6542 - عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا يُحرِّمُ من الرضاعة إِلَّا ما فتقَ الأمعاءَ في الثديّ، وكان قبل الفِطام".



صحيح: رواه الترمذيّ (1152) والنسائي في الكبرى (5441) كلاهما عن قُتَيبة، حَدَّثَنَا أبو عوانة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن فاطمة بنت المنذر، عن أم سلمة فذكرته.



إسناده صحيح، وصحّحه أيضًا ابن حبَّان (4224) ورواه من وجه آخر عن أبي عوانة مختصرًا.



وقال الترمذيّ:"هذا حديث حسن صحيح. والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم وغيرهم، أن الرضاعة لا تُحرِّم إِلَّا ما كان دون الحولين، وما كان بعد الحولين الكاملين فإنه لا يُحرِّم شيئًا".



وفاطمة بنت المنذر بن الزُّبير بن العوّام هي امرأة هشام بن عروة، ولكن اختلف على هشام بن عروة فرواه عنه أبو عوانة هكذا مرفوعًا، وخالفه وهيب وهو - ابن خالد بن عجلان - فرواه عن هشام بإسناده موقوفًا على أم سلمة. رواه إسحاق بن راهويه (4/ 175) عن المخزوميّ، نا وهيب به.



وكذا خالفه يحيى القطان، فرواه عن هشام، عن يحيى بن عبد الرحمن، عن أم سلمة موقوفًا.



ذكره الدَّارقطنيّ في"العلل" (15/ 255) وقال:"قول يحيى أشبه".



قلت: هشام بن عروة له شيخان: أحدُهما: فاطمة بنت المنذر زوجته وهي رواية أبي عوانة المرفوعة وهي أشبه بالصواب لأنها من روايته عن زوجته. ولكن يعكره ما رواه وهيب بن خالد وهو ثقة أيضًا - موقوفًا.



فلعل فاطمة بنت المنذر تروي مرة مرفوعًا، وأخرى موقوفًا. والحكم للزيادة.



وأعله ابن حزم في"المحلى" (11/ 202) بالانقطاع بين فاطمة بنت المنذر - وبين أم سلمة فقال: وُلدتْ فاطمة سنة (48 هـ) وماتت أم سلمة سنة (59 هـ).

قلت: هذه العلة غير قادحة؛ فإن فاطمة كان عمرها (11 سنة) وهي كانت بالمدينة فلقاءهما ممكن.



وأمّا رواية يحيى القطان ففيه يحيى بن عبد الرحمن لم أعرف من هو؟ وفي الإسناد أيضًا انقطاع فلا يعتمد عليه.



وقد صحح هذا الحديث أيضًا الحاكم، وابن القيم، وسكت عليه الحافظ في الفتح بعد أن نقل حكم الترمذيّ بأنه: حسن صحيح.



وقوله:"فتق الأمعاء" أي شقَّها، ودخل فيها بحيث صار غذاء للولد.



وقوله:"في الثدي" أي في زمن الثدي.



قال الحافظ ابن القيم في زاده (5/ 580):"وهذه لغة معروفة عند العرب، فإن العرب يقولون: فلان مات في الثدي، أي: في زمن الرضاع قبل الفطام، ومنه الحديث المشهور:"إن إبراهيم مات في الثدي، وإن له مُرْضِعًا في الجنّة تُتِمُّ رضاعَه" يعني إبراهيم ابنه صلوات الله وسلامه عليه، قالوا: وأكد ذلك بقوله:"لا رضاعَ إِلَّا ما فتقَ الأمعاءَ، وكان في الثدي قبل الفِطام".



وفي الباب ما رُوي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا رضاعَ إِلَّا ما كان في الحولين".



رواه الدَّارقطنيّ (4/ 174) والبيهقي (7/ 462) كلاهما من حديث أبي الوليد بن برد الأنطاكيّ، نا الهشم بن جميل، نا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس فذكره.



قال الدَّارقطنيّ:"لم يُسنده عن ابن عيينة غير الهيثم بن جميل، وهو ثقة حافظ".



ونقل البيهقيّ عن ابن عدي أنه قال:"هذا يعرف بالهيثم بن جميل، عن ابن عيينة مسندًا، وغير الهيثم يُوقِف على ابن عباس".



قلت: وهو كما قال: فقد رواه سعيد بن منصور، عن ابن عيينة موقوفًا.



والهيثم بن جميل وإن كان ثقة حافظا كما قال الدارقطنيّ، إِلَّا أنه وهم في رفع هذا الحديث، والصحيح وقفه على ابن عباس.



وفي معناه ما رُوي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تحرّم من الرضاعة المصّةُ والمصّتان، ولا يحرّمُ منه إِلَّا ما فتقَ الأمعاء".



رواه البزّار - كشف الأستار - (1444)، والبيهقي (7/ 455) كلاهما من حديث محمد بن إسحاق، عن إبراهيم بن عقبة، عن حجَّاج بن حجَّاج، عن أبي هريرة فذكره.



قال البزّار:"لا نعلمه بهذا اللّفظ إِلَّا بهذا الإسناد، وحجاج بن حجَّاج رُوي عن أبيه وأبي هريرة، وروى عنه عروة وهو معروف".



وقال البيهقيّ:"ورواه الزهري وهشام عن عروة موقوفًا على أبي هريرة بعض معناه.



وقد رُويَ من أوجه أخرى أضعف من هذا.



ومنها: ما ذكره أبو حاتم في"العلل" (1/ 417) فإنه ذكره من طريق ابن لهيعة، عن عيسى بن

عبد الرحمن الزرقيّ، عن الزّهريّ، عن سعيد بن المسيب، أو أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره.



وقال:"هذا حديث باطل، وعبسي هذا أبو عباد لا أعرف له حديثًا صحيحًا.



وقال ابن عدي:"يروي المناكير عن الزهري".



فقه الحديث: يستفاد من أحاديث الباب أن خمس رضعات فما فوقها هي المحرمة، وبه قال أحمد والشافعي وإسحاق ومعظم أهل الحديث.



قال الإمام أحمد:"إن ذهب ذاهب إلى قول عائشة في خمس رضعات فهو مذهب قوي".



والمراد بالخمس الرضعات هنا: خمس مصّات، فإذا مصَّ الطفلُ ثدي المرأة، ثمّ تركهـ باختياره فهذه رضعة واحدة، ثمّ عاد إليه، فهذه رضعة ثانية، ثمّ عاد إلى المص، ثمّ تركه للتنفس، أو للانتقال إلى ثدي آخر، فهذه ثالثة، وهكذا الرابعة والخامسة أيضًا، وليس المراد منه كما يَفْهم بعضُ الناس أن الشبع في فترةٍ واحدةٍ تُعتبر رضعةٌ واحدةٌ، ولو مصر خمس مرات أو أكثر، فعلي قولهم يجب أن يشبع خمس مرات، ولو كثر عدد الرضعات، وإنما الصَّحيح هو عدد المصات لا عدد الشبعات.



وبه أفتتِ اللجنةُ الدائمةُ للفتوى للمملكة العربية السعودية، وقالت اللجنة:"ولو وصل اللبن إلى جوف الطفل بغير الإرضاع، كأن يُقطر في فمه، أو يشربه في إناء ونحوه، فحكمه حكم الرضاع بشرط أن يحصل من ذلك خمس مرات. ولو لم يحصل الشبع في بعض المرات حُسبتْ رضعة، وهكذا حتَّى تتم خمسُ رضعات، فإذا نقص ولو رضعة واحدةٌ فإنها لا تُحرِّم".



وقالت اللجنة:"وسواء ارتضع من الثدي، أو شربه في إناء خمس جرعات".



وقالت اللجنة:"وإن حصل الشك في عدد الرضعات هل هي خمس أو أقل؟ فالأصل عدم الرضاع، فلا يحرم". انتهى.



والقول الثاني: إن رضعةً واحدةً تُحرِّم بظاهر القرآن في قوله تعالى: {وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} [النساء: 23].



وبه قال أبو حنيفة ومالك، وتركا لذلك الأحاديثَ الصحيحةَ بحجة إنها زيادة على القرآن.



والقول الثالث: لا تُحرّمه أقل من ثلاث رضعات لقول النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم:"لا تحرِّمُ المصة والمصتان". وبه قال داود الظاهري.



والصحيح هو القول الأوّل لوجود أدلة صحيحة واضحة من السنة الصحيحة، وهي ليست زائدة على القرآن، بل هي مُخصّصة لمطلقه مثل أحكام الصّلاة والزكاة والصوم والحج وغيرها. وبالله التوفيق.

আল-জামি` আল-কামিল (6542)