[استئجار الأرض الموقوفة على الكنيسة وشراء ما يباع للكنيسة]
وأما استئجاره الأرض الموقوفة على الكنيسة، وشراؤه ما يباع (1) للكنيسة: فقد أطلق (2) أحمد المنع أنه لا يستأجرها، لا يعينهم على ما هم فيه، وكذلك أطلقه (3) الآمدي وغيره.
ومثل هذا ما لو اشترى من المال الموقوف للكنيسة أو الموصى (4) لها به، أو باع آلات يبنون بها كنيسة ونحو ذلك، والمنع هنا أشد؛ لأن نفس هذا المال الذي يبذله يصرف في المعصية، فهو كبيع العصير لمن يتخذه خمرا بخلاف نفس السكنى، فإنها ليست محرمة، ولكنهم يعصون في المنزل، فقد يشبه ما لو قد باعهم الخبز واللحم والثياب، فإنهم قد يستعينون بذلك على الكفر، وإن كان الإسكان فوق هذا؛ لأن نفس الأكل والشرب ليس بمحرم، ونفس المنفعة المعقود عليها في الإجارة -وهو اللبث- قد يكون محرما، ألا ترى أن الرجل لا ينهى أن (5) يتصدق على الكفار والفساق في الجملة، وينهى أن يقعد في منزله من يكفر أو يفسق؟
وقد تقدم تصريح ابن القاسم أن هذا الشراء لا يحل، وأطلق الشافعي المنع من معاونتهم على بناء الكنيسة، ونحو ذلك، فقال في كتاب الجزية من الأم (6) " ولو أوصى -يعني الذمي- بثلث ماله أو شيء منه يبني به كنيسة لصلوات (7) النصارى (8) أو يستأجر به خدما للكنيسة، أو تعمر به الكنيسة،--------------------------------------------
(1) في المطبوعة: على الكنيسة.
(2) في (ج) : اطلع.
(3) في (ج ط) : أطلق.
(4) في المطبوعة: للكنيسة الموصى لها به.
(5) في (ب د) : ألا ترى الرجل لا ينهى عن أن يتصدق. . إلخ.
(6) الأم هو: أحد كتب الإمام الشافعي في الفقه.
(7) في (أط) : لصلاة.
(8) في الأم: لصلاة النصراني.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 41)
أو يستصبح به فيها، أو يشتري به أرضا (1) فتكون صدقة على الكنيسة، أو تعمر به (2) أو ما في هذا المعنى؛ كانت الوصية باطلة (3) ولو أوصى أن يبني كنيسة (4) ينزلها مار الطريق، أو وقفها على قوم يسكنونها (5) جازت الوصية، وليس في بنيان الكنيسة معصية، إلا أن تتخذ لمصلى النصارى الذي اجتماعهم فيها على الشرك"، قال: وأكره للمسلم أن يعمل بناء أو نجارا، أو غير (6) ذلك في كنائسهم التي لصلاتهم (7) .
وأما مذهب أحمد في الإجارة لعمل ناووس ونحوه، فقال الآمدي: لا يجوز رواية واحدة؛ لأن المنفعة المعقود عليها محرمة، وكذلك الإجارة لبناء كنيسة أو بيعة، أو صومعة، كالإجارة لكتبهم (8) المحرفة.
وأما مسألة حمل الخمر والميتة والخنزير للنصراني أو للمسلم فقد تقدم لفظ أحمد أنه قال فيمن حمل (9) خمرا أو خنزيرا أو ميتة لنصراني: فهو يكره أكل كرائه، ولكن يقضي للحمال بالكراء، وإذا كان للمسلم فهو أشد. زاد بعضهم فيها: ويكره أن يحمل الميتة بكراء، أو يخرج دابة ميتة، ونحو هذا.
ثم اختلف أصحابنا في هذا الجواب على ثلاث طرق:--------------------------------------------
(1) أرضًا: سقطت من (أط) .
(2) في المطبوعة: أو تعمر من غلتها. وفي الأم: أو تعمر بها.
(3) هنا تجد في الأم كلامًا زائدًا عما ذكره المؤلف، لعله تركه على وجه الاختصار. راجع: الأم (4 / 213) .
(4) كنيسة: ساقطة من (ط) .
(5) هنا أيضًا ترك المؤلف كلامًا ذكره في الأم. انظر: الأم (4 / 213) .
(6) في (أ) : أو غيره.
(7) راجع: كتاب (الأم) للشافعي (3 / 213) .
(8) في المطبوعة: لكتب كتبهم.
(9) حمل: ساقطة من (أ) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 42)
أحدها: إجراؤه على ظاهره، وأن المسألة رواية واحدة، قال ابن أبي موسى: وكره أحمد أن يؤجر المسلم نفسه لحمل ميتة أو خنزير لنصراني. قال: فإن فعل قضي له بالكراء، وإن آجر (1) نفسه لحمل محرم لمسلم (2) كانت الكراهة أشد، ويأخذ الكراء. وهل يطيب له أم لا (3) على وجهين، أوجههما: أنه لا يطيب له، وليتصدق (4) به. وهكذا ذكر أبو الحسن الآمدي، قال: وإذا آجر (5) نفسه من رجل في حمل خمر أو خنزير أو ميتة؛ كره. نص عليه. وهذه كراهة تحريم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن حاملها.
إذا ثبت هذا فيقضى (6) له بالكراء، وغير ممتنع أن يقضى بالكراء وإن كان محرما، كإجارة الحجام، فقد صرح هؤلاء بأنه يستحق الأجرة مع كونها محرمة عليه على الصحيح.
الطريقة الثانية: تأويل هذه الرواية بما يخالف ظاهرها، وجعل المسألة رواية واحدة: أن هذه الإجارة لا تصح، وهي طريقة القاضي في المجرد (7) وهي طريقة ضعيفة، رجع عنها القاضي في كتبه المتأخرة، فإنه صنف المجرد قديما.
الطريقة الثالثة: تخرج هذه المسألة على روايتين: إحداهما: أن هذه الإجارة صحيحة يستحق بها الأجرة مع الكراهة للفعل وللأجرة.--------------------------------------------
(1) في (أ) : أجر.
(2) لمسلم: سقطت من (ط) .
(3) أم لا: ساقطة من (ط) والمطبوعة.
(4) في (ج د) : ويتصدق.
(5) في (أ) : أجر.
(6) في المطبوعة: ولكن يقضى له.
(7) المجرد: كتاب من كتب القاضي أبي يعلى في فقه المذهب الحنبلي. انظر: طبقات الحنابلة (2 / 205) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 43)
والثانية (1) لا تصح الإجارة، ولا يستحق بها أجرة، وإن حمل. وذلك (2) على قياس قوله في أن الخمر (3) لا يجوز إمساكها، وتجب إراقتها.
قال في رواية أبي طالب (4) إذا أسلم، وله خمر أو خنازير، تصب الخمر وتسرح الخنازير، وقد حرما عليه، وإن قتلها (5) فلا بأس، فقد نص على أنه لا يجوز إمساكها، ولأنه قد نص في رواية ابن منصور: أنه يكره أن يؤاجر نفسه لنظارة كرم النصراني؛ لأن أصل ذلك يرجع إلى الخمر إلا أن يعلم أنه يباع لغير الخمر.
فقد منع من إجارة نفسه على حفظ الكرم الذي يتخذ للخمر، فأولى أن يمنع من إجارة نفسه على حمل الخمر. فهذه طريقة القاضي في التعليق وتصرفه، وعليها أكثر أصحابه، مثل أبي الخطاب، وهي طريقة من احتذى حذوه من المتأخرين.
والمنصور عندهم الرواية المخرجة، وهي مذهب مالك والشافعي وأبي يوسف ومحمد، وهذا عند أصحابنا فيما إذا استأجر على حمل الخمر إلى بيته، أو حانوته، أو حيث لا يجوز إقرارها، سواء كان حملها للشرب أو مطلقا: فأما إن كان (6) يحملها ليريقها، أو يحمل--------------------------------------------
(1) في (ج د) : والثاني: فيه لا تصح.
(2) ذلك: ساقطة من (ط) .
(3) في (ب ج د) وفي المطبوعة: قوله في الخمر: لا تجوز إمساكها. . إلخ.
(4) هو: أحمد بن حميد، أبو طالب المشكاني، من الطبقة الأولى من تلاميذ الإمام أحمد، روى عنه مسائل كثيرة، وكان صحبه قديمًا إلى أن مات الإمام أحمد. وكان أبو طالب رجلا صالحًا، توفي سنة (244هـ) . انظر: طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (1 / 39 ـ 40) ، (ت13) .
(5) في (أ) : قتل.
(6) في المطبوعة: فإذا كان.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 44)
الميتة (1) لينقلها إلى الصحراء؛ لئلا يتأذى بنتن ريحها، فإنه يجوز الإجارة على ذلك؛ لأنه عمل مباح، لكن إن كانت الأجرة جلد الميتة لم تصح، واستحق أجرة المثل، وإن كان قد سلخ الجلد وأخذه رده على صاحبه، وهذا مذهب مالك، وأظنه مذهب الشافعي أيضا. ومذهب أبي حنيفة كالرواية الأولى، ومأخذه في ذلك: أن الحمل إذا كان مطلقا لم يكن المستحق عين (2) حمل الخمر، وأيضا فإن مجرد حملها ليس معصية؛ لجواز أن تحمل لتراق، أو تخلل عنده، ولهذا إذا كان الحمل للشرب لم يصح، ومع هذا فإنه يكره الحمل.
والأشبه -والله أعلم- طريقة ابن أبي موسى، فإنها أقرب إلى مقصود أحمد، وأقرب إلى القياس، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن عاصر الخمر ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه، فالعاصر والحامل قد عاوضا على منفعة تستحق عوضا، وهي ليست محرمة في نفسها، وإنما حرمت لقصد المعتصر، والمستحمل فهو كما لو باع عنبا أو عصيرا لمن يتخذه خمرا، وفات العصير والخمر في يد المشتري، فإن مال البائع لا يذهب مجانا، بل يقضي له بعوضه، كذلك هاهنا المنفعة التي وفاها المؤجر لا تذهب مجانا، بل يعطى بدلها، فإن تحريم الانتفاع بها إنما كان من جهة المستأجر لا من جهته.
ثم نحن نحرم الأجرة عليه، لحق الله سبحانه لا لحق المستأجر، والمشتري بخلاف من استأجر للزنا أو التلوط أو القتل أو الغصب أو السرقة، فإن نفس هذا العمل محرم لا (3) لأجل قصد المشتري، فهو كما لو باعه ميتة أو خمرا، فإنه لا يقضي له (4) بثمنها؛ لأن نفس هذه العين محرمة.--------------------------------------------
(1) في المطبوعة: ليدفنها أو لينقلها.
(2) في المطبوعة: غير.
(3) لا: سقطت من (ط) .
(4) له: سقطت من (أ) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 45)
ومثل هذه الإجارة والجعالة لا توصف بالصحة مطلقا، ولا بالفساد مطلقا، بل هي صحيحة بالنسبة إلى المستأجر، بمعنى أنه يجب عليه مال (1) الجعل والأجرة (2) وهي فاسدة (3) بالنسبة إلى الأجير، بمعنى أنه يحرم عليه الانتفاع بالأجرة والجعل، ولهذا في الشريعة نظائر.
وعلى هذا فنص أحمد على كراهة نظارة كرم النصراني لا ينافي هذا، فإنا ننهاه عن هذا الفعل وعن ثمنه، ثم نقضي له (4) بكرائه، ولو لم نفعل هذا لكان (5) في هذا منفعة عظيمة للعصاة، فإن كل من استأجروه على عمل يستعينون به على المعصية قد حصلوا غرضهم منه، ثم لا يعطونه شيئا، وما هم بأهل أن يعاونوا على ذلك.
بخلاف من سلم إليهم عملا لا قيمة له بحال. نعم: البغي والمغني والنائحة، ونحوهم؛ إذا أعطوا أجورهم ثم تابوا: هل يتصدقون بها، أو يجب أن يردوها على من أعطاهموها؟ فيها (6) قولان أصحهما: أنا لا نردها على الفساق الذين بذلوها في المنفعة المحرمة (7) ولا يباح الأخذ (8) بل يتصدق بها، وتصرف في مصالح المسلمين، كما نص عليه أحمد في أجرة حمال الخمر.--------------------------------------------
(1) مال: سقطت من (ب) .
(2) الأجرة: سقطت من (ط) ، وفي (أ) : شطب عليها.
(3) في (ب) : وفاسدة.
(4) له: ساقطة من (أ) .
(5) في (أ) : لما كان.
(6) من هنا حتى قوله: فإن الزاني ومستمع الغناء. . إلخ، بعد نصف صفحة تقريبًا: كله سقط من (ط) .
(7) في (أ) : البيعة.
(8) في (ب د) : للآخذ، وهو وجيه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 46)
ومن ظن (1) أنها ترد على الباذل المستأجر؛ لأنها مقبوضة بعقد فاسد، فيجب (2) ردها عليه كالمقبوض بالربا، أو نحوه من العقود الفاسدة.
فيقال له: المقبوض بالعقد الفاسد يجب فيه التراد من الجانبين، فيرد كل منهما على الآخر ما قبضه منه، كما في تقابض الربا عند (3) من يقول: المقبوض بالعقد الفاسد لا يملك (4) كما هو المعروف من مذهب الشافعي وأحمد.
فأما إذا تلف المقبوض عند القابض، فإنه لا يستحق استرجاع عوضه مطلقا، وحينئذ فيقال: وإن كان ظاهر القياس يوجب ردها بناء على أنها مقبوضة بعقد فاسد، فإن الزاني ومستمع الغناء والنوح قد بذلوا هذا المال عن طيب نفوسهم، واستوفوا العوض (5) المحرم، والتحريم الذي فيه ليس لحقهم، وإنما هو لحق الله تعالى، وقد فاتت هذه المنفعة (6) بالقبض، والأصول تقتضي: أنه إذا رد أحد العوضين يرد الآخر، فإذا تعذر (7) على المستأجر رد المنفعة لم يرد عليه المال.
وأيضا، (8) فإن هذا الذي استوفيت منفعته عليه ضرر في أخذ منفعته (9) وعوضها جميعا منه، بخلاف ما لو كان العوض خمرا أو ميتة، فإن تلك لا ضرر عليه في فواتها، فإنها لو كانت باقية أتلفناها عليه، ومنفعة الغناء والنوح--------------------------------------------
(1) في (أ) : وفي ظني.
(2) في (أ) : يستحب.
(3) في (أ) : على من يقول.
(4) في (أ) : بالعقد الفاسد تلك فيما هو. . إلخ، ولعله خلط من الناسخ.
(5) في (ط) : الغرض.
(6) في (أ) : المنفعة: ساقطة.
(7) في (أ) : فإذا رد على المستأجر.
(8) وأيضا فإن: ساقطة من (ط) .
(9) في المطبوعة: في أحد منفعتيه وعوضهما.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 47)
لو لم تفت لتوفرت عليه، بحيث كان يتمكن من صرف تلك المنفعة في أمر آخر، أعني من صرف القوة التي عمل بها. فيقال على هذا: فينبغي أن يقضوا بها إذا طالب بقبضها. قيل: نحن لا نأمر بدفعها ولا بردها كعقود الكفار المحرمة، فإنهم إذا أسلموا قبل (1) القبض لم نحكم بالقبض، ولو أسلموا بعد القبض لم نحكم بالرد، ولكن في حق (2) المسلم تحرم (3) هذه الأجرة (4) عليه؛ لأنه كان معتقدا لتحريمها بخلاف الكافر، وذلك لأنه إذا طلب الأجرة قلنا له: أنت فرطت، حيث صرفت قوتك في عمل محرم، فلا يقضى لك بأجرة. فإذا قبضها ثم قال الدافع: هذا المال اقضوا لي برده، فإنما (5) أقبضته إياه عوضا عن منفعة محرمة. قلنا له: دفعته بمعاوضة رضيت بها، فإذا طلبت استرجاع ما أخذ (6) فاردد إليه ما أخذت إذا كان له في بقائه معه منفعة، فهذا ومثل هذا (7) يتوجه فيما يقبض من ثمن الميتة والخمر، وأيضا فمشتري الخمر إذا أقبض (8) ثمنها وقبضها وشراها، ثم طلب أن يعاد إليه الثمن كان الأوجه أن يرد إليه الثمن ولا يباح للبائع، ولا سيما ونحن نعاقب الخمار -بياع الخمر- بأن نحرق الحانوت التي تباع فيها الخمر، نص على ذلك أحمد وغيره من العلماء؛ (9) فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه--------------------------------------------
(1) في المطبوعة: على القبض.
(2) حق: ساقطة من (أط) .
(3) في (أط) : تحرم عليه هذه.
(4) في (أ) : الإجارة.
(5) في (أط) : فإني.
(6) في (ب د) : ما أخذه.
(7) في (أ) والمطبوعة: فهذا ومثله.
(8) في (ب د) : إذا قبض.
(9) انظر: الآداب الشرعية لابن مفلح (1 / 221 ـ 222) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 48)
حرق حانوتا يباع فيها الخمر (1) وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه حرق قرية يباع فيها الخمر (2) وهي آثار معروفة، وهذه المسألة مبسوطة في غير هذا الموضع (3) ؛ وذلك لأن (4) العقوبات المالية (5) عندنا باقية غير منسوخة (6) .
فإذا عرف أصل أحمد في هذه المسائل، فمعلوم أن بيعهم ما يقيمون به أعيادهم المحرمة، مثل بيعهم العقار للسكنى وأشد، بل هو إلى بيعهم العصير أقرب منه إلى بيعهم العقار؛ لأن ما يبتاعونه من الطعام واللباس ونحو ذلك يستعينون به على العيد، إذ العيد كما قدمنا اسم لما يفعل من العبادات والعادات، وهذه إعانة على ما يقام من العادات، لكن لما كان جنس الأكل والشرب واللباس ليس محرما في نفسه، بخلاف شرب الخمر؛ فإنه محرم في نفسه.
فإن كان ما يبتاعونه يفعلون به نفس المحرم: مثل صليب، أو شعانين، أو معمودية، أو تبخير، أو ذبح لغير الله، أو صورة ونحو ذلك؛ فهذا لا ريب في تحريمه، كبيعهم العصير ليتخذوه خمرا، وبناء الكنيسة لهم، وأما ما ينتفعون به في أعيادهم (7) للأكل والشرب واللباس، فأصول أحمد وغيره تقتضي كراهته.
لكن: كراهة تحريم كمذهب مالك، أو كراهة تنزيه؟ والأشبه: أنه كراهة--------------------------------------------
(1) أخرجه عبد الرزاق بسنده في المصنف (6 / 77) ، حديث رقم (10051) ، وذكر أنه حرق (بيتًا) ، بدل (حانوتًا) . انظر: الآداب الشرعية (1 / 221 ـ 222) .
(2) انظر: الآداب الشرعية لابن مفلح (1 / 222) .
(3) فصّل المؤلف هذا الموضوع في عدة مواضع، منها: في مجموع الفتاوى (28 / 664 ـ 667) .
(4) في (ب) : أن.
(5) في (أ) : العقوبات الدينية.
(6) انظر: زاد المعاد (5 / 54) .
(7) في أعيادهم: ساقطة من (ط) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 49)
تحريم كسائر النظائر عنده، فإنه لا يجوز بيع الخبز واللحم والرياحين للفساق الذين يشربون عليها (1) الخمر، ولأن هذه الإعانة قد تفضي إلى إظهار الدين (2) وكثرة اجتماع الناس لعيدهم وظهوره، وهذا أعظم من إعانة شخص معين. لكن من يقول: هذا مكروه كراهة تنزيه يقول: هذا متردد بين بيع العصير وبيع الخنزير، وليس هذا مثل بيعهم العصير الذي يتخذونه خمرا؛ لأنا إنما يحرم علينا أن نبيع الكفار ما كان محرم الجنس: كالخمر، والخنزير. فأما ما (3) يباح في حال دون حال كالحرير ونحوه فيجوز بيعه لهم.
وأيضا، فإن الطعام واللباس الذي يباعونه (4) في عيدهم ليس محرما في نفسه، وإنما الأعمال التي يعملونها (5) به لما كانت شعار الكفر (6) نهي عنها المسلم لما فيها من مفسدة انجراره إلى بعض فروع الكفر (7) . فأما الكافر فهي لا تزيده من الفساد أكثر مما هو فيه؛ لأن نفس حقيقة الكفر قائمة به؛ فدلالة الكفر وعلامته إذا كانت مباحة (8) لم يكن فيها كفر زائد (9) كما لو باعهم المسلم ثياب الغيار (10) التي يتميزون بها عن المسلمين، بخلاف شرب الخمر وأكل الخنزير فإنه زيادة في الكفر.--------------------------------------------
(1) عليها: ساقطة من (ط) .
(2) كذا في جميع النسخ المخطوطة، وفي المطبوعة: الدين الباطل، وهو أنسب للسياق.
(3) ما: ساقطة من (أ) .
(4) في (ط د) : يبايعونه، وفي المطبوعة: يبتاعونه.
(5) في المطبوعة: يعملونه بها.
(6) في المطبوعة: الكفار.
(7) في المطبوعة: الكفار.
(8) في (أب ط) : مباحًا.
(9) من هنا حتى قوله: بخلاف شرب الخمر، (بعد سطر) : ساقط من (ط) .
(10) في (أ) : العياد.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 50)
نعم: لو باعهم المسلم ما يتخذونه صليبا، أو شعانين ونحو ذلك (1) فهنا قد باعهم ما يستعينون به على نفس المعصية (2) ومن نصر التحريم يجيب عن هذا بأن شعار الكفر وعلامته ودلالته على وجهين:
وجه نؤمر به في دين (3) الإسلام، وهو (4) ما فيه إذلال للكفر وصغار، فهذا إذا اتبعوه (5) كان ذلك إعانة على ما يأمر الله به ورسوله، فإنا نحن نأمرهم بلباس (6) الغيار.
ووجه ننهى عنه وهو ما فيه إعلاء للكفر وإظهار له، كرفع أصواتهم بكتابهم، وإظهار الشعانين، وبيع النواقيس لهم، وبيع الرايات والألوية لهم، ونحو ذلك، فهذا من شعائر الكفر التي نحن مأمورون (7) بإزالتها، والمنع منها في (8) ديار الإسلام، فلا يجوز إعانتهم عليها.
[قبول الهدية من أهل الذمة يوم عيدهم]
وأما قبول الهدية منهم يوم عيدهم، فقد قدمنا عن علي رضي الله عنه أنه أتي بهدية النيروز فقبلها (9) . وروى ابن أبي شيبة في المصنف: حدثنا جرير (10) عن قابوس (11) عن أبيه (12) أن امرأة سألت عائشة، قالت: إن لنا--------------------------------------------
(1) في (ب د) : ونحو هذا.
(2) من هنا حتى قوله: وأما قبول الهدية، (بعد ستة سطور تقريبًا) : سقط من (ط) .
(3) في المطبوعة: دار الإسلام.
(4) في (ب) : وهي.
(5) في المطبوعة: ابتاعوه.
(6) في المطبوعة: بلبس.
(7) في (أ) : التي يأخذون.
(8) في (أ) : من ديار.
(9) مرت (ص515) .
(10) هو جرير بن عبد الحميد، (مرت ترجمته) ، انظر: فهرس الأعلام.
(11) هو قابوس بن أبي ظبيان، (مرت ترجمته) ، انظر: فهرس الأعلام.
(12) أبوه هو حصين بن جندب، (مرت ترجمته) ، انظر: فهرس الأعلام.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 51)
أظآرا (1) من المجوس، وإنه يكون لهم العيد فيهدون لنا. فقالت: "أما ما ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوا (2) ولكن كلوا من أشجارهم " (3) وقال حدثنا وكيع عن الحسن (4) بن حكيم، عن أمة (5) عن أبي برزة: أنه كان له سكان مجوس، فكانوا يهدون له في النيروز والمهرجان، فكان يقول لأهله: " ما كان من فاكهة فكلوه (6) وما كان من غير ذلك فردوه " (7) .
فهذا كله يدل على أنه لا تأثير للعيد في المنع من قبول هديتهم، بل حكمها في العيد وغيره سواء؛ لأنه ليس في ذلك إعانة لهم على شعائر (8) كفرهم. لكن قبول هدية الكفار من أهل الحرب وأهل الذمة مسألة مستقلة بنفسها؛ فيها خلاف وتفصيل ليس هذا موضعه، وإنما يجوز أن يؤكل من طعام أهل الكتاب في عيدهم، بابتياع أو هدية، أو غير ذلك مما (9) لم يذبحوه للعيد، فأما ذبائح المجوس، فالحكم فيها معلوم، فإنها حرام عند العامة (10) .--------------------------------------------
(1) الأظآر: جمع ظئر، وهي: المرضعة لغير ولدها، ويطلق على زوجها أيضًا، ولعل المقصود بالأظآر هنا: الأقارب من الرضاعة. انظر: القاموس المحيط، فصل الظاء، باب الراء (2 / 83) ، وهي في (أب) : أظيار.
(2) في (د) : فلا تأكلوا منه.
(3) مصنف ابن أبي شيبة: كتاب العقيقة، طعام المجوس، الأثر رقم (4423) ، (8 / 87) . انظر: أحكام أهل الذمة لابن القيم (1 / 253) .
(4) في المطبوعة: الحكم، وهو خطأ، والصواب هو: الحسن بن حكيم بن طهمان أبو حكيم، وثقه ابن معين وأبو حاتم. انظر: الجرح والتعديل (3 / 6) ، (ت22) .
(5) هي مولاة لأبي برزة. انظر: الجرح والتعديل (3 / 6) .
(6) في (أ) : وكلوه.
(7) مصنف ابن أبي شيبة: كتاب العقيقة، طعام المجوس، الأثر رقم (4424) ، (8 / 88) .
(8) في (ب ط) : شعار.
(9) في (أط) : ما لم يذبحوه.
(10) أي عامة أهل العلم.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 52)
[ذبيحتهم يوم عيدهم وأنواع ذبائح أهل الكتاب]
فأما ما ذبحه أهل الكتاب لأعيادهم، وما يتقربون بذبحه إلى غير الله، نظير ما يذبح المسلمون هداياهم وضحاياهم متقربين بها إلى الله تعالى، وذلك مثل ما يذبحون للمسيح والزهرة، فعن أحمد روايتان: أشهرهما في نصوصه أنه لا يباح أكله، وإن لم يسم عليه غير الله تعالى، ونقل النهي عن ذلك، عن عائشة وعبد الله (1) بن عمر.
قال الميموني: سألت أبا عبد الله عن ذبائح أهل الكتاب فقال: إن كان (2) مما يذبحون لكنائسهم (3) . فقال: يدعون التسمية على عمد، إنما يذبحون للمسيح (4) .
وذكر أيضا: أنه سأل أبا (5) عبد الله عمن ذبح من أهل الكتاب ولم يسم، فقال: إن كان مما يذبحون لكنائسهم. فقال ابن عمر (6) يترك التسمية فيه على عمد؛ إنما يذبح للمسيح، وقد كرهه ابن عمر، إلا أن أبا الدرداء يتأول أن طعامهم حل، وأكثر ما رأيت منه (7) الكراهية لأكل ما ذبحوا لكنائسهم.
وقال أيضا: سألت أبا عبد الله عن ذبيحة المرأة من أهل الكتاب، ولم تسم.
قال: " إن كانت ناسية فلا بأس، وإن كان مما يذبحون لكنائسهم قد يدعون التسمية فيه على عمد " وقال المروزي: قرئ على أبي عبد الله: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} [المائدة: 3] (8) قال: " على الأصنام " وقال: " كل شيء ذبح على الأصنام لا يؤكل ".--------------------------------------------
(1) في (ب د) : وابن عمر.
(2) في (ب ط) : إن كانوا.
(3) في المطبوعة: فلا يحل، وهو أتم للعبارة، لكنه خلاف المخطوطات.
(4) انظر: المغني والشرح الكبير (11 / 36، 37) ، فقد ذكر ذلك.
(5) أبا: ساقطة من (ب) .
(6) في المطبوعة: فقال: يتركون التسمية.
(7) في (د) : فيه.
(8) سورة المائدة: من الآية 3.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 53)
وقال حنبل: قال عمي (1) " أكره كل ما ذبح لغير الله، والكنائس إذا ذبح لها، وما ذبح أهل الكتاب على معنى الذكاة فلا بأس به (2) وما ذبح يريد به غير الله فلا آكله، وما ذبحوا في أعيادهم أكرهه ".
وروى أحمد عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي: سألت ميمونا (3) عما ذبحت النصارى لأعيادهم وكنائسهم، فكره أكله. قال حنبل: سمعت أبا عبد الله قال: " لا يؤكل؛ لأنه أهل لغير الله به (4) ويؤكل كل ما سوى ذلك، وإنما أحل الله عز وجل من طعامهم ما ذكر اسم الله عليه، قال الله عز وجل {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121] (5) وقال: (6) {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} [البقرة: 173] (7) فكل ما ذبح لغير الله فلا يؤكل لحمه ".
وروى حنبل عن عطاء في ذبيحة النصراني (8) يقول: اسم المسيح، قال: كل، قال حنبل: سمعت أبا عبد الله يسأل عن ذلك قال: لا تأكل، قال الله تعالى {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121] (9) فلا أرى هذا ذكاة {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [المائدة: 3] (10) .
فاحتجاج أبي عبد الله بالآية دليل على أن الكراهة عنده كراهة تحريم،--------------------------------------------
(1) عمه هو الإمام أحمد بن حنبل.
(2) به: ساقطة من (أ) .
(3) لعله ميمون بن مهران، مرت ترجمته، انظر: فهرس الأعلام.
(4) به: سقطت من (أ) .
(5) سورة الأنعام: من الآية 121.
(6) في (ب) : زاد قوله تعالى: " حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الْخِنْزِيرِ ومَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ " سورة المائدة من الآية 3.
(7) سورة البقرة: من الآية 173.
(8) في (ب) : النصارى.
(9) سورة الأنعام: من الآية 121.
(10) سورة المائدة: من الآية: 3.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 54)
وهذا قول عامة قدماء الأصحاب، قال الخلال في باب التوقي لأكل ما ذبحت النصارى وأهل الكتاب لأعيادهم وذبائح أهل الكتاب لكنائسهم: " كل من روى عن أبي عبد الله روى الكراهة (1) فيه، وهي متفرقة في هذه الأبواب.
وما قاله حنبل في هاتين المسألتين ذكر عن أبي عبد الله: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121] (2) {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [المائدة: 3] (3) فإنما الجواب من أبي عبد الله فيما أهل لغير الله به، وأما التسمية وتركها، فقد روى عنه جميع أصحابه: أنه لا بأس بأكل ما لم يسموا عليه، إلا في وقت ما يذبحون لأعيادهم وكنائسهم، فإنه معنى قوله تعالى {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [المائدة: 3] (4) وعند أبي عبد الله أن تفسير {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121] (5) إنما عنى به (6) الميتة. وقد أخرجته (7) في موضعه.
ومقصود الخلال: أن نهي أحمد لم يكن لأجل ترك التسمية فقط؛ فإن ذلك عنده لا يحرم، وإنما كان لأنهم ذبحوا لغير الله، سواء كانوا يسمون غير الله أو لا يسمون الله ولا غيره، ولكن قصدهم الذبح لغيره (8) وقال ابن أبي موسى: ويجتنب أكل كل ما ذبحه اليهود والنصارى لكنائسهم وأعيادهم، ولا يؤكل ما ذبح للزهرة (9) .--------------------------------------------
(1) في (أ) : الكراهية.
(2) سورة الأنعام: من الآية 121.
(3) سورة المائدة: من الآية 3.
(4) سورة المائدة: من الآية 3.
(5) سورة الأنعام: من الآية 121.
(6) به: سقطت من (أط) .
(7) في (أ) : أخرجت.
(8) في (د) والمطبوعة: ولكن قال.
(9) في (ط) : للزهري.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 55)
والرواية الثانية: أن ذلك مكروه غير محرم، وهذه التي ذكرها القاضي وغيره. وأخذوا ذلك -فيما أظنه- مما نقله عبد الله بن أحمد، قال: سألت أبي عمن ذبح للزهرة، قال: لا يعجبني. قلت: أحرام أكله؟ قال: لا أقول حراما، ولكن لا يعجبني (1) . وذلك أنه أثبت الكراهة دون التحريم.
ويمكن أن يقال: إنما توقف عن تسميته محرما؛ لأن ما اختلف في تحريمه وتعارضت فيه الأدلة، كالجمع بين الأختين المملوكتين (2) ونحوه، هل يسمى حراما؟ على روايتين، كالروايتين عنه في أن ما اختلف في وجوبه، هل يسمى فرضا؟ على روايتين.
ومن أصحابنا من أطلق الكراهة، ولم يفسر: هل أراد التحريم أو التنزيه؟ قال أبو الحسن الآمدي: ما ذبح لغير الله مثل الكنائس والزهرة والشمس والقمر. فقال أحمد: مما أهل لغير الله به (3) أكرهه، كل ذبح لغير الله، والكنائس، وما ذبحوا في أعيادهم، أكرهه؛ فأما ما ذبح أهل الكتاب على معنى الذكاة فلا بأس به.
وكذلك مذهب مالك، يكره ما ذبحه النصارى لكنائسهم، أو ذبحوا على اسم المسيح، أو الصليب، أو أسماء من مضى من أحبارهم ورهبانهم (4) .
وفي المدونة: " وكره مالك أكل ما ذبحه أهل الكتاب لكنائسهم، أو لأعيادهم، من غير تحريم، وتأول قول الله تعالى {أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام: 145] (5) قال--------------------------------------------
(1) انظر: أحكام أهل الذمة لابن القيم (1 / 250) .
(2) المملوكتين: ساقطة من المطبوعة.
(3) في المطبوعة: هو مما أهل به لغير الله.
(4) انظر: المدونة (2 / 67) برواية سحنون عن ابن القاسم عن مالك.
(5) سورة الأنعام: من الآية 145.
انظر: المدونة برواية سحنون عن ابن القاسم، عن مالك (2 / 67) ، وفيها معنى الكلام لا لفظه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 56)
ابن القاسم: وكذلك ما ذبحوا وسموا عليه اسم المسيح، وهو بمنزلة ما ذبحوا لكنائسهم، ولا أرى أن يؤكل.
ونقلت الرخصة في ذبائح الأعياد ونحوها، عن طائفة من الصحابة رضي الله عنهم، وهذا فيما لم يسموا (1) غير الله.
فإن سموا غير الله في عيدهم، أو غير عيدهم: حرم في أشهر الروايتين، وهو مذهب الجمهور، وهو مذهب الفقهاء الثلاثة فيما نقله غير واحد، وهو قول علي بن أبي طالب، وغيره من الصحابة، منهم أبو الدرداء (2) وأبو أمامة، والعرباض بن سارية، وعبادة بن الصامت، وهو قول أكثر فقهاء الشام وغيرهم.
والثانية: لا يحرم، وإن سموا غير الله، وهذا قول عطاء ومجاهد ومكحول والأوزاعي والليث.
نقل ابن (3) منصور: أنه قيل لأبي عبد الله: سئل سفيان عن رجل ذبح ولم يذكر اسم (4) الله متعمدا، قال: أرى أن لا يؤكل، قيل له: أرأيت إن كان يرى أنه يجزي عنه فلم يذكر؟ قال: أرى أن لا يؤكل. قال أحمد: المسلم (5) فيه اسم الله، يؤكل. ولكن قد أساء في ترك التسمية؛ النصارى: أليس يذكرون غير (6) اسم الله.--------------------------------------------
(1) في (ج ط) وفي المطبوعة: وهذا فيما لم يسموا عليه غير الله.
(2) من هنا إلى قوله: والثانية: لا يحرم: ساقطة من (أ) .
(3) يعني: سعيد بن منصور.
(4) في (ط) : ولم يذكر الله.
(5) في (د) : إن لم يسم فيه اسم الله.
(6) في (د) : اسم غير الله.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 57)
ووجه الاختلاف أن هذا قد دخل في عموم قوله عز وجل {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} [المائدة: 5] (1) وفي عموم قوله {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [المائدة: 3] (2) ؛ لأن هذه الآية تعم كل ما نطق به لغير الله. يقال: أهللت بكذا، إذا تكلمت به (3) وإن كان أصله الكلام الرفيع، فإن الحكم لا يختلف برفع الصوت وخفضه، وإنما لما كانت عادتهم رفع الصوت في الأصل، خرج الكلام على ذلك، فيكون المعنى: وما تكلم به لغير الله وما نطق به لغير الله، ومعلوم أن ما حرم: أن يجعل غير (4) الله مسمى، فكذلك منويا، إذ هذا مثل النيات في العبادات، فإن اللفظ بها وإن كان أبلغ، لكن الأصل القصد، ألا ترى أن المتقرب بالهدايا والضحايا سواء قال: أذبحه لله، أو سكت، فإن العبرة بالنية؟
وتسمية (5) الله على الذبيحة، غير ذبحها لله، فإنه يسمى على ما يقصد به اللحم، وأما القربان فيذبح لله سبحانه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في قربانه: (6) " اللهم (7) منك ولك " بعد قوله: " بسم الله والله أكبر " (8)--------------------------------------------
(1) سورة المائدة: من الآية 5.
(2) سورة المائدة: من الآية 3.
(3) به: ساقطة من (ب) .
(4) في (أب د) : لغير الله.
(5) في (ب) : وتسميته.
(6) أي: أضحيته.
(7) في (ب ط) : زاد في الهامش (هذا) بعد (اللهم) بحيث تكون العبارة: (اللهم هذا منك ولك) .
(8) جاء ذلك فيما أخرجه أحمد في المسند. انظر: الفتح الرباني (13 / 62) ، حديث رقم (48) ، والبيهقي في السنن الكبرى (9 / 287) ، وبمعناه ما أخرجه أبو داود في كتاب الضحايا، الحديث رقم (2795) ، (3 / 231) ، وجاء فيه: " اللهم منك ولك، وعن محمد وأمته، باسم الله والله أكبر "، وفي حديث آخر أخرجه ابن ماجه في كتاب الأضاحي، الحديث رقم (3121) ، وفيه: " اللهم منك ولك "، ولم يذكر التسمية، لكنها وردت في أحاديث أخرى.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 58)
اتباعا لقوله تعالى {إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162] (1) .
والكافرون يصنعون بآلهتهم كذلك فتارة يسمون آلهتهم على الذبائح، وتارة (2) (2) يذبحونها قربانا إليهم، وتارة (3) (3) يجمعون بينهما، وكل ذلك -والله أعلم- يدخل فيما أهل لغير الله به، فإن من سمى غير الله فقد أهل به لغير الله، فقوله: (باسم كذا) استعانة به، وقوله (لكذا) (4) عبادة له؛ ولهذا جمع الله بينهما في قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]
[ما ذبح على النصب]
وأيضا، فإنه سبحانه حرم (5) ما ذبح على النصب، وهي كل ما ينصب ليعبد من دون الله تعالى.
وأما احتجاج أحمد على هذه المسألة بقوله تعالى {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121] (6) فحيث اشترطت التسمية في ذبيحة المسلم؛ هل تشترط في ذبيحة الكتابي؟ على روايتين: وإن كان الخلال هنا قد ذكر عدم الاشتراط، فاحتجاجه بهذه الآية يخرج على إحدى الروايتين. فلما تعارض العموم الحاظر، وهو قول (7) الله تعالى: {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} [البقرة: 173] (8) والعموم المبيح، وهو قوله:--------------------------------------------
(1) سورة الأنعام: الآية 162.
(2) (2، 3) ما بين الرقمين سقط من (د) .
(3) (2، 3) ما بين الرقمين سقط من (د) .
(4) في (د) : كذا.
(5) في (ط) : كل ما ذبح.
(6) سورة الأنعام: من الآية 121.
(7) وهو قول: سقطت من (ط) .
(8) سورة البقرة: الآية 173. وفي (أب د) : " وما أهل لغير الله به " سورة المائدة: الآية 3.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 59)
{وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} [المائدة: 5] (1) اختلف العلماء في ذلك.
والأشبه بالكتاب والسنة: ما دل عليه أكثر كلام أحمد من الحظر، وإن كان من متأخري أصحابنا من لم يذكر هذه الرواية بحال؛ وذلك لأن عموم قوله تعالى: {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} [المائدة: 3] (2) عموم محفوظ لم تخص منه صورة، بخلاف طعام الذين أوتوا الكتاب، فإنه يشترط له الذكاة المبيحة (3) فلو ذكى الكتابي في غير المحل المشروع لم تبح ذكاته، ولأن غاية الكتابي: أن تكون ذكاته كالمسلم، والمسلم لو ذبح لغير الله، أو ذبح باسم غير الله (4) لم يبح، وإن كان يكفر بذلك، فكذلك الذمي؛ لأن قوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} [المائدة: 5] (5) سواء، وهم وإن كانوا يستحلون هذا، ونحن لا نستحله فليس كل ما استحلوه حل (6) ولأنه قد تعارض دليلان، حاظر ومبيح، فالحاظر: أولى (7) . ولأن الذبح لغير الله، وباسم غيره، قد علمنا يقينا أنه ليس من دين الأنبياء عليهم السلام، فهو من الشرك الذي أحدثوه، فالمعنى الذي لأجله حلت ذبائحهم، منتف في هذا. والله أعلم.
فإن قيل: أما إذا سموا عليه غير الله بأن يقولوا: باسم المسيح ونحوه، فتحريمه ظاهر، أما إذا لم يسموا أحدا، ولكن قصدوا الذبح للمسيح،--------------------------------------------
(1) حل لكم: سقطت من (أ) .
سورة المائدة: من الآية 5.
(2) سورة المائدة: من الآية 3.
(3) في (ب) : بالمبيحة.
(4) في (ب) : زاد: أو في غير محل الذكاة.
(5) سورة المائدة: من الآية 5.
(6) في المطبوعة: يحل لنا.
(7) في المطبوعة زاد: أن يقدم.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 60)