4433 - عن عائشة أنّها قالت: جاء رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: احترقتُ. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لِمَ؟". قال: وطِئْتُ امرأتي في رمضان نهارًا. قال:"تصدَّقْ، تصدَّقْ". قال: ما عندي شيءٌ، فأمره أن يجلس، فجاءه عرقان فيهما طعام، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتصدَّق به.

متفق عليه: رواه البخاريّ في الصوم (1935)، ومسلم في الصيام (1112) كلاهما من طريق يحيى بن سعيد، أنّ عبد الرحمن بن القاسم أخبره، عن محمد بن جعفر بن الزبير بن العوّام بن خويلد، عن عبّاد بن عبد الله بن الزبير أخبره، أنه سمع عائشة تقول (فذكرته).



واللفظ لمسلم، وفي رواية له: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تصدَّق بهذا". فقال: يا رسول الله، أغيَرنا؟ ! فواللهِ إنّا لجياعٌ ما لنا شيءٌ، قال:"فُكُلوه". هكذا رواه الشيخان مختصرًا.



ورواه أبو داود (2394) من طريق عمرو بن الحارث، أنّ عبد الرحمن بن القاسم حدّثه، أن محمد بن جعفر بن الزبير حدَثه، أنّ عباد بن عبد الله بن الزبير حدثه، أنه سمع عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: أتى رجلٌ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم في المسجد في رمضان، فقال: يا رسول الله، احترقتُ، فسأله النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"ما شأنُه؟" قال: أصبتُ أهلي. قال:"تصدَّقْ". قال: واللهِ! ما لي شيء، ولا أقدر عليه. قال:"اجلسْ"، فجلس. فبينما هو على ذلك؛ أقبل رجل يسوق حمارًا عليه طعام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أين المحترق آنفًا؟". فقام الرجل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"تصدَّق بهذا". فقال: أعلى غيرنا؟ فوالله! إنّا لجياع ما لنا شيء. قال:"كلوه".



وتابعه على البعض محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير بإسناده، وفيه: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم جالسًا في ظل فارع أجم حسان.



رواه الإمام أحمد (26359) عن يعقوب، قال: حدّثنا أبي، عن ابن إسحاق.



وقوله:"وهو جالس في ظل فارع أجم حسان" شاذ فإنّ الصحيح أنه كان في المسجد. الفارع من كلّ شيء: المرتفع العالي.



وفي الباب ما رُوي عن جابر بن عبد الله، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:"من أفطر يومًا في شهر رمضان في الحضر، فليهد بدنة، فإن لم يجد فليطعم ثلاثين صاعًا من تمر للمساكين". رواه الدارقطني (2309) وقال: وفيه الحارث بن عبيدة ومقاتل بن سليمان ضعيفان.



وكذلك لا يصح ما رُوي عن أنس بن مالك مرفوعًا:"من أفطر يومًا من شهر رمضان من غير رخصة ولا عذر كان عليه أن يصوم ثلاثين يومًا، ومن أفطر يومين كان عليه ستون. ومن أفطر ثلاثة أيام كان عليه تسعون يومًا".



رواه الدارقطني (2310) من طريق مقاتل بن حيان، عن عمرو بن مرة، عن عبد الوارث الأنصاري، قال: سمعت أنس بن مالك، فذكره.



قال الدارقطني:"لا يثبت هذا الإسناد، ولا يصح عن عمرو بن مرة".



وروي أيضًا عن أنس مرفوعًا:"من أفطر يومًا من رمضان من غير عذر فعليه صيام شهر". رواه الدارقطني (2311) من حديث مدل بن علي، عن أبي هاشم، عن عبد الوارث، عن أنس، فذكره.



قال الدارقطني:"مندل ضعيف".

وفي الباب ما رُوي عن ابن عمر، قال: جاء رجلٌ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: إني أفطرتُ يومًا من رمضان. قال:"من غير عذر ولا سفر؟". قال: نعم. قال:"بئس ما صنعتَ". قال: فما تأمرني؟ قال:"اعتق رقبة". نذكر باقي الحديث، وليس فيه ذكر للجماع.



رواه أبو يعلى (5725)، والطبراني في"الكبير"، و"الأوسط".



قال الهيثمي في"المجمع" (3/ 161 - 168):"ورجاله ثقات".



قلت: ولكن فيه حبيب بن أبي ثابت عن ابن عمر، وحبيب كثير الارسال والتدليس، ولم يدرك ابن عمر بن الخطاب.



قال علي بن المديني:"حبيب بن أبي ثابت لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من الصحابة".







فقه الحديث:



ظاهر الحديث يدل على الأمور الآتية:



1 - إن المفطر في رمضان بإصابة أهله عليه الكفارة المذكورة، وهو أمر لا خلاف بين جمهور أهل العلم إلا من شذ، فقال: لا تجب مستندًا إلى أنه لو كان واجبًا لما سقط بالإعسار، وقد أجيب بأنه لم يسقط بالإعسار، بل دُفِعَ عنه من المال العام، إذ لو لم يكن واجبا لما دفع عنه. وفيه كلام طويل في كتب الحديث والفقه.



2 - إنّ هذه الكفارة تكون على الترتيب الذي جاء في الحديث مرتبة ككفارة الظهار في كتاب الله في قوله: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [سورة المجادلة: 2 - 3].



وبه قال جمهور أهل العلم منهم: أبو حنيفة، وأصحابه، والشافعي، وأحمد في رواية.



وذهب مالك إلى التخيير كما في حديث أبي هريرة الذي رواه في الموطأ. وهي رواية ثانية عن أحمد، إلا أنّ مالكًا يختار الإطعام لأنه يشبه البدل من الصيام، وقد رُوي عن مالك أنه قال: الذي نأخذ به في الذي يصيب أهله في نهار رمضان إطعام ستين مسكينًا، أو صيام ذلك اليوم. وليس التحرير والصيام من كفارة رمضان في شيء".



قال ابن قدامة في"المغني" (4/ 380):"وهذا القول ليس بشيء لمخالفته الحديث الصحيح، مع أنه ليس له أصل يعتمد عليه، ولا شيء يستند إليه، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع.



وأما الدّليل على وجوب الترتيب فالحديث الصّحيح رواه معمر، ويونس، والأوزاعي، واللّيث، وموسى بن عقبة، وعبيدالله بن عمر، وعراك بن مالك، وإسماعيل بن أمية، ومحمد بن أبي عتيق وغيرهم عن الزّهريّ عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال

للواقع على أهله:"هل تجد رقبة تعتقها؟" قال: لا، قال:"فهل تستطيع أن نصوم شهرين متابعين؟". قال: لا. قال:"فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟". قال: لا. وذكر سائر الحديث وهذا لفظ الترتيب، والأخذ بهذا أولي من رواية مالك لأن أصحاب الزّهريّ اتفقوا على روايته هكذا سوى مالك وابن جريج فيما علمنا، واحتمال الغلط فيهما أكثر من احتماله في سائر أصحابه؛ ولأن الترتيب زيادة، والأخذ بالزيادة متعين. ولأنّ حديثنا لفظُ النبي صلى الله عليه وسلم وحديثهم لفظ الرّاوي، ويحتمل أنه رواه بـ"أو" لاعتقاده أن معنى اللّفظين سواء، ولأنّها كفارة فيها صوم شهرين متتابعين، فكانت على الترتيب ككفارة الظِّهار والقتل" انتهى كلامه.



3 - ذهب مالك في"الموطأ" إلى أن المفطر في رمضان بأكل أو شرب، أو جماع أنّ عليه الكفارة المذكورة، كما يدل عليه ظاهر الحديث الذي لم يقيد بالجماع. وبه قال أبو حنيفة وأصحابه.



وعند الشافعي في رواية: عليه مع القضاء العقوبة لانتها كهـ حرمة الشهر. وقال أحمد: لا أقول بالكفارة إلا في الفتيان. ذكره الأثرم أي عليه القضاء ولا كفارة عليه.



والقول الثاني للشافعي: عليه القضاء وليس عليه الكفارة؛ لأنّ الحديث ورد في المجامع، وليس الأكل منه. بدليل إجماعهم أن المستقيء عاما عليه القضاء فقط.



4 - ذهب جمهور أهل العلم منهم الأئمة الأربعة وغيرهم أن المجامع في رمضان عليه قضاء ذلك اليوم مع الكفارة، للزيادة التي ثبتت في الحديث كما مضى.



قال ابن عبد البر: ومن جهة النظر والقياس أن الكفارة عقوبة للذنب الذي ركبه، والقضاء بدل من اليوم الذي أفده، فكما لا يسقط عن المفسد حجّه بالوطء البدل إذا أهدى، فكذا قضاء اليوم". الاستذكار (10/ 100). وقال الشافعي في أحد قوليه: من لزمه الكفارة لا قضاء عليه؛ لأنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يأمر الأعرابي بالقضاء.



وحكي عن الأوزاعي: إن كفّر بالصيام فلا قضاء عليه، لأنه صام شهرين متتابعين.



5 - وليس في الحديث ما يدل على أن الكفارة لا تلزم الفقير كما ذهب إليه البعض محتجًا بظاهر الحديث؛ بل الحديث يدل على عكس من ذلك فإنّ الأعرابي الذي قال له النبيّ صلى الله عليه وسلم:"أطعم ستين مسكينًا". فقال: لا أجد. فلم يسقط عنه النبيّ صلى الله عليه وسلم بل أمهله، فلما جاء له. قال:"خذ هذا وتصدَّق". فأخبر أنه ليس بالمدينة أحوج إليه منه.



وقد ثبت في الحديث:"خير الصدقة ما كان عن ظهر غني، فلم ير له أن يتصدّق على غيره ويترك نفسه وعياله.



ففيه تأجيل لا تعطيل، فمتى ما يجد يجب عليه، سواء يتصدق على أهله أو على غيره.



أو أنه يحمل على أن هذا خاص لذلك. الرجل، ولو أن رجلًا فعل ذلك اليوم لم يكن له بد من

التكفير، وإليه ذهب الزهريّ.



وفي الحديث فوائد أخرى، قال الحافظ ابن حجر في"الفتح" (4/ 173):"وقد اعتنى به بعض المتأخرين ممن أدركهـ شيوخنا، فتكلم عليه في مجلدين، جمع فيهما ألف فائدة وفائدة، ومحمله إن شاء الله تعالى فيما لخصته مع زيادات كثيرة عليه. فلله الحمد على ما أنعم". انتهى كلامه.

আল-জামি` আল-কামিল (4433)