في الخانقاه بعد العصر ليحضر القراءة والذكر، وغير متعاط للحرف الدنيئة كالحياكة أو الحجامة أو القمامة، وغير موصوف بالثروة.
وكأن الأُدفوي أراد القول، إن شروط الانتظام في سلك الصوفية في عصره هي:
- التزيّي بأزياء معينة.
- مداومة الحضور إلى الخانقاه بعد العصر للقراءة والذكر.
- عدم تعاطي الحرفة الدنيئة كالحياكة والحجامة والقمامة.
- غير معروفة بالثراء.
وما عداها من الزهد والعبادة والبعد عن زخرف الدُّنيا فغدت شيئًا مهملًا.
لقد مهَّد الأدفوي بالبابين السابقين ليصل إلى الباب الثالث، وهو "من يستحق الوقف والوصية من الصوفية"، وهذا الباب هو جوهر الرسالة، والمقصد الأساسي لتصنيفها، ويدخل هذا الباب في نظريات الإلزام والالتزام من فقه القانون المدني. في حيثيات "العُرف".
والمادة القانونية التي يطرحها هي، أن العرف محكّم وفاصل في النزاع إذا كان منضبطًا، ولا خلاف عليه في بلد معين، فإذا اضطرب العرف في ذلك البلد، وجب البيان حينئذٍ، أي أن الحكم يربط بالأسباب.
فالوقف لا يصح على الصوفية، لعدم ضبط معنى الصوفية ووقوفه عند حدٍ. وقد أفاض مؤلف الرسالة في الاستشهاد بما في المذاهب الأربعة جواز الوقف من عدمه، فالشافعية لا تجيزه، وكذا بعض علماء الحنفية، وأما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)
الحنابلة، فأجازوا الوقف على المنقطعين للعبادة، وتصفية النفس من الأخلاق المذمومة(1).
ثم ناقش مؤلفنا رأي الغزالي في الوقف على الصوفية، والذي أورده في كتاب "إحياء علوم الدِّين"(2)، حيث ذهب الغزالي إلى أنَّ الصوفي هو من اتصف بما يلي:
- الصلاح.
- الفقر.
- لبس زي الصوفية.
- ألا يكون مشتغلًا بحرفة.
- أن يكون مخالطة للصوفية بطريق المساكنة والخلطة(3).
وقد تناول مؤلف رسالتنا هذه القضايا، وناقشها، وفنَّدها بندًا بندًا، واستشهد بأقوال كبار رجال الزهد والتصوف لإِثبات حجته، وإبطال حجج الغزالي، وقد استند مؤلفنا في ردّه على الغزالي، على الأمور التالية:
- أن الغزالي فيما أورده لم يجرِ على القواعد الفقهية.
- أن الغزالي استند على رسوم الصوفية المحدثة.
- اعتراف الغزالي بأن لا دليلَ لديه عما يقوله إلا العادات والأعراف الخاصة.
- العرف الخاص لا اعتبار له عند أهل الفتوى(4).
- قدم الأُدفوي جملة من الشواهد التاريخية تبطل الادعاء بالزي، وتنفي شرط المساكنة والخِلطة، وحتى الفقر والاشتغال بحرفة دون أخرى، وأما الصلاح،--------------------------------------------
(1) الرسالة، 8 أ.
(2) الغزالي: إحياء علوم الدين، 2/ 153.
(3) الرسالة، 9 أ.
(4) الرسالة، 9 ب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
فبيَّن مؤلف رسالتنا، بأن الصلاح محصور في الاقتداء بسنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن مسالك الصوفية لا بد أن تكون وفق القرآن والسُّنَّة(1)، وأتى بشواهد عديدة من أقوال أئمة التصوفة المشهورين بالصلاح والتحقيق.
ويلاحظ بأن مؤلفنا كان ينقم على الغزالي طرح تلك الآراء، بل ويقابلها بالاستهجان، فحين عرض الغزالي لنزول الخانقاه، قال مؤلف رسالتنا "وهذا الذي ذكره الغزالي لا يناسب تحقيقه"(2)، وفي موضع آخر قال: ". . . وهو لم يبينه قبل، وأحال عليه، فهو عجيب منه"(3)، وفي معرض نقده لكتاب "الإِحياء" قال: "لأن كتاب الإِحياء ليس موضوعًا للتحقيق على طريقة الفقه، وأكثره وكثير منه، مبني على كلام صوفي"(4)
ومجمل ما انتهى إليه مؤلف رسالتنا، أن المنتسبين إلى التصوف ثلاثة أقسام:
- قسم اتبعوا ما جاء في الشرع، ووقفوا مع ما قاله علماء السُّنَّة، فهم يستحقون التعظيم ويستوجبون التبجيل والتكريم(5).
- قسم حصل لهم غلوٌ في التصوف فابتدعوا طرقًا واخترعوا عقائدَ، ووقفوا مع ألفاظ مزخرفة جمعوها، فيدخلون في جملة الكفار، ويستحقون النار.
- قسم غلب عليهم الجهل، ووقفوا مع ما أُحدث من رسوم وتركوا النظر في المعارف والعوارف والعلوم. واحتفلوا بالرقص والسماع والشهوات، وهؤلاء--------------------------------------------
(1) الرسالة 12 ب -15 أ.
(2) الرسالة، 8 ب.
(3) الرسالة، 8 ب.
(4) الرسالة، 8 ب.
(5) لم يذكر الوقف كاستحقاقٍ لهؤلاء، وإنما اكتفى بأستحقاقهم التعظيم والتبجيل والتكريم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
الأخسرون أعمالًا في الدُّنيا والآخرة(1).
أما الوقف على صوفية عصره، فلا يُقره مؤلف الرسالة للأسباب الشرعية التي أشرنا إليها. وفي ذلك قطع لمصدر ارتزاق لفئة كسولة خاملة، استنامت في عيشها إلى السهولة واليسر، واستطابت الراحة. وكان خطأ المجتمع أن وفَّرَ لها سُبل الحياة بدون تعب، فملأ الواحد منهم بطنه بلذيذ الطعام، ونام نومًا عميقًا، في انتظار الطعام الألذ، والمتعة السهلة المنال.
وصدق من قال: نعوذ باللَّه من النار، ومن الصوفي إذا عرف باب الدار.
مؤلف الرسالة:
هو جعفر بن ثعلب بن جعفر الأُدفُوي، أبو الفضل، كمال الدِّين ولد في بلدة أُدْفُو(2) سنة 685 هـ = 1286 م، وبها نشأ. ثم درس بمدرسة قُوص، التي كانت بها مدرسة تضارع مدارس القاهرة، ثم انتقل إلى القاهرة، ودرس على جملة من أساتذة العصر، منهم أبو حيَّان، محمد بن علي بن يوسف الأندلسي، أثير الدِّين، وابن دقيق العيد، وتاج الدِّين الدشناوي، وأحمد بن محمد بن أحمد، محيي الدِّين القرطبي وسواهم.
وقد وُصِفَ المؤلف بأنه مؤرخ، وله علم بالأدب والفقه والفرائض والموسيقا، وكان ينعى على علماء عصره ما وَصَلَ إليه العلم في عصره، فقال: [الكامل]
إن الدروس بمصرنا في عصرنا … طبعت على غلط وفرط عياط
ومباحث لا تنتهي لنهاية … جدلًا ونقل ظاهر الأغلاط
ومدرس يبدي مباحث كلها … نشأت عن التخليط والأخلاط--------------------------------------------
(1) انظر الرسالة، ص 17.
(2) وهي بلدة بصعيد مصر الأعلى بين أُسْوَان وقُوص. انظر "معجم البلدان" (1/ 126) و"شذرات الذهب" (6/ 153) طبعة القدسي (م).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
ومُحدِّث قد صار غاية علمه … أجزاء يرويها عن الدمياطي
وفلانة تروي حديثًا عاليًا … وفلان يروي ذاك عن أسباط
والفرق بين عزيزهم وغريرهم … وأفصح عن الخياط والحناط
والفاضل النحرير فيهم دأبه … قول (أرسطاليس) أو بقراط
وعلوم دين اللَّه نادت جهرة … هذا زمان فيه طُيَّ بساطي(1)
مؤلفاته:
من أهم مؤلفاته التي عرفناها:
- الطالع السعيد الجامع أسماء نجباء الصعيد:
وقد ألفه بإشارة من شيخه أبي حيان، وقد ترجم فيه لأعلام عصره من إقليم قوص، وأعماله ومدنه، وقد جعل تراجمه على حروف المعجم، وشملت 594 ترجمة، من ضمنها ترجمة الأربع نساء. وقد طبع الكتاب سنة 1966، بتحقيق سعد محمد حسن.
- الإمتاع في أحكام السماع:
ويبحث في ضروب الغناء من حيث جوازه وتحريمه، وفيه فوائد موسيقية عن آلات العزف والضرب، ومنه نسخ بدار الكتب والوثائق القومية، وثانية بالمكتبة الأزهرية بالقاهرة وثالثة بمتحف الطوب قابي، خزانة أحمد الثالث رقم A.1430 ورابعة في مكتبة جستربيتي، وانظر بروكلمان، الذيل 2/ 27(2).
- البدر السافر وتحفة المسافر:
ترجم فيه لبعض شعراء القرن السابع، ويقع في مجلدين:--------------------------------------------
(1) الشوكاني: البدر الطالع، 1/ 182 - 183، ابن حجر: الدرر الكامنة، 1/ 536 ط. بيروت. د. ت.
(2) انظر أيضًا كتاب الإِمتاع والانتفاع في مسألة سماع السماع للأُدفوي، خزانة مدريد الوطنية رقم 246، حبيبه الزيات: لغة الحضارة، مجلة المشرق عدد 63 ج 4، 5، تموز - آب 1965 ص 67 - 68.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
الأول في الفاتيكان رقم Mus.Borg.L.F.Araba،168
والثاني في مكتبة الفاتح بإستانبول رقم 4201.
ونسخة في فيينا ناقصة.
- فرائد الفوائد ومقاصد القواعد في علم الفرائض:
منه نسخة في مكتبة غوتا بألمانيا الديمقراطية.
- كتاب الإِسعاف:
وقد ورد ذكره في الرسالة التي نشرها(1).
- كتاب الموفي بمعرفة التصوف والصوفي، وهو الذي نقوم بنشره لأول مرة.
ومن الجدير بالذكر أن كمال الدِّين الأدفوي قد عاش في القاهرة، واتخذ المدرسة الصالحية سكنًا يتردد عليه الأشياخ(2) فيها.
وقد وصفه الإسنوي بأنه: "كان مشاركًا في علوم متعددة، أديبًا شاعرًا ذكيًّا كريمًا، طارحًا للتكلف، ذا مروءة".
وقد توفي بالقاهرة بعد عودته من الحج عام 748 هـ = 1347 م(3).
وصف النسخ:
تحتفظ خزانة الفاتح بالمكتبة السليمانية في أستانبول - بتركيا بنسخة وحيدة من الرسالة مسجلة تحت رقم 2876 ولا علم لكاتب السطور بنسخة--------------------------------------------
(1) انظر الرسالة ق 6 ب.
(2) الأدفوي: الطالع السعيد، المقدمة، ش.
(3) ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب، 6/ 153 من طبعة القدسي، الشوكاني: البدر الطالع، 1/ 182، المقريزي: السلوك ج 2 ق 3 ص 793، والسيوطي: حسن المحاضرة، 1/ 255، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة، 10/ 237، الأدفوي: الطالع السعيد أ - ت (مقدمة).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
أخرى في المكتبات العربية والأجنبية سواها، وقد جاء على صفحة عنوانها:
كتاب الموفي بمعرفة التصوف والصوفي.
تأليف جعفر بن ثعلب الأدفوي الشافعي.
وبالإضافة إلى السماع المسجل على صفحة العنوان، والذي سنشير إليه مع السماعات الأخرى المسجلة في نهاية الرسالة، فقد وردت عبارات تفيد بأن الأدفوي كان تلميذًا لأبي حيَّان، بخط المؤلف ثم حول كلمة القيمري عبارة، قلعة بين الموصل وخلاط (لب اللباب). وكذا إشارة إلى أن الرسالة قد روجعت من قبل أبي حيَّان الأندلسي نفسه.
السماعات الموجودة على الرسالة:
أولًا: على صفحة العنوان:
1 - " سمع جميع هذا الكتاب من لفظ مؤلفه الشيخ الإمام العلَّامة كمال الدِّين، أبي الفضل، جعفر بن ثعلب الشافعي الأدفوي نفع اللَّه به بحضور سيدنا وشيخنا الأستاذ الإمام العلَّامة وحيد دهره وفريد عصره، ونسيج وحده، أعجوبة الزمان أثير الدِّين، أبي حيَّان، محمد بن علي بن يوسف بن حيان، فسح اللَّه في مدته، صالحٌ بن عبد اللَّه بن عبد اللَّه الدمشقي القيمري، وذا خطه وصح ذلك يوم الاثنين، ثامن عشر صفر سنة إحدى وأربعين وسبعماية بمنزل شيخنا أبي حيَّان بالمدرسة الصالحية بين القصرين بالقاهرة المحروسة، وأجاز إليَّ جميع ما يجوز لهما روايته، والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه على سيدنا محمد وسلم".
ويستفاد من السماع أن الذي سجله هو صالح بن عبد اللَّه بن عبد اللَّه الدمشقي القيمري، وكان ذلك بتاريخ 18 صفر سنة 741 هـ، وبمنزل أبي حيَّان بالقاهرة، وأن صالحًا هذا قد أُجيز بالرواية من قبل الأدفوي وأبي حيَّان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
ثانيًا: على الورقة 18 أو 18 ب وجدت السماعات التالية:
1 - سمعها أجمع على مؤلفها إليخ الإمام العلَّامة كمال الدِّين، أبي الفضل الأدفوي أحسن اللَّه إليه، بقراءة. . . إلخ المُحَدِّث الرّحال، عز الدِّين بن حمزة بن أحمد الهكاري. . . إلخ، برهان الدِّين، إبراهيم بن أحمد بن أبي بكر الفدي -كذا- المرشدي وعبد العزيز بن محمد المؤذن البغدادي وذا خطه، وصحَّ وثبت بدار الحديث الكاملية(1) من القاهرة، يوم الخميس ثامن عشر رمضان سنة أربعين وسبعماية، وصلى اللَّه على سيدنا محمد النَّبيِّ وآله وصحبه وسلم.
ويستفاد من السماع أنه تم في دار الحديث الكاملية التي أنشأها السلطان الملك الكامل ناصر الدّين محمله بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب سنة 622 هـ = 1225 م، وهي ثاني مدرسة عملت للحديث، ووقفها على المشتغلين بالحديث، وكانت بخط بين القصرين، وقد سمعها ثلاثة من العلماء، وسجل السماع بخط عبد العزيز بن محمد المؤذن البغدادي، وكان تاريخه قبل السماع المسجل على صفحة العنوان:
2 - على الصفحة 18 ب ما يفيد قراءة الرسالة من قبل عبد العزيز بن محمد بن خلف النوري، وقد سمعها منه عبد الواحد بن سعيد الغازازي والشيخ محمد السمودي وكان ذلك بالمدرسة الصالحية بالقاهرة المعزية في ثامن عشر شهر المحرم الحرام، افتتاح شهور سنة 743".
وكتبه جعفر بن ثعلب بن جعفر بن علي بن مطهر بن وائل الأُدفوي، حامدًا للَّه ومصليًا على نبيه، وحسبنا اللَّه ونعم الوكيل.--------------------------------------------
(1) حول دار الحديث الكاملية، انظر، المقريزي: الخطط، 2/ 375، أحمد فكري: مساجد القاهرة ومدارسها، 2/ 55.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
ويستفاد من السماع أن المؤلف قد أجاز لعبد العزيز النوري الرواية، وحضر القراءة بالتاريخ المشار إليه. وكذا على الصفحة نفسها ما يفيد نقلها من قبل يحيى الجعفري.
كتب المخطوط بخط نسخ جميل وبالمداد الأسود والمداد الأحمر، وكانت العناوين مكتوبة بالمداد الأحمر، ويخط أكبر حجمًا، كما خُط بالمداد الأحمر تحت العبارات المهمة في الرسالة.
عدد الأوراق: 18 ق.
عدد الأسطر: 15 س.
المقياس: 19.7 × 14 سم.
عدد الكلمات في السطر من (7 - 11) كلمة.
ولم يذكر اسم الناسخ أو تاريخه، ويبدو أن النسخة قد رُوجعت من قبل أحدهم، وعليها تمليكات، وكذا وقف باسم السلطان الغازي محمود خان.
وقبل أن أختم كلامي أتوجه بالشكر الجزيل إلى الأستاذ الدكتور خالد عبد الكريم جمعة الذي كان له فضل ظهور الكتاب ضمن مطبوعات مكتبة دار العروبة الغراء.
وإلى الأستاذ محمود الأرناؤوط الذي تولى تخريج الأحاديث الواردة في الكتاب.
الكويت في 27/ رجب/ 1408 هـ
الموافق 15/ مارس/ 1988 م
د. محمد عيسى صالحية
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
كتاب نادر في نقد الصوفية
الموفى بمعرفة التصوف والصوفي
تأليف الإمام كمال الدين أبي الفضل جعفر بن ثعلب الأدفوي المصري
(685 - 748 هـ)
حققه وقدم له وعلق عليه الدكتور محمد عيسى صالحية
مكتبة دار العروبة للنشر والتوزيع
الكويت
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
الموفي بمعرفة التصوف والصوفي
سَمِعَ جَميع هذا الكِتابِ مِنْ لَفْظِ مؤَلِّفهِ الشَّيْخِ الإِمام العَلَّامَةِ كَمالِ الدّينِ، أبي الفَضْل، جَعْفَرَ بنْ ثَعْلَب الشَّافِعِيّ الأُدْفَويِّ نَفَعَ اللَّهُ به، بحُضور سَيّدنا وشَيْخنا الأُستاذِ الإمامِ العَلّامَة وحَيد دَهْرهِ، وَفرَيد عَصْرِهِ، وَنَسيجِ وَحْدِهِ، أُعُجوَبة الزّمان، أَثير الدّين، أبي حيّان، مُحمّد بن عليّ بن يوسف بن حيَّان(1)، فسح اللَّه في مُدَّته صالحُ بن عبد اللَّه بن عبد اللَّه الدّمشقيّ القَيْمرِي(2)، وذا خطّه وصحّ ذلك، يَوْمَ الاثنين ثامن عشر صفر سنة إحدى وأربعين وسبعماية، بمنزلِ شَيْخِنِا أبي حيّان بالمدرسةِ الصالحيةِ(3) بين--------------------------------------------
(1) انظر ترجمته في، ابن حجر: الدرر الكامنة، 4/ 302، المَقَّري: نفح الطيب، 1/ 625، ابن خلدون: العبر، 6/ 144، السيوطي: بغية الوعاة، 121، ابن حزم: جمهرة الأنساب، 464، الأدفوي: الطالع السعيد، المقدمة من (و - ي).
(2) قال ابن حجر: (هو أحد طلبة الحديث المكثرين، أعتنى بالطلب، ودار على الشيوخ من بعد سنة (30) فأكثر بمصر والإسكندرية ودمشق، انظر "الدرر الكامنة" (1/ 202) و"ذيل العبر" للحسيني ص (271).
(3) المدرسة الصالحية: بخط بين القصرين، بناها الملك نجم الدين أيوب، حيث ابتدأ في بنائها في 13 ذي الحجة سنة 639 هـ، ورتب فيها دروس لفقهاء المذاهب الأربعة سنة 641 هـ، وذكر الأدفوي في الطالع السعيد في حوادث سنة 724 هـ، أن أبا حيان كان يسكنها بتاريخ 11 صفر سنة 724 هـ، وقد ورد اسمها خطأ في الأصل، حيث ذكرها "الصلاحية"، انظر حولها، المقريزي: الخطط، 2/ 347، السيوطي: حسن =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
القَصْرَيْن بالقاهِرةِ المَحْروسَة، وأجازا لي جَميعَ ما يَجوزُ لهما رِوايَتُهُ، والحمدُ
اللَّه ربِّ العالمين وصلّى على سيّدنا محمّدٍ وسلّمَ.
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للَّه العالم بما تُكنُّه الضمائرُ، المُطّلعِ على ما تُبْديهِ الألسنَةُ وما تُخْفيهِ السرائرُ، المُنعم بتنوّعِ الطاعات، ليأتيَ كلُّ أمْرٍ منها بما هوَ عليهِ قادرٌ، فَمنْ فاتَهُ نوعٌ منها، فهو على نَوْعٍ آخرَ مُثابر.
بَعَثَ مُحمدًا من أكرمِ القبائلِ وأشرفِ العناصرِ، وجَعَلَهُ مُقدّمًا في الفضل وإن كانَ وجُوْدُهُ في الزمن الآخر، وخصّه بأصحابٍ هم كالنجومِ الزّواهرِ، صَفّوَة الخَلْقِ، والقائِمونَ بالحقِّ فعليهم تُعْقدُ الخناصرُ، فهمْ أهلُ الصفاءِ، وأربابُ الوفاء، وأكابرُ السّادات، وساداتُ الأكابر، فصلّى اللَّهُ عليه وعلى آلهِ وصحبه، صلاةً يَحْصُلُ بها الأَجرُ الجزيلُ الوافرُ، وتكسو بأحْسَنِ الملابسِ وأفخرِ المفاخر.
وَبَعْدُ: فإنهُ وَقعَ البحثُ في اسم التَصوُّفِ وحقيقةِ الصوفيِّ، ومَنْ يَسْتَحقُّ رَيْعَ ما وُقِفَ أو وُصّي به للصوفية فهذِهِ ثلاثةُ مطالب.
المطلب الأول:
التَّصَوُّف: وهو عبارةٌ عن قصدِ طريقِ طائفةٍ مخصوصةٍ سُمُّوا بالصُّوفيَّة، يُتَلَبَّسُ بها فَقيلَ فيه: إنه من باب تَفَّعُّل، إذا دخَلَ في الفِعْلِ كَقَولِكَ: تَقَّمَصَ، إذا لبِسَ القميصَ.
قالَ الإِمامُ الأُستاذُ أبو القاسم، عبدُ الكَريمِ بنُ هَوَازن القُشَيرْي(1)--------------------------------------------
= المحاضرة، 2/ 144، تاريخ الخلفاء، 307، ابن حبيب: تذكرة النبيه، 1/ 342، الأُدفوي: الطالع السعيد، 106.
(1) هو عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة النيسابوري القشيري =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
-المُتَوصّلُ إلى طريقهم-:
"يُقالُ له مُتَصوّف، والجَمَاعةُ مُتَصَوِّفة"(1).
قال: وليس لهذا الاسمِ من جهةِ العَرَبِيَّة قياسٌ ولا اشتقاق، ولا ظهرَ فيه أثرٌ، فهو لَقَبٌ(2).
فهذا الكلام عليه من حيث الوَضْعُ العُرْفيُّ، المصطلحُ عليه. وأمَّا أقْوالُ الناسِ في ذلِكَ، فَفيهِ مقالات:
قال أبو عثمان، سَعيدُ بنُ إسماعيلَ(3) -أحدُ أكابرِ هذِهِ الطّائفةِ-:
التَصَوُّفُ: الصُّحْبةُ مع اللَّه بحُسن الأدّبِ ودَوَام الهَيْبَبةِ والمُراقَبةِ، والصُّحْبَة مع رسول اللَّه باتَّباعِ سُنَّته ولُزومِ ظاهِرِ العِلْمِ(4)--------------------------------------------
= (ت 145 هـ)، من بني قشير بن كعب، أستاذ المتصوفة في وقته، من فقهاء الشافعية، محدث، مفسر، لغوي، شُهر برسالته في التصوف انظر، البغدادي (الخطيب)، تاريخ بغداد 11/ 83، ابن خلكان: وفيات، 2/ 375، 3/ 205 (إحسان عباس). أبو الفيض: جمهرة الأولياء (أعلام الصوفية)، 2/ 146 ابن عساكر، تبيين كذب المفتري، 271، السبكي: طبقات الشافعية، 5/ 153، ابن خلدون: الجبر، 3/ 259، ابن العماد الحنبلي: شذرات، 3/ 319 طبعة القدسي.
(1) وردت في الرسالة القشيرية، 2/ 550.
(2) وردت في الرسالة القشيرية، 2/ 550 ولكن العبارة كانت ". . . والأظهر فيه أنه لقب".
(3) هو أبو عثمان، سعيد بن إسماعيل بن سعيد بن منصور الحيري (وفي بعض المصادر الجبري والأول هو الأصح) ت 298 هـ، من الري، أقام بنيسابور، ونشر التصوف في خراسان، انظر ترجمته في، السَّلَمي: طبقات الصوفية، 1/ 170، أبو نُعيم: حلية الأولياء، 10/ 244، ابن الجوزي: المنتظم، 6/ 106، ابن خلكان: وفيات الأعيان، 2/ 369، البغدادي (الخطيب): تاريخ بغداد، 9/ 99، القُشيري: الرسالة 1/ 136، الكلاباذي: التعرف، 46، الشعراني: الطبقات 1/ 86، ابن العماد: شذرات، 2/ 230 طبعة القدسي.
(4) وردت في الرسالة القشيرية، 1/ 138 - 139.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
وقال أبو الحُسين، أحمْدُ بن مُحمدٍ النُّوري(1) -شيَخُ الطَّريقةِ-: التَّصوَّفُ تَرْكُ كلِّ حَظ للنَّفْسِ(2):
وقال أبو عَمْرو إسماعيل بن نُجيد(3): التّصوف، الصّبر تحت الأَمْرِ والنَّهي(4).
وقال أبو محمدَ الجُريْري(5): التَّصَوّفُ، الدّخولُ في كلّ خلقٍ سَنِيّ والخُروجُ من كُلِّ خُلقٍ دنيّ(6).--------------------------------------------
(1) أبو الحسين، أحمد بن محمد بن عبد الصمد النوري ت 295 هـ: بغدادي المولد والمنشأ، بغوي الأصل، خراساني من أقران الجنيد، قال عنه الخطيب البغدادي: "هو أعلم العراقيين بلطائف القوم"، انظر، الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد، 5/ 130، أبو نُعيم: حلية الأولياء، 10/ 249 - 255، ابن الجوزي: المنتظم، 6/ 77، السُّلَمي: طبقات الصوفية، 164، القشيري: الرسالة 1/ 140 الكلاباذي: التعرف، 42، الشعراني: طبقات، 1/ 87.
(2) وردت في الرسالة القشيرية، 1/ 140 (ط. مصر)، التعرفة لمذهب أهل التصوف، 34 وطبقات الصوفية، 166.
(3) هو أبو عمرو، إسماعيل بن نُجيْد بن أحمد بن يوسف بن خالد السُّلَمي (ت 366 هـ)، صوفي كبير الشأن آخر من مات من أصحاب أبي عثمان، سعيد بن إسماعيل، انظر ترجمته، القشيري: الرسالة، 1/ 210، الحنبلي (ابن العماد): شذرات الذهب، 3/ 5، الشعراني: الطبقات، 1/ 120، ابن الجوزي: المنتظم، 7/ 84، السلمي: طبقات الصوفية، 454 - 457.
(4) وردت في الرسالة القشيرية، 1/ 210.
(5) هو أحمد بن محمد بن الحسين الجريري (ت 311 هـ)، من كبار أصحاب الجنيد، أقعده الجنيد في مجلسه بوصية منه انظر، القشيري: الرسالة، 1/ 166، السلمي: طبقات الصوفية، 259، أبو نُعيم: حلية الأولياء، 10/ 347، البغدادي (الخطيب): تاريخ بغداد، 4/ 430، الشعراني: الطبقات، 1/ 94.
(6) وردت في الرسالة القشيرية، 2/ 551، واللمع للطوسي، 45 وفيه مسندة عن محمد ابن أحمد بن يحيى الصوفي عن عبد اللَّه بن علي التميمي عن أبي محمد الجُريري (سماعًا).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
وقال محمد بنُ علي(1) -أحَدُ المشايخِ-: التَّصوُّف أخلاقٌ كَريمةٌ(2).
وقال أستاذُ الطائفةِ الجُنَيْدُ بنُ محمدٍ الفَقَيه(3): التصَوّفُ ذِكرٌ معَ اجتماعٍ، وَوَجْدُ مع اسْتماعٍ، وعَمَلٌ مع أتَّباعٍ(4).
المطلب الثاني:
في حقيقةِ الصُّوفيِّ، والكلامِ فيه في مَقامَين:
أحدُهما: في النِّسبةِ.
والثاني: في بَيانِ من تَصْدُقُ عَلَيْهِ النِّسبَةُ.
المقام الأول: النِّسبةُ.
قَالَ الأستاذُ القُشَيْريُّ: كانَ الناسُ بَعْدَ النبيِّ يُسَمَّوْنَ بالصحَّابَةِ؛ إذْ لا فَضيلةَ فَوْقَها، ثم من أدْرَك الصحَّابَةَ يُسمَّوْن تابِعين، ثم أتباعُ التَّابعين، ثم--------------------------------------------
(1) هو محمد بن علي القصاب، أستاذ الجُنيد في التصوف، انظر الطوسي: اللمع، 45 الرسالة القشيرية، 2/ 553.
(2) وردت في الرسالة القشيرية 2/ 552 وتتمتها "ظهرت في زمان كريم، من رجل كريم، مع قوام كريم".
(3) هو الجنيد بن محمد الفقيه، البغدادي، أبو القاسم الخراز، ت 297 هـ، سيد الطائفة وإمام الصوفية في عصره، منشؤه ومولده بالعراق، أصله من نهاوند، كان على مذهب أبي ثور، إبراهيم بن خالد بن اليمان، الكلبي، لقب والده بالقواريري لاشتغاله ببيع الزجاج، حول ترجمته انظر، أبو نُعيم، حلية الأولياء، 10/ 255 - 287، ابن الجوزي: المنتظم 6/ 105، ابن خلكان: وفيات، 1/ 146، السبكي: طبقات، 2/ 28، الكلاباذي: التعرف، 1/ 132 - 136 الشعراني: طبقات، 1/ 84، البغدادي (الخطيب): تاريخ بغداد، 7/ 241 - 249، القشيري: الرسالة، 1/ 33 (ط. مصر)، ابن خلكان: وفيات الأعيان، 1/ 373، ابن الأثير: البداية، 8/ 62.
(4) وردت في الرسالة القشيرية، 2/ 553.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
اخَتَلفَ الناسُ وتَبايَنَت المراتِبُ، فسُمِّي خواصُّ الناسِ مِمَنْ لهم شِدَّةُ عنايةٍ بأَمرِ الدِّين، الزُّهادَ والعُبَّادَ.
ثم ظهرت البِدَعُ وحَصَلَ التَّداعِي بَيْنَ الفِرَق، فَانْفردَ خَواصُّ أهَلِ السُّنَّة، المُراعونَ أنفسهُمْ مع اللَّه، الحافِظونَ قُلوبهم من طَوارقِ الغَفْلَةِ باسمِ التَّصوُّفِ.
قال: واشْتُهِرَ هذا الاسم لهم قَبْلَ المئتين مِنَ الهجرة(1).
قَالَ: وكان أحمدُ بنُ حَنْبلٍ رحمه الله يقولُ لأبي حَمْزَةَ البَزّاز البَغْدادِي(2):
ما تَقَولُ في هذه المسألَةِ يا صُوفيّ. وكانَ فقيهًا عالمًا بالقراءات(3).
ثمّ اختَلَف النّاسُ في أنّ هذه نِسبةٌ إلى ماذا؟ فقالَ بَعْضُهمُ: نسبةً إلى الصَّفاء، لمّا صَفَتْ قُلوبُهُم، وتَنَقّتْ مِن الكدوراتِ جُعلَتْ لَهمْ هذه النِسبةُ(4).
قَالَ القُشَيْريُّ: وهذا بَعيدٌ من جهةِ اللُّغةِ.
وَكَأَنَّهُ استَبْعَدَ من حيث أَنَّ النّسبَة إلى الصّفاء، صَفَويٌّ، ولكن يجوزُ أنْ يكونَ أصْلُهُ صَفويًّا، ثم حَصَلَ التَّغْييرُ من مُتداوِلي اللَّفْظِ.--------------------------------------------
(1) وردت في نقد العلم والعلماء "تلبيس إبليس لابن الجوزي"، 173، الرسالة القشيرية، 2/ 61 - 62.
(2) أبو حمزة البزاز البغدادي، من أولاد عيسي بن أبان، كان عالمًا بالقراءات، من أصحاب الجنيد، ولكنه مات قبل المجنيد، لا نعرف سنة وفاته بالضبط، انظر البغدادي (الخطيب): تاريخ بغداد، 1/ 390، السّلمي: طبقاته، 295، القشيري: الرسالة، 1/ 173، الشعراني: الطبقات 1/ 99.
(3) وردت في الرسالة القشيرية، 1/ 173.
(4) وردت في التعرف لمذهب أهل التصوف، 28.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
وقَالَ بَعْضُهُم: نِسبَةٌ إلى الصُّفَّة، وذلكَ أنّهُم كانوا مُجرّدينَ من الحُظوظِ الدّنيويَّةِ، شابَهوا في حالِهمْ حالَ أهل الصُّفَّةِ(1)، فَحَصلَت لهم هذه النّسبةُ.
واعتُرِضَ على هذا بأنّ النّسبة إلى الصُّفَّة، صَفِّيّ لا صوفيّ، ويُجابُ عنه بما أُجِيبَ به عن الأوَّل(2).
وَقَالَ بَعْضُهم: نِسبةٌ إلى الصَّف، فَكأنهم بما تَعاطوه من الحِرْصِ على الفضلِ والأعْمالِ المُقرِّبة وَطَلب التَّقَدُمِ إلى رضوان اللَّه ويعترض بما أعتُرِض وَيجابُ بِمِثِل ما أُجِيِبَ بِهِ(3).--------------------------------------------
(1) أهل الصّفة: جماعة من الفقراء كانوا يقيمون في صفة مسجد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، التي جعلت لزهاد المسلمين، رغبوا عن عروض الدنيا. من أهم المصادر التي أرختهم: كتاب تاريخ أهل الصفة، لأبي عبد الرحمن السلمي (ت 412 هـ)، وكتاب التحفة في الكلام على أهل الصفة، لتقي الدين السُّبكي (ت 412 هـ)، وقد أفرد عبد الرحمن بدوي فصلًا لهم في كتابه: تاريخ التصوف الإسلامي، ط. الكويت، 1975 ص 127.
وقد وردت أخبارهم في الطبقات لابن سعد ج 2 ق 2 ص 13 نشرة سخاو، ومسند أحمد بن حنبل، وصحيح البخاري، ومسلم وسنن الترمذي، وسنن ابن ماجه، وكتاب اللمع، لأبي نصر السراج الطوسي (132 - 134)، وكتاب التعرف، للكلابادي، الباب الأول ص 5، ط. مصر، وحلية الأولياء لأبي نُعيم، 1/ 337، 2/ 1 - 34) ط. مصر، وكشف المحجوب، للهجويري 97 - 99 (نشر زوكوفسكي) وإحياء علوم الدين، للغزالي، 3/ 167 ط. القاهرة 1289 هـ، وتلبيس إبليس، لابن الجوزي، 176 ط. القاهرة، 1928 م، أبو الفيض: جمهرة الأولياء، أهل الصفة، 131، قاسم غني: تاريخ التصوف، 60.
(2) وردت في الرسالة القشيرية، 1/ 173، جمهرة الأولياء، وأعيان التصوف، لأبي الفيض، 153.
(3) حول التعريفات انظر أيضًا.
القشيري: الرسالة القشيرية (ط. مصر)، 2/ 550 - 551، الكلاباذي: التعرف لمذهب أهل التصوف، 28، ابن الجوزي: تلبيس إبليس، 162.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
وَقَال بعَضُهُم: نِسْبةٌ إلى لِبْسِ الصوّف(1)، وهذا صحَيحٌ من حَيْثُ اللَّغَة، وَاعْتَرَضَ القُشَّيريُّ عَلَيه، بأنَّ القَوْمَ لم يَخَتصُّوا بِلِبس الصّوفِ.
وَيُجابُ بأنّهُ الغالِب عَلَى مَنْ طلبَ خُشَونَةَ العَيْشِ والتَّقَلُّلِ مِنَ الدُّنْيا. والتَّقَشفِ فيها. من تركَ الناعمَ من الثيابِ، ويَقنَعُ بالخَشِن منها. ولبس الصوفِ والقطنِ غالبٌ في هذه الحالةِ. والصوفُ أغلبُ لعمومِ وجودهِ، وخشونتُه أكثر من خشونةِ القطنِ.
وفي الحديث الصحيح من حديث أَبي بردة، قالَ: أخرجتْ لنا عائشةُ كساءً غليظًا وإزارًا غليظًا، فقالت: قُبِضَ [رُوْحُ] رسولُ اللَّه في هذين(2).
وأَخرجَ الترمذيّ من حديثِ عبدِ اللَّه بنِ مسعودٍ عن النبيّ قالَ: "كانَ على موسى يومَ كلَّمه ربَّه كساءُ صوفٍ وجبة صوفٍ، وكمةُ صوفٍ وسراويلُ صوفٍ(3)
ولذلك أيضًا منْ يأخذُ نفسَه بالإِعراض عن الأمور الدنيوية من الأمم الماضية، يتَّصفون بلبسِ الصُّوفِ كالرهبانِ وأشباههم حتّى لا يكادوا ينفَكُّونَ عنه.
وقالَ بعضهم: هو نسبةٌ إلى المصافَاةِ.
قال الشاعرُ: صافَي فَصُوفِيَ حتى لُقِّبَ الصوفي(4).--------------------------------------------
(1) انظر الكلاباذي: التعرف، 29، 30.
(2) رواه البخاري رقم 5817 في اللباس: باب الأكسية والخمائص، وفي الجهاد: باب ما ذكر من درع النبي صلى الله عليه وسلم وعصاه وسيفه، ومسلم رقم (2080) في اللباس: باب التواضع في اللباس، وانظر "زاد المعاد" لابن قيم الجوزية (1/ 141). (م).
(3) رواه الترمذي رقم (1734) في اللباس: باب ما جاء في لبس الصوف، وهو حديث ضعيف، وانظر "جامع الأصول" لابن الأثير بتحقيق والدي الشيخ عبد القادر الأرناؤوط (م).
(4) انظر السبكي: معيد النعم، 173 وفيه: =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
فهو مصافٍ لمولاه بالخدمة والامتثالِ والإِقبالِ على ما يُرضيهِ، والإِعراض عن ما سواه، ومصافٍ للخلقِ باطِّراحِ ما في أيديهم، وتركِ الالتفاتِ إلى ما هو محبوب عندهُم، فهوَ مصافٍ لهم، وهم مصافُونَ لَه، وهذا كما قيلَ في عصفورةِ الجنّة(1).
إنّها لمّا اجتَنبت بُرَّهم اجتَلَبَت بِرَّهم، أَو اجتنبَت حَبَّهم فاجتلبَت حُبَّهُم.
وكذلك لمّا صافُوا الخَلقَ بتركِ ما في أيديهِمْ وعدم مزاحمتِهِمْ في أغراضهم وأعراضهم صافُوهم بمحبَّتِهِم وإجلالهم وتعظيمهم وإكرامِهِمْ.
وقيلَ، نسبةً إلى صوفانة، وهي بقلةٌ تنبت بالصَّحراءِ، فنُسبُوا إليها لأنهم اجتزأُوا باليَسيرِ وبما يُلتفَتُ إليه، قانعينَ ببقلة مُجتزِئين بِها(2).
وقيل: نسبةً إلى صوفَة، وهي قبيلةٌ كانت تجيرُ الحاجّ في الدّهرِ الأولِ، يُقالُ: أَجيري صوفَةَ(3)، فكانُوا ساداتِ النّاس ومنقذِيهِمْ، والمقتدى--------------------------------------------
= تنازع الناس في الصوفيّ واختلفوا … قدما وظنّوه مشتقًا من الصّوفِ
ولست أمنح هذا الاسم غير فتًى … صافي فصوفي حتى سمّي الصوفي
(1) وردت في حياة الحيوان "عصفور الجنة" وتعني الخطاف، أوزوار الهند، وهو من الطيور التي تقطع المسافات البعيدة، رغبة في القرب من الناس، وسمي بعصفور الجنة؛ لأنه زهد بما في أيدي الناس من الأقوات، فلا يأكل البر أو الحب، وإنما يقتات بالذباب والبعوض، وقد ورد في الشعر:
كن زاهدًا فيما حوته يد الورى … تضحي إلى كلّ الأنام حبيبا
أوّ ما ترى الخطاف حرم زادهُم … أضحى مقيمًا في البيوت ربيبا
انظر الدميري: حياة الحيوان، 1/ 293، الجاحظ: الحيوان، 3/ 332.
(2) انظر، ابن الجوزي: تلبيس إبليس، 163 وفيه أنها بقلة رغباء قصيرة، فنسبوا إليها لاجتزائهم بنبات الصحراء".
وانظر أيضًا، الدمياطي: معجم أسماء النبات، 89.
(3) بنو صوفة: بطن من مضر من العدنانية، وهم بنو الغوث بن مر، كانوا يخدمون الكعبة =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
بِهم، فلمَّا حصلَتْ لهذهِ الطائفةِ هذه الرُّتْبَةُ، نُسبُوا إلى تلكَ القبيلةِ لمشاركتِهِمْ في التّقدُّمِ والاقتداءِ بفعلِهِمْ، ذكرَه أبُو نُعَيمٍ وغيرُه.
المقام الثاني:
في بيان من ينطلق عليه هذه النسبة.
وهي تطلقُ باعتبارَيْن:
أحدُهما، العرفُ، في لسانِ أهلِ الطريقةِ الأقدَمِينَ،
الثاني، في العرفِ الخَاصُ في زمانِنا وما يقرُبُ منْهُ فأمّا الأقدَمُون، فاختلَفتْ عباراتُهم في ذلك، والمعنى واحدٌ أو متقارِبٌ.
سُئلَ النُّوري عن الصُّوفي، فقالَ: من سمعَ السَّماعَ وآثَرَ تَرْكَ الأسبابِ.
وسُئل ابنُ الجلَّاءِ(1) عنهُ، فقالَ: لا نعرِفُهُ في شرطِ العِلْمِ، ولكنَّهُ فَقِيرٌ مجرَّدٌ من الأَسبابِ، وكانَ مع اللَّه بِلَا مَكان"(2).--------------------------------------------
= في الجاهلية ويفيضون بالحجاج من مزدلفة إلى منى، فلا يجوز أحد حتى يجوزوا، وكان أجيزي صوفة، ثم انقرضوا، أنظر، ابن الجوزي: تلبيس إبليس، 161.
القلقشندي: نهاية الأرب، 317، ابن منظور، لسان العرب، 11/ 103، ابن خلدون: العبر، 2/ 319، النويري: نهاية الأرب، 2/ 344.
(1) ابن الجلاء (أحمد بن يحيى الجلاء، أبو عبد اللَّه) ت 306 هـ، بغدادي الأصل، أقام بالرملة ودمشق، من أئمة التصوف الثلاثة بالإضافة إلى الجنيد في بغداد، وأبي عثمان في نيسابور، ولقب بالجلاء لأنه "إذا تكلم جلا القلوب، وإذا وعظ أتى بالمطلوب"، انظر، أبو نعيم: حلية الأولياء، 10/ 314، ابن الجوزي: المنتظم، 6/ 148، الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد، 5/ 213، السلمي: طبقات، 176، الشعراني: طبقات، 1/ 87، المناوي: الكواكب الدرية، 2/ 15 القشيري: الرسالة، 1/ 142 - 143.
(2) وردت العبارة في الرسالة القشيرية 2/ 556. وفيه "سمعت أبا حاتم السجستاني، سمعت أبا نصر السراج يقول، سئل ابن الجلاء، ما معنى قولهم صوفي؟ =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)