6754 - عن أبي قلابة أن عمر بن عبد العزيز أبرز سريره يومًا للناس، ثمّ أذن لهم فدخلوا، فقال: ما تقولون في القسامة؟ قالوا: نقول: القسامة القود بها حق، وقد أقادت بها الخلفاء. قال لي: ما تقول يا أبا قلابة! ونصبني للناس. فقلت: يا أمير المؤمنين! عندك رؤوس الأجناد، وأشراف العرب، أرأيتَ لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل محصن بدمشق أنه قد زنى، لم يروه أكنت ترجمه؟ قال: لا.



قلت: أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل بحمص أنه سرق أكنت تقطعه ولم يروه؟ قال: لا. قلت: فوالله ما قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قطّ إِلَّا في إحدى ثلاث خصال: رجل قتل بجريرة نفسه فقُتل، أو رجلٌ زنى بعد إحصان، أو رجلٌ حارب اللهَ ورسولَه وارتدَّ عن الإسلام. فقال القوم: أو ليس قد حدث أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع في السرق وسمر الأعين، ثمّ نبذهم في الشّمس؟



فقلت: أنا أحدّثكم حديث أنس، حَدَّثَنِي أنس أن نفرا من عكل ثمانية قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعوه على الإسلام، فاستوخموا الأرض فسقمت أجسامُهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"أفلا تخرجون مع راعينا في إبله، فتصيبون من ألبانها وأبوالها؟" قالوا: بلى، فخرجوا فشربوا من ألبانها وأبوالها فصحوا، فقتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأطردوا النعم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل في آثارهم، فأُدْركوا فجيء بهم، فأمر بهم، فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم، ثمّ نبذهم في الشّمس حتَّى ماتوا. قلت: وأي شيء أشد مما صنع هؤلاء؟ ارتدوا عن الإسلام وقتلوا وسرقوا.



فقال عنبسة بن سعيد: والله إنْ سمعتُ كاليوم قطّ. فقلتُ أتردُّ عليَّ حديثي يا عنبسة؟ قال: لا، ولكن جئتَ بالحديث على وجهه، والله لا يزال هذا الجند بخير ما عاش هذا الشّيخ بين أظهرهم.



قلت: وقد كان في هذا سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليه نفر من الأنصار فتحدثوا عنده، فخرج رجل منهم بين أيديهم فقُتل، فخرجوا بعده، فإذا هم بصاحبهم يتشحط في الدم، فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله! صاحبنا كان تحدث معنا، فخرج بين أيدينا، فإذا نحن به يتشحط في الدم. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"بمن تظنون أو ترون قتله؟" قالوا: نرى أن اليهود قتلته. فأرسل إلى اليهود فدعاهم، فقال:"آنتم قتلتم هذا؟". قالوا: لا. قال:"أترضون نفل خمسين من اليهود ما قتلوه". فقالوا: ما يبالون أن يقتلونا أجمعين ثمّ ينتفلون. قال:"أفتستحقون الدية بأيمان خمسين منكم". قالوا: ما كنا لنحلف فوداه من عنده.

قلت: وقد كانت هذيل خلعوا خليعا لهم في الجاهليّة فطرق أهل بيت من اليمن بالبطحاء فانتبه له رجلٌ منهم فحذفه بالسيف فقتله، فجاءت هذيل فأخذوا اليماني فرفعوه إلى عمر بالموسم وقالوا: قتل صاحبنا. فقال: إنهم قد خلعوه. فقال: يقسم خمسون من هذيل ما خلعوه. قال فأقسم منهم تسعة وأربعون رجلًا، وقدم رجل منهم من الشام فسألوه أن يقسم فافتدى يمينه منهم بألف درهم، فأدخلوا مكانه رجلًا آخر، فدفعه إلى أخي المفتول فقُرنت يده بيده، قالوا: فانطلقا والخمسون الذين أقسموا حتَّى إذا كانوا بنخلة، أخذتهم السماء فدخلوا في غار في الجبل، فانهجم الغارُ على الخمسين الذين أقسموا فماتوا جميعًا، وأفلت القرينان واتبعهما حجر فكسر رجل أخي المقتول، فعاش حولا ثمّ مات.



قلت: وقد كان عبد الملك بن مروان أقاد رجلًا بالقسامة ثمّ ندم بعد ما صنع، فأمر بالخمسين الذين أقسموا فمُحُوا من الديوان وسيَّرهم إلى الشام.



متفق عليه: رواه البخاريّ في الديات (6899) ومسلم في القسامة (10: 1671) كلاهما من طريق ابن علة، حَدَّثَنَا الحجاج بن أبي عثمان، حَدَّثَنِي أبو رجاء مولى أبي قلابة، عن أبي قلابة، فذكره. والسباق للبخاريّ. وأمّا مسلم فاختصره مقتصرًا على قصة العرنيين.



وطريق الجمع بين هذا الحديث والأحاديث التي قبلها يقال: حفظ بعضهم ما لم يحفظ الآخر، وتفصيله أنه طلب البينة أولا من المدعي وهم الأنصار، فلمّا لم تكن عندهم البينة عرض عليهم الأيمان فامتنعوا، فعرض عليهم تحليف اليهود فأبوا. فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده من بيت المال. حتَّى لا يتعارض بعضه بعضًا، والقصة واحدة.



إِلَّا أن البخاريّ يذهب إلى أصل المسألة وهي أن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر، ولذا أخرج في باب القسامة حديث سعيد بن عبيد عن بشير بن يسار وفيه:"تأتوا بالبينة أو فيحلفون" وكذلك في حديث عمر بن عبد العزيز، والجمهور على خلافه كما سيأتي من قول الخطّابي.

আল-জামি` আল-কামিল (6754)