وعند أركون الحداثة في الفكر الفرنسي والألماني تعني أولا وقبل كل شيء الموقف الفلسفي من الوجود (1).
وقال كمال عبد اللطيف في التفكير في العلمانية (37) بعد تأكيده على أن العلمانية تعني رفض هيمنة المقدس (أي: الدين) على الحياة، وهي بديل عنه، قال: وقد ارتكز المفهوم في سياق تطوره الفكري إلى قاعدة فلسفية كبيرة، هي قاعدة المعتقد الليبرالي، هذه القاعدة التي تسلم بأولوية الإنسان الفرد في الوجود، كما تسلم بالقيمة المطلقة للحرية، وتعتقد بالأهمية اللانهائية لقدرات العقل الإنساني.
وعرفها عاطف أحمد بقوله: موقف معرفي يتسم بالتعامل مع أمور الواقع البشري والطبيعي بعقل مستقل يستمد معطياته من خبرتنا بالواقع ذاته خارج أية هيمنة لأية سلطة معرفية أخرى تعتبر نفسها فوق بشرية. الإسلام والعلمنة (15).
أي بعبارة أوضح: إقصاء الدين من أي تدخل في شؤون الحياة وإحلال العقل محله.
وعرفها بعضهم بأنها التخلي عن كل سند ديني أو غيبي أو ميتافيزيقي، وجعل الإنسان يعتمد على نفسه (2).--------------------------------------------
(1) قضايا في نقد العقل الديني (99).
وانظر العلمانية مفاهيم ملتبسة (76 - 265).
(2) العلمانية تحت المجهر (66).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
وعرفها هبة رؤوف عزت في المرأة والدين والأخلاق (170 - 172) بأنها نزع القداسة عن كل ما هو مقدس وإخراج المطلق من المنظومة المعرفية وسيادة النسبية (1).
وعرفها توماس فورد هلت في معجم علم الاجتماع المعاصر بأنها منظومة متكاملة تحتوي على ميتافيزيقا واضحة ورؤية شاملة للكون (2).
وفي المعجم نقلا عن للاري ساينر أن للعلمانية استخدامات:
1 - انحسار الدين وتراجعه (الرموز والعقائد والمؤسسات تفقد هيمنتها ونفوذها).
2 - الفصل بين المجتمع والدين.
3 - التركيز على الحياة المادية في الوقت الراهن بدلا من مستقبل روحي.
4 - اضطلاع منظمات غير دينية بالوظائف الدينية.
5 - اختفاء فكرة المقدس.
6 - إحلال المجتمع العلماني محل المجتمع المقدس (3).
وجعل الطعان بعد تحليل طويل في كتابه العلمانيون والقرآن الكريم (130) العلمانية في المنظور الغربي: هي التحرر من الأديان عبر السيرورة التاريخية، واعتبار الأديان مرحلة بدائية لأنها تشتمل على عناصر خرافية--------------------------------------------
(1) العلمانيون والقرآن (274).
وعند مراد وهبة في ملاك الحقيقة (29): التفكير في النسبي بما هو نسبي وليس بما هو مطلق.
(2) العلمانية تحت المجهر للمسيري (62).
(3) العلمانية تحت المجهر (62 - 63).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
كالماورائيات والغيبيات، ولا يتم الخلاص من هذه الأعباء إلا عن طريق تحقيق النضج العقلي الذي تحققه العلمنة عبر آلياتها الثقافية والفكرية والفلسفية.
وعرفها كذلك (281) بأنها أنسنة الإلهي وتأليه الإنساني.
وعرفها محمود أمين العالم العلماني المصري بأنها ليست مجرد فصل الدين عن الدولة، وإنما هي رؤية وسلوك ومنهج.
وهي عند علماني آخر هو جلال أمين منظومة شاملة ورؤية للكون (الطبيعة والإنسان) تستند إلى ميتافيزيقا مسبقة، تطرح إجابات عن الأسئلة النهائية الكبرى، والعلمانية رؤية للكون تضم إيديولوجيات مختلفة (1).
إذن فالعلمانية حسب جلال أمين رؤية للكون تضم إيديولوجيات مختلفة (2).
بينما جعل المسيري (3) للعلمانية مفهومين:
1 - العلمانية الجزئية: وهي المعبر عنها بفصل الدين عن الدولة، أي فصل الدين عن عالم السياسة، وربما الاقتصاد، وربما بعض الجوانب الأخرى--------------------------------------------
(1) العلمانية تحت المجهر (109)، وزاد: ولكن هذا المسار يتجه في واقع الأمر نحو الغرب، فالنموذج الغربي في التنمية هو المثل الأعلى المطلوب احتذاؤه … كل هذا يعني في واقع الأمر أن العلمنة هي شكل من أشكال التحديث والتغريب (التحديث في الإطار الغربي المادي) وكل هذا يتم تحت شعار العالمية والحياد والموضوعية.
(2) تزعم العلمانية متمثلة في أهم نزعاتها، اللبرالية والماركسية أن آراءها هي ثمرة تقدم العقل البشري وأنها النتاج العلمي والطبيعي أو الاجتماعي للعالم، وهو نتاج عالمي محايد، مجرد عن الأحكام القيمية والميتافيزيقية، لا يحمل بصمات ثقافية أو حضارة بعينها. العلمانية تحت المجهر (109).
(3) العلمانية تحت المجهر (121). والعلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة (197 - 220).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
من الحياة العامة، وهي تلزم الصمت بشأن المجالات الأخرى من الحياة، ولا تنكر وجود مطلقات وكليات أخلاقية وإنسانية، وربما دينية.
2 - العلمانية الشاملة، وهي رؤية شاملة للعالم ذات بعد معرفي (كلي ونهائي).
وهي ترى أن مركز الكون كامن فيه غير مفارق أو متجاوز له، وأن العالم بأسره مكون من مادة واحدة، ليست لها قداسة ولا تحوي أية أسرار. وفي حالة حركة دائمة لا غاية لها ولا هدف ولا تكترث بالخصوصيات أو التفرد أو المطلقات أو الثوابت.
فلا يوجد فيها مجال لسوى حيز واحد هو الحيز الطبيعي/ المادي، ويتفرع عن هذه الرؤية منظومات معرفية، الحواس والواقع المادي مصدر المعرفة … ويتفرع عنها:
- رؤية أخلاقية:
المعرفة المادية هي المصدر الوحيد للأخلاق، وبما أن المادة في حالة حركة دائمة، لا يوجد أية قيم أخلاقية ثابتة.
- ورؤية تاريخية:
فالتاريخ يتبع مسارا واحدا، وإن اتبع مسارات مختلفة، فإنه سيؤدي في نهاية الأمر إلى النقطة النهائية نفسها.
- ورؤية للإنسان:
فالإنسان جزء لا يتجزأ من طبيعة المادة، ليس له حدود مستقلة تفصله عنها، وهو كائن ليس له وعي مستقل خاضع للحتميات المادية المختلفة، غير
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
قادر على التجاوز والاختيار الأخلاقي الحر، أي أنه يتم تفكيكه وتسويته بالكائنات الأخرى. فمرجعيته النهائية مادية كامنة، وهو إنسان يتم اختزاله إلى بعد واحد (البعد المادي).
والحاصل كما يرى المسيري أن العلمانية الشاملة ليست مجرد فصل الدين عن الدولة، أو عما يسمى الحياة العامة، وإنما هي فصل لكل القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية (المتجاوزة لقوانين الحركة المادية والحواس) عن العالم، أي عن كل الإنسان (في حياته العامة والخاصة) بحيث يصبح العالم مادة نسبية لا قداسة لها.
وعرف المسيري في ندوة لندن حول سقوط العلمانية والتحدي الإسلامي (يونيو 1994) بأنها فصل كل المطلقات الأخلاقية والمعرفية والإنسانية عن الدنيا، بحيث تصبح كل الأمور نسبية، والتعبير الفلسفي لذلك هو: إن العلمانية تعني أن العالم مكتف بذاته، وأنه يحوي داخله كل ماهو ضروري لإدراكه والإفادة منه، وأن عقل الإنسان قادر على فهم كامل للطبيعة وعلى تحقيق السيطرة التامة عليها، وهو قادر وحده على إدارة العالم وتأسيس نظمه المعرفية والأخلاقية، وليس بحاجة إلى أي شيء آخر خارج النظام الطبيعي المادي وفي هذه الحالة تصبح مرجعية الإنسان كامنة في ذاته (1).
من هنا ذهب المسيري إلى أن العلمانية الشاملة والامبريالية صنوان، لأسباب ذكرها في كتابه (2).
وأهم تلك الأسباب:--------------------------------------------
(1) المفترون (251).
(2) العلمانية تحت المجهر (124).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
1 - الإنسان الغربي بدأ مشروعه التحديثي بالنزعة الإنسانية التي همشت الإله ووضعت الإنسان في مركز الكون، إلا أنها شأنها شأن أية فلسفة مادية ترى أن الإنسان هو إنسان طبيعي/ مادي، يضرب بجذوره في الطبيعة/ المادة، لا يعرف حدودا أو قيودا، ولا يلتزم بأية قيمة معرفية أو أخلاقية، فهو مرجعية ذاته، ولكنه في الوقت نفسه يتبع القانون الطبيعي ولا يلتزم سواه، ولا يمكن تجاوزه.
2 - إنه بدلا من مركزية الإنسان في الكون تظهر مركزية الإنسان الأبيض، وبدلا من الدفاع عن مصالح الجنس البشري بأسره يتم الدفاع عن مصالح الجنس الأبيض.
وبدلا من ثنائية الإنسان الطبيعية/ المادة، وتأكيد أسبقية الأول على الثاني، تظهر ثنائية الإنسان الأبيض في مقابل الطبيعة/ المادة وبقية البشر الآخرين، وتأكيد أسبقيته وأفضليته عليهم، وبدلا من الاحتكام للقيم الإنسانية تستخدم القوة ويصبح هم هذا الإنسان الأبيض هو غزو الطبيعة المادية والبشرية وحوسلتها (1) وتوظيفها لحسابه واستغلالها.
كل هذا دفع المسيري إلى القول بأن العلمانية الشاملة هي النظرية، والامبريالية هي الممارسة.
وقد تابعه على هذا الرأي الطعان في دراسته. ويؤكد ذلك أن العلمانية لما هيمنت على الحياة والمجتمعات والدول في القرن التاسع عشر سال لعابها على قهر المجتمعات والدول الضعيفة، فاكتسح العلمانيون والحداثيون دول أوروبا وآسيا وعاثوا فيها فسادا ونهبا وقتلا وتشريدا وتجويعا وإبادة جماعية. فالثورة الفرنسية مثلا التي نادت بالحرية والإخاء والمساواة هي التي أرسلت جيوشها الاستعمارية لقهر الآخر وإذلاله واستعباده.
إذن العلمانية فلسفة لها نظرة معينة للكون والإنسان والمستقبل.
لهذا وصف المفكر الأمريكي اليهودي العلمانية بأنها رؤية دينية، لأنها تحتوي على مقولات عن وضع الإنسان في الكون وعن مستقبله لا يمكن تسميتها علمية، ذلك لأنها مقولات ميتافيزيقية لاهوتية.
وفي هذا الدين (العلماني) يصنع الإنسان نفسه أو يخلقها (تأليه الإنسان) كما أن العالم ليس له معنى يتجاوز حدوده، وبوسع الإنسان أن يفهم الظواهر الطبيعية وأن يتحكم فيها وأن يوظفها بشكل رشيد لتحسين الوضع الإنساني (2).
وقد قارب فهمي هويدي تقسيم المسيري العلمانية إلى جزئية وشاملة، فقسمها إلى معتدلة ومتطرفة (3).
وعند هويدي العلمانيون المتطرفون ليسوا ضد الشريعة فحسب، بل ضد العقيدة أيضا، ولذا فهم يعتبرون الإسلام مشكلة يجب حلها بالانتهاء منها وتجفيف ينابيعها لاستئصالها.
وزعم أن المعتدلين ليس لديهم مشكلة مع العقيدة، فهم يعتبرون أن الدين الإسلامي حالة يمكن التعايش معها.--------------------------------------------
(1) أي: جعلها وسيلة.
(2) العلمانية تحت المجهر (244).
(3) المفترون (6 - 267 - 269 - 270) والعلمانية تحت المجهر والعلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة (122).
وقد أنكر عدد من العلمانيين وجود علمانية متطرفة، منهم أحمد عصيد. قدر العلمانية في العالم العربي (171).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
ويرى هويدي ضرورة القبول بشرعية التيار المعتدل المتصالح مع الدين.
وادعى هويدي والمسيري أن التيار المعتدل قابل للتعايش والحوار بخلاف الآخر.
ولي وقفة تصحيحية مع هذا الرأي فيما بعد إن شاء الله، وإن تحمس له المسيري وحكاه المسيري عن القرضاوي والعوا وطه جابر العلواني وجماعة سماهم التيار الإسلامي الأساسي (1).
لكني أشير إشارة إلى ما يلي: هذه الدعوة التي أطلقها هويدي وآخرون لا تعدو أن تكون شعارا لإبداء حسن النوايا فقط، أو بالأحرى للتظاهر بمظهر الاعتدال والوسطية، أو طلب ود التيار العلماني ومغازلته، لسبب بسيط هو عدم وجود ما أسماه التيار المعتدل داخل العلمانية باعترافهم هم.
وإلا فليخبرنا مَنْ مِن رموز العلمانيين الكبار هو معتدل؟ هل القمني الذي يقول بتضمن القرآن للأساطير والخرافات ويسخر من أحكام الشريعة؟ أم أبو زيد الذي يقول بأن القرآن منتج ثقافي؟ أم حسن حنفي الذي هدم أصول الإسلام كلها باسم التجديد؟ أم أركون المشكك في القرآن والسنة؟ أم طيب تيزيني؟ أم فرج فودة؟ أم فؤاد زكريا؟ أم غيرهم؟ ثم على فرض وجود معتدل، فالجميع يقف في صف واحد وفي خندق واحد في السراء والضراء، ويناصر بعضهم بعضا. وكم من عرائض كتبها مختلف العلمانيين دفاعا عن القمني وأبي زيد وعشرات غيرهم.
وزعم عمارة أن الخلاف مع من سماهم تيار العلمانيين الوطنيين والقوميين خلاف في الفروع لا في الأصول، وبين أنهم من يرفضون تبني الدولة للإسلام (2).--------------------------------------------
(1) لا ندري ماذا يقصد بالأساسي؟ يعني هو ومن معه الأساسي وغيرهم من الإسلاميين ثانوي!.
(2) الحوار بين الإسلاميين والعلمانيين (14 - 15).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
وزاد أن العلمانيين لابد أن يساهموا في نهضة الأمة (1).
وفي اعتقادي أن العلمانية المعتدلة أو الجزئية هي قنطرة العلمانية المتطرفة أو الشاملة (2).
وقد مرت العلمانية الغربية بهذا المسار.
وثانيا: لا توجد حدود فاصلة بين هذه وتلك، ونسأل هنا فهمي هويدي: وماذا إذا أنكرت العلمانية عقيدة واحدة لا العقيدة جملة، هل هي معتدلة تقبل التعايش أم متطرفة لا سبيل معها إلى التعايش معها.
وثالثا: الذي يعترض على كل أحكام الشريعة مثله من يعترض على قسم منها.
فما سموه بالتيار العلماني المعتدل لا يرى تحكيم الشريعة في السياسة ولا في الاقتصاد، وأي فرق بين هذا وبين من يلغي الشريعة جملة وتفصيلا.
وهذا علماني يؤكد على أنه لا توجد علمانية معتدلة وأخرى راديكالية وأن العلمانية شيء واحد، إما أن تؤخذ كاملة أو تترك كاملة، إنه شاكر النابلسي (3).
الخلاصة:
نخلص بعد هذا إلى استنتاج الأسس التي تقوم عليها العلمانية:
1 - الرؤية المادية، وإنكار كل ما وراء المادة.--------------------------------------------
(1) نفس المرجع (18).
(2) وقد مر مفهوم العلمانية بتطور مفاهيمي. انظر العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة (232).
(3) العلمانية مفاهيم ملتبسة (145).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
2 - تنحية الغيب والميتافيزيقا.
3 - نزع القداسة عن المقدس.
4 - العقلانية المطلقة.
5 - النسبية المطلقة.
6 - فصل الدين عن الحياة، وإلغاؤه تماما من المنظومة المعرفية أو السلوكية (1).
من هنا يتضح أن العلمانية مذهب إلحادي. ولهذا فدائرة المعارف البريطانية لما ذكرت الإلحاد قسمته إلى قسمين:
1 - إلحاد نظري.
2 - وإلحاد عملي.
وذكرت الفلسفة العلمانية ضمن الإلحاد العملي (2).
ولما ناقش مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورته الحادية عشر بالمنامة في مملكة البحرين، من 25 - 30 رجب 1419هـ، الموافق 14 - 19 تشرين الأول (نوفمبر) 1998م. أصدر قرارا رقم: 99 (2/ 11) في قضية العلمانية جعلها مذهبا إلحاديا. ومما جاء فيه: إن العلمانية نظام وضعي يقوم على أساس من الإلحاد يناقض الإسلام في جملته وتفصيله، وتلتقي مع الصهيونية العالمية والدعوات الإباحية والهدامة، لهذا فهي مذهب إلحادي يأباه الله ورسوله والمؤمنون. انتهى.--------------------------------------------
(1) العلمانيون والقرآن (275).
(2) انظر العلمانية في الإسلام (14).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
نعم قد يوجد من العلمانيين من ليس ملحدا نظريا، لكنه يقصي الدين والمفاهيم الدينية عن كل مجالات الحياة. لأن الدين في نظره كان تعبيرا زمنيا عن أوضاع اجتماعية معينة قبل تمكن العقل البشري من فهم آليات الكون وتفاعلاته المختلفة.
واتضح من خلال كل ما تقدم أن العلمانية ليست مجرد تحكيم العقل كما يدعي بعض العلمانيين (1)، بل هي منظومة فلسفية، لها رؤية للكون والمستقبل، ولهذا سمى أتباع روبرت أدين العلمانية بالدين العقلاني (2).
فالعلمانية كما قال بعض الباحثين لا تكتفي بتحرير الدولة أو الفضاء السياسي عامة من سيطرة الدين بقدر ما تعمل على إحلال دين علماني وثوقي محل الديانات القائمة، أي: فرض رؤية دهرية وغرس قيم وسلوكيات علمانية صلبة تحل محل التصورات والقيم الدينية بقوة الدولة وأجهزتها الإيديولوجية العنيفة.
وهي حسب المسيري: رؤية عقلانية مادية ترى العالم في إطار مرجعية مادية كامنة فيه، فالعالم يحوي داخله ما يكفي لتفسيره، والعقل قادر على--------------------------------------------
(1) الإلحاد في الغرب لرمسيس عوض (251). نقلا عن العلمانيون والقرآن الكريم (128).
لكن المشكلة لا تكمن في استخدام العقل أو عدم استخدامه، وإنما في نوع العقل الذي يستخدم (عقل مادي أداتي أم عقل قادر على تجاوز المادة؟) وفي الإطار الكلي الذي يتحرك فيه هذا العقل والمرجعية النهائية التي تصدر عنه كما قال المسيري في العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة (287).
(2) في العلمانية والدين والديمقراطية (43 - 44).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
استخلاص القوانين التي تلزمه لإدارة حياته (1). فليس في حاجة إلى قوى غيبية لإرشاده وهدايته.
وليست -كما يرى عزيز العظمة- واقعا تاريخيا موضوعيا وعالميا في آن (2). يريد أن يجعلها حتمية موضوعية وينفي تاريختها.
وفي ختام هذا المبحث هذا تعريف شامل حسب تصوري للعلمانية:
هي رؤية عقلانية مادية شاملة للإنسان والكون وفلسفة عامة للحياة تؤمن بقدرة العقل البشري المطلقة على فهم الطبيعة والسيطرة عليها، وتقوم على فصل كل الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية عن القيم الدينية والأخلاقية، وإنكار كل ما وراء المادة وتنحية الغيب والميتافيزيقا ونزع القداسة عن المقدس.--------------------------------------------
(1) العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة (197).
(2) العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة (94).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
مظاهر العلمانية
قدمت أن العلمانية فلسفة للوجود بكل مكوناته وتنوعاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية وغيرها، وليست محصورة في فصل الدين عن السياسة.
فالعلمنة السياسية «ليست إلا جزءا لا يتجزأ من علمنة حقول أخرى كثيرة تراهن على إدخالها حركة العلمنة، بما في ذلك حقول الاقتصاد والثقافة العامة والتشريع إلى جانب مجالات التعبير الجمالي والفني، فالرهان العلماني يتجاوز في نهاية المطاف الجانب الحصري الذي يخص علاقة الدولة بالجهاز الديني ليطال مجالات أوسع وأشمل» (1).
ومن مظاهر العلمنة في مجالات الحياة المختلفة:
1 - في المعرفة والفكر والفلسفة.
تؤمن العلمانية بالمادة، ولا شيء وراء المادة (2).
وأما الدين فلا مكان له هنا لأنه يعتمد في أصوله على مقومات غيبية وخرافية، ولا يوجد شيء مقدس إلا ما دلت عليه التجربة. وما عداه محض خرافات. وليس من هم العلمانية التطلع للآخرة، لأنها غيبيات أسطورية، بل--------------------------------------------
(1) في العلمانية والدين والديمقراطية (133) بتصرف.
(2) تحدث عزيز العظمة في العلمانية تحت المجهر (162) عن علمانية المعرفة، لاستنادها إلى الطبيعة والتاريخ لا الكتب المقدسة.
وتحدث في مكان آخر (91) عنها بوصفها تقوم على نفي الأسباب الخارقة عن الظواهر الطبيعية والتاريخية، أي: الاكتفاء بالأسباب المحسوسة المادية وقوانين الحركة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
محورها المركزي والوحيد هو هذه الحياة الدنيا. ولهذا السبب عرف بعضهم العلمانية بالدنيوية (1).
2 - العلمانية في السياسة:
فصل الدين عن السياسة واعتماد القوانين الوضعية والتشريعات الإنسانية، وإبعاد كل اعتبار ديني.
فليس من شرط الرئيس أو الأمير أو الحاكم أو من دونه أن يكون عدلا تقيا، بل ولا مسلما. لأن هذه اعتبارات دينية.
وليس من شرط الدولة الدفاع عن الإسلام ولا إقامة الشعائر ولا الدفاع عن الهوية الإسلامية. بل الدين في نظر العلمانية شيء شخصي، متعلق بالضمير من أحب أن يكون مسلما أو نصرانيا أو يهوديا فله ذلك.
3 - العلمانية في الاقتصاد:
تسن القوانين والتشريعات والضوابط الاقتصادية بعيدا عن الدين.
ولا مكان في العلمانية للحديث عن تحريم الربا والاحتكار والميسر وغير ذلك، ولا مكان لإيجاب الزكاة، لأنها معاملات ذات صبغة دينية، والدين لا دخل له في شؤون الدولة حسب المعتقد العلماني.
ويدور الاقتصاد العلماني على الربح والمنفعة، ولا يَهُم بما تحقق سواء بخمور أو ربا أو ميسر أو أفلام إباحية، أو دور دعارة، أو حتى أسلحة للعصابات المسلحة، ولا اعتبار لأية كوابح دينية.--------------------------------------------
(1) في معجم علم الاجتماع المعاصر: العلماني معناه: الدنيوي أو غير الروحي، أو غير الديني. العلمانية تحت المجهر (60).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
بل حتى الشواذ إذا أدوا الضرائب المفروضة فلا مانع من فتح دور للدعارة خاصة بهم، والدين لا دخل له في كل هذه التشريعات.
4 - العلمانية في المواطنة:
الوطن القومي في العلمانية هو معيار المواطنة بغض النظر عن الدين. ويجب إبعاد مفهوم الأمة الإسلامية (1) أو الوحدة الإسلامية لقيامها على أسس دينية، وهو ما لا ترضاه العلمانية. لأن أساس الولاء هو الوطن، والدين أَيُّ دين مسألة شخصية (2).
5 - العلمانية في التربية والأخلاق:
تقوم فلسفة العلمانية بخصوص الأخلاق على إبعاد الدين والمقدسات عن مجالاتها، واعتبار الأخلاق انعكاسا للأوضاع الفكرية والاقتصادية العامة، فلكل عصر أخلاقه وفنونه. فليس هناك قيم مطلقة لا تاريخية.
فما كان ممنوعا بالأمس ليس بالضرورة أن يكون ممنوعا الآن.
فالشذوذ الجنسي أو زنا المحارم لا ترى العلمانية به بأسا إذا كان بالتراضي، لأنه ممارسة للحرية المطلقة التي ما جاءت العلمانية إلا لتحقيقها.
ونظام الإرث نظام إقطاعي استغلالي للمرأة يجب تجاوزه.--------------------------------------------
(1) لا ينبغي الحديث عن أمة إسلامية ونحوها عند عادل الجندي. قدر العلمانية في العالم العربي (126).
(2) جعل عزيز العظمة في العلمانية تحت المجهر (162) علمانية المكان باعتبار قومي للمكان وللوطن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
وكل القيود والأحكام الشرعية المتعلقة بالمحرمات كالصور الخليعة والأفلام الجنسية الماجنة، وتبرج المرأة والخلوة بها اعتداء على الحرية الشخصية للأفراد في نظر العلمانية.
وبالجملة تربط الأخلاق بالتاريخ والزمن لا بالثوابت كما سنبسط هذا في فصل خاص في الكتاب الثاني إن شاء الله.
6 - العلمانية في الاجتماع:
النظم الاجتماعية تستمد من الفلسفات والبحوث في علم الاجتماع لا من الدين، بمعنى أن نُظم الأسرة والزواج والطلاق في شكلها الديني لا مكان لها في العلمانية، ويجب سن مفاهيم حديثة لا ترتبط بنظام الأسرة التقليدي القائم على سيطرة الأب، قال مورو بيرجر في «العالم العربي اليوم»: يجب أن يوضع في الحسبان نقطتان رئيستان: الأولى: أن يعمل على تقليل سلطة الأب على أولاده ليمكن أن تحمل الأسرة العربية كل طبيعة الحياة الغربية.
النقطة الثاني: ضرورة تأسيس حكومات عسكرية في البلاد العربية للقيام بالإصلاح الاقتصادي والاجتماعي وتطبيق علم الاجتماع بنظرياته (1).
7 - العلمانية في الإعلام:
للإعلام الحرية المطلقة في عمله ولا خطوط حمراء له، سواء تعرض للمقدسات أو الأديان أو الرموز الدينية. ولا ضير في إجراء تحقيق مع الشواذ والعاهرات والإشادة بهم، وعقد جلسات حوارية معهم، وفسح المجال أمامهم للتعبير عن آرائهم، ولا ضير في عرض الأفلام الإباحية أو رجل يقبل امرأة أو--------------------------------------------
(1) تهافت العلمانية (31).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
يجامعها، فالتقزز من هذه المناظر إنما هو من رواسب المؤثرات الدينية، أما في دين العلمانية فتلك ممارسة للحرية الشخصية وإبداع فني لا علاقة له بالدين.
ولا مانع من إظهار الساقطين خلقيا كرموز وطنية وقادة وقدوة للجماهير.
ولا مانع كذلك من نقد الأحكام الشرعية، بل نقد القرآن والسنة والأنبياء، وربما الاستهزاء بهم، لأن كل هذا لا يعدو ممارسة للحرية الشخصية، والدين مكانه المسجد، وحرية التعبير مكفولة للجميع.
8 - العلمانية في الرياضة:
ترى العلمانية أنه يجب إقصاء الدين من تحجيم حرية الرياضيين أو تعكير صفاء مزاجهم، كالحديث عن العري والفضيلة والحشمة والرذيلة، فكل هذه عقائد دينية لا دخل لها في الرياضة، فلا ضير على الشابة في السباحة، أو لاعبة كرة المضرب أو ألعاب القوى من لبس ثوب صغير، يبدي العورة أو لا يبديها لا يهم، فالعورة وأحكام سترها من مخلفات سيطرة الدين على المجتمعات.
9 - العلمانية في الفن:
لا دخل للدين في الفن، فمشاركة المرأة في فلم شبه عارية يضاجعها رجل في الفراش ويقبلها لا تعدو أن تكون عروضا فنية من جهة، ومن جهة أخرى فالحرية الشخصية مكفولة للجميع.
والحديث عن أن هذا حرام أو تفسخ أخلاقي أو أفلام إباحية فحديث ديني بال، يعود للقرون الوسطى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
10 - العلمانية في القانون:
تسن القوانين الضرورية لإدارة الحياة المدنية والجنائية والدستورية من قبل مجلس منتخب، وإبعاد أي صلة للدين بهذه القوانين.
ولا يهم وافقت هذه القوانين الشريعة الإسلامية أم خالفتها.
وأما أحكام الشريعة فيجب تجاوزها وتخطيها وإلغاؤها لتاريخيتها وكونها كانت تعبيرا عن أوضاع معينة كما يرى أركون ونصر أبو زيد والقمني وعبد المجيد الشرفي والعشماوي وغيرهم.
وزاد العشماوي فاختزل الإسلام في مجموعة من الوصايا الأخلاقية التي يمكن أن تحل محلها وصايا الإنجيل (1).
وسيأتي معنا لاحقا كلام أبي زيد في تاريخية القرآن، وكونه منتجا ثقافيا أفرزته ثقافة الواقع العربي، وبالتالي كان صالحا لتاريخ نزول هذه الأحكام.
ولا يظن أن العلمانية لا تمانع من أن يحتكم الناس للدين في الأحوال الشخصية، بدليل أن العلمانية الغربية التي هي أم العلمانيات لا دخل للدين في الأحوال الشخصية عندها، من زواج وطلاق وميراث.
بل حتى تركيا لا تسمح للإسلام بإدارة الأحوال الشخصية، وتقرب منها تونس، وحاول العلمانيون في المغرب تحقيق هذا الهدف عبر حملتهم المسعورة: إدماج المرأة في التنمية، فرد الله كيدهم في نحرهم.
ومن سمح بذلك من العلمانيين فهو إما جاهل بحقيقة العلمانية أو لبقايا إيمانية في قلبه، أو مجاملة وقتية، لأن أصل العلمانية يمنع الدين من التدخل في--------------------------------------------
(1) وانظر الشريعة الإسلامية والعلمانية الغربية (57 - 58).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
الحياة العامة وحياة الأفراد الشخصية، والتحليل والتحريم من خصائص الشعب ومؤسساته الديمقراطية كما يقولون.
11 - العلمانية في التعليم:
ترى العلمانية أن التعليم يجب أن يبتعد عن كل المؤثرات والضوابط الدينية، فلا يلقن الطفل أي عقيدة دينية، كوجود الله والقرآن والرسل والآخرة ونحو ذلك، ولا يسمح للدين بالتدخل في التعليم، لا من حيث المواد التي تدرس، ولا من حيث منهج التعليم، ولا من حيث آلياته، وحتى مادة التربية الإسلامية فيجب أن تقتصر على المبادئ العامة التي تناسب العلمانية كالمساواة والتسامح والرحمة والتعاون والحرية وما أشبه ذلك، وأما الموقف من الآخر الكافر، وتفاصيل العقيدة الإسلامية والفقه الإسلامي فكانت ملائمة لأوضاع اجتماعية واقتصادية معينة.
ومن هنا سعى العلمانيون لإظهار رجل الدين في قالب السكوني المنغلق المتطرف، ورجل التعليم المدني في قالب المتحرر والمتنور والواعي.
في المغرب مثلا قتل التعليم الأصيل قتلا، ولم يسمح لخريجي القرويين بأي شهادة أكاديمية معترف بها تمكنه من الحصول على وظيفة وعلى مكانة اجتماعية مرموقة، ولم يعط لها الاعتبار الجزئي إلا حديثا بعد أن فقد التعليم الأصيل مشروعيته واستطالت العلمانية على البلاد والعباد.
وطبعا كان هذا المخطط فرنسيا بامتياز تولى تنفيذه من دربهم في سربونه وعلمهم في معاهده.
ورد في توجيهات وزارة التعليم الفرنسية في إطار قانون تعميم التعليم الصادر يوم 28 مارس سنة 1882 ما يلي: يجب ألا نذكر للطفل البالغ من العمر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
سبع سنوات شيئا عن الله، ليشعر هذا الطفل من تلقاء نفسه على امتداد ساعات الست التي يتلقاها يوميا أن الله غير موجود أصلا، أو أننا في أحسن الأحوال لم نعد بحاجة إليه (1).
علمانية حسب الطلب.
أختم هذا الفصل بهذه المهزلة:
اعترف محمد الشرفي في الإسلام والحرية (207) باستحالة العلمانية في البلدان الإسلامية، ولم يتردد في الاعتراف باستحالة العلمانية على النمط الغربي، قال: ولذا لا يتسنى في البلاد الإسلامية كما رأينا تبني اللائكية حسب النمط الغربي لأنه لا وجود فيها لكنيسة ولا لكهنوت (2).
ولذلك فهو يريدها علمانية من نوع خاص. ولهذا اقترح علمانية على مقاسه ومزاجه، فجاءت علمانيته على النحو التالي:
- إحداث سلطة دينية مستقلة عن باقي السلط.
- مهمتها البحث في إدارة المساجد فقط.
- المساجد أماكن عبادة وخشوع وتأمل فقط.
- لا يدعو الأئمة للحكام ولا عليهم.
- لا ينتقد الأئمة عمل السلطات العمومية ولا اتخاذ أي موقف من التيارات السياسية.--------------------------------------------
(1) في العلمانية والدين والديمقراطية (186).
(2) الإسلام والحرية (207).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
- ينتخب الناس في إسلام محمد الشرفي الجديد إمام المسجد، وينتخب أئمة المساجد بدورهم مفتيا بكل جهة، ثم تقوم هذه الهيئة المنتخبة بانتخاب مجلس إسلامي أعلى ومفتيا أكبر على الصعيد الوطني. وطبعا سيفتي فيما يتعلق بالصلاة في المساجد فقط. هذا هو كهنوت الشرفي، بل مهزلته، إنها كنيسة إسلامية إن صح التعبير.
ومع اعترافه بأن لا كهنوت في الإسلام، فهو يريد أن يصنعه بأحلامه الغزيرة واقتراحاته الدالة على فقدان الدين والعقل معا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)