2 - الزمخشري «1» 467 - 538 هـ
1 - التعريف به:
هو أبو القاسم محمود بن محمد الزمخشري الخوارزمي، ولد بزمخشر سنة (467 هـ)، رحل في طلب العلم إلى بخارى، وقدم بغداد، فسمع من أبي الخطاب بن البطر، وشيخ الإسلام أبي منصور الحارثي، وجماعة.
كان واسع العلم، كثير الفضل، غاية في الذكاء، وجودة القريحة، متفننا في كل علم، معتزليا قويا في مذهبه، مجاهرا به، وداعية إليه، حنفيا، علّامة في الأدب والنحو، كان مقطوع إحدى رجليه، وقد ذكر هو سبب ذلك، قال:
كنت في صباي أمسكت عصفورا وربطته بخيط في رجله، فأفلت من يدي فأدركته وقد دخل في خرق فجذبته فانقطعت رجله في الخيط، فتألّمت والدتي لذلك، وقالت: قطع الله رجلك كما قطعت رجله، فلمّا وصلت إلى سنّ الطلب رحلت إلى بخارى لطلب العلم، فسقطت عن الدابّة فانكسرت رجلي، وعملت عليّ عملا أوجب قطعها. وقيل: إنها سقطت من برد شديد أصابه في بعض أسفاره ببعض بلاد خوارزم.
أقام بمكة سنين وفيها أتمّ تفسيره الكشّاف، فلقّب جار الله تعالى، لجواره بيت الله الحرام.--------------------------------------------
(1) انظر ترجمته في وفيات الأعيان (2/ 509 - 513) وشذرات الذهب (4/ 121).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 244)
صنّف كثيرا من الكتب، منها: (الكشّاف) في التفسير، و (الفائق) في غريب الحديث، و (أساس البلاغة) و (المفصّل) في النحو، و (المستقصى) في الأمثال، وله شعر جيد منه قوله:
وقائلة ما هذه الدرر التي … تساقط من عينيك سمطين سمطين
فقلت هو الدرّ الذي كان قد حشا … أبو مضر أذني تساقط من عيني
2 - طريقته في التفسير:
يعدّ (الكشاف) من كتب التفسير بالرأي- مع انحراف إلى الاعتزال- ويعتمد في تفسيره على لغة العرب وأساليبهم، ويعنى عناية خاصة بعلوم البلاغة، تحقيقا لوجوه إعجاز القرآن الكريم، ويؤوّل آيات التوحيد بما يوافق طريقة الاعتزال التي انزلق إليها.
3 - خصائص تفسيره:
أ- خلوّه من الحشو والتطويل، وسلامته من القصص والإسرائيليات الباطلة.
ب- اعتماده في بيان المعاني على لغة العرب وأساليبهم في البيان.
ج- سلوكه فيما يقصد إيضاحه طريق السؤال والجواب.
4 - وفاته:
وحين أتمّ إحدى وسبعين سنة من عمره، وبعد عودته من مكة المكرمة، توفي بجرجانية خوارزم سنة (538 هـ)، وقد أوصى أن يكتب على قبره:
إلهي قد أصبحت ضيفك في الثرى … وللضيف حق عند كلّ كريم
فهب لي ذنوبي في قراي فإنّها … عظيم ولا يقرى بغير عظيم
رحمه الله تعالى وعفا عنه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 245)
3 - الرازي «1» 544 - 606 هـ
1 - التعريف به:
هو أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين الطبرستاني الأصل، ثم الرازي ابن خطيبها، من ذرية أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه، ولد في الخامس والعشرين من رمضان سنة (544 هـ) بمدينة الريّ، اشتغل أولا على والده ضياء الدين عمر، ثم على الكمال السمناني، وعلى المجد الجيلي، وغيرهم، وأتقن علوما كثيرة وبرز فيها، وتقدّم وساد، وقصده الطلبة من سائر البلاد.
كان واعظا له في الوعظ اليد البيضاء، وكان يلحقه الوجد في حال الوعظ ويكثر البكاء، وكان يحضر بمجلسه بمدينة هراة أرباب المذاهب والمقالات ويسألونه، وهو يجيب كل سائل بأحسن إجابة، ورجع بسببه خلق كثير من الطائفة الكرامية وغيرهم إلى مذهب أهل السّنة، فكان يلقّب بهراة شيخ الإسلام.
قال الداودي فيه: المفسّر المتكلم إمام وقته في العلوم العقلية، وأحد الأئمة في العلوم الشرعية، صاحب المصنفات المشهورة، والفضائل الغزيرة المذكورة، وأحد المبعوثين على رأس المائة السادسة لتجديد الدين.
وتصانيفه كثيرة في فنون عديدة، منها (التفسير الكبير) و (الأربعين في أصول الدين) و (المحصل) و (البيان والتبيين) في الرد على أهل الزيغ والطغيان، وشرح--------------------------------------------
(1) انظر ترجمته في وفيات الأعيان (2/ 265 - 268) وشذرات الذهب (5/ 21).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 246)
أسماء الله الحسنى، وشرح المفصل للزمخشري، ومناقب الإمام الشافعي.
وغيرها، وكل كتبه مفيدة، وله شعر جيد منه:
المرء ما دام حيّا يستهان به … ويعظم الرّزء فيه حين يفتقد
ومنه:
وكم من جبال قد علت شرفاتها … رجال فزالوا والجبال جبال
وكم قد رأينا من جبال ودولة … فبادوا جميعا مسرعين وزالوا
2 - طريقته في التفسير:
يعدّ تفسيره (مفاتيح الغيب) من أعظم تفاسير الرأي وأوسعها، يعنى بربط الآيات والسور بعضها ببعض، ويعنى باللغة والبيان، ومسائل الفقه، ويميل فيها إلى ترجيح مذهب إمامه الشافعي رحمه الله تعالى، ولكنّ أعظم عنايته بمسائل الكلام والحكمة، فهو فيها الفارس المجلّى والعلم الفرد، ويعنى أحيانا بنقل أقوال الصحابة والتابعين لتفسير الكلمات، وبيان المراد من الآيات.
3 - خصائص تفسيره:
أ- العناية بتفسير الصحابة والتابعين للآيات أحيانا.
ب- ذكر ما يناسب الآيات من الموضوعات. يقول: وهاهنا مسائل، ثم يوردها مسألة مسألة، وإن كان ثمّة اعتراضات أوردها ثم أجاب عليها.
ج- العناية بعلوم اللغة من معاني المفردات والبلاغة بإيجاز كاف.
د- الاقتصاد في ذكر الإسرائيليات والحشو من التفسير.
هـ- العناية بربط الآيات والسور بعضها ببعض، وقد لا يخلو الأمر في هذا من التكلف أحيانا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 247)
4 - وفاته:
كان قد رزق سعادة في مؤلفاته، وسعادة في تلامذته، وكان إذا ركب يمشي حوله نحو ثلاثمائة تلميذ من الفقهاء وغيرهم.
توفي رحمه الله تعالى بمدينة هراة «1» يوم الاثنين يوم عيد الفطر سنة (606 هـ). رحمه الله تعالى.--------------------------------------------
(1) مدينة كبيرة في أفغانستان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 248)
4 - القرطبي «1» المتوفى سنة 671 هـ
1 - التعريف به:
هو أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري الخزرجي المالكي الأندلسي القرطبي، سمع من ابن رواج، ومن ابن الجميزي، وأبي العباس القرطبي شارح صحيح مسلم وغيرهم. قال الداودي:
كان من عباد الله الصالحين، والعلماء العارفين الورعين الزاهدين في الدنيا، المشغولين بما يعنيهم من أمور الآخرة، أوقاته معمورة ما بين توجّه وعبادة وتصنيف، جمع في تفسير القرآن الكريم كتابا كبيرا في خمسة عشر مجلدا سمّاه كتاب «جامع أحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي القرآن» وهو من أجلّ التفاسير وأعظمها نفعا، أسقط منه القصص والتواريخ، وأثبت عوضها أحكام القرآن، واستنباط الأدلة، وذكر القراءات والإعراب والناسخ والمنسوخ، وله شرح الأسماء الحسنى في كتاب يقع في مجلدين سمّاه (الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى) وكتاب (التذكار في أفضل الأذكار) وضعه على طريقة (البيان) للنووي، لكن هذا أتم منه وأكثر علما، وكتاب (التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة).--------------------------------------------
(1) انظر ترجمته في نفح الطيب (1/ 428) والديباج (ص 317).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 249)
وقال الذهبي عنه: إمام متقن متبحّر في العلم، له تصانيف مفيدة تدلّ على إمامته، وكثرة اطلاعه، ووفور فضله.
2 - طريقته في التفسير:
يعدّ تفسيره من أجلّ كتب التفسير التي وصلت إلينا وأفضلها، جمع فيه تفسير القرآن بالقرآن، ثم تفسيره بالسّنة، ثم أقوال الصحابة والتابعين، وأقوال العلماء واستنباطهم لما تدل عليه الآيات، وعرض لمسائل الفقه ببيان مشرق، وينسب إلى كل فقيه رأيه، ويذكر حجته، وقد يرجّح رأيا من آراء من نقل عنهم، إلى جانب تخريج الأحاديث والعناية بالقراءات واللغات والإعراب.
3 - خصائص تفسيره:
قال رحمه الله تعالى: وشرطي في هذا الكتاب، إضافة الأقوال إلى قائليها، والأحاديث إلى مصنفيها، فإنه يقال: من بركة العلم أن يضاف القول إلى قائله، وكثيرا ما يجيء الحديث في كتب الفقه والتفسير مبهما لا يعرف من أخرجه إلا من اطلع على كتب الحديث، فيبقى من لا خبرة له بذلك حائرا لا يعرف الصحيح من السقيم، فلا يقبل منه الاحتجاج به ولا الاستدلال حتى يضيفه إلى من خرّجه من الأئمة الأعلام، والثقات المشاهير من علماء الإسلام.
وأضرب عن كثير من قصص المفسرين وأخبار المؤرخين إلا ما لا بدّ منه ولا غنى عنه للتبيين، واعتاض عن ذلك بتبيين آي الأحكام بمسائل تسفر عن معناها، وترشد الطالب إلى مقتضاها، فضمّت كلّ آية- تتضمن حكما أو حكمين فما زاد- مسائل تبين فيها ما تحتوي عليه من أسباب النزول والتفسير للغريب، والحكم، فإن لم تتضمن حكما ذكر ما فيها من التفسير والتأويل، وهكذا إلى آخر الكتاب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 250)
4 - وفاته:
كان طارح التكلّف يمشي بثوب واحد وعلى رأسه طاقيّة.
وكان مستقرا بمنية بني خضيب من الصعيد الأدنى، وفيها توفي ليلة الاثنين التاسع من شوال سنة إحدى وسبعين وستمائة رحمه الله تعالى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 251)
5 - إسماعيل بن كثير «1» 701 - 774 هـ
1 - التعريف به:
هو أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير البصروي الدمشقي.
ولد بقرية شرقي بصرى سنة 701 هـ، ثم قدم دمشق وله نحو سبع سنين مع أخيه بعد موت أبيه، وتتلمذ لكثير من العلماء منهم: الحافظ المزّي، وتزوّج ابنته، وأقبل على علم الحديث، وأخذ الكثير عن ابن تيمية. وقال ابن حبيب فيه:
إمام ذوي التسبيح والتهليل، وزعيم أرباب التأويل- التفسير- سمع وجمع وصنّف، وأطرب الأسماع بأقواله وشنّف، وحدّث وأفاد، وطارت أوراق فتاويه إلى البلاد، واشتهر بالضبط والتحرير، وانتهت إليه رئاسة العلم في التاريخ والحديث والتفسير.
قال فيه شيخه الإمام الذهبي (في المعجم): فقيه متفنّن، ومحدّث متقن، ومفسّر نقّاد. صنّف في صغره كتاب «الأحكام على أبواب التنبيه» والتاريخ المسمّى ب «البداية والنهاية» والتفسير، واختصر (تهذيب الكمال) للمزّي، وأضاف إليه ما تأخر في «الميزان» وسمّاه «التكميل» وغيرها. ومن شعره قوله:--------------------------------------------
(1) انظر ترجمته مستوفاة في كتاب الفصول في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم (ص 29 - 71) تحقيق محيي الدين مستو، ود. الخطراوي- الطبعة السابعة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 252)
تمرّ بنا الأيام تترى وإنّما … نساق إلى الآجال والعين تنظر
فلا عائد ذاك الشباب الذي مضى … ولا زائل هذا المشيب المكدّر
2 - طريقته في التفسير:
يفسّر القرآن الكريم بعبارة سهلة وجيزة، ويجمع آيات الموضوع الواحد، وهو يستعين على تفسير القرآن بالقرآن أولا، ثم يسرد الأحاديث المتعلّقة بالآية منسوبة إلى مخرجيها، وبيان درجة كل حديث غالبا- إلا ما كان في الصحيحين فلا يذكر له درجة لأنه صحيح كله- ثم يورد أقوال الصحابة، والتابعين أحيانا، وقلّ أن يفسّر كلمات الآيات إلا أثناء التفسير.
3 - خصائص تفسيره:
أ- لا يعنى بتفسير الكلمات مستقلة كما يفعل الإمام الطبري، بل يذكرها مفسرة أثناء تفسيره.
ب- لا يعرض للقراءات المختلفة أثناء التفسير كذلك.
ج- يفسّر القرآن بالقرآن، ثم بالسّنة، وأقوال الصحابة والتابعين، ولا يستعين بأقوال علماء العربية في تفسيره.
د- ينسب الآيات- أثناء تفسيره- إلى سورها، والأحاديث إلى مخرجيها، ويشير إلى ما كان ضعيفا أو منكرا منها.
هـ- لا يكاد يعرض للإسرائيليات أثناء تفسيره، فضلا عن الاستدلال بها، وتلك مزية له.
ويرجّح بعض الأقوال على بعض أحيانا، وقد يعرض لبعض الخلافات الفقهية بإيجاز.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 253)
4 - وفاته:
قال فيه تلميذه شهاب الدين بن حجّي: … وما أعرف أني اجتمعت به على كثرة ترددي إليه إلا واستفدت منه.
وقد كفّ بصره آخر عمره، وتوفّي بدمشق في خمس من شعبان (772 هـ)، ودفن بمقبرة الصّوفية عند شيخه ابن تيمية، رحمه الله تعالى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 254)
الباب العاشر ترجمة القرآن الكريم
الفصل الأول: الحكمة من إنزال القرآن باللغة العربية، ومعنى الترجمة لغة واصطلاحا.
الفصل الثاني: الفروق بين الترجمة والتفسير.
الفصل الثالث: حكم الترجمة تفصيلا.
أسباب استحالة الترجمة وبيان حرمتها.
حكم القراءة بما يزعم أنها ترجمة.
الفصل الرابع: النتائج الخطيرة المترتبة على الترجمة.
ترجمة تفسير القرآن تغني عن الترجمة المزعومة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 255)
الفصل الأول الحكمة من إنزال القرآن باللغة العربية- معنى الترجمة
تمهيد:
البحث في إمكانية ترجمة القرآن الكريم ليس أمرا نظريا أو افتراضيا، وإنما هو موضوع واقعي شغل العلماء في كثير من البلاد الإسلامية منذ مطلع هذا القرن، ولا يزال إلى اليوم بحثا فكريا هاما وخطيرا، يحتاج إلى دراسة هادئة وواضحة، تكشف عن دوافعه ومراميه، وتوجهه الوجهة البناءة الصحيحة.
وخاصة بعد أن توضّح لكل مسلم غيور على قرآنه ودعوته، أن هذه الفكرة إنما أثارها أعداء الإسلام من المستشرقين والمبشرين؛ لتمزيق أوصال العالم الإسلامي، وتشويه مبادئ الإسلام ومعانيه.
وظهرت في العالم ترجمات كثيرة «1»، وبلغات متعددة شرقية وغربية، وزعم الذين قاموا بها أنهم نقلوا القرآن الكريم من اللغة العربية إلى هذه اللغات، فجاءت مليئة بالأخطاء الفاحشة، بعيدة عن تحقيق مقاصد النص العربي بعد الأرض عن السماء.
ومهمتنا في هذا البحث تتركز في ذكر الحكمة من إنزال القرآن الكريم باللغة--------------------------------------------
(1) بلغت بإحصاء بعض الباحثين/ 120/ ترجمة في/ 35/ لغة، وانظر مناهل العرفان (2: 3).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 256)
العربية وفي الأمة العربية وإيضاح معنى الترجمة، وأسباب استحالتها، وبيان حكمها الشرعي، والنتائج الخطيرة المترتبة عليها، وما يغني عنها، والله ولي التوفيق.
أولا: الحكمة من إنزال القرآن الكريم باللغة العربية:
اصطفى الله محمدا صلى الله عليه وسلم ليكون الرسول الخاتم بين يدي الساعة، واختار الله قومه العرب ليكونوا حملة الرسالة ودعاة الإسلام إلى الإنسانية جمعاء، وكانت
الأمة العربية عند انبثاق فجر الإسلام تعيش جاهلية جهلاء في معتقداتها وعاداتها وحروبها، ولكنّها وصلت إلى حضارة لغوية متميزة، تجعلها أهلا لنزول الوحي الإلهي المعجز بلسانها، قال تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ [إبراهيم: 4].
ومن هنا كانت معجزة الرسول الكبرى القرآن الكريم، من جنس ما اشتهر به قومه من الفصاحة والبلاغة، فجاء يتحدّاهم في نفيس بضاعتهم، وأبرز أسباب شهرتهم وتفوّقهم. ونستطيع أن نحدّد الحكمة من اختيار إنزال القرآن الكريم باللّغة العربية بأمرين:
الأول: ما تتمتع به اللغة العربية من مقوّمات اللغات الحيّة وعناصر قوّتها واستمرارها، وذلك من حيث وفرة مفرداتها بالأصالة والاشتقاق، أو بالحقيقة والمجاز. أو من حيث قبولها للتطور والتقدّم الحضاري، أو من حيث مرونة أساليبها، وصلاحيتها لكلّ ما يراد منها، أو من حيث فصاحة ألفاظها وبلاغة تراكيبها.
الثاني: لو تنوّع النظم المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم حسب اختلاف ألسنة الأمم، لأدى هذا إلى الاختلاف والتنازع، ولتطرق التحريف إلى الكتاب المنزل، بل يقرب من المحال أن يتّحد هذا المنزل مع تعدّد اللغات، وتنوع اللهجات، وتعدّد الخصائص والدلالات، بالنسبة لاستنباط الأحكام، ورسم المنهج، ومعرفة الحدود، وإحكام جميع العبادات والتشريعات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 257)
فالحمد لله على إزالة هذا التناكر والتدابر، باختيار اللغة العربية الراقية، لتنال شرف نزول الوحي الإلهيّ بها، ولترتقي وحدها إلى تحمّل إعجازه الذي لا يتسع له غيرها، وإنها لمسئولية وفخار للأمة صاحبة اللغة واللسان، حدّدها الله سبحانه بقوله: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ [الزخرف: 44].
ثانيا: معنى الترجمة لغة وشرعا:
أ- للترجمة في اللغة أربعة معان:
1 - تبليغ الكلام لمن لم يبلغه، ومنه قول الشاعر:
إنّ الثمانين- وبلّغتها-* قد أحوجت سمعي إلى ترجمان 2 - تفسير الكلام بلغته التي جاء بها، ومنه ما قيل في عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: إنه ترجمان القرآن.
3 - تفسير الكلام بلغة غير لغته. وقد جاء في لسان العرب والقاموس: أن الترجمان هو المفسر للكلام. وقال شارح القاموس ما نصّه: وقد ترجم عنه وترجمه إذا فسّر كلامه بلسان آخر.
4 - نقل الكلام من لغة إلى أخرى، قال في لسان العرب: الترجمان- بالضم والفتح- هو الذي يترجم الكلام، أي ينقله من لغة إلى أخرى. ولكون هذه المعاني الأربعة فيها بيان للشيء المراد ترجمته، جاز على سبيل التوسع إطلاق الترجمة على كل ما فيه بيان مما عدا هذه الأربعة، فقيل: ترجم لهذا الباب بكذا أي عنون له، وترجم لفلان أي بيّن تاريخه، وترجمت حياته أي بين ما كان فيها … إلخ.
ب- أما الترجمة في العرف والاصطلاح:
فهي التعبير عن معنى كلام في لغة بكلام آخر من لغة أخرى مع الوفاء بجميع معانيه ومقاصده.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 258)
وقيل: هي نقل الكلام من لغة إلى أخرى عن طريق التدرج من الكلمات الجزئية إلى الجمل والمعاني الكلية.
ونخرج من هذا التعريف الاصطلاحي بالملاحظات التالية:
1 - الترجمة نقل للكلام، فبينما يكون الكلام في لغة من اللغات، يتحول عن طريق الترجمة إلى لغة أخرى.
2 - يشترط في الترجمة الوفاء بجميع معاني الأصل ومقاصده، ولذلك يتم فيها استيفاء الكلام المترجم كلمة كلمة، والملاءمة بينها وبين المعنى الأصلي للنص.
3 - انحصر معنى الترجمة عرفا واصطلاحا في المعنى الرابع من معانيها اللغوية، وهو نقل الكلام من لغة إلى أخرى.
4 - يفهم من الترجمة أنها كالأصل تقوم مقامه وتأخذ اسمه.
تقسيم الترجمة:
وتنقسم الترجمة بهذا المعنى العرفي إلى قسمين:
أولهما: الترجمة الحرفية: وتكون بنقل كل كلمة عربية إلى نظائرها من اللغة المترجم إليها، مع مراعاة النظم والترتيب في الجملة، ودون النظر إلى المعنى، وتسمى الترجمة اللفظية أو المساوية.
ثانيهما: الترجمة المعنوية: وتكون بأن يلم المترجم بمعنى الجملة العربية، ثم يصوغه في جملة من اللغة الأخرى، ودون أن يقيد نفسه بترتيب الكلمات أو مساواتها كما في الأصل. وتسمى الترجمة التفسيرية.
وإذا كانت الترجمة الحرفية مستحيلة، لوجود الاختلافات الكبيرة بين اللغات من حيث ترتيب الجملة، وعدم توفر المفردات المتقابلة المساوية. فإن الترجمة المعنوية أيضا متعذرة ويدخلها خلل واضح، ونسوق إثبات ذلك المثالين التاليين:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 259)
المثال الأول: ما صنعه (ماكس هينج) - مترجم القرآن إلى اللغة الألمانية- في قوله تعالى: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [الغاشية: 17] حيث ترجم كلمة الإبل بالسحاب.
وهو أحد المعاني التي حملت عليها الآية، والجمهور يفسّرون الإبل بالحيوان المعروف، وهو المتبادر، ولا داعي للتأويل، والخلل واضح في هذه الترجمة سواء كانت حرفية أو معنوية.
المثال الثاني: ما فعله (مارماديوك) مترجم القرآن إلى اللغة الإنكليزية في قوله تعالى: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ [الأنبياء: 18] حيث ترجم كلمة (فيدمغه) بمعناها الأصلي وهو (فيشق رأسه) علما أن القرآن الكريم يستعملها في هذه الآية ويريد منها المعنى المجازي وهو (الغلب).
ويترجم قوله تعالى: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ [الإسراء: 29] بمدلولها الأصلي، وهو جمع اليد إلى العنق وإطلاقها، فيقول: لا تجعل يدك مربوطة إلى رقبتك ولا تتركها من غير ربط، ولا شك أن التشويه والمسخ ظاهر في هذه الترجمات التي ما أريد بها وجه الله ولا هداية الناس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 260)
الفصل الثاني الفروق بين الترجمة والتفسير
لقد مر معنا أن الترجمة هي: التعبير عن معنى كلام في لغة بكلام آخر من لغة أخرى مع الوفاء بجميع معانيه ومقاصده.
أما التفسير فهو لغة: الإيضاح والتبيين. واصطلاحا: علم يبحث فيه عن القرآن الكريم من حيث دلالته على مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية.
ومن هذين التعريفين لكل من الترجمة والتفسير، نتبين أن الترجمة سواء كانت حرفية أو معنوية- غير التفسير مطلقا- وسواء أكان بلغة الأصل، أم تفسيرا بغير لغة الأصل، وذلك من وجهين:
الأول:
الترجمة تعني: الإحاطة بمعنى الكلام وصبه في ألفاظ لغة أخرى، بينما التفسير يعني: تبيين وتوضيح معنى الكلام على حسب فهمه. وكأن المترجم يقول:
معنى هذا الكلام هو عين معنى الآية، بينما المفسر يقول: معنى هذا الكلام هو كذا …
الثاني:
وفي الترجمة اهتمام بالكلمة والأداة التعبيرية والصياغة، بينما في التفسير اهتمام بنقل المعنى القريب أو البعيد المقصود من الألفاظ.
ومع وضوح هذا التفريق بين الترجمة والتفسير، فإن الخلط أو الاشتباه وقع
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 261)
عند بعض الكتّاب بين الترجمة المعنوية، والتفسير بغير لغة الأصل، وقد ذكر فضيلة الأستاذ محمد عبد العظيم الزرقاني فروقا أربعة «1»؛ لمنع وقوع أي اشتباه أو خلط في هذا الأمر، وهي:
الفارق الأول:
أن صيغة الترجمة صيغة استقلالية يراعى فيها الاستغناء عن أصلها وحلولها محله، أما التفسير فإنه قائم أبدا على الارتباط بأصله، بأن يؤتى مثلا بالمفرد أو المركب، ثم يشرح شرحا متصلا به، ثم ينتقل إلى جزء آخر مفرد أو جملة، وهكذا من بداية التفسير إلى نهايته بحيث لا يمكن تجريد التفسير وقطع وشائج اتصاله بأصله مطلقا.
الفارق الثاني:
أن الترجمة لا يجوز فيها الاستطراد، أما التفسير فيجوز بل يجب فيه الاستطراد. وذلك لأن الترجمة مفروض فيها أنها صورة مطابقة لأصلها حاكية له، فمن الأمانة أن تساويه بدقة من غير زيادة ولا نقص، حتى لو كان في الأصل خطأ لوجب أن يكون الخطأ عينه في الترجمة، بخلاف التفسير فإن المفروض فيه أنه بيان لأصله وتوضيح له. وقد يقتضي هذا البيان والإيضاح أن يذهب المفسر مذاهب شتى في الاستطراد توجيها لشرحه، أو تنويرا لمن يفسر لهم، ويظهر ذلك في شرح الألفاظ اللغوية، وخاصة إذا أريد بها غير ما وضعت له، وفي المواضع التي يتوقف فهمها على ذكر مصطلحات أو سوق أدلة أو بيان حكمة.
الفارق الثالث:
أن الترجمة تتضمن- عرفا- دعوى الوفاء بجميع معاني الأصل ومقاصده، أما--------------------------------------------
(1) ونحن نسوق هذه الفروق هنا- استكمالا للبحث- باختصار وتصرف يسير من كتاب مناهل العرفان (2: 10 - 13).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 262)
التفسير فإنه قائم على الإيضاح كما قلنا، سواء أكان هذا الإيضاح بطريق إجمالي أو تفصيلي. متناولا كافة المعاني والمقاصد أو مقتصرا على بعضها دون بعض طوعا للظروف التي يخضع لها المفسر ومن يفسر لهم.
الفارق الرابع:
أن الترجمة تتضمن- عرفا- دعوى الاطمئنان إلى أن جميع المعاني والمقاصد التي نقلها المترجم، هي مدلول كلام الأصل وأنها مرادة لصاحب الأصل منه.
والتفسير ليس كذلك، بل المفسر تارة يدعي الاطمئنان إذا توفرت لديه أدلته، وتارة لا يدعيه، وذلك عند ما تعوزه تلك الأدلة. ثم هو أحيانا يصرح بالاحتمال ويذكر وجوها محتملة مرجحا بعضها على بعض، وأحيانا يسكت عن التصريح أو عن الترجيح، وقد يبلغ به الأمر أن يعلن عجزه عن فهم كلمة أو جملة ويقول: ربّ الكلام أعلم
بمراده، على نحو ما نحفظه للكثير من المفسرين إذا عرضوا لمتشابهات القرآن ولفواتح السور المعروفة.
والدليل على أن الترجمة تتضمن دعوى الاطمئنان إلى ما حوت من معان ومقاصد: أن الناس يحلون الترجمات محل أصولها، ويستغنون بها عن تلك الأصول، بل قد ينسون هذه الأصول جملة.
وهذا لا يمكن أن يقع مثله في التفسير، لأنه بيان لا يمكن أن يقوم مقام المبين، ولا يدعى فيه الاطمئنان إلى أنه واف بجميع أغراضه ومعانيه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 263)