Arabic source text

📘 আল-ইলমানিয়্যাহ আল-মাফহুম ওয়াল মাজাহির ওয়াল আসবাব (মোস্তফা বাহু)

📘 العلمانية المفهوم والمظاهر والأسباب (مصطفى باحو)

📘 আল-ইলমানিয়্যাহ আল-মাফহুম ওয়াল মাজাহির ওয়াল আসবাব (মোস্তফা বাহু)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
يكون الدين أساسا أو وسيلة أو مظهرا لها. ووصف منشئها والمشتركين فيها بالخيانة الوطنية.
- تغيير التقويم الهجري إلى الميلادي في 1 يناير 1926.
- إلغاء اعتماد الإسلام كدين رسمي للدولة في 10 إبريل 1928.
وأما المغرب فلعب الاستعمار نفس الدور في إلغاء أغلب المظاهر الإسلامية وعوضها بأخرى غربية. وضيق على التعليم الإسلامي، كما سنبين ذلك في رسالة مستقلة إن شاء الله.
وعموما كان الاستعمار حريصا على تهميش دور الإسلام في الحياة العامة، مع ترك هامش ضيق جدا وحصره في وزارة الشؤون الدينية، وقراءة القرآن في بعض المناسبات الرسمية، ودرس التربية الإسلامية المهمش ضمن تعليم بمواده العديدة والمتعددة.
وتحول الإسلام من فاعل أساسي ومحرك مركزي للمجتمع والتاريخ إلى هامش ضيق.
وعليه فلا يمكن فصل ظاهرة العلمانية عن حركة التوسع الامبريالي وآثارها التي خلفتها في الرقعة الإسلامية (1).
ورغم وضوح هذه الحقائق التاريخية حاول عبثا عزيز العظمة القفز عليها من أجل إضفاء نوع من الشرعية التاريخية والموضوعية للعلمانية، ولو على حساب الحقيقة والتاريخ.
ولا تعدو محاولات العظمة أن تكون بحثا ميئوسا منه عن جذور للعلمانية في الوطن الإسلامي عبر مجموعة من الأوهام.--------------------------------------------
(1) في العلمانية والدين والديمقراطية (142).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)

فشكك في تجذر الإسلام في النسيج الاجتماعي (1).
وحاول عبثا إيجاد ما يشبه التطرف الكنسي في تاريخنا ولو بشكل أقل حدة (171 - 172 - 173).
وطرح عددا من المغالطات التاريخية التي ليس التعرض لها من همنا الآن.
وشكك في كون العلمانية شأنا خارجا عن تاريخنا وشيمنا وواقعنا. (184). وفي كون الإسلام متجذرا في الشعوب العربية (182).
ولا تتجاوز هذه المغالطات مرحلة تزييف الوعي التي يتقنه العظمة. وقد أحسن المسيري في رده عليه.
ولسوء حظ العظمة فجماهير إخوانه العلمانيين يخالفونه في هذا، فاعترفوا صراحة بأن العلمانية جاءت للبلاد الإسلامية تحت راية الاستعمار.
منهم محمود إسماعيل الذي أقر بأنها جاءت إلى العالم العربي مع الاستعمار، وزاد: وإذ وقف الفقهاء موقف الرفض للعلمانية، فلأنها وفدت في الغالب الأعم من قبل مفكرين مسيحيين وتحت ظل الاستعمار الأوروبي (2).
واعترف العفيف الأخضر كذلك بأن العلمانية جاءت عبر الاستعمار. ولهذا لم تدخل السعودية لأنها لم تعرف الاستعمار (3).
وتابعه عادل الجندي، وزاد: العلمانية لم تدخل قط إلى العالم العربي كجزء من الفكر السياسي (4).--------------------------------------------
(1) العلمانية تحت المجهر (189).
(2) العلمانية مفاهيم ملتبسة (93).
(3) العلمانية مفاهيم ملتبسة (196) وقدر العلمانية في العالم العربي (10).
(4) نفس المرجع (315) وقدر العلمانية في العالم العربي (127).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)

وكذا فعل سعيد لكحل (1) وماجدة رفاعة الطهطاوي حيث اعترفا بدخولها مع الاستعمار (2).
ومع اعتراف هؤلاء بدور الاستعمار في زرع العلمانية في البلاد الإسلامية إلا أنه اعتراف محتشم، لا يرقى إلى مستوى النقد الموضوعي لدوره في عملية الإلحاق الحضاري والتذويب الثقافي.
وليس اقتران العلمانية بالاستعمار والهيمنة الامبريالية والتحكم الغربي في الشعوب مرحلة من مراحل العلمانية، بل كما أسلفت عن المسيري والطعان: العلمانية هي النظرية والامبريالية هي التطبيق. وشواهد التاريخ تؤكد هذا، ففلسفة الأنوار العلمانية تلاها مباشرة التوسع الامبريالي الاستعماري.
وغير خاف على أحد استمرار الهيمنة الغربية على الشعوب العربية إلى الآن، وما الأمم المتحدة وقصرها حق النقض على خمسة كبار، وصندوق النقد الدولي الذي يفرض شروطه على الدول إلا بعض تجليات ذلك.
ولماذا نذهب في التحليل بعيدا، ها هي العراق وأفغانستان وفلسطين والشيشان ماثلة أمامنا.
وكل الأنظمة الديكتاتورية في إفريقيا تجد سندها القوي من دول استعمارية علمانية سابقة كفرنسا مثلا.
ويكفي كذلك أن تتبع أي نزاع عرقي أو طائفي أو سياسي عبر العالم وخاصة إفريقيا إلا وتجد القوى العلمانية الكبرى لها يد طويلة في ذلك. وطالما بشرنا العلمانيون في الغرب بحقوق الإنسان وكرامة الشعوب في ظل العلمانية--------------------------------------------
(1) العلمانية مفاهيم ملتبسة (269).
(2) نفس المرجع (327 - 328).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)

الموعودة، وإذا بنا نرى الشعوب تداس بالأقدام من قبل أنظمة علمانية غربية أو بالوكالة من قبل عملائها بالمنطقة.
هذا فضلا عن التدخلات السافرة للغرب العلماني في سياسات دول المنطقة عبر لوبيات اقتصادية ومالية ضاغطة لها علاقات مشبوهة بالسفارات الغربية أو بالمنظمات المالية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي التي تمارس الاستعمار المالي والتحكم في الثروات وفرض شروط مذلة تكرس الهيمنة على شعوب الجنوب المستضعفة.
أليست هذه منظمات علمانية في يد السياسيين العلمانيين لترسيخ الهيمنة المالية والاستبداد والتحكم في الشعوب الأخرى؟
وما رأي العلمانيين العرب في كل هذا، وخاصة أصحاب المفاهيم الملتبسة؟
يعزو بعض العلمانيين -عملا بمبدأ المغالطة من أجل المغالطة- هذه الإخفاقات أو الجرائم العلمانية إلى الفرق بين النظرية والتطبيق.
لكن الواضح للعيان أن العلمانية منذ نشأتها وهي تعيش هذه الإخفاقات والمآزق، فهناك تلازم شديد في نظرنا بينهما، وليس الأمر مجرد إكراهات سيتم تجاوزها أو إخفاقات سيتم تداركها.
إنها فلسفة منظمة واستراتيجية واضحة، إنها عقلية استعمارية احتقارية عنصرية عامة تحكم النظام العلماني الغربي، وتربض خلفها مسيحية تبشيرية حاقدة.
ونحن نرى كل صباح ومساء الامبريالية الغربية تتجلى في صور متعددة متناسخة، ليس آخرها الدعم اللامشروط للصهيونية.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)

ولا يفوتني هنا التنبيه إلى أن الاستقلال عند العلمانيين من الاستعمار يقف عند حدود الاستقلال السياسي، كما بين محمد عمارة في الحوار بين الإسلاميين والعلمانيين (13)، وزاد أن بعضهم قد يدعو إلى قدر من الاستقلال الاقتصادي ولكنهم يعادون ما نسميه الاستقلال الحضاري، استقلال الهوية المتميزة عن هوية الغرب. . ولذلك فإن الاستقلال الذي يدعون إليه هو في حقيقته استقلال الوطن عن ماضيه وتراثه ومكوناته الإسلامية وعن محيطه الإسلامي.
وزاد مؤكدا أنهم عندما يدعون هذا الوطن الذي يعزله هذا الاستقلال عن هويته الإسلامية وعن أمته الإسلامية، عندما يدعونه إلى تبني الخيار الحضاري الغربي، فإنهم يدعونه إلى الالتحاق والإلحاق الحضاري بالمركز الغربي … فهي حقيقة - والحال هذه - دعوة للتبعية وليست للاستقلال … ودعاتها هم عملاء لحضارة الغرب، حتى وإن رفعوا شعارات الاستقلال عن الاستعمار السياسي الغربي لأوطانهم.
السبب الثاني: الصحافة الموالية للاستعمار (1).
كان للصحف الموالية للاستعمار دور كبير في تربية الشعب على الطريقة التي أرادها المستعمر، إذ كانت تعمل دائبة على إقناع الناس بضرورة احترام المحتلين لما نالت البلاد بزعمهم من خير على أيديهم.
وطالبوا بالارتباط بالحياة الأوروبية وضرورة تعليم الأبناء على الأساتذة الأوروبيين.--------------------------------------------
(1) جذور العلمانية (63 - 64).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)

وقام بتنفيذ هذا المخطط الاستعماري في مصر الصحفيون المسيحيون، وفي مقدمتهم فارس نمر ويعقوب صروف (1)، وشاهين مكاريوس الذين أسسوا دار المقطم (2) للصحافة.
وأصدروا ثلاثة صحف:
- مجلة المقتطف العلمية سنة 1885.
- مجلة اللطائف الأدبية سنة 1886.
- صحيفة المقطم السياسية سنة 1889.
وقد تربى أصحاب المقطم الثلاثة في أكبر مدرسة تبشيرية في الشرق، وهي الكلية الأمريكية في بيروت واقترن أحدهم، وهو فارس نمر عام 1888 بابنة قنصل انجلترا بالإسكندرية، وسافر إلى انجلترا واجتمع بكبار السياسيين الإنجليز، وشرب أفكارهم قبل إصدار جريدة المقطم بعام ليبثوا فيه الأفكار التي يجب أن ينفثها للمصريين.
ثالثا: التخلف والتفكك المجتمعي العام.
عاشت الإمبراطورية العثمانية حالة من الضعف والتدهور العام، حتى لقبت بالرجل المريض.
فسَهُل على الغرب تفكيكها وتقسيمها وفرض شروطه عليها. وكانت العلمانية هي الشرط الأكيد الذي سعت إلى زرعه وإنباته داخل المنطقة.--------------------------------------------
(1) وانظر العلمانية في الإسلام (58 - 65 - 66).
(2) المقطم هو الجبل الذي نقلت منه الأحجار التي بنيت منها الأهرامات، يقصدون بذلك تذكير المصريين بمجد الفراعنة لا بمجد الإسلام.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)

وانتشرت الطرق الصوفية الخرافية، وكثر المجاذيب والبهاليل، وأشاعوا أن الأولياء الصوفية يحفظون البلاد والعباد.
فركن الجميع إلى عقيدة تواكلية انهزامية خرافية سهَّلت كل اختراق خارجي للصف الإسلامي، لضعف مناعته وانهيار مقومات الممانعة وأسباب المقاومة.
زد على ذلك ضعف أو انهيار الجانب العلمي المتمثل في علماء الشريعة، وتحول بعضهم إلى علماء في يد العلمانية، وهو السبب الرابع.
رابعا: علماء السوء (1).
مثل علماء السوء أحد أهم الركائز التي اتكأ عليها المشروع العلماني لإحداث اختراق نوعي من داخل الصف، ولهذا حرص المستعمر على إرسال بعثات علمية للدراسة كان الهدف من ورائها تدجين طبقة من العلماء والمثقفين لخدمة المشروع الامبريالي، فكانت البعثات العلمية إلى أوربا، بدءا برفاعة الطهطاوي ومرورا بطه حسين خريج الأزهر ثم السربون، وعلي عبد الرازق الذي تابع تعليمه في أوكسفورد.
وكان لهذه البعثات أهداف غير بريئة وشكلت عناصر اختراق متقدمة خلقت فجوات داخل بنيان الدولة والمجتمع العثماني وشكلت جسرا لتعبر عليه سياسات الغرب لاحقا (2).--------------------------------------------
(1) جذور العلمانية (44).
(2) الخطاب العربي المعاصر لفادي إسماعيل (90).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)

عايش رفاعة الطهطاوي (1808 - 1870) محمد علي وإبراهيم وعباس وسعيد وإسماعيل، ورضي معظمهم عليه، وأنعموا عليه بالرتب والتشريفات، حتى ترك لورثته عند وفاته ما يزيد على (1600) فدان. ومن هنا لم يكن لرفاعة أن يقف مواقف لا يرضى عنها الحكام.
خامسا: الماسونية.
نشر الغرب الماسونية في القرن التاسع عشر في مصر والبلاد الإسلامية، وانخرط فيها كثير من المسلمين بحسن نية وعدم إدراك لأهدافها، من أشهرهم جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، ثم انفصلا عنها لما تبين لهم ما تبين.
وكانت مجلة اللطائف الآنفة الذكر أول جهاز إعلامي يجاهر بنشر التعاليم الماسونية والإلحاد في مصر (1).
سادسا: التنصير.
تضاعفت أعداد المنصرين حتى وصل إلى 43000 منصر إلى غاية سنة 1958.
وكان أهم أهداف هؤلاء المنصرين الذي يحركهم علماني أمريكي اسمه جون رالي موط، لا ينتمي أصلا إلى رجال الكنائس والذي اختاره مجلس الكنائس العالمي ليكون رئيسه الفخري، عملا بخطة استعمارية هي إبعاد الدين عن الحياة في البلاد الإسلامية من كل مشاركة أو اقتراب في الحياة السياسية أو الاجتماعية والاقتصادية، أي: عزل الدين عن حياة المسلم عزلا تاما، وفصل المسلم بالتالي عن حقيقة دينه.--------------------------------------------
(1) جذور العلمانية (70).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)

كان هذا هو همهم الأول قبل اهتمامهم بالتبشير للدين المسيحي (1).
وقد أسلفت أن العلمانية متجذرة في الدين النصراني، ولذلك كان التبشير به تبشير بالعلمانية وقطع للطريق على الإسلام.
وقد كانت الشريعة الإسلامية في المغرب في صورة المذهب المالكي حاكمة لقرون عديدة، وكانت المرجع الوحيد للقوانين التي كان يحكم بها القضاة في المحاكم والمساجد وغيرها، كما سأبين ذلك بتفصيل في رسالة مفردة بإذن الله. حتى جاء الاستعمار بعلمانيته فأزاح الشريعة واستبدلها بالقوانين الوضعية وأزاح المحاكم الشرعية وهمشها.
في عالمنا الإسلامي أراد طغمة من العلمانيين اجترار نفس الأساليب لواقع مختلف جذريا عن واقع أوربا. فلا المساجد هيمنت وطغت، بل وبالعكس كانت ملاذا للضعفاء والمساكين والمحتاجين.
ولا (رجال الدين) المسلمين شكلوا خطرا على الثقافة ولا تحالفوا مع الإقطاعيين ضد عامة الفقراء، كما حدث في أوربا، ولا شكلوا طبقة كنهوت، بل كان علماء الإسلام من عموم الناس الضعفاء يتشاركون معهم همومهم وأفراحهم، ولا أدل على ذلك من الاحترام الكبير الذي يحظى به العلماء في الأوساط الشعبية. ولا محاكم تفتيش في تاريخنا الإسلامي، ولا صكوك غفران.
فلا يجدي نفعا استنساخ تجربة لواقع مختلف كانت العلمانية فيه حلا منطقيا لمشاكل معينة تختلف تماما عن واقعنا وتاريخنا وبيئتنا وحضارتنا.--------------------------------------------
(1) جذور العلمانية (60 - 61).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)

‌‌الحكومة الدينية
ليس في الإسلام «رجال الدين» بالمعنى الطبقي الاجتماعي أي: طبقة معينة لها مميزات خاصة وامتيازات معينة، ولها الحق وحدها في معرفة الحقيقة المطلقة، وأنها تحكم بتفويض إلهي (1).
والحكومة الدينية المسيحية أو الحكومة الإلهية أو الحكومة التيوقراطية التي نشأت في الغرب تتميز بعدة خصائص، منها (2):
- أفرادها من الكهنة ورجال الدين.
- رجال الدين هم وحدهم لهم الحق في التحدث باسم الله.
- هم يحكمون بتفويض من الله، وبالحق الإلهي الذي يخول لهم التصرف في أرزاق الناس وتشريعاتهم ومصائرهم.
- لا يجوز لأحد مهما بلغ من العلم أن يخالف آراء رجال الدين لأنهم يمتلكون وحدهم الحق المطلق، ولو في العلوم التجريبية والفلكية والطبية.
وأما في الإسلام فالحاكم مدني.
ولا يدعي أنه يحكم بتفويض إلهي، أو أنه يحكم باسم الله بمعنى النيابة عنه (3).--------------------------------------------
(1) وانظر تهافت العلمانية (12 - 240) والدولة الإسلامية (14).
(2) انظر تهافت العلمانية (230 - 240).
(3) انظر في عدم قداسة الخلفاء: سقوط الغلو العلماني (93) وفي عدم مشابهة الخلافة الإسلامية للبابوية: الإسلام بين التنوير والتزوير (145).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)

والفرق بين الدولة العلمانية والدولة الإسلامية أن الدولة الإسلامية تكون ذات مرجعية إسلامية أي منضبطة بضوابط الشريعة، والحاكم فيها يخطئ ويصيب، ولا يتحدث أحد باسم الله ونيابة عنه إلا الأنبياء.
والقول بحاكمية الشريعة لا يعني الحكومة الدينية كما توهم بعض الكتاب، لأن الحاكمية لا تعني أن يباشر حكام بأعيانهم سلطانا من الله على الناس كما كان في أوروبا، بل تعني أن تكون شريعة الإسلام هي مصدر التشريع، وأن الحكم للخليفة الذي بايعته الأمة وفق مبدأ الشورى (1).
إذن فالدولة الدينية نمط من أنماط الحكم التي تميزت بها أوروبا في عصورها الوسطى المظلمة، والتي لم تعرف لها في بلاد الإسلام مثيلا.
والدولة الإسلامية لها خصائص ومميزات تفارق فيها الدولة الدينية والدولة العلمانية.
من هنا يتضح أننا إزاء ثلاثة أنواع من الحكم:
- الدولة الدينية، دولة الكهنة ورجال الدين، الذي يحكمون بتفويض إلهي ونيابة عن الله.
- الدولة العلمانية.
- والدولة الإسلامية التي تتميز بإسلامية المرجعية ومدنية النظم (2).
وعليه فليس الأمر كما يزعم العلمانيون أننا أمام خيارين لا ثالث لهما:
إما العلمانية، وفصل الدين عن الدولة.
وإما السلطة الدينية، التي تجعل للحكام فيها ولقوانينها قداسة الدين.--------------------------------------------
(1) انظر تهافت العلمانية (275).
(2) الشريعة الإسلامية (39).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)

بل لإسلامنا نهج خاص وطريق وسط (1).
كثير من العلمانيين يحاولون تصوير علاقة الدين بالسياسة في المجتمعات الإسلامية كأنها تتلخص في سيطرة رجال الدين والمعممين على شؤون الحكم وعالم السياسة، بينما واقع الحال يشهد على تسلط الدولة على الدين ومؤسسات المجتمع والاستيلاء على مقدراته الرمزية والمادية (2).
وقد ذكر إدوارد مورتيمر البريطاني في كتابه «الإسلام والدولة» أن الإسلام دين ودولة، وأنه لا يعد مسلما من ادعى أن من حقه أن يختار شريعة أخرى أو قانونا آخر غير الإسلام، وأكد أنه لا يوجد في الإسلام نظام الحكومة الدينية في أوروبا، فلا صلة أبدا بين التشريع الإسلامي وحكومة الكنهوت في أوروبا. وقد شهد بهذا علماء من النصارى منهم الدكتور نظمي لوقا في كتابه محمد الرسول والرسالة (3).
وقد شهد بهذا كذلك من العلمانيين عادل الجندي، أي بعدم وجود كنهوت في الإسلام (4).
وأكد نصر حامد أبو زيد أن الدولة الدينية لم تقم أبدا في تاريخ المجتمعات الإسلامية إلا بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران (5).--------------------------------------------
(1) الدولة الإسلامية بين العلمانية والسلطة الدينية (7).
(2) في العلمانية والدين والديمقراطية (133).
(3) تهافت العلمانية (57).
(4) العلمانية مفاهيم ملتبسة (320).
(5) العلمانية مفاهيم ملتبسة (239).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)

وخالف أحمد عصيد إخوانه أصحاب المفاهيم الملتبسة، فزعم أن في الإسلام كذلك كان يحكم بالحق الإلهي أي الدولة الدينية (1).
وعصيد في هذا محكوم بموقف إيديولوجي أكثر منه ببحث علمي.
ونشير هنا إلى خالد محمد خالد الذي حاول تشبيه الحكم الإسلامي بالنظام التيوقراطي في كتابه «من هنا نبدأ» ورد عليه محمد الغزالي بكتاب «من هنا نعلم». لكن عاد خالد محمد خالد فتراجع عن أفكاره في كتاب الدولة في الإسلام، وبين بطلان الحكم بالحق الإلهي في الإسلام.
تصرف الحاكم المسلم في ظل الحكم الإسلامي ليس مقدسا. وقد أجمع علماء الإسلام قاطبة على هذا، وهي من الوضوح في تاريخنا بحيث لا تحتاج إلى بحث ولا تنقيب لمعرفتها.
ومع هذا طالما لهج العلمانيون برفعها فزاعة في وجه الإسلاميين، كما فعل العلماني السوداني عبد الله أحمد النعيم في الإسلام وعلمانية الدولة (30).
ولبلوغ هذا الهدف أصل النعيم أصلا باطلا، ثم بنى عليه بناء صحيحا، موهما أن الأصل الذي بنى عليه صحيح مثله.
فأصَّل أولا أن السياسي إذا طبق الإسلام يعني أنه أصبح مقدسا.
والنتيجة أنه إذا أصبح مقدسا أو عمله مقدسا فتنتفي المعارضة والتقويم.--------------------------------------------
(1) نفس المرجع (340).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)

وكل هذه التأصيلات غربية قرأها النعيم في تاريخ أوروبا، ولكثرة وجوده في أوروبا وأمريكا ظن أن كل بلاد الدنيا هكذا، أو على الأقل يحاول أن يغالطنا. .
فمن أين له أن الدولة إذا طبقت الإسلام تتحول إلى دولة مقدسة؟ هل في الإسلام ما يثبت ذلك؟ أم في تاريخ الدول الإسلامية ما يثبت ذلك؟ أم في الإسلاميين من يقول ذلك؟ أم أن الفكر الغربي طغى عليه حتى فَقَد ضوابط التمييز بين ما هو إسلامي وما هو غربي.
وإذا كان الخطاب العلماني يتهم الخطاب الإسلامي برفع شعار «لا حكم إلا لله» وأنه شعار يخفي وراءه دولة دينية قامعة للحريات تحكم بالحديد والنار ومحاكم التفتيش. فإن الخطاب العلماني يرفع شعارا متشابها: لا حكم إلا للعلمانية، الذي يتمترس خلف الإقصاء وتجفيف المنابع بل واستئصال الدين من الحياة وإقامة المحاكم العسكرية لمحاربة المتدينين. فقد أكدنا في غير ما موضع أن العلمانية ليست حركة محايدة ونواياها ليست شريفة تجاه الدين كما توهم الخطابات العلمانية، والدليل هو الواقع المعاش منذ الثورة الفرنسية وإلى الآن (1).--------------------------------------------
(1) الحركات الإسلامية.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)

‌‌الإسلام وممانعة العلمنة
- المزج بين الديني والدنيوي.
أحكام الإسلام وعقائده وعباداته ومعاملاته وأخلاقه وتشريعاته متداخلة متشابكة، بل هي كل لا يتجزأ. وإذا كانت العقيدة هي أس الإسلام وأصله، فإن العبادات والمعاملات خادمة لهذا الأصل وراعية له وحافظة له.
ويستحيل أن تحفظ العقائد الإسلامية في ظل مجتمع علماني.
والعقيدة والعبادة والمعاملة متداخلة متشابكة في الإسلام يصعب فصلها، وأي خلل في هذه هو خلل في الأخرى.
بل العقيدة في حد ذاتها مناقضة في أصولها لأصول العلمانية، لأن الشهادتين تعني الاستسلام لأحكام الله وأوامره والاستسلام لأحكام رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وما يميز الإسلام -كما أكد رفيق عبد السلام- «عن بقية الديانات الكبرى بما في ذلك الديانات التوحيدية السابقة، هو هذا الترابط الوثيق بين الديني والدنيوي، خلافا للأديان السابقة التي لم يكن هذا الالتقاء في أصل كينونتها الذاتية … أما الإسلام فدين يقترن فيه سلطان الحق بسلطان القوة، وليس مجرد مواعظ روحية أو تبتلات زهدية أو تأملات علوية مفاصلة لعالم البشر وشؤون العالم وما يحكمه من صراعات وتناقضات … ففي الإسلام فقط كان التركيب المنسجم والمتوازن بين الدين ومشاغل الدنيا، أو بين العالم الدنيوي والعالم الأخروي بحيث غدا الجانب الزمني والتاريخي بعدا مكينا في الحقيقة الدينية ذاتها. في الإسلام فقط اكتسب الوعي الديني بنفسه ضربا من الروحانية

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)

الدنيوية أو الدنيوية المتعالية أي: الروحانية الفاعلة في هذا العالم وبوسائل هذا العالم … » (1).
وزاد قبل هذا: «إن إضافة الإسلام الكبرى تتمثل في تغيير معنى الديني أصلا من خلال وصله بالدنيوي، وتغيير معنى الدنيوي عبر وصله بالروحي والديني، بما يجعل الواحد منهما وثيق الصلة بالآخر» (2).
وزاد: «ويمكن القول هنا إن الإسلام يؤسس ضربا جديدا من الدنيوية يمكن تسميتها بالدنيوية المتعالية أو الدنيوية الروحية، كما أنه يعطي دلالة جديدة لمعنى الروحي والديني في إطار ما يمكن تسميته بالروحية الدنيوية. ففيما يحث الإسلام على التمتع بطيبات هذه الحياة الدنيا فإنه يحرص على إكسائها بالفضائل الأخلاقية والروحية بهدف الارتقاء بالمادي إلى طور السمو الروحي.
وهكذا يمكن القول إن جوهر الاختلاف بين الإسلام والعلمانية لا يعود إلى ارتباط الإسلام بالمطلقات الغيبية مقابل ارتباط العلمانية بعالم الدنيا النسبية، بقدر ما يتعلق بنوعية الرؤية إلى هذه الدنيا وصلتها بالآخرة. وخلافا للقراءة الفيبرية (3) التي ترى الديني لا يكتسب سموه وأفضليته إلا بقدر نأيه عن مشاغل العالم بما يتيح عقلنة البنى الاجتماعية والسياسية بعيدا عن الكوابح والموجهات الدينية على حد قوله، فإن القاعدة العامة التي تحكم الإسلام تقوم على كون الديني لا يكتسب قيمته إلا من خلال انخراطه في مشاغل العالم. ومن ثم استيعاب ما يسمى بالعلماني (4) والدنيوي ضمن بنيته الداخلية، وهذا ما--------------------------------------------
(1) في العلمانية والدين والديمقراطية (131).
(2) نفس المرجع (111).
(3) نسبة إلى ماكس فيبر عالم الاجتماع الألماني.
(4) في هذا الإطلاق نظر.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)

ينطبق فعلا على الإسلام، إذ يتعاضد الدين الطبيعي مع الدين التشريعي إلى الحد الذي لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر» (1).
قال المستشرق والباحث في العلوم السياسية جيل كيبل: إن الإسلام هو وحده الذي يخلط بين الدين والسياسة أو بين الروحي والزمني ويتخذ من ذلك عقيدة مقدمة معصومة، وذلك على عكس المسيحية التي كانت قد فصلت بينهما منذ زمن طويل، أي: منذ أن قال المسيح تلك العبارة الشهيرة في الإنجيل: اعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله (2).
والدين في المفهوم الغربي -حسبما يؤكد رفيق عبد السلام- يطلق على ممارسة طقوس وأدعية وصلوات في الكنيسة بإشراف طبقة متخصصة ذات تراتبية هرمية. فتم حصر الدين في ممارسة الشعائر التعبدية والطقوسية (3). وفي المقابل التأكيد على البعد عن الدنيوي والمادي والزهد فيه. أما في الإسلام فيلاحظ أن فيه تجانسا كبيرا بين ما هو ديني غيبي وطقوسي وبين ما هو دنيوي، وعليه فإن الدين لا ينحصر في الإسلام في الجانب الطقوسي والشعائري، بل تعداه إلى كافة مناحي الحياة (4).
وزاد أن الإسلام لا يقيم مقابلة أو مفاصلة بين الديني المتطابق مع الروحي والباطني والمطلق، وبين العلماني المتطابق مع الزمني والدنيوي والنسبي لأن كل ما هو ديني في فلسفة الإسلام يحمل في كينونته الذاتية ما هو زمني--------------------------------------------
(1) نفس المرجع (111).
(2) نحو نقد العقل الإسلامي (258).
(3) في العلمانية والدين والديمقراطية (101 - 106).
(4) نفس المرجع (109).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)

ودنيوي، وكل ما هو زمني ودنيوي لا ينفصل عن مرتكزاته الروحية باعتباره من الطيبات التي أحلها الله (1).
ولهذا السبب اقترن الإسلام في وعي المسيحية (2) بالدين المادي، بما يتناقض مع هوية الدين القويم القائم على الطهورية الزهدية.
وهو ما حذا ببعض المفكرين الغربيين أمثال فولتير ومارسيا ألياد ونيتشه إلى اعتبار الإسلام أنموذجا مكثفا للدين الطبيعي المناقض للزهدية المسيحية (3).
فالعقيدة الإسلامية تفرض على المسلم أن يكيف حياته وفقا للأحكام التي تجسدها وأن يتجلى أثرها في سلوكه وعلاقاته كلها، سواء كان حاكما أم محكوما.
والعلمانية تريد من العقيدة أن تظل حبيسة الضمير لا تخوض معترك الحياة، ولا تؤثر في أهدافها ومناهجها، فإن سمح لها بالظهور فليكن بين جدران المسجد، لا تخرج عنها، على أن يكون المسجد نفسه تحت سلطانها. وبهذا نرى المسلم الذي يعيش تحت سلطان العلمانية يعاني من التناقض بين العقيدة التي يؤمن بها والواقع الذي يفرض عليه، فعقيدته تشرق وواقعه يغرب، عقيدته تحرم والعلمانية تبيح … عقيدته تلزم، والعلمانية تعارض، وهكذا لا تعايش بين الإسلام الحقيقي والعلمانية الحقيقية، فهما كالضرتين، إذا رضيت إحداهما--------------------------------------------
(1) نفس المرجع.
(2) عندما أطلق المسيحية فمرادي في صيغتها الكنيسية.
(3) نفس المرجع (110).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)

أسخطت الأخرى، أو ككفتي الميزان لا ترجح إحداهما إلا بمقدار ما تخف الأخرى (1).
هذه الحقيقة الناصعة أعني هيمنة الإسلام على كل مناحي الحياة ودمجه بين الدين والسياسة اعترف بها تقريبا كل الباحثين الغربيين بحسب شهادة علماني راديكالي هو أركون، ومما قال: كل الباحثين والمستشرقين الغربيين مقتنعون بذلك، ولا يمكن أن تنزع من رؤوسهم هذه الفكرة (2).
وأكد على أن الإسلام صاغ جميع مناحي الحياة، بما فيها السياسة والقانون ونمط البناء والعمران والأساليب الفنية (3).
وأن الإسلام لا يفصل بين الدين والسياسة (4). وأنهم إنما قالوا بذلك باعتباره نقصا في الإسلام أو عرقلة للتطور (5).
ونقل عن الباحث الفرنسي ماريل غوشيه في كتابه «خيبة العالم» الذي أحدث ضجة واسعة في أوساط الباحثين حسب أركون، وملخص كتابه أن المسيحية هي وحدها الدين الذي يقبل بأن يخرج المجتمع منه، أما الإسلام واليهودية فهما دينان لا يعترفان بالعلمنة أو بالفصل بين الدين والسياسة أو--------------------------------------------
(1) التطرف العلماني (34).
(2) قضايا في نقد العقل الديني (114).
(3) نفس المرجع (224).
(4) تاريخية الفكر العربي (267 - 280 - 168) والأنسنة والإسلام (93) وقضايا في نقد العقل الديني (209).
(5) قضايا في نقد العقل الديني (210).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)

الدين والدنيا، وحدها المسيحية تسمح بذلك، وهنا تكمن خصوصيتها وتفوقها على كافة الأديان الأخرى (1).
وزاد أركون مؤكدا ترابط الديني والسياسي في الإسلام وأن تدخل الإسلام في الحياة العامة يظهر جليا من الولادة (الختان) وحتى الموت مرورا بالمدرسة والتعليم والزواج والولادات وغير ذلك.
ليستنتج استنتاجا هاما هو أن مسألة ظهور العلمانية يبدو صعبا على الوصف والتحديد (2).
وكذا نقل العلماني المصري شريف حتاتة أن كثيرا من المفكرين في الغرب يقولون إن الإسلام لا يقبل الحداثة ولا الديمقراطية ولا الفكر العلماني (3).
وقال البروفسور لويس كنتوري الأستاذ بجامعة جورج تاون وأحد أبرز الخبراء الأمريكيين في شؤون الشرق الأوسط في ندوة يونيو 1994 بلندن: إنه آن الأوان أيضا لإدراك أن خطاب التنوير الغربي المنطلق من العداء للدين، لا يصلح للعالم الإسلامي والعربي الذي يمثل فيه الدين قيمة عظمى، وتسوده قيم أخرى تعلي من شأن الدولة والجماعة والأسرة.
وأكد أنه لا العلمانية ولا الليبرالية ولا الماركسية تصلح أساسا لإنهاض العالم الإسلامي، فكل منها يصطدم أو يتناقض مع تركيبة المجتمع الإسلامي، الذي لا مفر من الاعتراف بأنه يمثل ثقافة مغايرة تماما لتلك السائدة في المجتمع الغربي (4).--------------------------------------------
(1) نفس المرجع (138).
(2) تاريخية الفكر العربي (292).
(3) العلمانية مفاهيم ملتبسة (107).
(4) المفترون (248).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)