلك من القبائح، كما فعلت أم مسطح في دعائها عليه (1).
وأما بعد أم مسطح، فلا وألف لا؛ لأن النبي الأكرم قال: " وما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعلموا ما شئتم فقد غفرت لكم ".
ومن أوجه دفاعها رضي الله عنها، ما قالته في شأن حسان بن ثابت رضي الله عنه الذي خاض مع الخائضين ثم حُدّ، والدليل على خوضه مع قالة الإفك، لما قال:
" حصان رزان ما تزن بريبة … وتصبح غرثي من لحوم الغوافل) فقالت عائشة: لست منهم. تعني: لم تصبح غرثان من لحوم الغوافل، أشارت إلى أنه خاض في الأفك ولم يسلم من أكل لحوم الغوافل. ومع ذلك كانت تنافح عنه وتذب عن عرضه: فعن هشام عن أبيه قال: ذهبت أسب حسان عند عائشة فقالت: لا تسبه فإنه كان ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعن عروة قال: ذهبت لأسب حسان عند عائشة فقالت: لا تسبه، فإنه كان ينافح عن النبي صلى الله عليه وسلم ومعناها: يدافع أو يرامي.--------------------------------------------
(1) العيني: عمدة القاري: 9/ 259
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 287)
قال الحافظ ابن حجر: ووقع في رواية أبي سلمة المذكورة: قالت عائشة: فسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لحسان: (إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله) قالت وسمعته يقول: (هجاهم حسان فشفى وأشفى) (1).
وقال عروة: كانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان وتقول: إنه الذي قال: (فإن أبي ووالدتي وعرضي … لعرض محمد منكم فداء)، وكانت تقول: كان ينافح أو يهاجي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (2)
- وأما صفوان بن المعطل السلمي الذكواني رضي الله عنه فكان صحابياً فاضلاً من سادات المسلمين، أسلم قبل المريسيع، وأول مشاهدة قيل: الخندق، وقيل: المريسيع، وقتل شهيداً، وكان شجاعاً خيراً شاعراً.
روت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وقالت: فبلغ الأمر ذلك الرجل فقال: سبحان الله، والله ما كشفت كنف أنثى قط. والكنف: الثوب الساتر.
واختلف العلماء في حاله:
فقيل: كان حصوراً، لم يكشف كنف أنثى قط، ذكره الإمام ابن العربي، وقد سئل عنه فوجدوه لا يأتي النساء. ولكن قال الحافظ ابن حجر:--------------------------------------------
(1) ابن حجر: فتح الباري: 6/ 639 - 640
(2) ابن حجر: فتح الباري: 8/ 344
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 288)
ما جاء عن ابن إسحاق: أنه كان حصوراً، لم يثبت.
وقيل: كان متزوجاً: كان له زوجة. أخرجه أبو داود والبزار، وقال البزار: هذا الحديث كلامه منكر، وليس للحديث عندي أصل.
وخالفه الحافظ ابن حجر وذكر متابعة للحديث وقال: وهذه متابعة جيدة تؤذن بأن للحديث أصلاً.
واختلف العلماء في الحديثين:
فمنهم من ضعف حديث أبي داود والبزار، لأنه مخالف لحديث عائشة في قوله: " والله ما كشفت كنف أنثى قط ".
ومنهم من أوّل قول صفوان " والله ما كشفت كنف أنثى قط " أي: بالزنا، ورد الحافظ ابن حجر وقال: وفي نظر؛ لأنه جاء في رواية: إن الرجل الذي قيل فيه ما قيل، لما بلغه الحديث، قال: والله ما أصبت امرأة قط حلالاً ولا حراماً.
ومنهم من حمل النفي المذكور، على ما قبل قصة الإفك، وأنه لا مانع أن يتزوج بعد ذلك (1).
ما أجملها من كلمات، وأشرفها من تزكيات:"ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عنه إلا خيرا ".--------------------------------------------
(1) ابن حجر: فتح الباري: 7/ 316، العيني: عمدة القاري: 9/ 251، الذهبي: سير أعلام النبلاء: أعلام النبلاء: 3/ 497، ابن كثير: البداية والنهاية: 8/ 139
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 289)
وها هو النبي الأكرم عليه الصلاة والسلام: يوصي عليا رضي الله عنه في حياته، بأم المؤمنين عائشة فيقول لعلي: إنه سيكون بينك وبين عائشة أمر، فقال: أنا يا رسول الله، قال: نعم، قال: فأنا أشقاهم يا رسول الله، قال: لا، ولكن إذا كان ذلك فارددها إلى مأمنها (1).
وكان ما كان من أحداث معركة الجمل، ثم ردها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، إلى المدينة معززة مكرمة رضي الله عنها وأرضاها.
[6] ومن أوجه الدفاع عن الصحابة من النبي الأكرم عليه أفضل الصلاة والسلام:
ما أخرجه الإمام البخاري ومسلم عن علي، قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا مرثد والزبير - وكلنا فارس - قال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بِها امرأة من المشركين معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين، فأدركناها تسير على بعير لها، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا الكتاب، فقالت: ما هنا كتاب، فأنخناها، فالتمسنا فلم نجد كتابا، فقلنا: ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لتخرجن الكتاب أو لنجردنك، فلما رأت الجد أهوت إلى حجزتها، وهي محتجزة بكساء فأخرجته، فانطلقنا بِها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: يا رسول الله قد خان الله ورسوله والمؤمنين، فدعني لأضرب عنقه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم (ما حملك على ما صنعت؟ قال حاطب: والله مالي إلا أن أكون مؤمناً بالله ورسوله، أردت أن تكون لي عند القوم يد، يدفع الله بِها عن أهلي ومالي، وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته ما يدفع--------------------------------------------
(1) أخرجه أحمد في المسند: انظر: البنا: الفتح الرباني: 23/ 137
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 290)