رسالة إلى أهل الثغر بباب الأبواب (أبو الحسن الأشعري)القسم: العقيدة
الكتاب: رسالة إلى أهل الثغر بباب الأبواب
المؤلف: أبو الحسن علي بن إسماعيل بن إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري (ت 324هـ)
المحقق: عبد الله شاكر محمد الجنيدي
الناشر: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية
الطبعة: 1413هـ
عدد الصفحات: 198
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة: 8 ذو الحجة 1431
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1)
مقدمة
…
رسالة إلى أهل الثغر بباب الأبواب: لأبي الحسن الأشعري (ت/ 324 هـ)
تحقيق ودراسة: عبد الله شاكر محمد الجنيدي
شكر وتقدير
الحمد الله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على نبينا محمد الداعي إلى مكافأة صانع الجميل .. وبعد:
فقد وفقني الله عز وجل ومنَّ عليَّ بالانتهاء من إعداد هذه الرسالة وأرى من الواجب عليَّ أن أعترف بالفضل لأهله، لذا أتقدم بخالص شكري وتقديري لفضيلة أستاذي الدكتور/ علي ابن محمد ناصر فقيهي .. المشرف على هذه الرسالة، والذي لم يدخر وسعاً في توجيهي، وإبداء ملاحظته حول ما أكتب فجزاه الله أحسن الجزاء.
كما أقدم خالص شكري وتقديري لفضيلة الأستاذ الشيخ حماد بن محمد الأنصاري الذي تفضل مشكوراً فقرأ كثيراً من هذه الرسالة، وفتح لي بيته ومكتبته في أي وقت أريد.
كما أقدم خالص شكري وتقديري لكل من قدم لي عوناً أياً كان من الأساتذة والزملاء، ولكل من ساهم في إخراج هذا البحث.
وفي الختام أتوجه إلى الله جل ذكره وأسأله أن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه، وأن يجعل عملنا خالصاً لوجهه والدار الآخرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 3)
المقدمة
إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} . {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} . {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} .
وبعد: فمن نعمة الله على هذه الأمة أن أرسل فيها النبي العربي صلى الله عليه وسلم، وأنزل عليه الكتاب الكريم الهادي إلى صراط الله المستقيم، وأكمل الله عز وجل لهذه الأمة دينها ولم يقبض نبيه إليه إلا بعد ما بلّغ البلاغ المبين التام، وترك رجالاً فقهوا الكتاب والسنة وتمسكوا بهما، وكانوا جميعاً على عقيدة صحيحة واضحة ربطت بينهم وجمعتهم على كلمة واحدة، وقد خلف هذا الجيل جيل التابعين الذين كانوا خير خلف لأعظم سلف ورثوا الكتاب والسنة وساروا على هدى النبوة.
وقد كان الصحابة، والتابعون يجاهدون في سبيل الله لإعلاء كلمته ونشر دينه، وتم لهم فتح كثير من البلدان والأقاليم، ودخل معظم أبناء هذه البلاد في دين الإسلام، وقد كانت هذه الأقاليم المفتوحة عامرة بالديانات والمذاهب الباطلة، وكان دخول الإسلام فيها على حساب هذه المذاهب والديانات، مما أثار بغض أصحاب النفوس الضعيفة من أهل هذه البلاد للإسلام وأهله، فدخلوا فيه ومعهم معتقداتهم الباطلة، وقاموا بنشرها بين صفوف المسلمين بالخداع والتمويه، فظهرت الفرق الكلامية المختلفة، كما برز دعاة الباطنية وأرادوا القضاء على الإسلام وأهله، ونشأ بسبب ذلك الاختلاف والتفرق بين صفوف الأمة، وكثر الجدل في المسائل الاعتقادية كالكلام في القدر والصحابة ومرتكب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 5)
الكبيرة، والذات الإلهية وما ينبغي لها من الصفات وسائر الأمور الغيبية، وكان أصحاب العقيدة الصحيحة في صراع مستمر مع هذه الفرق كلها، وقاموا بالرد عليهم، وألفوا الكتب الكثيرة لتوضيح وشرح عقيدة سلف هذه الأمة على ضوء القرآن والسنة، وبذلوا في سبيل ذلك جهوداً مضنية، ولم يسلموا من أذى الناس وتعذيب الحكام.
ومن الفرق التي برزت في هذا الوقت الجهمية المعطلة لأسماء الله وصفاته، ثم خرجت المعتزلة وأساتذة علم الفلسفة، وعلم الكلام واستبدوا بالرأي والهوى دون نصوص الوحي والهدى، وكانت لهم شوكة ومنعة، ووقف بجانبهم بعض خلفاء العباسيين، وتطاولت ألسنتهم وأيديهم على أئمة أهل السنة والحديث من السلف كالإمام أحمد - رحمه الله تعالى - ثم جاء أبو الحسن الأشعري ونشأ على مذهب المعتزلة في الربع الأخير من القرن الثالث الهجري، وتتلمذ على يد إمام المعتزلة في عصره وهو: أبو علي الجبائي زوج أمه، وبرع الأشعري في علم الكلام على مذهب الاعتزال إلى أن هداه الله عز وجل فخرج عليهم وأعلن براءته منهم، وسلك أولاً الطريقة الكلابية وهي طريقة عبد الله بن سعيد بن كلاب القطان الذي كان يثبت الصفات العقلية كالإرادة والقدرة والسمع والبصر، ويؤوِّل الصفات الخبرية كالوجه واليد والاستواء ثم ختم الله لأبي الحسن الأشعري بالخير فرجع إلى مذهب السلف وقال بقولهم، وانتسب إلى الإمام أحمد بن حنبل، وسيأتي بيان ذلك بتفصيل - إن شاء الله تعالى - في الفصل الثاني من الباب الأول من هذه الرسالة.
ويظهر أن رجوع الأشعري عن الاعتزال في هذا الوقت، ووقوفه ضدهم ناصراً ومؤيداً مذهب السلف الصالح في الوقت الذي شاع فيه مذهب الاعتزال أدى إلى رفع شأنه وعلو منزلته بين الناس، فسرعان ما انتشر أمره وكثر أتباعه في الآفاق، وأرسل إليه الناس من معظم الأقطار يسألونه عن دين الله الحق وعن معتقد السلف الصالح.
وظل الأشعري - بعد رجوعه إلى عقيدة السلف - يدافع عن دين الله الحق ويكتب ويؤلف في الرد على أهل الأهواء، والبدع المخالفين لمذهب السلف إلى أن توفاه الله تعالى، والأشعري كغيره من العلماء المشهورين له أتباع كثيرون، وهؤلاء الأتباع لم يرجعوا كما رجع إمامهم إلى عقيدة السلف في طوره الأخير، بل خالفوا إمامهم الأشعري في كثير من الأمور الاعتقادية، ولم يأخذوا بالمنهج الذي سلكه إمامهم في نهاية حياته بعد رجوعه إلى مذهب السلف، بل بقوا على طريقة عبد الله بن سعيد بن كلاب التي سلكها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 6)
الأشعري بعد خروجه على الاعتزال وقبل أن يمحص عقيدته بالرجوع الكامل إلى مذهب السلف - وسيأتي الكلام حول ذلك بتفصيل إن شاء الله تعالى.
وظل أتباعه إلى يومنا هذا يسلكون منهجاً مخالفاً لمنهج الأشعري الجديد مع انتسابهم إليه، وظنوا في أنفسهم كما ظن بهم غيرهم أنهم حقاً هم أهل السنة والجماعة، والواقع يرفض ذلك، وإن كتب الأشعري التي كتبها على طريقة السلف وكتب أتباعه المخالفة لعقيدة السلف والمشهورة لخير دليل على ما نقول.
وكان الأحرى والأولى بالمنتسبين إلى الأشعري أن يقفوا على منهجه بدقة، ويقولوا بقوله الذي لقي الله عليه، أو يتركوا الانتساب إليه إحقاقاً للحق ووضعاً للأمور في نصابها، وحتى لا تخدع العامة بهم فيأخذوا قولهم على أنه قول أهل السنة والجماعة والأمر ليس كذلك..
ولتوضيح هذه الحقيقة اخترت كتاباً من كتب الأشعري لتحقيقه والتعليق عليه، ولبيان مدى موافقة الأشعري فيه لمنهج السلف ومعتقدهم، ومن ثم يظهر لنا مدى مخالفة الأشعريين الذين انتسبوا إلى الأشعري لإمامهم وأستاذهم.
وليس لي هدف من وراء ذلك إلا إنصاف الأشعري، ودعوة أتباعه إلى سلوك طريقته ومنهجه الذي لقي الله عليه، مع الوقوف التام على مذهب السلف أهل السنة والحديث كالإمام البخاري وأحمد بن حنبل والدارمي وغيرهم، ولهم - ولله مزيد الحمد والفضل - في كل عصر ومصر أتباع يقولون بقولهم ويعتقدون بعقيدتهم، وهم حقاً أهل السنة والجماعة. أصحاب الحديث والأثر وأعلام السلف.
ويجب على جميع الجماعات الإسلامية الجامعات كذلك أن تقف عند عقيدتها وتفحصها لترى مدى مطابقتها لمذهب السلف في أصول الدين أم لا، وخاصة في العصر الذي نعيش فيه اليوم، حيث جهل معظم الناس العقيدة السلفية الصحيحة، واتبعوا أهل الأهواء والبدع وسلكوا طريقة الفلاسفة والمتكلمين، وتركوا طريقة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم.
ولقد ذكر ذلك الدكتور ((سامي النشار)) و ((جمعة طالبي)) في مقدمة كتاب ((عقائد السلف)) فقال: "إن المؤسسات الثقافية الكبرى عندنا كالأزهر وبقية الجامعات لم تولها أيَّ اهتمام ولا اعتبار في مناهجها ودراستها ذلك أن الدارسين اعتمدوا على كتب المتأخرين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 7)
المشوبة بكثير من الأنظار الغربية، وآراء عهد انحطاط الحضارة الإسلامية، مع أن المنهج العلمي التاريخي الصحيح يقتضي أن ترجع إلى الأصول الأولى في كل شيء"1.
وختاماً أتوجه بدعوة كل أشعري ينتسب إلى أبي الحسن الأشعري أن يجرد نفسه من كل عصبية، ويقف على مذهب شيخه كما جاء في كتبه كالمقالات والإبانة ورسالة أهل الثغر، ويلزم منهج شيخه الأخير الذي رجع فيه إلى مذهب السلف، وقال بقول الإمام ((أحمد بن حنبل)) كما ذكر ذلك في مقدمة كتابه الإبانة، والله من وراء القصد وهو ولينا ونعم النصير.--------------------------------------------
1 انظر: كتاب عقائد السلف للنشار وطالبي ص5.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 11)
الباب الأول: التعريف بالمؤلف
الفصل الأول: عصر المؤلف
المبحث الأول: الناحية السياسية
…
المبحث الأول الناحية السياسية
عاش الأشعري رحمه الله في الفترة الواقعة ما بين عام ستين ومائتين حيث كانت ولادته، وعام أربعة وعشرين وثلاثمائة حيث كانت وفاته، وفي هذه الفترة بدأ الضعف يشق طريقه في الدولة العباسية، وبدأ معظم أطرافها يقوم بحركات انفصالية عنها بجانب الثورات الكثيرة التي كانت تقع، وظهرت القرامطة بسواد الكوفة1، وهم قوم خوارج زنادقة، مارقة من الدين، وكان ذلك في عام ثمانية وسبعين مائتين، كما ظهر بالبحرين أبو سعيد الجنابي القرمطي2، وقويت شوكته، وعاث في الأرض فساداً وتبعه خلق كثير، كما حاصر أحد أتباعه وهو يحيى بن ذكرويه دمشق، ودخل أخوه حلب وقتل فيها تسعة آلاف3، واستمروا يغزون هذه البلاد حتى دخلوا البصرة وفعلوا فيها أكثر ما فعلوا في دمشق.
كما ظهر العبيديون في مصر وملكوا جيزة الفسطاط في عام ثمانية وثلاثمائة4، كما ظهر الديلم في بلاد الريّ، وأخذت الروم سميساط واستباحوها وضربوا الناقوس في الجامع5.
وخلاصة ما يمكن أن يقال عن وضع الدولة في هذا الوقت ما ذكره أحمد أمين في قوله: "أهم مظهر يأخذ بالأبصار في ذلك العصر ما حصل للدولة الإسلامية من الانقسام، فقد كانت المملكة الإسلامية كلها في العصر العباسي الأول - إذا استثنينا
الأندلس وبعض بلاد المغرب - تكون كتلة واحدة تخضع خضوعاً تاماً للخليفة في بغداد، هو الذي يعين ولاتها، وإليه يجبى خراجها وإليه يرجع في إدارتها وقضائها وجندها وحل مشاكلها، ويدعى له على المنابر وتضرب السكة باسمه، ونحو ذلك من مظاهر السلطان، ثم أخذ هذا السلطان يقل شيئاً فشيئاً، وأخذ يخشى ولاتها وأمراؤها بعضهم بأس بعض، ويضرب بعضهم بعضاً، فصارت المملكة الإسلامية عبارة عن دول متعددة مستقلة، علاقة بعضها بالبعض الآخر علاقة محالفة أحياناً، وعداء غالباً، وأصبح لكل دولة مالها وجندها وإدارتها وقضاؤها وسكتها وأميرها، إن اعترف بعضها بالخليفة في بغداد حيناً من الزمن فاعتراف ظاهري ليس له أثر فعلي، وسودت صحف التاريخ بالقتال المستمر بين هذه الدول، وشغلوا بقتال أنفسهم عن قتال عدوهم، ومن أجل هذا طمع فيهم الروم يغزونهم كل حين، ويستولون على بلادهم شيئاً فشيئاً، حتى الزنج والحبشة كانوا يعتدون على الدولة الفينة بعد الفينة، فينهبون ويسلبون، ولم تعد المملكة الإسلامية مخشية الجانب كما كانت أيام وحدتها، ففي سنة 324هـ (وهي السنة التي مات فيها الأشعري) كانت البصرة في يد ابن رائق، وفارس في يد علي بن بوية، وأصبهان والريّ والجبل في يد أبي علي الحسين بن بوية، والموصل وديار بكر وربيعة في أيدي بني حمدان، ومصر والشام في يد الأخشيديين، وأفريقية والمغرب في يد الفاطميين، وخراسان وما وراء النهر في يد السامانيين، وطبرستان وجرجان في يد ديلم، وخوزستان بيد البريدى، والبحرين واليمامة وهجر بيد القرامطة، ولم يبق للخليفة إلا بغداد وما حولها، وحتى هذه لم يكن فيها إلا الاسم"1.--------------------------------------------
1 انظر: كتابه ظهر الإسلام 1/90.
1 انظر: البداية والنهاية 11/261، وشذرات الذهب 2/172.
2 انظر: شذرات الذهب 2/190.
3 انظر: شذرات الذهب 2/202.
4 انظر: شذرات الذهب 2/252.
5 انظر: شذرات الذهب 2/269.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 11)
الأندلس وبعض بلاد المغرب - تكون كتلة واحدة تخضع خضوعاً تاماً للخليفة في بغداد، هو الذي يعين ولاتها، وإليه يجبى خراجها وإليه يرجع في إدارتها وقضائها وجندها وحل مشاكلها، ويدعى له على المنابر وتضرب السكة باسمه، ونحو ذلك من مظاهر السلطان، ثم أخذ هذا السلطان يقل شيئاً فشيئاً، وأخذ يخشى ولاتها وأمراؤها بعضهم بأس بعض، ويضرب بعضهم بعضاً، فصارت المملكة الإسلامية عبارة عن دول متعددة مستقلة، علاقة بعضها بالبعض الآخر علاقة محالفة أحياناً، وعداء غالباً، وأصبح لكل دولة مالها وجندها وإدارتها وقضاؤها وسكتها وأميرها، إن اعترف بعضها بالخليفة في بغداد حيناً من الزمن فاعتراف ظاهري ليس له أثر فعلي، وسودت صحف التاريخ بالقتال المستمر بين هذه الدول، وشغلوا بقتال أنفسهم عن قتال عدوهم، ومن أجل هذا طمع فيهم الروم يغزونهم كل حين، ويستولون على بلادهم شيئاً فشيئاً، حتى الزنج والحبشة كانوا يعتدون على الدولة الفينة بعد الفينة، فينهبون ويسلبون، ولم تعد المملكة الإسلامية مخشية الجانب كما كانت أيام وحدتها، ففي سنة 324هـ (وهي السنة التي مات فيها الأشعري) كانت البصرة في يد ابن رائق، وفارس في يد علي بن بوية، وأصبهان والريّ والجبل في يد أبي علي الحسين بن بوية، والموصل وديار بكر وربيعة في أيدي بني حمدان، ومصر والشام في يد الأخشيديين، وأفريقية والمغرب في يد الفاطميين، وخراسان وما وراء النهر في يد السامانيين، وطبرستان وجرجان في يد ديلم، وخوزستان بيد البريدى، والبحرين واليمامة وهجر بيد القرامطة، ولم يبق للخليفة إلا بغداد وما حولها، وحتى هذه لم يكن فيها إلا الاسم"1.--------------------------------------------
1 انظر: كتابه ظهر الإسلام 1/90.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 12)
المبحث الثاني الناحية الاجتماعية
لا شك أن ضعف الناحية السياسية، وضعف سيطرة السلطة الحاكمة - كما رأينا - سيؤثر تأثيراً مباشراً على الناحية الاجتماعية لما بينهما من ارتباط وثيق، فالتمزق الذي ظهر في الدولة والحروب التي وقعت فيها أنهكت البلاد والعباد، وظهر نتيجة لذلك الفقر والضيق وانتشر المرض والفزع والرعب وعدم الاستقرار، كما جاء ذلك في كتب التاريخ.
فمثلاً في العام الذي ولد فيه الأشعري (260هـ) يحدثنا ابن كثير فيقول: "وقع غلاء شديد ببلاد الإسلام كلها حتى أجلي أكثر أهل البلدان منها إلى غيرها، ولم يبق بمكة أحد من المجاورين حتى ارتحلوا إلى المدينة وغيرها من البلاد، وخرج نائب مكة منها، وبلغ كر1 الشعير ببغداد مائة وعشرين ديناراً"2.
وفي العام الذي توفي فيه الأشعري (324هـ) اشتد الجوع وكثر الموت لدرجة أنه مات بأصبهان وحدها نحو مائتي ألف3، وكما كان الفقر شائعاً وظاهراً، كانت الأمراض كذلك.
وهكذا كان الأمر لحال الناس الأمنية، فقد أصاب الناس الفزع والرعب لكثرة الحوادث والحروب ولضيق الحال المادية، ولم يعد أحد يأمن على نفسه وماله وأهله من عبث المجرمين الفاسدين الذين كانوا ينهبون المال والنساء والبيوت4.--------------------------------------------
1 الكر عند أهل العراق: ستون قفيزاً وهو يساوي اثني عشر وسقاً كل وسق ستون صاعاً. وعند أهل مصر أربعون أردباً. (انظر: لسان العرب 5/137) .
2 انظر: البداية والنهاية 11/31، وشذرات الذهب 2/140.
3 انظر: شذرات الذهب 2/300.
4 انظر: البداية والنهاية 11/83، وشذرات الذهب 2/190.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 13)
المبحث الثالث: الناحية العلمية
إن الناظر في الحالتين السياسية والاجتماعية - كما ذكرت سابقاً - سيقول: إن الناحية العلمية ضعيفة هزيلة شأنها شأن غيرها مما سبق ذكره لما بينهما من علاقة وترابط، ولكن ما حصل للناحية العلمية كان العكس فالفترة التي عاش فيها الأشعري كانت نتيجة لثمرة طيبة أرسى جذورها جهابذة1 هذه الأمة، وكانت هذه الفترة من أزهى عصور الإسلام الثقافية والعلمية، حيث كتب الناس في معظم العلوم.
فالسنة المطهرة كانت قد جمعت بأدق طرق الجمع والتحصيل على يد أئمة السنة والمحدثين، واقتضى ذلك ظهور علم الجرح والتعديل، وهكذا كان الأمر بالنسبة لتفسير القرآن الكريم، فالصحابة ومن بعدهم من التابعين كانوا يعطون هذا الأمر حقه، ويفسرون كتاب الله تعالى بأقوم وأسلم طريق، ولن تجد آية من كتاب الله إلا ولهم فيها قول.
كما أخذ الفقه وأصوله حقه في هذا العصر، حيث كان الفقهاء الأربعة وكانت آثارهم في المسائل العلمية الدقيقة تمت ونضجت قبل الأشعري، وورث الناس عنهم هذا العلم وتداولوه كما برز الأدباء منهم، وكثر التأليف عموماً في مجالات الثقافة المختلفة.
أما من ناحية العقيدة، فكانت في هذه الفترة - رغم تمسك أهل السنة والحديث بعقيدة السلف كالإمام أحمد والبخاري - تمر بمحنة خطيرة نظراً لظهور الفلسفة وعلم الكلام وموافقة بعض خلفاء العباسيين لأهل الكلام على آرائهم ومعتقداتهم، وكان نتيجة ذلك أن تفرقت الأمة، وظهر كثير من المبتدعة والفرق الضالة التي لعبت دوراً كبيراً في إفساد عقائد المسلمين وإحلال الفكر الفلسفي في قلوب الكثير، وإن نظرة خاطفة لكتاب "مقالات الإسلاميين" الذي ألفه الأشعري لخير دليل على ما نقول.--------------------------------------------
1 جهابذة جمع جهبذ وجهباذ، وهو النقاد الخبير بغوامض الأمور، وهي كلمة معربة عن الفارسية. (انظر: المعجم الوسيط 2/141 من الطبعة الثانية لمجمع اللغة العربية بالقاهرة) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 14)
وخلاصة ما يمكن أن يقال عن الناحية العلمية في هذا العصر ما ذكره أحمد أمين في قوله: "… والخلاصة أن الحالة العلمية في أواخر القرن الثالث وفي القرن الرابع كانت أنضج منها في العصر الذي قبله، أخذ علماء هذا العصر ما نقله المترجمون قبلهم فشرحوه وهضموه، وأخذوا النظريات المبعثرة فرتبوها وورثوا ثروة من قبلهم في كل فرع من فروع العلم فاستغلوها"1.--------------------------------------------
1 انظر: كتاب ظهر الإسلام 1/197.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 15)
الفصل الثاني: في سيرة الأشعري
المبحث الأول: اسمه ونسبه
…
المبحث الأول اسمه ونسبه
هو: علي بن إسماعيل بن أبي بشر إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، وكنيته أبو الحسن1.--------------------------------------------
1 مصادر ترجمته: الفهرست لابن النديم ص257، تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 11/346، الأنساب للسمعاني 1/266، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم لابن الجوزي 6/332، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان لابن خلكان 3/85، الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية لابن أبي الوفاء القرشي الحنفي المصري 1/353، 2/247، العبر في خبر من غبر للذهبي 2/202، طبقات الشافعية الكبرى لتاج الدين السبكي 3/347، البداية والنهاية للحافظ ابن كثير 11/187، الخطط للمقريزي 3/307، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لابن تغرابردى الأتابكي 3/303، إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين لمرتضى الزبيدي 2/3، الأعلام للزركلي 5/69 دائرة المعارف الإسلامية 3/431.
وقد أفرد الحافظ ابن عساكر كتاباً خاصاً عن الأشعري تكلم فيه عن اسمه ونسبه وحياته وعلمه، وثناء الناس عليه وشيوخه وتلاميذه، كما رد على من طعن فيه وفي نسبه وسمى كتابه: "تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري".
كما كتب فضيلة الشيخ حماد بن محمد الأنصاري رسالة عن الأشعري أبرز فيها الجانب الهام في حياته، ألا وهو: أطواره وعقيدته وذلك تحت عنوان "أبو الحسن الأشعري وعقيدته".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 16)
وعلى هذا فالأشعري من سلالة الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وقد ذكر السمعاني أنه قيل له الأشعري؛ لأنه من ولد أبي موسى الأشعري1.
وقد طعن الأهوازي2 في نسبة أبي الحسن إلى جده أبي موسى الأشعري، وقد تولى ابن عساكر الدفاع عن أبي الحسن الأشعري في ذلك ورد على الأهوازي قوله فقال: "وأما حكايته النكرة عن بعض شيوخ البصرة من أن أبا بشر كان يهودياً فأسلم على يدي بعض الأشعريين، فحكاية مفتر عن مجاهيل مفترين، ما حكى أن أحداً نفاه عن أبي موسى الأشعري غير هذا الجاهل المتحامل المفترى، وكيف تجاسر - لا رعاه الله - على هذه الكذبة وهو لا يعرف في الشرق ولا الغرب إلا بهذه النسبة"3.
وقال أيضاً: "وفي إطباق الناس على تسميته بالأشعري تكذيب لما قاله هذا المفتري"4.
كما ذكر الأهوازي أن أبا بشر الوارد في ترجمة الأشعري كنية لأبيه، وأنه كنّي بذلك؛ لأنه غير صحيح النسب، وقد رد ابن عساكر5 ذلك أيضاً، وبين أن أبا بشر جد الأشعري، واسمه إسحاق بن سالم، وهو الصحيح.
وقد نص الخطيب البغدادي على ذلك فقال في ترجمته: "علي بن إسماعيل بن أبي بشر - واسمه إسحاق بن سالم …"6.
والأشعري نسبته إلى "أشعر"، وهي قبيلة مشهورة باليمن من أولاد سبأ، والأشعر هو: نبت بن أدد.
قال ابن الكلبي: "إنما سمي نبت بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب ابن زيد بن كهلان بن سبأ (الأشعري) ، لأن أمه ولدته وهو أشعر، والشعر على كل شيء منه"7.--------------------------------------------
1 الأنساب للسمعاني 1/267.
2 هو: أبو علي الحسن بن علي بن إبراهيم الأهوازي (ت/ 446هـ) ألف كتاباً باسم: "مثالب ابن أبي بشر" طعن وحمل فيه على الأشعري، ولكتابه نسخة بمكتبة الظاهرية تحت رقم (4521 عام) انظر: تاريخ الآداب العربية لبروكلمان 2/374، وتبيين كذب المفتري لابن عساكر ص369.
3 تبيين كذب المفتري ص375.
4 المرجع السابق ص53، وانظر: رسالة البيهقي للشيخ العميد في التبيين ص102.
5 انظر: تبيين كذب المفتري ص35.
6 انظر: تاريخ بغداد 11/346.
7 انظر: الأنساب للسمعاني 1/266، وتبيين كذب المفتري ص37.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 17)
ولم أقف على لقب للأشعري في التراجم التي بين أيدينا عنه، إلا أن ابن عساكر ذكر أنه نودي على جنازته "بناصر الدين"1.
وعلى هذا يمكن أن نقول: إن لقب الأشعري هو "ناصر الدين" وإن المسلمين في جنازته هم الذين لقبوه به، ولم يعرف بذلك في حياته، إذ لو عرف لنقل لنا شيء من ذلك، كما أنه غير متداول بين المؤرخين، والله أعلم.--------------------------------------------
1 انظر: تبيين كذب المفتري ص147.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 18)
المبحث الثاني موطنه ومولده
تجمع المصادر التي بين أيدينا أن الأشعري ولد بالبصرة، وانتقل منها إلى بغداد بعد رجوعه عن الاعتزال، ولم أر في ذلك خلافاً بين المؤرخين، ويقولون في ترجمته: وهو بصري سكن بغداد.
أما عن تاريخ ولادته فتكاد تجمع المصادر على تحديده أيضاً، فمعظمهم يثبت أنه ولد سنة ستين ومائتين، وابن عساكر - وهو مؤرخ له قيمته - يذكر ذلك عن أبي بكر الوزان ويعقب عليه بقوله: "لا أعلم لقائل هذا القول في تاريخ مولده مخالفاً"1.
ومع هذا نجد بعض من جاء بعد ابن عساكر كابن خلكان (ت/681هـ) والمقريزي (ت/845هـ) يذكران خلافاً في مولده، فالأول يقول: "ولد سنة سبعين، وقيل ستين ومائتين بالبصرة"2، والثاني يقول: "ولد سنة ست وستين ومائتين، وقيل سنة سبعين"3.
وفي الحقيقة أن هذا الخلاف لا يعتبر حيث إن أقوى المصادر السابقة واللاحقة تذكر أنه ولد سنة ستين ومائتين، وهو ما يتفق مع حياته وأطواره التي عاشها - حيث تذكر لنا المصادر أنه بقي في الاعتزال أربعين عاماً4، وأن تحوله عنه كان عام ثلاثمائة5، وعليه فيكون مولده عام ستين ومائتين وهو ما أراه صحيحاً.
وقد رجح ذلك أيضاً مرتضى الزبيدي6 في ترجمته عن الأشعري فقال: "ولد سنة ستين ومائتين، وقيل سنة سبعين، والأول أشهر، كما رجحت ذلك أيضاً الدكتورة فوقية حسين في ترجمتها للأشعري"7.--------------------------------------------
1 تبيين كذب المفتري ص146، وانظر: مصادر ترجمته التي أشرت إليها سابقاً.
2 وفيات الأعيان لابن خلكان 3/284.
3 الخطط للمقريزي 3/307.
4 انظر: تبيين كذب المفتري ص39، وطبقات الشافعية الكبرى 3/347.
والمراد بهذا التعبير أنه بقي على مذهب الاعتزال من صغره حتى بلوغه سن الأربعين من عمره.
5 انظر: تبيين كذب المفتري ص56.
6 إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين 2/3.
7 انظر: مقدمة تحقيقها لكتاب الإبانة ص13.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 19)
المبحث الثالث زهده وعبادته
أما عن زهده فقد ساق الخطيب البغدادي بسنده إلى بندار بن الحسن، وكان خادماً لأبي الحسن قوله: "كان أبو الحسن يأكل من غلة ضيعة وقفها جده بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري على عقبه، وكانت نفقته في كل سنة سبعة عشر درهماً"1. وقد ذكر الدكتور عبد الرحمن بدوي قيمة الدرهم في ذلك الوقت، والناظر فيه يتبين له مدى تقلل الأشعري من الحياة الدنيا2. وقال فيه الذهبي: "كان قانعاً متعففاً"3.
وأما عن عبادته، فقد ساق ابن عساكر بسنده إلى أبي عمران موسى بن أحمد الفقيه قوله: "سمعت أبي يقول: خدمت الأمام أبا الحسن بالبصرة سنتين، وعاشرته ببغداد إلى أن توفي رحمه الله فلم أجد أورع منه ولا أغض طرفاً، ولم أر شيخاً أكثر حياء منه في أمور الدنيا، ولا أنشط منه في أمور الآخرة"4.
ومن طريف ما يذكر عنه أنه كان - مع زهده وعبادته فيه دعابة ومزح كبير5.--------------------------------------------
1 انظر: تاريخ بغداد 11/347، والتبيين لابن عساكر ص142.
2 انظر: مذاهب الإسلاميين 1/503، 504.
3 العبر في خبر من غبر 2/203.
4 التبيين لابن عساكر ص141.
5 الفهرست لابن النديم ص257.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 20)
المبحث الرابع أسرته وأثرها في تكوين شخصيته
ذكرت سابقاً أن أبا الحسن من سلالة الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وكان من فقهاء الصحابة وقرّائهم1، وقد أثنى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عليه وعلى قومه، وذلك فيما أخرجه الحاكم بسنده إلى سماك ابن حرب قال: "سمعت عياض الأشعري يقول: لما نزلت {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هم قومك يا أبا موسى، وأومأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى أبي موسى الأشعري" 2.
وقد كان لأبي موسى وأحفاده من بعده مجهود ضخم في رعاية أمور المسلمين وخدمتهم3، وقد كان أبو موسى نفسه أحد الحكمين بين علي ومعاوية رضي الله عن الجميع، ولا شك أن هذا الأصل الطيب له أثر في ثمرته الطيبة، ولا شك أن هذا ليس قاعدة مطردة، ولكني أردت هنا أن أبين مدى تأثر الأشعري بالبيئة التي عاش فيها، وما هو الدافع وراء تأثره بالاعتزال منذ حداثة سنه، وهذا ما سيتضح لنا فيما يأتي.
أما أبوه، فقد ذكر أبو بكر بن فورك أنه كان سنياً جماعياً حديثياً4 وأنه أوصى بالأشعري عند وفاته إلى زكريا بن يحيى الساجي5، وهو إمام في الفقه والحديث.
فوالد الأشعري إذاً من أهل السنة والجماعة، بل من أهل الحديث، ويظهر لنا حرصه وتمسكه بمذهب أهل الحديث ما قام به عند وفاته، حيث دفع ابنه إلى إمام من أئمة الحديث، وهو الحافظ زكريا الساجي محدث البصرة، وقد ذكر الذهبي في التذكرة أن الأشعري أخذ عنه مقالة أهل الحديث، كما ذكر ابن عساكر أن الأشعري روى عنه كثيراً في تفسيره6.--------------------------------------------
1 انظر ترجمته في الطبقات الكبرى لابن سعد6/16، والتهذيب لابن حجر 5/362.
2 أخرجه الحاكم وقال عقبه: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي 2/313. وقال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. انظر: مجمع الزوائد 7/16.
3 انظر: ما ذكره ابن عساكر في التبيين عن أبي موسى وفضله ومكانته، وكذلك أولاده من بعده ص57–91.
4 انظر: تبيين كذب المفتري ص35.
5 هو الإمام الحافظ محدث البصرة أبو يحيى زكريا بن يحيى بن عبد الرحمن الساجي (ت/ 307هـ) . انظر: ترجمته في تذكرة الحفاظ 2/709، والتبيين ص35، وطبقات الشافعية الكبرى 3/299، وشذرات الذهب 2/250.
6 التبيين ص35.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)
والناظر في ذلك يقول: بأن الأشعري سينهج نهج أبيه وأستاذه المحدث على الدوام، ولكن شاء الله أن يموت أبوه، وهو صغير السن وقت أن كان يتلقى دروسه الأولى1، ولم تحدد لنا المصادر تاريخ وفاته.
ولما مات أبوه تزوجت أمه2 برجل من كبار رجال الاعتزال وهو أبو علي الجبائي3، ومن ثم تأثر به الأشعري، ونحا نحو المعتزلة في الأمور الاعتقادية بل إنه برع فيها لدرجة أن شيخه وزوج أمه الجبائي كان ينيبه عنه في المجالس والدروس4.
وبذلك اتجه الأشعري منذ حداثة سنه إلى الاعتزال للعلاقة التي نشأت بينه وبين الجبائي المعتزلي، ولم يستطع وقتئذٍ - وهو صغير السن - أن يسير على نهج أبيه، وظل كذلك حتى هداه الله إلى الحق، ورجع عن الاعتزال وفارق الجبائي، وسأذكر ذلك بتفصيل عند الكلام على أطواره وعقيدته - إن شاء الله -.
ولقد كان لهذا الاتجاه أثره البالغ في هضم الأشعري لآراء المعتزلة الكلامية وإحاطته بها، ومن ثم تمكن - بعد رجوعه عنها - من الرد عليها ونقدها نقد الخبير المتمكن العارف بأخبارها وأوزارها، كما كان لهذه النشأة أثر سيئ للغاية، وهو صرف الأشعري عن الحديث وعلومه، لو كان له فيه ما لغيره من الأئمة لكان له شأن آخر.--------------------------------------------
1 انظر: مقدمة تحقيق الإبانة للأشعري، للدكتورة فوقية حسين ص16.
2 انظر: الجواهر المضية في طبقات الحنفية 2/247، والخطط للمقريزي 3/308.
3 هو أبو علي: محمد بن عبد الوهاب بن سلام المعروف بالجبائي (ت/ 303هـ) كان إماماً في علم الكلام، وأخذ هذا العلم عن أبي يوسف يعقوب بن عبد الله الشحام البصري رئيس المعتزلة بالبصرة، وله في مذهب الاعتزال مقالات مشهورة، وعنه أخذ الأشعري علم الكلام. انظر: ترجمته في تاريخ بغداد 6/97، ومعجم البلدان 2/12–31، ووفيات الأعيان 4/267، وشذرات الذهب 2/241، والخطط للمقريزي 3/308.
4 انظر: التبيين ص91.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)
المبحث الخامس: مكانته العلمية وثناء الناس عليه
لقد برع الأشعري في معظم العلوم والفنون، وكتب فيها كتابات قيمة تدل على عمق بحث وسعة أفق.
وإذا استعرض الباحث مؤلفاته - التي سأذكرها فيما بعد - يجد أنه كتب في الجدل ورد على أرسطو في كتابه: "السماء والعالم والآثار العلوية" كما رد على الدهرية والمجوس والمشبهة والخوارج والرافضة والقدرية، وبرع في الرد على المعتزلة، بل إنه ألف كتاباً رد فيه على نفسه وقت أن كان معتزلياً كما أنه كان مؤرخاً للعقائد من الصف الأول، وحسبنا في ذلك كتابه "مقالات الإسلاميين" كما أن له إلماماً بالسير والأخبار، وقد ألف كتاباً خاصاً بأفعال النبي صلى الله عليه وسلم.
ومما يفضي إلى العجب أن الرجل كانت له قدم راسخة في علوم الشريعة فقد كتب في القياس والاجتهاد، وألف في خبر الواحد والإجماع، ورد على ابن الراوندي في إنكاره التواتر، وله كتاب ضخم في التفسير.
وهذا يدل على علو منزلته وعظيم قدره، ودفع أهل العلم والفضل إلى الثناء عليه، وإليك بعض ما قيل في ذلك:
قال الخطيب البغدادي: "أبو الحسن الأشعري المتكلم صاحب الكتب والتصانيف في الرد على الملحدة، وغيرهم من المعتزلة والرافضة والجهمية والخوارج وسائر أصناف المبتدعة"1.
وذكر بسنده عن أبي بكر الصيرفي أنه كان يقول: "كانت المعتزلة قد رفعوا رؤوسهم حتى أظهر الله تعالى الأشعري فحجزهم في أقماع السمسم"2.
وقال ابن خلكان: "هو صاحب الأصول والقائم بنصرة مذهب السنة وإليه تنسب الطائفة الأشعرية، وشهرته تغني عن الإطالة في تعريفه"3.--------------------------------------------
1 تاريخ بغداد 11/346.
2 تاريخ بغداد 11/347.
3 وفيان الأعيان 3/284.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
وقال ابن العماد: "ومما بيض به وجوه أهل السنة النبوية، وسود به رايات أهل الاعتزال والجهمية، فأبان به وجه الحق الأبلج، ولصدور أهل الإيمان والعرفان أثلج مناظرته مع شيخه الجبائي التي بها قصم ظهر كل مبتدع مرائي"1، ثم ساقها نقلاً عن ابن خلكان، وملخص هذه المناظرة أن الأشعري سأل الجبائي عن ثلاثة إخوة، مات أحدهم بعد تكليفه مستحقاً للجنة والثاني مات بعده مستحقاً للنار، والثالث مات صغيراً، فحين رأى الصغير منزلة الكبير في الجنة قال لربه: هلا بلغتني منزلة هذا، فقال الجبائي يقول الله له: إني علمت أنك لو كبرت كفرت ودخلت النار، فقال الأشعري للجبائي فإذا قال الذي في النار: فهلا أمتني صغيراً فماذا يكون الجواب، وعند ذلك انقطع الجبائي ولم يجد جواباً.
كما نقل ابن عساكر2 نقولاً كثيرة عن من تقدمه من العلماء في مدح الأشعري والثناء عليه بما يثبت رجوعه إلى مذهب السلف أهل السنة والجماعة، وهكذا فعل السبكي في الطبقات3.--------------------------------------------
1 شذرات الذهب 2/303.
2 انظر: تبيين كذب المفتري ص90 – 128.
3 انظر: طبقات الشافعية الكبرى 3/347.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)