عن أبيه(1) عن جدّه(2) عن النبي صلى الله عليه وسلم الذى أخرجه أبو داود(3) وغيره، وكذا ينبغي لمن سكن دارًا أن يفعل ذلك، وقد أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم قومًا سكنوا دارًا فقلّ عددهم وقلّ مالهم أن يتركوها ذميمة"(4)، فترك ما لا يجد الإنسان فيه بركة من دار أو زوجة أو دابّة غير منهي عنه، وكذلك من اتّجر في شيء فلم يربح فيه ثلاث مرات فإنه يتحوّل عنه(5).
بهذا يتبيّن أن الشؤم موجود في بعض الأشياء لكن التشاؤم بهذه الأشياء هو الممنوع، فالواجب على المسلم أن يعتقد أن كل شيء من الله تعالى، ولا مانع من أن يبتعد عن الأعيان المشؤومة حقًا، لا ما يتوهمه أو يوسوس له الشيطان فيه، لأن الاسترسال في ذلك يفتح له أبوابًا من الشيطان تفسد عليه دينه وحياته.
أمّا وجه تخصيص هذه الثلاثة بالذكر، فقيل: إن الحصر فيها بالنسبة--------------------------------------------
(1) أبوه هو شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، روى عن جدّه الأعلى عبد الله بن عمرو بن العاص. قال ابن حجر: "صدوق، ثبت سماعه من جدّه".
الجرح والتعديل (4/ 351)، وسير أعلام النبلاء (5/ 181)، وتقريب التهذيب (ص 146).
(2) عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما الصحابي الجليل.
(3) أخرجه أبو داود: كتاب النكاح - باب في جامع النكاح (2/ 616)، وابن ماجه: كتاب النكاح - باب ما يقول الرجل إذا دخلت على أهله (1/ 617)، والحاكم (2/ 185) وقال: هذا حديث صحيح ووافقه الذهبي. والبيهقي في السنن الكبرى (7/ 148)، وقال العراقي: إسناده جيّد. تخريج الإحياء (1/ 328).
(4) أخرجه أبو داود: كتاب الطب - باب في الطيرة (4/ 239)، والبخاري في الأدب المفرد - باب الشؤم في الفرس (ص 307)، ومالك في الموطأ (2/ 972)، وعبد الرزاق في مصنفه (10/ 411)، وقال ابن حجر في الفتح (6/ 62): إن إسناد عبد الرزاق صحيح.
(5) لطائف المعارف (ص 157).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 490)
إلى العادة لا بالنسبة إلى الخلقة، وقيل: إنما خصّت بالذكر لطول ملازمتها.
وقال المازري(1): مجمل هذه الرواية: إن يكن الشؤم حقًا فهذه الثلاثة أحقّ به، بمعنى أن النفوس يقع فيها التشاؤم بهذه أكثر مما يقع بغيرها(2).
وقال صاحب فيض القدير: وخصّ الثلاثة بالذكر لكونها أعمّ الأشياء التي يتداولها الناس(3).
5 - النهي عن البناء على القبور واتخاذها مساجد
لقد حذّر الرسول صلى الله عليه وسلم أمّته عن اتّخاذ القبور مساجد ونهاهم عن ذلك نهيًا شديدًا، والأحاديث التي تدلّ على النهي عن ذلك كثيرة:
منها حديث جندب بن عبد الله البجلي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: " … ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتّخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتّخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك"(4).--------------------------------------------
(1) محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي المازري المالكي، الشيخ الإمام، كان بصيرًا بعلم الحديث، قال عنه القاضي عياض: "لم يكن في عصره للمالكية في أقطار الأرض أفقه منه بمذهبهم". توفي سنة 536 هـ.
وفيات الأعيان (4/ 385)، وسير أعلام النبلاء (20/ 104)، وشذرات الذهب (4/ 114).
(2) فتح الباري لابن حجر (6/ 61).
(3) فيض القدير (3/ 33).
(4) أخرجه مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب النهي عن بناء المساجد على القبور (1/ 377).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 491)
ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قاتل الله اليهود اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد"(1).
ومنها حديث عائشة وابن عباس رضي الله عنهما قالا: لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتمّ بها كشفها عن وجهه، قال -وهو كذلك-: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، يحذر ما صنعوا(2).
ومنها حديث عائشة أن أمّ حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير، فذكرتا للنبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: "إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا، وصوّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة"(3).
إلى غير ذلك من الأحاديث الدالّة على تحريم بناء المساجد على القبور، لأن ذلك يفضي إلى الغلوّ فيها وعبادة أهلها من دون الله تعالى.
وقد تكلّم الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذه المسألة وأوضحها وبيّنها في فتح الباري عند شرحه للأحاديث الواردة في البخاري عنها، فقال رحمه الله تعالى عند شرحه لحديث عائشة السابق: "هذا--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري: كتاب الصلاة - باب حدثنا أبو اليمان (1/ 112)، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب النهي عن بناء المساجد على القبور … (1/ 376).
(2) أخرجه البخاري: كتاب الصلاة - باب حدثنا أبو اليمان (1/ 112)، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب النهي عن بناء المساجد على القبور (1/ 377).
(3) أخرجه البخاري: كتاب الصلاة - باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية، ويتّخذ مكانها مساجد (1/ 110)، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب النهي من بناء المساجد على القبور … (1/ 375).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 492)
الحديث يدلّ على تحريم بناء المساجد على قبور الصالحين، وتصوير صورهم فيها كما يفعله النصارى، ولا ريب أن كل واحد منهما محرّم على انفراده، فتصوير صور الآدميين يحرم، وبناء القبور على المساجد بانفراده يحرم، كما دلّت عليه نصوص أُخر، يأتي ذكر بعضها، وقد ذكر البخاري في تفسير سورة نوح من روى هذا من حديث ابن جريج. قال عطاء عن ابن عباس: "صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب تعبد، أمّا ودّ فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع كانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير، لآل ذي الكلاع، أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن نصّبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسمّوها بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت"(1) … فإن اجتمع بناء المساجد على القبور مع تصوير صورهم فلا شكّ في تحريمه سواء كانت صورًا متّخذة كالأصنام أو على حائط ونحوه كما تفعله النصارى في كنائسهم والتصاوير التي في الكنيسة التي ذكرتها أم حبيبة وأمّ سلمة أنهما رأتاها بالحبشة كانت على الحيطان ونحوها، ولم يكن لها ظل، فتصوير الصور على مثال صور الأنبياء والصالحين للتبرّك بها والاستشفاع بها يحرّم في دين الإسلام، وهو من جنس عبادة الأوثان، وهو الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أهله شرار الخلق عند الله يوم القيامة، وتصوير الصور للتأسي برؤيتها أو للتنزّه بذلك، والتلهّي محرم، وهو من الكبائر، وفاعله من أشدّ الناس عذابًا يوم القيامة، فإنه ظالم ممثل بأفعال الله تعالى التي لا يقدر على فعلها غيره، وأنه تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في--------------------------------------------
(1) صحيح البخاري: كتاب التفسير - باب (ودا ولا سواعًا ولا يغوث ولا يعوق ونسرًا) (6/ 73).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 493)
صفاته ولا في أفعاله سبحانه وتعالى"(1).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحذّر أصحابه وسائر أمّته من سوء صنيع الأمم قبلهم الذين صلّوا إلى قبور أنبيائهم واتّخذوها قبلة ومسجدًا كما صنعت الوثنية بالأوثان التي كانوا يسجدون إليها ويعظّمونها وذلك الشرك الأكبر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرهم بما في ذلك من سخط الله وغضبه وأنه مما لا يرضاه خشية عليهم من امتثال طرقهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبّ مخالفة أهل الكتاب وسائر الكفار وكان يخاف على أمّته اتّباعهم، ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم: "لتتبعنّ سنن الذين كانوا من قبلكم حذو النعل بالنعل حتى إن أحدهم لو دخل جحر ضب لدخلتموه"(2)، وكان يحذّر من ذلك في مرض موته كما في حديث جندب أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال ذلك قبل موته بخمس، وفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي عبيدة بن الجراح قال: آخر ما تكلّم به رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب، واعلموا أن شرار الناس الذين اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد"(3).--------------------------------------------
(1) فتح الباري (2/ 404 - 405).
(2) أخرجه البخاري: كتاب الاعتصام - باب قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: "لتتبعن سنن من كان قبلكم" (8/ 151)، ومسلم: كتاب العلم - باب اتباع سنن اليهود والنصارى (4/ 2054).
كلهم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع حتى لو دخلوا في جحر ضمط لاتبعتموهم، قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن".
(3) أخرجه أحمد (3/ 146)، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح، وأخرجه أيضًا الدارمي في سننه (2/ 233)، والحميدي في مسنده (1/ 46)، وأبو داود الطيالسي في مسنده (ص 229)، والبيهقي في السنن الكبرى (9/ 208).
قال الهيثمي في المجمع (5/ 325): رواه أحمد بأسانيد ورجال الطريقين منها ثقات متّصل إسنادهما.
وله شواهد سبقت في (ص 492).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 494)
وقد روى هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأنّه قال ذلك في مرض موته من حديث علي وأسامة بن زيد وكعب بن مالك وغيرهم.
وخرّج الإمام أحمد حديث أسامة بن زيد ولفظه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أدخل عليّ أصحابي"، فدخلوا فكشف القناع، ثم قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد"(1) … "(2).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "اتّخاذ القبور مساجد ليس هو من شريعة الإسلام بل هو من عمل اليهود وقد لعنهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك … وقد دلّ القرآن على مثل ما دلّ عليه هذا الحديث، وهو قول الله عز وجل في قصة أصحاب الكهف: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا}(3).
فجعل اتّخاذ القبور مساجد من فعل أهل الغلبة على الأمور، وذلك يشعر بأن مستنده القهر والغلبة واتباع الهوى، وأنه ليس من فعل أهل العلم والفضل المتّبعين لما أنزل الله على رسله من الهدى"(4).
ولذلك يقول رحمه الله تعالى: "فالعدوى التي تهلك من قاربها هي المعاصي، فمن قاربها وخالطها وأصرّ عليها هلك، وكذلك مخالطة أهل المعاصي، ومن يحسن المعصية ويزيّنها ويدعو إليها من شياطين الإنس، وهم أضرّ من شياطين الجن"(5).
ويقول رحمه الله تعالى أيضًا: "وفي الجملة فلا شؤم إلّا المعاصي--------------------------------------------
(1) أخرجه أحمد (5/ 204).
(2) فتح الباري ورقة (2/ 441 - 442).
(3) سورة الكهف، آية (21).
(4) فتح الباري ورقة (2/ 397).
(5) لطائف المعارف (ص 77).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 495)
والذنوب، فإنها تسخط الله عز وجل، فإذا سخط الله على عبده شقى في الدنيا والآخرة، كما أنه إذا رضي عن عبده سعد في الدنيا والآخرة"(1).
وبهذا نعلم صحة ما ذهب إليه ابن رجب رحمه الله تعالى من حرمة البناء على القبور واتّخاذها مساجد، كما قال بذلك سلف الأمة رحمهم الله تعالى.
وهذا كلّه من سدّ باب الشرك ووسائله، لأن الشارع الحكيم إذا حرّم شيئًا حرّم أسبابه ووسائله، وإذا نهى عن شيء نهى عن كل ما يوصل إليه ويقرب منه ومن ذلك أن الإسلام لما جاء بالنهي عن الشرك، نهى عن أسبابه وسدّ ذرائعه الموصلة إليه والمسبّبة له.
ولذلك كان البناء على القبور ووضع القباب لها واتّخاذها مساجد سببًا في وقوع الشرك، وهذه بلية مشاهدة في بلدان كثيرة وخصوصًا في زماننا هذا، أن هذه المشاهد أصبحت تقصد وتشدّ الرحال إليها ويطلب من أهلها قضاء الحوائج وتحقيق المطالب، ويقع عندها من الشرك والمنكرات ما لا يشكّ معه عاقل من وجوب اقتلاع تلك الأبنية والقباب والمشاهد الوثنية وعدم إبقاء أيّ أثر لها.
والله أسأل أن يبصّر المسلمين بأمور دينهم وأن يردّهم للعمل بكتابه وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم إنه وليّ ذلك والقادر عليه.
6 - النهي عن سبّ الدهر
كان من عادة العرب في الجاهلية أن يسبّوا الدهر عند النوازل والحوادث والمصائب النازلة بهم من موت أو تلف مال وربما لعنوه، ويقولون: أبادهم الدهر وأصابتهم قوارع الدهر، ويكثرون من ذكر ذلك--------------------------------------------
(1) لطائف المعارف (ص 77).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 496)
في أشعارهم، وكل ذلك في الحقيقة إنما يرجع إلى الله سبحانه وتعالى، لأنه هو المدبّر لهذا الكون والخالق له، والمصرف لهذا الدهر، والدهر ليس له إرادة وإنما هو ظرف مخلوق مسخّر ومدبّر بأمر الله تعالى، فالسبّ والشتم في الحقيقة والتسخّط يعود إلى الله سبحانه وتعالى، واعققاد أن الزمان هو الفاعل حقيقة من عقيدة الجاهلين الذين ينفون الإله سبحانه وتعالى وينكرونه.
وقد حكى الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم عقيدتهم هذه وردّ عليهم، فقال عز وجل: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (24)}(1).
قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: "يخبر تعالى عن قول الدهرية من الكفار ومن وافقهم من مشركي العرب في إنكار المعاد {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا}، أي ما ثم إلّا هذه الدار يموت قوم ويعيش آخرون وما ثم معاد ولا قيامة، وهذا يقوله مشركو العرب المنكرون المعاد، وتقوله الفلاسفة والإلهيون منهم … وتقوله الفلاسفة الدهرية الدورية المنكرون للصانع المعتقدون أن في كل ستة وثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه، وزعموا أن هذا قد تكرّر مرات لا تتناهى فكابروا المعقول وكذّبوا المنقول، ولهذا قالوا {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ}، قال الله تعالى: {وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ}، أي يتوهمون ويتخيّلون"(2).
وقد ورد النهي عن سبّ الدهر في أحاديث كثيرة، لأن في ذلك مشابهة للمشركين، ولأن السبّ في الحقيقة إنما ينصرف إلى من بيده الأمور كلّها، وهو الله سبحانه وتعالى.--------------------------------------------
(1) سورة الجاثية، آية (24).
(2) تفسير ابن كثير (4/ 150).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 497)
ومما ورد في النهي عن سب الدهر حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تعالى: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار"(1).
ومنها حديثه الآخر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال الله عز وجل: يؤذيني ابن آدم يقول: يا خيبة الدهر فلا يقولن أحدكم: يا خيبة الدهر، فإني أنا الدهر أقلب ليله ونهاره فإذا شئت قبضتهما"(2).
ومنها حديثه الآخر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تسبّوا الدهر، فإن الله هو الدهر"(3).
ومنها حديثه الآخر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تسبّوا الدهر، فإن الله عز وجل قال: أنا الدهر، الأيّام والليالي لي أجدّدها وأبليها، وآتي بملوك بعد ملوك"(4).
قال المنذري رحمه الله تعالى: "ومعنى الحديث أن العرب كانت إذا نزلت بأحدهم نازلة، وأصابته مصيبة أو مكروه يسبّ الدهر اعتقادًا منهم أن الذي أصابه فعل الدهر كما كانت العرب تستمطر بالأنواء، وتقول: مطرنا بنوء كذا اعتقادًا أن فعل ذلك فعل الأنواء، فكان هذا كاللعن الفاعل، ولا فاعل لكل شيء إلّا الله تعالى، خالق كل شيء وفاعله،--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد - باب قول الله تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ} (8/ 197)، ومسلم: كتاب الأدب - باب النهي عن سبّ الدهر (4/ 1762).
(2) أخرجه مسلم: كتاب الأدب - باب النهي عن سبّ الدهر (4/ 1762).
(3) أخرجه مسلم: كتاب الأدب - باب النهي عن سبّ الريح (4/ 1763).
(4) أخرجه أحمد (2/ 496)، وقال الهيثمي في المجمع (8/ 71): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
وقال الألباني: وهذا إسناد جيد. سلسلة الأحاديث الصحيحة (2/ 58).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 498)
فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك"(1).
وقد وقع بعض المسلمين في عصرنا الحاضر فيما وقع فيه هؤلاء المشركون الدهرية، فما نزال نسمع من الجهلة والمتعلّمين سبابًا للزمان والدهر كلما نزل بهم مكروه أو ضاقت بهم سبل الحياة، وهذا ناتج عن ضعف الإيمان والجهل بالدين، والواجب على السلم أن يرضى بقضاء الله وتدبيره حتى يتمّ له توحيده، ومن وقع في شيء من ذلك فليثب وليستغفر الله من ذلك.
وقد تناول ابن رجب رحمه الله تعالى هذه المسألة، فقال: "واعلم أن الذمّ الوارد في الكتاب والسنّة ليس هو راجعًا إلى زمانها الذي هو اللّيل والنهار المتعاقبان إلى يوم القيامة، فإن الله تعالى جعلهما خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورًا … وليس الذمّ راجعًا إلى مكان الدنيا الذي هو الأرض التي جعلها الله لبني آدم مهادًا ومسكنًا، ولا إلى ما أنبته فيها من الزرع والشجر، ولا إلى ما بثّ فيها من الحيوانات وغير ذلك، فإن ذلك كلّه من نعمة الله على عباده بما لهم فيه من المنافع، ولهم به من الاعتبار والاستدلال على وحدانية صانعه وقدرته وعظمته، وإنما الذمّ راجع إلى أفعال بني آدم الواقعة في الدنيا، لأن غالبها واقع على غير الوجه الذي تحمد عاقبته، بل يقع على ما تضرّ عاقبته أو لا تنفع؛ كما قال تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا}(2) … "(3).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "وأما تخصيص الشؤم بزمان دون زمان--------------------------------------------
(1) الترغيب والترهيب (3/ 482).
(2) سورة الحديد آية (20).
(3) جامع العلوم والحكم (2/ 359 - 361).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 499)
كشهر صفر أو غيره فغير صحيح، وإنما الزمان كلّه خلق الله تعالى وفيه أفعال بني آدم، فكل زمان شغله المؤمن بطاعة الله فهو زمان مبارك عليه، وكل زمان شغله العبد بمعصية الله فهو شؤم عليه، فالشؤم في الحقيقة هو معصية الله تعالى"(1).
فسبّ الدهر وشتمه لا يجوز بأيّ حال من الأحوال سواء اعتقد السابّ أن الزمان والدهر فاعل حقيقة أو لم يعتقد ذلك، لأن الحديث صريح في النهي عن ذلك، قال صاحب تيسير العزيز الحميد: "والحديث صريح في النهي عن سبّ الدهر مطلقًا سواء اعتقد أنه فاعل أو لم يعتقد ذلك، كما يقع كثيرًا ممن يعتقد الإسلام"(2).
وقد بيّن ابن القيم رحمه الله تعالى أنّ من سبّ الدهر يقع في ثلاث مفاسد عظيمة، فقال: في هذا ثلاث مفاسد عظيمة:
إحداها: سبّه من ليس بأهل أن يسبّ، فإن الدهر خلق مسخّر من خلق الله، منقاد لأمره، مذلّل لتسخيره، فسابّه أولى بالذمّ والسبّ منه.
الثانية: أن سبّه متضمن للشرك، فإنه إنما سبه لظنه أنه يضرّ وينفع، وأنه مع ذلك ظالم قد ضرّ من لا يستحق الضرر، وأعطى من لا يستحق العطاء، ورفع من لا يستحق الرفعة، وحرم من لا يستحق الحرمان، وهو عند شاتميه من أظلم الظلمة، وإشعار هؤلاء الظلمة الخونة في سبه كثيرة جدًا، وكثير من الجهّال يصرح بلعنه وتقبيحه.
الثالثة: أن السبّ منهم إنما يقع على من فعل هذه الأفعال التي لو اتّبع الحقّ فيها أهواءهم لفسدت السماوات والأرض، وإذا وقعت أهواؤهم حمدوا الدهر، وأثنوا عليه، وفي حقيقة الأمر، فربّ الدهر تعالى هو--------------------------------------------
(1) لطائف المعارف (ص 76).
(2) تيسير العزيز الحميد (ص 545).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 500)
المعطي المانع الخافض الرافع، المعزّ المذلّ، والدهر ليس له من الأمر شيء، فمسبّتهم للدهر مسبّة لله عز وجل، ولهذا كانت مؤذية للربّ تعالى …
فسابّ الدهر دائر بين أمرين لابدّ له من أحدهما: إما سبه لله، أو الشرك به، فإنه إذا اعتقد أن الدهر فاعل مع الله فهو مشرك، وإن اعتقد أن الله وحده هو الذي فعل ذلك وهو يسبّ من فعله، فقد سبّ الله(1).
وقوله صلى الله عليه وسلم: (أنا الدهر)، قال الخطابي: معناه أنا صاحب الدهر ومدبّر الأمور(2).
وقال القاضي عياض(3) رحمه الله تعالى: "زعم بعض من لا تحقيق له أن الدهر من أسماء الله، وهو غلط فإن الدهر مدّة زمان الدنيا"(4).
وقال شيخنا فضيلة الشيخ عبد الله الغنيمان حفظه الله: وقوله: (أنا الدهر) لا يدلّ على أنه تعالى اسمه الدهر، لأنه فسّره بقوله: "بيدي الأمر أقلب الليل والنهار"، فكونه تعالى بيده الأمر يقلب اللَّيل والنهار هو معنى قوله: (أنا الدهر)(5).--------------------------------------------
(1) زاد المعاد (2/ 354، 355).
(2) أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري للخطابي (3/ 1904).
(3) عياض بن موسى بن عياض بن عمرو اليحصبي الأندلسي أبو الفضل الحافظ المحدّث الفقيه، وهو إمام الحديث في وقته، وأعرف الناس بعلومه وبالنحو واللغة وكلام العرب وأيامهم وأنسابهم، صنّف كتبًا كثيرة، منها: الشفا في شرف المصطفى، وترتيب المدارك وتقريب المسالك في ذكر فقهاء مذهب مالك وغيرها، توفي سنة 544 هـ.
الصلة لابن بشكوال (2/ 453)، ووفيات الأعيان (3/ 483)، وسير أعلام النبلاء (20/ 212)، ونفح الطيب (7/ 333).
(4) فتح الباري لابن حجر (13/ 566).
(5) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (2/ 351).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 501)
الباب الثالث أثره في توضيح عقيدة السلف في مباحث الإيمان وما يتعلق بها من مسائل
وفيه عدة فصول:
الفصل الأول: معنى الإيمان وبيان أهميته وما يتعلق به من مسائل.
الفصل الثاني: الإيمان بالرسل والملائكة والكتب.
الفصل الثالث: الإيمان بالقضاء والقدر.
الفصل الرابع: الإيمان باليوم الآخر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 503)
الفصل الأول معنى الإيمان وبيان أهميّته وما يتعلق به من مسائل
وفيه عدّة مباحث:
المبحث الأول: تعريف الإيمان لغة.
المبحث الثاني: تعريف الإيمان شرعًا.
المبحث الثالث: بيان أهمية الإيمان.
المبحث الرابع: زيادة الإيمان ونقصانه.
المبحث الخامس: العلاقة بين مسمّى الإيمان والإسلام.
المبحث السادس: حكم مرتكب الكبيرة.
المبحث السابع: مسألة تكفير الكبائر بالأعمال الصالحة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 505)
المبحث الأول تعريف الإيمان لغة
الإيمان مصدر من آمن يؤمن إيمانًا، فهو مؤمن، وهو مشتق من الأمن.
قال الجوهري: الإيمان: التصديق، والله تعالى المؤمن، لأنه أمّن عباده من أن يظلمهم، وأصل آمن أأمن بهمزتين لينت الثانية. . . والأمن ضدّ الخوف(1).
وقال ابن منظور: الإيمان ضدّ الكفر، والإيمان بمعنى التصديق ضدّه التكذيب، يقال: آمن به قوم وكذَّب به قوم(2).
وقال الراغب الأصفهاني: آمن إنما يقال على وجهين:
أحدهما: متعدّيًا بنفسه، يقال: آمنته، أي جعلت له الأمن ومنه قيل لله مؤمن.
والثاني: غير متعدٍّ، ومعناه صار ذا أمن.
وقوله تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ}(3)، قيل: معناه بمصدق لنا، إلا أن الإيمان هو التصديق الذي معه أمن(4).--------------------------------------------
(1) الصحاح (5/ 2071).
(2) لسان العرب (13/ 21).
(3) سورة يوسف، آية (17).
(4) المفردات (ص 26).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 507)
وقال الفيروز أبادي: "الإيمان الثقة، وإظهار الخضوع"(1).
وخلاصة ما سبق أن الإيمان في اللغة معناه التصديق الذي معه آمن، وليس مجرّد التصديق يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: " … فإن الإيمان مشتق من الأمن، فإنما يستعمل في خبر يؤتمن عليه المخبر كالأمر الغائب الذي يؤتمن عليه المخبر، … فاللفظ متضمّن مع التصديق معنى الائتمان أو الأمانة، كما يدلّ عليه الاشتقاق والاستعمال، ولهذا قالوا: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا}(2)، أي لا تقرّ بخبرنا ولا تثق به، ولا تطمئن إليه ولو كنّا صادقين، لأنهم لم يكونوا عنده ممّن يؤتمن على ذلك، فلو صدقوا لم يأمن لهم … "(3).--------------------------------------------
(1) القاموس المحيط (ص 1518).
(2) سورة يوسف، آية (17).
(3) مجموع الفتاوى (7/ 291).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 508)
المبحث الثاني تعريف الإيمان شرعًا
من أصول أهل السنة والجماعة أن الإيمان تصديق بالقلب وقول باللسان، وعمل بالأركان.
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "المشهور عن السلف وأهل الحديث أن الإيمان قول وعمل ونية، وأن الأعمال كلّها داخلة في مسمّى الإيمان، وحكى الشافعي على ذلك إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن أدركهم، وأنكر السلف على من أخرج الأعمال عن الإيمان إنكارًا شديدًا … ".
قال الثوري: هو رأي محدث أدركنا السلف على غيره(1).
وقال الأوزاعي: وكان من مضى من السلف لا يفرّقون بين العمل والإيمان.
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل الأمصار: أمّا بعد، فإن الإيمان فرائض وشرائع، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان …(2).--------------------------------------------
(1) أخرجه ابن بطة في الإبانة الكبرى (2/ 903).
(2) أخرجه البخاري معلقًا في كتاب الإيمان (1/ 8)، وأخرجه موصولًا ابن أبي شيبة في الإيمان (45)، وصحح إسناده الحافظ ابن حجر. انظر تغليق التعليق (2/ 19 - 20).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 509)
وقد دلّ على دخول الأعمال في الإيمان قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2)}(1) الآية.
وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لوفد عبد قيس: "آمركم بأربع: الإيمان بالله وحده، وهل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلَّا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس"(2).
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلَّا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان"(3)، ولفظه لـ"مسلم".
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن"(4)، فلولا أن ترك هذه الكبائر من مسمّى الإيمان لما انتفى اسم الإيمان عن مرتكب شيء منها، لأن الاسم لا ينتفي إلَّا بانتفاء بعض أركان المسمّى أو واجباته(5).--------------------------------------------
(1) سورة الأنفال، آية (2).
(2) صحيح البخاري: كتاب الإيمان - باب أداء الخمس من الإيمان (1/ 21)، وصحيح مسلم: كتاب الإيمان - باب الأمر بالإيمان بالله ورسوله (1/ 35).
(3) صحيح البخاري: كتاب الإيمان - باب الحياء من الإيمان (1/ 11)، وصحيح مسلم: كتاب الإيمان - باب عدد شعب الإيمان (1/ 46).
(4) صحيح البخاري: كتاب الحدود - باب الزنا وشرب الخمر (8/ 13)، وصحيح مسلم: كتاب الإيمان - باب نقصان الإيمان بالمعاصي (1/ 76).
(5) جامع العلوم والحكم (1/ 61 - 63)، وانظر فتح الباري (1/ 5، 6).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 510)
وقال رحمه الله تعالى عند قوله صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمّ زيّنا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين"(1)، قال: أما زينة الإيمان، فالإيمان قول وعمل ونيّة، فزينة الإيمان تشمل زينة القلب بتحقيق الإيمان له، وزينة اللسان بأقوال الإيمان، وزينة الجوارح بأعمال الإيمان(2).
ويقول رحمه الله تعالى: في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "أفضل الأعمال إيمان بالله ورسوله ثم جهاد في سبيل الله ثم حجّ مبرور"(3)، هذه الأعمال الثلاثة ترجع في الحقيقة إلى عملين:
أحدهما: الإيمان بالله ورسوله وهو التصديق الجازم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، كما فسَّر النبيّ صلى الله عليه وسلم الإيمان بذلك في سؤال جبريل وغيره من الأحاديث، وقد ذكر الله تعالى الإيمان بهذه الأصول في مواضع كثيرة من كتابه، كأول سورة البقرة ووسطها وأخرها.
والعمل الثاني: الجهاد في سبيل الله تعالى، وقد جمع الله بين هذين الأصلين في مواضع من كتابه؛ كقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ}(4) الآية.
وقوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا--------------------------------------------
(1) هذا جزء من حديث أخرجه أحمد (4/ 264)، والنسائي: باب الذكر بعد الدعاء (3/ 54)، والحاكم (1/ 524) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
(2) شرح حديث عمار بن ياسر (ص 48).
(3) صحيح البخاري: كتاب الإيمان - باب من قال أن الإيمان هو العمل (1/ 12)، وصحيح مسلم: كتاب الإيمان - باب كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال (1/ 88).
(4) سورة الصف، آية (10، 11).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 511)
بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15)}(1)، وقد صحَّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم من غير وجه: "إن أفضل الأعمال الإيمان بالله والجهاد في سبيل الله"(2)، فالإيمان المجرَّد تدخل فيه الجوارح عند السلف وأهل الحديث، والإيمان المقرون بالعمل يراد به التصديق مع القول، وخصوصًا إن قرن الإيمان بالله بالإيمان برسوله كما في هذا الحديث، فالإيمان القائم بالقلوب أصل كل خير، وهو خير ما أوتيه العبد في الدنيا والآخرة وبه يحصل له سعادة الدنيا والآخرة والنجاة من شقاوة الدنيا والآخرة، ومتى رسخ الإيمان في القلب انبعثت الجوارح كلّها بالأعمال الصالحة واللِّسان والكلام الطيب؛ كما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب"(3)، ولا صلاح للقلب بدون الإيمان بالله وما يدخل في مسماه من معرفة الله وتوحيده وخشيته ومحبّته ورجائه وإجابته والإنابة إليه والتوكّل عليه، قال الحسن: "ليس الإيمان بالتمنّي ولا بالتحلّي، ولكنه بما وقر في الصدور، وصدّقته الأعمال"(4).
ويشهد لذلك قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا}(5).
فإذا ذاق العبد حلاوة الإيمان ووجد طعمه وحلاوته ظهر ثمرة ذلك على لسانه وجوارحه، فاستحلى اللِّسان ذكر الله وما والاه، وأسرعت--------------------------------------------
(1) سورة الحجرات، آية (15).
(2) تقدم تخريجه (ص 511).
(3) تقدم تخريجه (ص 366).
(4) أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب الإيمان (ص 31).
(5) سورة الأنفال، آية (2 - 4).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 512)