وأما اعتراضه بالغزو والقتال فهو اعتراض باطل من وجوه:
الأول:
أن الغزو والقتال للأعداء فضيلة متنافس فيها على الجملة، دالة على شرف النفس، وعلو الهمة، ولم يزل التمادح به مشهورا في القديم والحديث.
وإنما يذم ما كان منه ظلما وعدوانا، وليس كذلك قتال نبينا صلى الله عليه وسلم لما نبينه في الوجه الثاني.
وهو أن قتاله صلى الله عليه وسلم إنما هو عن أمر الله -تعالى- وشرعه لإقامة دين لله وإبطال عبادة من سواه من الأنداد والأصنام.
وهذا من أعظم الفضائل، وأكبر المناقب، وأرفع الرتب، وهو قتال الأنبياء وأتباعهم، ولنبينا صلى الله عليه وسلم وأتباعه من هذه الفضيلة أوفر حظ، وأكمل نصيب.
الوجه الثالث:
أن قتاله صلى الله عليه وسلم من أعلام نبوته، وأدلة رسالته، لأنه مطابق لما جاء من نعته في كتب الأنبياء عليهم السلام كما قدمنا من نص الزبور في قوله:
(تقلد - أيها الجبار - بالسيف، فإن شريعتك وسنتك مقرونة بهيبة يمينك وسهامك مسنونة) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 403)
وفي النص الآخر في صفته صلى الله عليه وسلم، وصفة أمته: (بأيديهم سيوف ذات شفرتين) .
إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على أنه يبعث بالسيف والقتال.
وتقدم في قصة ابن الهيبان الحبر في وصيته لليهود باتباعهم محمدا صلى الله عليه وسلم قوله: (لا تسبقن عليه يا معشر اليهود، فإنه يبعث بسفك الدماء، وبسبي الذراري والنساء ممن خالفه، فلا يمنعكم ذلك منه) .
الوجه الرابع:
أن القتال ليس مختصا بشريعته صلى الله عليه وسلم، فقد قاتل كثير من الأنبياء عليه السلام بإذن الله لهم في ذلك وأمره، وقد أمر الله بني إسرائيل بقتال الجبارين، ودخول الأرض المقدسة مع موسى عليه السلام. فلما عصوا أمر الله عاقبهم بالتيه أربعين سنة، وبعد خروجهم منه توجهوا لقتال الجبارين مع يوشع بن نون عليه السلام، ففتح الله عليهم، ولم يزل الجهاد والقتال مشهورا في بني إسرائيل، ومعهم الأنبياء، كما قال الله -تعالى-:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 404)
{وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} .
وأما كون القتال غير مشروع لعيسى عليه السلام فذلك لا يدل على أن تركه أفضل مطلقا، بل هذا من اختلاف الشرائع، كما قال -تعالى-: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} .
الوجه الخامس:
أن في الجهاد من المصالح العظيمة، والحكم الباهرة فيما يتعلق بأمر الدنيا والآخرة ما لا يحصى:
فمنها ما يترتب عليه من إعلاء كلمة الله، وإقامة دينه، وعزة أنصاره، وإنفاذ أحكامه، وقد حصل به من ذلك على يد محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأتباعه ما شتت شمل الكفر وفرق كلمة الإشراك، وأرغم أنف الشيطان اللعين.
ومنها: إنقاذ الهالكين في الكفر، والضلالة، وعبادة الأصنام، والأنداد، وإخراجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ومن طريق النار إلى سبيل الجنان، ومن رق الشيطان إلى عبادة الرحمن.
وقد أنقذ بهذه الأمة، وجهادها من شاء الله من الأمم الهالكين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 405)
وفي هذا المعنى ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه في قول الله -تعالى-: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} قال: خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم، حتى يدخلوا في الإسلام.
ومنها ابتلاء الله -تعالى- عباده، واختبارهم بتكليفهم القتال، وبذلهم - في طاعته - النفوس والأموال، كما قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} وقال -تعالى-: {وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} ، وقال -تعالى-: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} .
ومنها ما يترتب على ذلك من عظيم المثوبات ورفعة الدرجات بما بذلوا من مهجهم وأموالهم في طاعة الله ونصرة دينه، فالمجاهدون أرفع الناس درجة في الدنيا والآخرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 406)
الوجه السادس:
أنه إذا كان قتاله صلى الله عليه وسلم عن أمر الله لثبوت رسالته، فالاعتراض عليه في شيء من أمره اعتراض على الله، لأنه الذي شرع وأمر.
وهذا نظير اعتراض من يعترض من المكذبين للرسل على ذبح الحيوان للأكل بأن هذا تعذيب للحيوان لا يأذن الله فيه.
وإذا كانت شرائع الأنبياء جاءت بذبح بعض الحيوانات للأكل وقتل بعضها دفعا للأذى، مع أنه لا تكليف عليها ولا ذنب لها، فكيف يكون الأمر في قتال أعداء الله الكافرين به المكذبين رسله العابدين معه آلهة أخرى؟. لا جرم أن قتالهم وغزوهم وجهادهم حتى يؤمنوا بالله، ويتابعوا رسوله لفي غاية الصلاح ونهاية السداد وتمام الحكمة.
وبالجملة، ففضائل الجهاد في سبيل الله أكثر من أن يأتي عليها الوصف، وما كان هذا شأنه فلا شك أن المتصف به قد حاز فضلا عظيما، واقتنى خيرا كثيرا، وأن مشروعيته في هذه الملة من محاسنها ومحاسن من جاء بها، وفضائل أتباعه الذين هم خير أمة أخرجت للناس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 407)
فصل
وأما قول النصراني:
" وكان يشوع قد ارتفع إلى السماء، وأما محمد فهو بقي محبوسا في القبر ".
فجوابه أن الله -تعالى- خص من شاء من رسله بما شاء من الخصائص، وخص نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم بخصائص كثيرة لم يشاركه فيها أحد من الأنبياء، وشارك الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - في خصائص كثيرة. بل قال بعض العلماء: " إنه ما خص نبي بشيء إلا كان لنبينا صلى الله عليه وسلم مثله زيادة ما اختص به عن جميعهم ".
وقد بسط العلماء ذلك بما يبين للمتأمل صحته، ولسنا بصدد تفصيل ذلك خوف الإطالة، فمن ذلك ما ذكر من رفع عيسى عليه السلام إلى السماء، فإن نبينا صلى الله عليه وسلم قد أعطى ذلك ليلة المعراج إلى السماوات، وزاد في الترقي لمزيد الدرجات، وحظي بسماع المناجات، ومشاهدة الكبرى من الآيات، والوصول إلى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 409)
ذلك المقام الذي سمع فيه صريف الأقلام، وفرضت عليه هناك الصلوات، وخلعت عليه خلع الكرامات.
وهذه فضيلة لم تجئ لأحد من الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-. وأيضا فلو لم تجئ هذه الفضيلة لنبينا صلى الله عليه وسلم لم يكن عدمها دالا على تفضيل عيسى عليه السلام عليه، لأن لنبينا صلى الله عليه وسلم من الفضائل والخصائص ما هو مقتضى سيادته لولد آدم، فتخصيص المفضول بخصيصة ليست للفاضل أمر معلوم، كما خص داود عليه السلام بإلانة الحديد، وتأويب الجبال والطير معه، وسليمان بتسخير الجن والشياطين، وتسخير الريح، غدوها شهر، ورواحها شهر، والملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده، وكرفع إدريس عليه السلام إلى السماء. وأمثال ذلك، وكل هذا لا يدل على تفضيل هؤلاء الأنبياء عليهم السلام على الخمسة أولي العزم الذين هم أفضل الرسل، وإن لم تكن لهم تلك الخصائص، فإن الذي أوتوه من الفضائل والخصائص من وجوه أخر أعظم وأفضل.
وقد روى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «وأعطيت خمسا لم يعطهن أحد من قبلي، كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد من قبلي، وجعلت لي الأرض مسجدا»
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 410)
«وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل حيث كان، ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة» … أخرجه البخاري وغيره. وفي رواية: … «وبعثت إلى الناس كافة» .
وليس المراد حصر خصائصه صلى الله عليه وسلم في هذه الخمس المذكورة، فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون» . فذكر الخمس المذكورة في حديث جابر، وزاد خصلتين، وهما: «أعطيت جوامع الكلم، وختم بي النبيون» .
وله صلى الله عليه وسلم من مشاهير الخصائص غير هذا كتخصيص أمته بوضع الآصار، وحط الأثقال التي كانت على من قبلهم، ورفع تحميلهم ما لا يطاق، ورفع الخطأ والنسيان عنهم، وتسميته صلى الله عليه وسلم أحمد، وإعطائه مفاتيح خزائن الأرض، وجعل أمته خير الأمم، وغفران ذنبه ما تقدم وما تأخر، وبقاء معجزة القرآن الذي أنزل عليه إلى يوم القيامة، وإعطائه الكوثر، وإعطائه لواء الحمد يوم القيامة، وأن آدم ومن دونه تحت لوائه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 411)
وبعض العلماء عد خصائصه ستين خصلة، وليس غرضنا استقصاء ذلك؛ فاكتفينا بالتنبيه عليه ردا لكلام المبطل، ونقضا لاعتراضه، وطريق إثبات هذه الخصائص هو طريق إثبات المعجزات كما سيأتي -إن شاء الله تعالى-.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 412)
فصل
وأما قول النصراني:
" فمن ذا الذي لا ينظر أيهما أولى أن يتبع ".
فالجواب:
أن من نظر لنفسه، ونصحها، ونظر بعين البصيرة والعقل الصحيح - في دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وكثرة فضائله وظهور معجزاته، وشواهد نبوته، وشهادة الله له بالصدق، بما أيده به من عظيم الآيات - لا يعتريه شك، ولا يخالجه ريب، ولا يقف أدنى وقفة في وجوب اتباعه صلى الله عليه وسلم، والدخول في دينه، والسلوك على منهاجه، وذلك هو حقيقة اتباع المسيح عليه السلام، والإيمان به، لأنه بشر به، وعهد إلى اتباعه بالإيمان به ونصرته، كما أخذ الميثاق بذلك على النبيين، كما قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 413)
قال علي بن أبي طالب، وابن عمه عبد الله بن العباس: " ما بعث الله نبيا من الأنبياء إلا أخذ الله عليه الميثاق: لئن بعث محمدا وهو حي ليؤمنن به، ولينصرنه ".
وأيضا فالنظر في أيهما أولى أن يتبع فاسد بعد ظهور دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ظهورا أظهر من شمس الظهيرة.
وقد دعا الناس جميعا إلى اتباعه، وأخبر أنه رسول الله إليهم جميعا، وأن شرائع الأنبياء منسوخة بشرعه، وأن من سمع به من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثم لم يؤمن به فهو من أهل النار.
وقد قال الله -تعالى-: {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا} فأجيبوا عن هذه الدعوى بقوله: {قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} وهذا الجواب مع اختصاره قد تضمن المنع والمعارضة:
أما المنع فما تضمنه حرف " بل " من الإضراب، أي: ليس الأمر كما قالوا.
وأما المعارضة ففي قوله: {مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} ، أي: نتبع أو اتبعوا ملة إبراهيم حنيفا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 414)
وفي ضمن هذه المعارضة إقامة الحجة على أنها أولى بالصواب مما دعوتم إليه من اليهودية أو النصرانية، لأن وصف صاحب الملة بأنه حنيف غير مشرك، ومن كانت ملته الحنيفية والتوحيد فهو أولى بأن يتبع ممن ملته اليهودية أو النصرانية، فإن الحنيفية والتوحيد دين جميع الرسل الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه، وهو الفطرة التي فطر الله عليها عباده، فمن كان عليها فهو المهتدي لا من كان يهوديا أو نصرانيا، فإن الحنيفية تتضمن الإقبال على الله بالعبادة، والإجلال، والتعظيم، والمحبة، والذل. والتوحيد يتضمن إفراده بهذا الإقبال دون غيره، فيعبد وحده، ويحب وحده، ويطاع وحده، ولا يجعل معه إله آخر، فمن أولى بالهداية؟ صاحب هذه الملة أو ملة اليهودية والنصرانية؟ ولم يبق بعد هذا للخصوم إلا أن يقولوا: فنحن على ملته -أيضا- لم نخرج عنها، وإبراهيم وبنوه كانوا هودا أو نصارى. فأجيبوا عن هذا السؤال بأنهم كاذبون فيه، وأن الله -تعالى- قد علم أنه لم يكن يهوديا ولا نصرانيا، فقال: {أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} .
وقرر -تعالى- هذا الجواب في سورة آل عمران في قوله: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 415)
أو أن يقولوا: نحن وإن انتحلنا هذا الاسم فنحن على ملته، فأجيبوا عن هذا بقوله: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} ، فهذه للمؤمنين.
ثم قال -تعالى-: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا} أي: فإن أتوا من الإيمان بمثل ما أتيتم به فهم على ملة إبراهيم، وهم مهتدون، وإن لم يأتوا بإيمان مثل إيمانكم فليسوا من إبراهيم وملته في شيء، وإنما هم في شقاق وعداوة، لأن ملة إبراهيم الإيمان بالله وكتبه ورسله، وألا يفرق بين أحد منهم، فيؤمن ببعضهم، ويكفر ببعضهم، فإذا لم يأت بهذا الإيمان فهم بريئون من ملة إبراهيم مشاقون لمن هو على ملته.
ثم قال: {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} ، فهذا من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم، فإنه أخبر بكفاية الله له شقاق اليهود والنصارى وعداوتهم، فوقع كما أخبر، ومكنه الله من ديارهم وأموالهم حتى صاروا أذلاء تحت أمره وأمر أتباعه، فلله الحمد كما هو أهله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 416)
منحة القريب المجيب في الرد على عباد الصليب (عبد العزيز بن حمد آل معمر)القسم: الفرق والردود
الكتاب: منحة القريب المجيب في الرد على عباد الصليب
المؤلف: عبد العزيز بن حمد بن ناصر بن عثمان آل معمر (ت 1244هـ)
عدد الأجزاء: 2
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة: 8 ذو الحجة 1431
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 274)
فصل
قال النصراني:
" ولنقيس أيضا أفعال كل منهما، فإن يشوع قد أبرأ الأكمه والأبرص، وأنهض المقعدين، وأحيا الموتى، وأما محمد فهو لم يأت بالمعجزات، بل بالسيف، ولكن نقلت عنه المعجزات - أيضا - ولكنها أي معجزات، وإنما كانت إما مما أمكن فعله بحيلة مما تقوم به القوة البشرية، أو مما لم يكن عليه شهود، أو من المحال، يستفظعه العقل، مثل: ما حكي عن انشقاق القمر، وهي كلها على حالة لا يعتمد عليها.
وإذ قد أشكل الأمر فالواجب أن يفزع إلى الشريعة التي شهاداتها المدلة على أنها مرضاة لله أقوى في باب اليقين ".
الجواب - وبالله نستعين -:
ليس الأمر مشكلا، بل هو بحمد الله واضح جلي، ودلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ومعجزاته، وشواهد رسالته أظهر من كل دلالة وأوضح من كل معجزة، وأكثر من كل شاهد اقترن برسالة غيره من المرسلين.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 419)
فقول النصراني: " إنه لم يأت بالمعجزات " جحد عناد اقتضاه الكفر واتباع الهوى، وإلا فقد علموا أنه صلى الله عليه وسلم أتى بالمعجزات، والأدلة القاطعات التي لا عذر لأحد في الإعراض بعدها، هذا ما يجدونه مكتوبا عندهم من صفته في التوراة، والإنجيل … {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} .
ثم هذا النصراني حين أنكر الحق والرسالة بقي في الحيرة والضلالة، وزعم أن الأمر مشكل، فصار منتهى قصده، ونهاية رشده أن وقف حيران في ظلمة الإشكال، وسقط في هوة الجهالة والضلال. .... {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} .
وأهل الأرض كلهم في ظلمات الجهل والغي إلا من أشرق عليه نور النبوة، كما في مسند الإمام أحمد وغيره من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:.
" «إن الله خلق خلقه في ظلمة، وألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور شيء اهتدى، ومن أخطأه ضل» ".
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 420)
فلهذا أقول: جف القلم على علم الله. ولذلك بعث الله رسله ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور، فمن أجابهم خرج إلى الفضاء والنور، ومن لم يجبهم بقي في الضيق والظلمة التي خلق فيها، وهي: ظلمة الطبع، وظلمة الجهل، وظلمة الهوى، وظلمة الغفلة عن نفسه وكمالها وما تسعد به في معاشها ومعادها، فهذه كلها ظلمات خلق فيها العبد، فبعث الله رسله لإخراجه منها إلى نور العلم، والمعرفة، والإيمان، والهدى الذي لا سعادة للنفس - ألبتة - إلا به.
فمن أخطأه هذا النور أخطأه حظه، وكماله، وسعادته، وصار يتقلب في ظلمات بعضها فوق بعض: … {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} .
واعلم أن الله - تعالى - أيد الأنبياء بالمعجزات دلالة على صدقهم في دعوى الرسالة، فيجب تصديقهم في جميع ما جاؤوا به، لأن المعجزة مع التحدي من النبي قائم مقام قول الله - تعالى -: صدق عبدي فأطيعوه، واتبعوه، وشاهد على صدقه فيما يقوله.
ولما كان كلامنا مع من يثبت معجزات الأنبياء، وأنها تدل على صدقهم اكتفينا بهذه الإشارة في هذا المقام.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 421)
وليست أدلة الرسالة منحصرة في المعجزة، بل لها أدلة كثيرة، يعرف بها صدق الرسول غير المعجزات، كما سيأتي إيضاحه، إن شاء الله تعالى.
واعلم أن المعجزة على قسمين:
قسم هو من نوع قدرة البشر، فعجزوا عنه، فتعجيزهم عنه فعل الله دال على صدق نبيه، كصرفهم عن تمني الموت، وتعجيزهم عن الإتيان بمثل القرآن على قول من قال بالصرفة، وهو قول مرجوح - كما سيأتي - أن القرآن في نفسه معجز لا يستطيعه البشر.
وقسم هو خارج عن قدرتهم، فلم يقدروا على الإتيان بمثله، كإحياء الموتى، وقلب العصا حية، وإخراج ناقة من صخرة، وكلام شجرة ونبع الماء من بين الأصابع، وانشقاق القمر … مما لا يمكن أن يفعله أحد إلا الله تعالى.
وكانت معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم ودلائل نبوته وبراهين صدقه من هذين النوعين معا، سوى ما اقترن بهما من أدلة أخر.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 422)
وبالجملة، فمعجزاته وأدلة رسالته لا يحيط بها ضبط، فإن القرآن - وهو معجزة من معجزاته - قد احتوى من الإعجاز على ما لا يحصى كثرة، حتى بلغها العلماء إلى ألوف كثيرة.
قالوا: وأقصر السور: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} فكل آية أو آيات منه بعددها وقدرها معجزة، ثم فيها نفسها معجزات، وقد فصلوا ذلك وبينوه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 423)
فصل
ومعجزة القرآن هي المعجزة العظيمة، والآية الباقية ما بقيت الدنيا، ولا يشك الموافق والمخالف في مجيء محمد صلى الله عليه وسلم به وظهوره من قبله، وإن أنكر هذا معاند جاحد فهو كإنكار وجود محمد صلى الله عليه وسلم في الدنيا.
وإنما جاء اعتراض الجاحدين في إعجازه وظهور الحجة به.
ومن المعلوم بالضرورة أنه صلى الله عليه وسلم تحدى العرب بما فيه من الإعجاز، ودعاهم إلى معارضته، وأن يأتوا بسورة من مثله، فعجزوا عن معارضته، وأحجموا عن مساجلته، وهم - كما قال بعض العلماء في وصفهم - كانوا أرباب هذا الشأن، وفرسان الكلام، قد خصوا من البلاغة والحكم ما لا يخص به غيرهم من الأمم، وأوتوا من ذرابة اللسان ما لم يؤت إنسان، يأتون من ذلك على البديهة بالعجب، ويدلون به إلى كل سبب، فيخطبون بدهيا في المقامات، وشدة الخطب، ويرتجزون به بين الطعن والضرب، ويمدحون، ويقدحون، ويتوسلون، ويتوصلون، ويرفعون، ويضعون، فيأتون من ذلك بالسحر الحلال، ويطوقون من أوصافهم أجمل سمط اللآل،
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 425)