كون المعنعن مُدَلِّسَاً1، وهذا شرط أساسي، قال الحافظ الذهبي رحمه الله: "ثم بتقدير تيقن اللقاء، يشترط أن لا يكون الراوي عن شيخه مدلساً … فإن كان مدلساً: فالأظهر أنه لا يحمل على السماع"2. ولما كان ابن إسحاق مدلساً، فإن عنعنته لا تحمل هنا على الاتصال، خلافاً لما اختاره ابن القَيِّم رحمه الله.
- الثانية: فإذا ثبت أن ابن إسحاق من المدلسين، فهل يحتج بما قال فيه: "عن"، ولم يصرح بسماعه؟ قال النووي رحمه الله: " والصحيح التفصيل: فما رواه بلفظ محتمل لم يبين فيه السماع: فمرسل، وما بينه فيه: كسمعت وحدثنا … فمقبول محتج به"3. وقال العلائي: "الصحيح الذي عليه جمهور أئمة الحديث والفقه والأصول: الاحتجاج بما رواه المدلس الثقة مما صرح فيه بالسماع، دون ما رواه بلفظ محتمل"4. وقال ابن حجر: "وحكم من ثبت عنه التدليس إذا كان عدلاً: أن لا يقبل منه إلا ما صرح فيه بالتحديث على الأصح"5. فظهر من ذلك عدم الاحتجاج برواية المدلس ما لم يصرح بالسماع أو التحديث، خلافاً لما قاله ابن القَيِّم هنا.
وأما ما ذهب إليه رحمه الله من القول بالاحتجاج في--------------------------------------------
1 انظر: تدريب الراوي: (1/ 214 - 215) .
2 الموقظة: (ص 45) .
3 تدريب الراوي: (1/ 229 - 230) .
4 جامع التحصيل: (ص 111 - 112) .
5 نزهة النظر مع النخبة: (ص 43) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 338)
الصحيح بعنعنة المدلسين، كأبي الزبير عن جابر، وسفيان عن عمرو بن دينار: فقد أجيب عن ذلك بأنه محمول على ثبوت السماع من جهة أخرى1، على أن هذا قد نوزع فيه أيضاً2.
وبعد ذلك كله: فإن ابن إسحاق قد عده الحافظ ابن حجر رحمه الله في الطبقة الرابعة3 من طبقات المدلسين، وهم: "الذين اتُّفِقَ على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، لكثرة تدليسهم عن الضعفاء والمجاهيل"4.
فإذا ثبت ذلك، فإن عنعنة ابن إسحاق وعدم تصريحه بالسماع في هذا الحديث تبقى علة لا يمكن دفعها، خلافاً لابن القَيِّم رحمه الله.
ثالثاً: أما عن تَفَرُّدِ جبير بن محمد به: فقد أجاب ابن القَيِّم رحمه الله عن ذلك: بأن محمد بن جبير ثقة، وعدم رواية أصحاب الصحيحين عنه ليس بعلة5. كذا وقع عند ابن القَيِّم "محمد بن جبير"، وقد تَقَدَّمَ أن كلام ابن عساكر في ابنه "جبير بن محمد بن جبير". ولا أدري: هل هذا خطأ طباعي، أم أن ابن القَيِّم فعلاً أراد محمد بن جبير؟--------------------------------------------
1 تدريب الراوي: (1/ 230) . وانظر الكلام على ذلك فيما تقدم (ص 319 - 321) .
2 انظر: النكت على ابن الصلاح: (2/ 635) .
3 طبقات المدلسين: (ص 132) .
4 المصدر السابق: (ص 24) .
5 انظر: تهذيب السنن: (7/ 98) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 339)
وعلى كلِّ حال، فإنَّ جبير بن محمد مما يُعَلُّ به هذا الحديث، كما ذُكِر عن ابن عساكر؛ فإنه لم يرو عنه إلا: يعقوب بن عتبة، وحصين ابن عبد الرحمن1، ولم يوثقه مع ذلك أحد إلا ابن حبان، فإنه ذكره في (ثقاته) 2.
وهو بهذه المثابة مجهول الحال، وقد قال عنه الحافظ ابن حجر: "مقبول"، يعني: حيث يتابع، ولم يتابعه أحد على هذا الحديث، فهو إذن لين الحديث.
ثم أخذ ابن القَيِّم في الجواب عن باقي علل هذا الحديث: كالقول باضطراب إسناده ومتنه وغير ذلك، فذهب إلى أن زيادة لفظة (به) من باب زيادة الثقات، وذلك لا يوجبُ رَدَّ الحديث3.
والذي يتلخصُ من ذلك: أن هذا الحديثَ ضعيفُ السَّنَدِ، غريبُ المتن:--------------------------------------------
1- لتفرد ابن إسحاق به، وقد عُرف القول فيما ينفردُ به.
2- وعنعنته إياه، وهو مدلس.
3- وضعفِ جبير بن محمد، إلى غير ذلك مما أعل به.
وأما جواب ابن القَيِّم عن هذه العلل: فإنه لا يُغْنِي عن ضعف
1 انظر: تهذيب التهذيب: (2/ 63) .
(6/ 148) .
3 تهذيب السنن: (7/ 98) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 340)
الحديث شيئاً، - كما تقدم –؛ فإن جمعاً من الأئمة على إعلاله، وقد تقدم من ذلك قول: البزار، وابن عساكر، والمنذري، وأعَلَّهُ أيضاً: البيهقي رحمه الله، فقال: "وهذا حديث ينفرد به محمد بن إسحاق … "1. فذكر نحواً من الكلام المتقدم.
وقال الحافظ الذهبي: "هذا حديثٌ غريبٌ جداً فردٌ، وابن إسحاق حجةٌ في المغازي إذا أَسْنَدَ، وله مناكيرُ وعجائبُ، فالله أعلم أقالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم هذا أم لا … "2. واسْتَغْرَبَهُ كذلك الحافظ ابن كثير3 رحمه الله. وقال الشيخ الألباني: "إسناده ضعيف، ورجاله ثقات. لكن ابن إسحاق مُدَلِّس، ومثله لا يحتج به إلا إذا صرح بالتحديث، وهذا ما لم يفعله فيما وقفت عليه من الطرق إليه … "4.
والخطابي رحمه الله مع أنه أخذَ في تأويل هذا الحديث، إلا أنه - فيما يبدو - قد اختار إعلاله؛ إذ قال: "وذكر البخاري هذا الحديث في التاريخ5 … ولم يُدْخِلْهُ في الجامع الصحيح"6.
ثم توجَّهَ ابن القَيِّم رحمه الله بعد ذلك إلى نفي تَفَرُّدِ ابنِ--------------------------------------------
1 الأسماء والصفات: (ص 528) .
2 العلو للعلي الغفار: (ص 39) .
3 تفسير القرآن العظيم: (1/ 310) .
4 ظلال الجنة في تخريج السنة: (ص 252) .
(1/ 2/ 224) .
6 معالم السنن: (7/ 97) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 341)
إسحاق برواية هذا المعنى، فقال: "وقد رُوِيَ هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير حديث ابن إسحاق. فقال محمد بن عبد الله الكوفي - المعروف بمُطَيَّن-: حدثنا عبد الله بن الحكم وعثمان، قالا: حدثنا يحيى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، عن:
126- (3) عمر رضي الله عنه، أنه قال: أَتَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم امرأةٌ، فقالت: ادْعُ الله أن يُدْخِلَنِي الجنة. فَعَظَّمَ أَمْرَ الرَّبِّ، ثم قال: " إِنَّ كُرْسِيَّه فوقَ السموات والأرض، وأنه يقعدُ عليه، فما يَفْضُل منه مقدار أربع أصابع" ثم قال بأصابعه فجمعها، "وأنَّ له أطيطاً كأطيط الرحل " 1.
ثم قال ابن القَيِّم رحمه الله: "فإن قيل: عبد الله بن الحكم، وعثمان لا يعرفان. قيل: بل هما ثقتان مشهوران: عثمان بن أبي شيبة، وعبد الله بن الحكم القطواني، وهما من رجال الصحيح"2.
قلت: هذا الحديث أخرجه هكذا مسنداً: ابن أبي عاصم في (السنة) 3 عن: إسماعيل بن سالم الصائغ. والبزار في (مسنده) 4 عن: الفضل بن سهل. وابن خزيمة في (التوحيد) 5 عن: يعقوب بن إبراهيم--------------------------------------------
1 تهذيب السنن: (7/ 98) .
2 المصدر السابق: (7/ 99) .
(1/ 251) ح 574.
(1/ 457) ح 325.
(1/ 244) ح 150، 151.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 342)
الدورقي. والطبراني1 عن: عبيد الله بن أبي زياد القطواني. وأبو الشيخ في (العظمة) 2 عن: أبي بكر ابن إسحاق، والحسن بن ناصح. والدارقطني في (الصفات) 3 عن: أحمد بن منصور بن سيار، كلهم عن: يحيى بن أبي بكير4، عن إسرائيل5، عن أبي إسحاق6 السبيعي، عن عبد الله بن خليفة7، عن عمر رضي الله عنه به بنحو ما تقدم.
واللفظ الذي أورده ابن القَيِّم رحمه الله هو لفظ ابن الجوزي في (العلل المتناهية) 8، من الطريق التي ذكرها ابن القَيِّم.
وفي هذا الحديث عِدُّة علل:--------------------------------------------
1 أخرجه من طريقه: أبو العلاء الهمداني في فتياه حول الصفات (100/ 1) ، والضياء المقدسي في المختارة: (1/59) ، وأبو محمد الدشتي في إثبات الحد: (134 - 135) . أفاد ذلك الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة: (2/257) ح866.
(2/ 548) ح193.
(ص 48) ح35.
4 واسم أبي بكير: نسر، الكرماني، كوفي الأصل، نزل بغداد، ثقة، من التاسعة، مات سنة 208 هـ أو 209 هـ/ع. (التقريب 588) .
5 ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، أبو يوسف الكوفي، ثقة تُكُلِّم فيه بلا حجة، من السابعة، مات سنة 160 هـ وقيل بعدها / ع. (التقريب 104) .
6 هو: عمرو بن عبد الله بن عبيد - ويقال: علي، ويقال: ابن أبي شعيرة - الهمداني، ثقة مكثر عابد، من الثالثة، اختلط بآخرة، مات سنة 129هـ/ع. (التقريب423) .
7 الهمداني، مقبول، من الثانية / فق. (التقريب 301) .
(1/ 4) ح 3 باب ذكر الاستواء على العرش.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 343)
أولها: جهالة عبد الله بن خليفة، راويه عن عمر: فقد ذكره ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) 1 ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وانفرد ابن حبان بتوثيقه2 على قاعدته، فيكون بهذه المثابة مجهول الحال، إذ انتفت جهالة عينه برواية أبي إسحاق، ويونس بن أبي إسحاق3 عنه، ولذلك قال عنه الذهبي رحمه الله: "لا يكاد يعرف"4. وقال الحافظ ابن كثير: "ليس بذاك المشهور"5. وقال فيه الحافظ ابن حجر: "مقبول" يعني: حيث يتابع، وإلا يكون لين الحديث، وهو لم يتابع هنا، إذ مدار الحديث عليه وحده.
العلة الثانية: اضطرابُه سنداً ومتناً: فقد رُوي عن عبد الله بن خليفة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً، أخرجه كذلك الدارمي في (الرد على المريسي) 6 من طريق: عبد الله بن رجاء، عن إسرائيل به، وفيه: " … وإنه ليقعدُ عليه، فما يفضل منه إلا قدر أربع أصابع - وَمَدَّ أصابعه الأربع - وإن له أطيطاً كأطيط الرحل الجديد إذا ركبه من يثقله". وأخرجه ابن الجوزي في (العلل المتناهية) 7 من طريق: وكيع، عن إسرائيل به، ولفظه--------------------------------------------
(2/ 2/ 45) .
2 الثقات: (5/ 28) .
3 تهذيب التهذيب: (5/ 198) .
4 الميزان: (2/ 414) .
5 تفسير القرآن العظيم: (1/ 310) .
(ص 74) .
(1/ 4) ح 2.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 344)
عن النبي صلى الله عليه وسلم: "الكرسيُّ الذي يجلس عليه عز وجل، ما يفضل منه … ".
وقد وقع الحديث عند ابن خزيمة بالشك، ففيه: " … عبد الله بن خليفة - أظنه عن عمر - أن امرأة … " قال ابن خزيمة رحمه الله: "ما أدري: الشك والظن أنه عن عمر، هو من يحيى بن أبي بكير، أم من إسرائيل، قد رواه وكيع بن الجراح، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة مرسلاً، ليس فيه ذكر عمر لا بيقين ولا ظن"1.
وقد روي مع ذلك موقوفاً على عمر رضي الله عنه، رواه كذلك: الثوري، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، عن عمر رضي الله عنه أنه قال: " إذ جَلَسَ تبارك وتعالى على الكرسي، سمع له أطيط كأطيط الرحل الجديد". أخرجه من هذا الطريق: عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب (السنة) 2، وقد أشار البزار رحمه الله إلى هذه الرواية الموقوفة، فقال: "وقد روى الثوري هذا الحديث عن: أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، عن عمر موقوفاً"3.
وقد أَعَلَّ الأئمة هذا الحديث من أجل هذا الاضطراب، فقال ابن الجوزي في (العلل المتناهية) 4: "هذا حديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإسناده مضطرب جداً … وتارة يرويه ابن خليفة: عن عمر،--------------------------------------------
1 التوحيد: (1/ 245) .
(ص 79) ح 402، باب ذكر الكرسي.
3 مسند البزار: (1/ 458) .
(1/ 5 - 6) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 345)
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتارة يقفه على عمر. وتارة يوقف على ابن خليفة. وتارة يأتي: فما يفضل منه إلا قدر أربع أصابع. وتارة يأتي: فما يفضل منه مقدار أربع أصابع، وكل هذا تخليط من الرواة، فلا يُعَوَّل عليه". وقال الحافظ ابن كثير: " … منهم من يرويه عنه، عن عمر موقوفاً، ومنهم من يرويه عنه مرسلاً، ومنهم من يزيد في متنه زيادة غريبة، ومنهم من يحذفها"1.
العلة الثالثة: أن أبا إسحاق السَّبيعي عَنْعَنَهُ، وهو مُدَلِّسٌ: وقد ذكره الحافظ ابن حجر رحمه الله ضمن الطبقة الثالثة من المدلسين2، والراجح في شأنهم: عدم قبول رواياتهم إلا إذا صرحوا بالسماع.
وعلة رابعة: ذكرها الحافظُ ابن كثير رحمه الله، فقال: "وفي سماعه - يعني عبد الله بن خليفة - من عمر نظر"3.
وكأن ابن خزيمة رحمه الله رَجَّحَ كونه مرسلا، ولذلك قال: "وليس هذا الخبر من شرطنا؛ لأنه غير متصل الإسناد. لسنا نحتج في هذا الجنس من العلم بالمراسيل والمنقطعات"4.
فإذا تَبَيَّنَ ضعف هذا الحديث، فإن الهيثمي رحمه الله لم يُصِبْ--------------------------------------------
1 تفسير القرآن العظيم: (1/ 310) .
2 طبقات المدلسين: (ص 101) .
3 تفسير القرآن العظيم: (1/ 310) .
4 التوحيد: (1/ 245 - 246) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 346)
حين قال: "رجاله رجال الصحيح"1. فإنَّ عبد الله بن خليفة لم يخرج له أحد من أصحاب السنن الأربعة، فضلاً عن الصحيحين، ومثله قول أبي محمد الدّشتي في كتاب إثبات الحدِّ: "حديث صحيح، رواته على شرط البخاري ومسلم". نقل ذلك عنه الشيخ الألباني، ثم قال: "وهو خطأ بَيّنٌ مزدوج، فليس الحديث بصحيح، ولا رواته على شرطهما … فأنّى للحديث الصحة؟! بل هو حديث منكر عندي"2.
فتلخص من ذلك: أنَّ هذا الحديثَ ضعيفُ السَّنَدِ، مضطربٌ سنداً ومتناً، فمثله لا يصلح الاعتماد عليه في تقوية حديث ابن إسحاق الماضي. ومن ذلك يتضح عدم إصابة ابن القَيِّم رحمه الله حينما حاول تقوية هذا الحديث، حيث أخذ يقوي أمر عبد الله بن الحكم القطواني، وعثمان بن أبي شيبة، والحديث معلول من جهات أخرى كما تقدم.
وبالجملة: فقد نفى الحافظ الذهبي رحمه الله ثبوتَ لفظ الأطيط في أي خبر، فقال: "لفظ الأطيط لم يأت به نص ثابت"3.
وابن القَيِّم رحمه الله أورد ذلك في مقام الاستدلال على علوِّ الله عز وجل واستوائه على عرشه، وفيما صحَّ من الأحاديث والآثار في هذا الباب كفايةٌ، وقد ساق ابن القَيِّم بعد هذين الحديثين جملة من--------------------------------------------
1 مجمع الزوائد: (1/ 84) .
2 السلسلة الضعيفة: (2/ 257) ح 866.
3 العلو: (ص 39) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 347)
الأحاديث الصحيحة في إثبات ذلك1، ولسنا بحاجة إذن إلى الاحتجاج بما اشتمل على بعض الألفاظ المنكرة.
يوضح ذلك ويبينه: قول الذهبي رحمه الله عقب هذا الحديث: "وقولنا في هذه الأحاديث: أننا نؤمن بما صح منها، وبما اتفق السلف على إمراره وإقراره، فأما ما في إسناده مقال، واختلف العلماء في قبوله وتأويله: فإنا لا نَتَعَرَّضُ له بتأويل، بل نرويه في الجملة ونبين حاله، وهذا الحديث - يعني حديث الأطيط - إنما سُقْنَاه لما فيه مما تواتر من علو الله - تعالى - فوق عرشه مما يوافق آيات الكتاب"2.--------------------------------------------
1 تهذيب السنن: (7/ 99 - 101) .
2 العلو: (ص 39) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 348)
3 ـ باب ما جاء في نهي النبي صلى الله عليه عن اتخاذ قبره عيدا
…
3 - باب ما جاء في نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ قبره عيدا
127- (4) عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُم قبوراً، ولا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيداً، وَصَلُّوا عَلَيّ، فإن صَلاتَكُم تَبْلُغُنِي حيث كُنْتُم".
قال ابن القَيِّم رحمه الله وقد ساقه بإسناد أبي داود -: "هذا إسناد حسن، رواته كلهم ثقات مشاهير"1.
قلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود في (سننه) 2، وأحمد في (مسنده) 3، والحسين بن أحمد بن إبراهيم بن نفيل في (جزئه) 4، من طرق، عن: عبد الله بن نافع، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه به.
قال المنذري في (تهذيب السنن) 5: "في إسناده عبد الله بن نافع الصائغ … ".
ثم نقل كلام الأئمة في تضعيفه، وتوثيق ابن معين وأبي زرعة له.--------------------------------------------
1 إغاثة اللهفان: (1/ 191) .
(2/ 534) ح 2042، ك المناسك، باب زيارة القبور.
(2/ 367) .
4 كما أفاده ابن القَيِّم رحمه الله في جلاء الأفهام: (ص 17) .
(2/ 447) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 349)
قلت: وعبد الله بن نافع هذا قد تُكُلِّمَ فيه من قِبَلِ حفظه1، ومع ذلك فقد وَثَّقَهُ بعض الأئمة، فقال النسائي: "ثقة"2. ومرة قال: "ليس به بأس"3. وقال ابن معين: "ثقة"4. وقال أبو زرعة: "لا بأس به"5. وقال العجلي: "ثقة"6.
وقال الدارقطني: "يعتبر به"7. وقال الخليلي: "ثقة"8. وقال ابن قانع: "مدني صالح"9. وذكره ابن حبان في (الثقات) 10 وقال: "وكان صحيحَ الكِتَابِ، وإذا حَدَّثَ من حفظه رُبَّمَا أَخْطَأ".
فهذه أقوالُ الأئمةِ في عبد الله بن نافع، ويظهر منها أن الرَّجُلَ قد وَثَّقَهُ أئمةٌ معتبرون، فما قِيل من ضعفٍ في حفظه فإنه لا يُرَدُّ حديثه لأجله، اللهم إلا إذا خالفه من هو أحفظ منه وأثبت، فحينئذ يتوقف في حديثه.--------------------------------------------
1 انظر ترجمته في: الميزان: (2/ 513) ، وتهذيب التهذيب: (6/ 51) .
2 تهذيب التهذيب: (6/ 51) .
3 تهذيب التهذيب: (6/ 51) .
4 تاريخ الدارمي عن يحيى: (ص 153) رقم 532.
5 الجرح والتعديل: (2/2/184) .
6 تاريخ الثقات: (ص 281) .
7 سؤالات البرقاني للدارقطني: (ص 40) رقم 256.
8 الإرشاد: (1/ 316) .
9 تهذيب التهذيب: (6/ 52) .
10 (8/ 348) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 350)
وقد رُوِيَ هذا الحديث من وجهٍ آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه، فأخرجه أبو نعيم في (الحلية) 1 من طريق: عبد الله بن هشام الدستوائي، عن أبيه، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعاً، ولفظه: "لا تتخذوا قَبْرِي عيداً، لَعَنَ اللهُ قوماً اتخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد يُصَلُّون إليها، وصلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبوراً".
وفي إسناده: عبد الله بن هشام، قال عنه أبو حاتم: "متروك الحديث"2.
وللحديث شاهد من حديث عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه، أخرجه ابنُ أبي شيبة في (مصنفه) 3 - وعنه أبو يعلى في (مسنده) 4 - والضياء المقدسي في (المختارة) كما أفاده ابن القَيِّم5 رحمه الله، كلهم من طريق: جعفر بن إبراهيم، عن علي بن عمر، عن أبيه، عن عليِّ بن الحسين: أَنَّهُ رأى رجلاً يجيء إلى فُرْجَة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها، فيدعو. فنهاه، وقال: ألا أُحَدِّثُكَ حديثاً سمعته من أبي، عن جَدِّي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: "لا تتخذوا قبري عيداً، ولا بيوتكم قبوراً،--------------------------------------------
(6/ 283) .
2 الجرح والتعديل: (2/2/193) .
(2/375) .
(1/361) ح 469.
5 انظر إغاثة اللهفان: (1/ 191) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 351)
وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني أينما كنتم".
قال الهيثمي في (مجمع الزوائد) 1: "فيه جعفر بن إبراهيم الجعفري، ذكره ابن أبي حاتم2، ولم يذكر فيه جرحاً، وبقية رجاله ثقات".
قلت: "وعليُّ بن عمر" هو ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، قال فيه ابن حجر: "مستور"3. فيكون هذا الإسناد - والحالة هذه - ضعيفاً، إلا أنه يصلح للاستشهاد به، وإذا انضم إلى حديث أبي هريرة السابق أعطاه قوة، وتَبَيَّنَ أن للحديث أصلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد أورد ابن القَيِّم رحمه الله بعد ذلك حديثين مرسلين من رواية: أبي سعيد مولى المهري، والحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب بلفظ قريب من اللفظ الماضي، ثم قال: "فهذان المرسلان من هذين الوجهين المختلفين، يَدُلاّنِ على ثبوتِ الحديث، لاسيما وقد احتجَّ به من أرسله، وذلك يقتضي ثبوته عنده، هذا لو لم يكن رُوِيَ من وجوه مسندة غير هذين، فكيف وقد تَقَدَّمَ مسنداً؟ "4.--------------------------------------------
(4/ 3) .
2 انظر: الجرح والتعديل: (1/ 1/ 474) ، وذكره ابن حبان في الثقات (8/ 160) .
3 التقريب: (ص 404) .
4 إغاثة اللهفان: (1/ 192) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 352)
فَتَلَخَّصَ من ذلك: أَنَّ حديثَ أبي هريرة الماضي حديثٌ حسنُ الإسناد، كما حَكَمَ ابن القَيِّم رحمه الله عليه، وأنه قد يعتضد بهذه الشواهد - المسند منها والمرسل - فيصبح صحيحاً لغيره، فإن وقف عند كونه حسناً، فحسبه ذلك.
وقد حسنه - أيضاً -: الحافظ ابن حجر1، والشيخ الألباني رحمه الله، فقال: "رواه أبو داود وأحمد بسند حسن"2. وقال مرة: "وسنده حسن، ومن صححه فقد ذهل أو تساهل، نعم الحديث صحيح باعتبار ما له من الشواهد … "3.
قلت: وصحح النووي إسناده4، وهو غير مُسَلَّم لما مضى بيانه، والله أعلم.--------------------------------------------
1 كما في الفتوحات الربانية: (3/ 313) .
2 تحذير الساجد: (ص 142) .
3 التعليق على المشكاة: (1/ 292) .
4 الأذكار: (ص 97) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 353)
4 - باب ما جاء في أطفال المشركين
128- (5) عن أبي رجاء العطاردي قال: سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول وهو على المنبر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يزالُ أمرُ هذه الأمَّة مواتياً1 - أو مقارباً - ما لم يتكلموا في الولدان والقدر". قال أبو حاتم - يعني ابن حبان -: "الولدان. أراد بهم: أطفال المشركين".
عزا ابن القَيِّم رحمه الله هذا الحديث إلى (صحيح ابن حبان) ، ثم قال: "وأَمَّا حديث أبي رجاءٍ العطاردي، عن ابن عباس: ففي رَفْعِهِ نَظَرٌ، والنَّاس إنما رووه موقوفاً عليه، وهو الأشبهُ، وابن حِبَّان كثيراً ما يرفعُ في كتابه ما يَعْلَمُ أئمة الحديث أنه موقوف"2.
وقال في موضع آخر: "في القلب من رَفْعِهِ شيءٌ، وإن أَخْرَجَهُ ابن حبان في (صحيحه) ، وهو يدلُّ على ذَمِّ من تَكَلَّمَ فيهم بغير علم، أو ضَرَبَ النُّصوصَ بعضها ببعض فيهم … وأما من تَكَلَّمَ فيهم بعلمٍ وحقٍّ: فلا"3.--------------------------------------------
1 المواتاة: حسنُ المطاوعة والموافقة، وأصله الهمز فخفف وكثر، حتى صار يقال بالواو الخالصة، وليس بالوجه. (النهاية 1/ 22) .
2 أحكام أهل الذمة: (2/ 622 - 623) .
3 طريق الهجرتين: (ص 674) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 354)
قلت: هذا الحديث أخرجه ابن حبان في (صحيحه) 1، والحاكم في (المستدرك) 2، كلاهما من طريق: الحسن بن سفيان، عن محمد بن أبان الواسطي3 ويزيد بن صالح اليشكري4.
وأخرجه الحاكم في (مستدركه) من طريق: أبي داود السجستاني، عن سليمان بن حرب5 وشيبان بن أبي شيبة6. كلهم من طريق: جرير بن حازم، عن أبي رجاء العطاردي7، عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً، باللفظ المتقدم، ووقع عند الحاكم: "مُؤَامراً" بدل "مواتياً".
قال أبو عبد الله الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين، ولا نعلم--------------------------------------------
1 الإحسان: (8/ 255) ح 6689.
(1/33) .
3 الطَحَّان، صدوقٌ تَكَلَّمَ فيه الأزدي، من العاشرة، مات سنة 238 هـ/خ. (التقريب 465) .
4 أبو خالد، الفَرَّاء، النيسابوري، قال أبو حاتم: "مجهول"، فرده الذهبي بقوله: "بل مشهور صدوق". وَوَثَّقَه ابن حبان. الجرح والتعديل: (4/2/272) ، ثقات ابن حبان: (9/275) ، المغني في الضعفاء: (2/750) . (وانظر الميزان: 4/ 429) .
5 الأزدي، البصري، قاضي مكة، ثقة إمام حافظ /ع. (التقريب 250) .
6 هو: شيبان بن فروخ الحبطي الأبلي، صدوق يهم ورمي بالقدر/ م د س. (التقريب269) .
7 هو: عمران بن ملحان - ويقال: ابن تيم - مشهور بكنيته، مخضرم، ثقة، مُعَمَّر، مات سنة 105هـ/ ع. (التقريب430) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 355)
له علة، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي رحمه الله. قال الشيخ الألباني: "وهو كما قالا"1.
وساقه الحافظ الذهبي رحمه الله في ترجمة ابن حبان من (سير النبلاء) 2 بإسناده إليه، ثم قال: "هذا حديث صحيح، ولم يخرج في الكتب الستة".
وعزاه الهيثمي إلى البزار والطبراني، ثم قال: "ورجال البزار رجال الصحيح"3.
فقد صحح الحديث مرفوعاً - كما نرى -: ابن حبان، والحاكم، والذهبي، والهيثمي، والألباني، ولم يقل أحد منهم: بأن رفعه خطأ.
وحينئذ فلا وجه لما قاله ابن القَيِّم من أن الصواب وقفه على ابن عباس، وأما قوله: "والناس إنما رووه موقوفاً عليه" فلم أقف بعد البحث على من رواه كذلك.
وأما تضعيفه من قِبَلِ ابن حبان، وأنه هو الذي رفعه: فغير مقبول أيضاً، وقد رواه الحاكم – كما سلف - من غير طريق ابن حبان، والبزار - وهو متقدم على ابن حبان - فكلهم جاء به مرفوعاً، فلم يبق متعلق في ذلك على ابن حبان، والله أعلم.--------------------------------------------
1 السلسلة الصحيحة: (4/ 19 - 20) ح 1515.
(16/ 103 - 104) .
3 مجمع الزوائد: (7/ 202) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 356)
الخاتمة
في نهاية دراستي هذه لابن القَيِّم وجهوده في خدمة السنة النبوية وعلومها، وبعد هذا التجوال في تراثه وآثاره النافعة، أسجل خلاصة ما تَضَمَّنَهُ بحثي هذا وأهمَّ النتائج التي أسفرتْ عنها هذه الدراسة:
1- أَنَّ هذا الدِّين محفوظ بحفظ الله عز وجل له، وأنَّ من مظاهر هذا الحفظ: أولئك الأعلام الأفذاذ، والجهابذة الحُفَّاظ، الذين هَيَّأَهُم اللهُ - سبحانه - للذود عن دينه، ونُصْرَةِ شَرِيعَتِهِ، وأنَّ لِهَذِهِ الطَّائِفَةِ تأييداً خَاصَّاً من الله عز وجل.
2- أنَّ ابن القَيِّم رحمه الله كان واحداً من أولئك الأعلام الذين نَصَرَ الله بهم الحق وهزم الباطل، وأظهر بهم السنة وقَمَعَ البدعة.
3- كانت العلاقة وثيقة بين ابن القَيِّم وبين العصر الذي عاش فيه تأثراً وتأثيراً؛ لذا فقد كان للأوضاع السياسية، والاجتماعية، والدينية الْمُتَرَدِّيَةِ آنذاك أكبر الأثر على تَوَجُّهَاتِ ابن القَيِّم ودعوته الإصلاحية.
4- أن ابن القَيِّم ولد في أُسْرَةٌ طَيِّبَة، وأن والده كان من أهل العلم والفضل، مما كان له - بتوفيق الله - أثر كبير في النشأة الصالحة لابن القَيِّم رحمه الله، وسلوكه طريق العلم وأهله.
5- لقد كان ابن القَيِّم رحمه الله متحلياً بمحاسن الأخلاق، وجميل العادات، مع الاجتهاد في الطاعة والجدِّ في العبادة، وذلك بشهادة كل من عرفه وعايشه، فجمع رحمه الله بذلك بين العلم والعمل،
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 359)