وأضاع نصيبه وتكلّف ما لا علم به(1)، وإن ناسًا جهلة بأمر الله قد أحدثوا في هذه النجوم كهانة، من غرس بنجم كذا وكذا، ومن سافر بنجم كذا كان كذا وكذا، ولعمري ما من نجم إلا يولد به الأحمر والأسود والطويل والقصير والحسن والدميم، وما علم هذه النجوم وهذه الدابّة وهذا الطائر بشيء من هذا الغيب، ولو أن أحدًا علم الغيب لعلمه آدم الذي خلقه الله بيده وأسجد له ملائكته وعلّمه أسماء كل شيء"(2).
فالله سبحانه وتعالى خلق النجوم لهذه المنافع العظيمة، أما غير ذلك مما يدّعيه أهل هذا العلم من أنهم يستدلّون بحركات النجوم وطلوعها وغروبها على أحداث وأمور ستقع، فهذا كلّه من ادّعاء علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، وهو الذي حذّر منه قتادة رحمه الله تعالي في كلامه السابق، ولكن التعلّق بالكواكب وربط ذلك بما يحدث في الأرض بدأ يزداد في كل عصر حتى بلغ الغاية في عصرنا هذا، وأصبح ذلك من الأمور المسلّمة التي لا تقبل الجدل عند كثير من الناس، وهذا كلّه ضلال وشرك لأنه من أعمال الجاهلية التي جاء الإسلام بإبطالها، وبيّن أنها من الشرك لما فيها من التعلّق بغير الله تعالي، واعتقاد الضرّ والنفع في غيره وتصديق العرّافين والكهنة الذين يدّعون علم الغيب زورًا وبهتانًا، ويعبثون بعقول السذّج من الناس ليأخذوا أموالهم ويغيّروا عقائدهم.
قال الخطابي رحمه الله تعالى: "علم المنجوم المنهي عنه هو ما يدّعيه أهل التنجيم من علم الكوائن والحوادث التي لم تقع وستقع في--------------------------------------------
(1) أخرجه إلى هذا القدر الطبري في تفسيره (29/ 3، 4)، وذكره البخاري معلقًا في صحيحه (4/ 74).
(2) أخرجه بهذه الزيادة الخطيب في كتاب النجوم ورقة (10)، وذكره ابن حجر في الفتح (6/ 295)، وصاحب تيسير العزيز الحميد (ص 388) من قول قتادة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 470)
مستقبل الزمان، كإخبارهم بأوقات هبوب الرياح، ومجيء المطر، وظهور الحرّ والبرد وتغيّر الأسعار وما كان في معانيها من الأمور التي يزعمون أنهم يدركون معرفتها بسير الكواكب في مجاريها وباجتماعها واقترانها، ويدّعون لها تأثيرًا في السفليات، وأنها تتصرّف على أحكامها وتجرى على قضايا موجباتها، وهذا منهم تحكّم على الغيب وتعاط لعلم استأثر الله سبحانه به لا يعلم الغيب أحد سواه"(1).
وقال البغوي رحمه الله تعالى: "والمنهي من علم النجوم ما يدّعيه أهلها من معرفة الحوادث التي لم تقع في مستقبل الزمان مثل إخبارهم بوقت هبوب الرياح ومجيء المطر ووقوع الثلج، وظهور الحرّ والبرد وتغيّر الأسعار ونحوها، يزعمون أنهم يستدركون معرفتها بسير الكواكب واجتماعها وافتراقها، وهذا علم استأثر الله عز وجل به لا يعلمه أحد غيره"(2).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالي: "صناعة التنجيم التي مضمونها الأحكام والتأثير وهو الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية والتمزيج بين القوى الفلكي والقوابل الأرضية صناعة محرّمة بالكتاب والسنّة وإجماع الأمّة، بل هي محرّمة على لسان جميع المرسلين في جميع الملل"(3).
فعلم التنجيم المحرّم هو ما يزعم أهله من أنهم يعرفون ما يكون في المستقبل من أمور عامّة وأحداث لم تقع أنها ستقع في زمن معيّن، وخاصة عن طريق النجوم والنظر فيها كأخبارهم عن أوقات مجيء المطر--------------------------------------------
(1) معالم السنن (4/ 229، 230).
(2) شرح السنة (12/ 183).
(3) مجموع الفتاوى (35/ 192).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 471)
وهبوب الرياح، وتغيّر الأسعار، وما كان يماثلها من الأمور، حيث أنهم يدّعون أن للكواكب في مجاريها واجتماعها وافتراقها تأثيرًا في الأمور السفلية والتنجيم بهذا يكون من ادّعاء علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى؛ كما دلّت على ذلك النصوص الكثيرة في كتاب الله وسنّة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو نوع من أنواع السحر، لأنه ضرب من التخييل والإيهام وهو شرك، لأن فيه استعانة بغير الله سبحانه وتعالى.
وأمّا تعلّم منازل الشمس والقمر للاستدلال بذلك على القبلة وأوقات الصلوات والفصول، فهذا رخّص فيه كثير من العلماء لحصول المنفعة به، وهو وسيلة إلى معرفة أوقات العبادات والاهتداء به إلى الجهات.
قال الخطابي رحمه الله تعالى: "فأمّا علم النجوم الذي يدرك من طريق المشاهدة والحسّ الذي يعرف به الزوال ويعلم به جهة القبلة فإنه غير داخل فيها نهي عنه، وذلك أن معرفة رصد الظل ليس شيئًا بأكثر من أن الظل مادام متناقصًا، فالشمس بعد صاعدة نحو وسط السماء من الأفق الشرقي، وإذا أخذ في الزيادة فالشمس هابطة من وسط السماء نحو الأفق الغربي، وهذا علم يصحّ إدراكه من جهة المشاهدة، إلاّ أن أهل هذه الصناعة قد دبّروه بما اتّخذوا له من الآلة التي يستغني الناظر فيها عن مراعاة مدّته ومراصدته. وأمّا ما يستدلّ به من جهة النجوم على جهة القبلة، فإنما هي كواكب رصدها أهل الخبرة بها من الأئمّة الذين لا نشكّ في عنايتهم بأمر الدين ومعرفتهم بها وصدقهم فيما أخبروا به عنها مثل أن يشاهدوها بحضرة الكعبة ويشاهدوها في حال الغيبة عنها، فكان إدراكهم الدلالة منها بالمعاينة وإدراكنا لذلك بقبولنا لخبرهم؛ إذ كانوا غير متهمين في دينهم ولا مقصّرين في معرفتهم(1).--------------------------------------------
(1) معالم السنن (4/ 230)، وانظر تيسير العزيز الحميد (ص 393).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 472)
وقد كره بعض العلماء تعلّم منازل القمر سدًا لباب الشرك وحسمًا لمادّته.
وقد تكلّم الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى عن مسألة التنجيم، وبيّن أن هذا النوع من العلم ينقسم إلى قسمين: علم تسيير وعلم تأثير، وقد نقل بعض أقوال أهل العلم في جواز علم التسيير الذي به تعرف القبلة وأوقات الصّلاة. أمّا علم التأثير فقد بيّن أنه باطل ومحرّم وقد ذكر الأدلّة التي تبيّن بطلانه وحرمته، فقال رحمه الله تعالي: "وكان النخعي(1) لا يرى بأسًا أن يتعلّم الرجل من النجوم ما يهتدي به ورخّص في تعلّم منازل القمر أحمد وإسحاق، ويتعلّم من أسماء النجوم ما يهتدى به، وكره قتادة تعلّم منازل القمر، ولم يرخّص ابن عيينة فيه، ذكره حرب عنهما، وقال طاووس(2): ربّ ناظر في النجوم ومتعلّم حروف أبي جاد(3) ليس له عند الله خلاق"، خرّجه حرب، وخرّجه حميد بن--------------------------------------------
(1) أبو عمران إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي اليماني ثم الكوفي، الإمام الحافظ، فقيه العراق وأحد الأعلام، وكان واسع الرواية، كبير الشأن، توفي سنة 96 هـ.
طبقات ابن سعد (6/ 270)، ووفيات الأعيان (1/ 25)، وسير أعلام النبلاء (4/ 520).
(2) طاووس بن كيسان أبو عبد الرحمن الفارسي اليمني، الفقيه الحافظ عالم اليمن، كان ثقة عابدًا، توفي سنة 106 هـ.
طبقات ابن سعد (5/ 537)، ووفيات الأعيان (2/ 509)، وغاية النهاية في طبقات القراء (1/ 341).
(3) هي الحروف المرتبة في الكلمات التالية: أبْجَدْ هَوَّز حُطّي كَلَمُنْ سَعْفصْ قَرْشَتْ ثَخَذْ ضَظَعْ. وقد استعمل هذا الترتيب للعدد والحساب والتاريخ بجعل كل حرف دالًا على عدد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الصواب أن هذه ليست أسماء لمسمّيات، وإنما ألّفت ليعرف تأليف الأسماء من حروف المعجم بعد معرفة حروف المعجم … ثم كثير من أهل الحساب صاروا يجعلونها علامات على مراتب =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 473)
زنجويه(1) من رواية طاووس عن ابن عباس(2).
هذا محمول على علم التأثير لا علم التسيير، فإن علم التأثير باطل محرّم، وفيه ورد الحديث المرفوع: "ومن اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر"، خرّجه أبو داود(3) من حديث ابن عباس مرفوعًا.
وخرّج أيضًا من حديث قبيصة مرفوعًا: "العيافة والطيرة والطرق من الجبت"(4). والعيافة: زجر الطير، والطرق: الخط في الأرض.--------------------------------------------
= العدد، وآخرون من أهل الهندسة والمنطق يجعلونها علامات على الخطوط المكتوبة أو على ألفاظ الأقيسة المؤلفة. مجموع الفتاوى (12/ 62)، وانظر المزهر للسيوطي (2/ 342)، وتاج العروس (7/ 402)، والفهرسة والترتيب المعجمي (ص 58).
(1) حميد بن مخلد بن قتيبة الأزدي أبو أحمد المشهور بابن زنجويه، الإمام الحافظ، وكان أحد الأئمّة المجودين، قال أبو حاتم البستي: هو الذي أظهر السنّة بنسا، له مؤلفات مفيدة منها: كتاب الأموال، توفي سنة 251 هـ.
تاريخ بغداد (8/ 160)، وطبقات الحنابلة (1/ 150)، وتذكرة الحفاظ (2/ 550).
(2) أثر ابن عباس أخرجه عبد الرزاق في المصنف (11/ 26)، والبيهقي في السنن الكبرى (8/ 139).
(3) أبو داود: كتاب الطب، باب في النجوم (4/ 226)، وأخرجه أيضًا أحمد (1/ 227)، وابن ماجه: كتاب الأدب -باب تعلّم النجوم (3726)، والطبراني في الكبير (11/ 135)، والبيهقي في السنن (8/ 138).
وقال النووي في رياض الصالحين (637): إسناده صحيح، وقال الذهبي في الكبائر (123): رواه أبو داود بسند صحيح، وقال العراقي في تخريج الإحياء (4/ 117): أخرجه أبو داود وابن ماجه بسند صحيح.
(4) أخرجه أبو داود: كتاب الطب، باب في الخط وزجر الطير (4/ 229)، وأحمد (3/ 477)، والنسائي كما في تحفة الأشراف (8/ 275)، والطبراني في الكبير (18/ 369)، والبيهقي في السنن (8/ 139)، وحسّنه النووي كما في فيض القدير للمناوي (4/ 395).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 474)
فعلم تأثير النجوم باطل محرّم، والعمل بمقتضاه كالتقرّب إلى النجوم وتقريب القرابين لها كفر.
وأمّا علم التسيير، فإذا تعلّم منه ما يحتاج إليه للاهتداء ومعرفة القبلة والطريق، كان جائزًا عند الجمهور، وما زاد عليه فلا حاجة إليه وهو يشغل عمّا هو أهمّ منه، وربما أدّى التدقيق فيه إلى إساءة الظن بمحاريب المسلمين في أمصارهم كما وقع ذلك كثيرًا من أهل هذا العلم قديمًا وحديثًا، وذلك يفضي إلى اعتقاد خطأ الصحابة والتابعين في صلاتهم في كثير من الأمصار وهو باطل"(1).
2 - التطيّر والتشاؤم
الطيرة بكسر الطاء وفتح الياء وقد تسكن هي التشاؤم بالشيء، وهو مصدر تطيّر(2).
يقول ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: "أصل التطيّر واشتقاقه عند أهل العلم باللغة والسير والأخبار هو مأخوذ من زجر الطير ومروره سانحًا أو بارحًا، منه اشتقوا التطيّر، ثم استعملوا ذلك في كل شيء من الحيوان وغير الحيوان، فتطيّروا من الأعور والأعضب والأبتر … "(3).
والتشاؤم مأخوذ من الشؤم وهو ضدّ اليمن، تقول: تشأمت بالشيء وتيّمنت به(4).
يقول ابن القيّم رحمه الله تعالي: "كانوا يزجرون الطير والوحش ويثيرونها، فما تيامن منها وأخذ ذات اليمين سمّوه سانحًا، وما تياسر منها--------------------------------------------
(1) فضل علم السلف على علم الخلف (ص 9 - 12).
(2) النهاية لابن الأثير (3/ 152)، وانظر الصحاح (2/ 728).
(3) التمهيد (9/ 282).
(4) انظر: الصحاح (5/ 1957)، والنهاية لابن الأثير (2/ 510).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 475)
سمّوه بارحًا، وما استقبلهم منها فهو الناطح، وما جاءهم من خلفهم سمّوه القعيد، فمن العرب من يتشاؤم بالبارح ويتبرّك بالسانح، ومنهم من يرى خلاف ذلك"(1).
وقد جاء الإسلام بتطهير القلوب من كل شوائب الشرك التي منها التطيّر بالأشخاص والأماكن والأزمان، واعتقاد أنها هي السبب في بعض ما يصيب الإنسان.
ولقد حرّم الإسلام الطيرة وعدّها من الشرك، لأن المتطيّر يعتقد أن شيئًا من المخلوقات ينفع أو يضرّ، ولأن في ذلك إغفالًا للخالق سبحانه وتعالى، وثلبًا لعقيدة الإيمان بالقضاء والقدر.
وفي الواقع أن التطيّر والطيرة لا تضرّ إلّا من اعتقدها، فإنك تجد معتقدها دائم الخوف قلق النفس مضطرب الفكر والرأي والتصرفات، وتجد عنده من التردّد وضعف اليقين وقلّة التوكّل وسوء الظن ما يعكّر عليه صفو حياته ويوهن عقيدته ويفتح للشيطان أبوابه(2).
وقد تكلّم ابن رجب رحمه الله تعالى عن مسألة التطيّر وبيّن أنها من الأعمال الشركية التي كان يفعلها أهل الجاهلية، وذكر الأدلّة التي تدلّ على تحريم الطيرة والنهي عنها، فقال: "والطيرة من أعمال أهل الشرك والكفر، وقد حكاها الله تعالى في كتابه عن قوم فرعون(3) وقوم صالح(4)--------------------------------------------
(1) مفتاح دار السعادة (2/ 229).
(2) انظر: مفتاح دار السعادة (2/ 230 - 231).
(3) وهو في قوله تعالى: {فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}، سورة الأعراف، آية (131).
(4) وهو في قوله تعالي: {قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ} سورة النمل، آية (47).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 476)
وأصحاب القرية(1) التي جاءها المرسلون، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا طيرة"(2)، وفي حديث: "من ردّته الطيرة فقد قارف الشرك"(3)، وفي حديث ابن مسعود المرفوع: "الطيرة من الشرك وما منّا إلّا، ولكن الله يذهبه بالتوكّل"(4). والبحث عن أسباب الشر من النظر في النجوم ونحوها من الطيرة المنهي عنها، والباحثون عن ذلك غالبًا لا--------------------------------------------
(1) وهو قوله تعالي: {قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} سورة يس، آية (19، 18).
(2) هذا جزء من حديث أخرجه البخاري: كتاب الطب -باب الطيرة (10/ 181).
ومسلم: كتاب السلام، باب الطيرة والفأل (2223) كلاهما من حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا طيرة، وخيرها الفأل، قيل: يا رسول الله، وما الفأل؟ قال: الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم".
(3) أخرجه ابن وهب في الجامع (110)، والبزار في مسنده كما في كشف الأستار (3/ 402)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (117)، وقال الهيثمي في المجمع (5/ 105) رواه البزار، وفيه سعيد بن أسد، روى عنه أبو زرعة الرازي، ولم يضعفه أحد، وشيخ البزار إبراهيم غير منسوب وبقيّة رجاله ثقات، وأخرجه أحمد (2/ 220) بلفظ: "من ردّته الطيرة من حاجة فقد أشرك، قالوا: يا رسول الله، ما كفّارة ذلك؟ قال: أن يقول أحدهم: اللهمّ لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك".
وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح. المسند تحقيق أحمد شاكر (12/ 10).
(4) أخرجه أحمد (1/ 389)، وأبو داود: كتاب الطب -باب الطيرة (4/ 230)، والترمذي: كتاب السير -باب ما جاء في الطيرة (4/ 160) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه: كتاب الطب -باب من كان يعجبه الفأل ويكره الطيرة (2/ 1170)، والحاكم (1/ 17) وقال: صحيح سنده، ثقات رواته، ووافقه الذهبي، وقال الترمذي عقب تصحيحه لهذا الحديث: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: كان سليمان بن حرب يقول في هذا الحديث: "وما منا، ولكن الله يذهبه بالتوكّل"، هذا عندي قول عبد الله بن مسعود: وما منّا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 477)
يشتغلون بما يدفع البلاء من الطاعات بل يأمرون بلزوم المنزل وترك الحركة، وهذا لا يمنع نفوذ القضاء والقدر … وفي صحيح ابن حبان عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا طيرة والطيرة على من تطيّر"(1).
وقال النخعي: "قال عبد الله بن مسعود: "لا تضرّ الطيرة إلا من تطير"، ومعنى هذا أن من تطيّر تطيّرًا منهيًا عنه، وهو أن يعتمد على ما يسمعه ويراه مما يتطيّر به حتى يمنعه مما يريد من حاجته فإنه قد يصيبه ما يكرهه، فأمّا من توكّل على الله ووثق به بحيث علق قلبه بالله خوفًا ورجاءًا قطعه عن الالتفات إلى هذه الأسباب المخوّفة … إلى أن قال رحمه الله تعالي: "وأمّا من اتّقى أسباب الضرر بعد انعقادها بالأسباب المنهي عنها، فإنه لا ينفعه ذلك غالبًا كمن ردّته الطيرة عن حاجته خشية أن يصيبه ما تطيّر به، فإنه كثيرًا ما يصاب ما خشي منه، وكمن اتقى الطاعون الواقع في بلده بالفوار منه، فإنه قلّ أن ينجيه ذلك، وقد فرّ كثير من المتقدمين والمتأخّرين من الطاعون فأصابهم ولم ينفعهم الفرار، وقد قال الله تعالي: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ}(2) … "(3).
فقد أوضح ابن رجب رحمه الله تعالي في كلامه السابق أن الطيرة شرك لما فيها من تعلّق القلب بغير الله عز وجل، حيث أنهم يعتقدون أن--------------------------------------------
(1) أخرجه ابن حبان كما في الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (7/ 642)، والطحاوي في مشكل الآثار (3/ 109)، قال ابن حجر في الفتح (6/ 63): وفي صحته نظر لأنه من رواية عتبة بن حميد عن عبيد الله بن أبي بكر عن أنس، وعتبة مختلف فيه.
(2) سورة البقرة، آية (243).
(3) لطائف المعارف (ص 71، 73).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 478)
الطيرة تجلب لهم نفعًا أو تدفع عنهم ضرًّا من دون الله عز وجل، وهذا عين الشرك المنهيّ عنه.
كما أوضح ابن رجب رحمه الله تعالى أن من أمور الجاهلية التي نهى عنها الرسول صلى الله عليه وسلم التشاؤم بالهامة وصفر وغيرها، فقال رحمه الله تعالي: "وأمّا قوله صلى الله عليه وسلم: "ولا هامة"، فهي نفي لما كانت الجاهلية تعتقده أن الميّت إذا مات صارت روحه هامة وهو طائر يطير وهو شبيه باعتقاد أهل التناسخ أن أرواح الموتى تنتقل إلى أجساد حيوانات من غير بعث ولا نشور.
وكل هذه اعتقادات باطلة جاء الإسلام بإبطالها وتكذيبها، ولكن الذي جاءت به الشريعة أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تأكل من ثمار الجنّة، وترد من أنهار الجنّة إلى أن يردّها الله إلى أجسادها(1)، وروي أيضًا: "إن نسمة المؤمن(2) طائر يعلق في شجر الجنّة حتى يرجعها الله إلى أجسادها يوم القيامة"(3).
وأمّا قوله صلى الله عليه وسلم: "ولا صفر"، فاختلف في تفسيره، فقال كثير من المتقدّمين الصفر: داء في البطن يقال إنه دود فيه كبار كالحيات وكانوا--------------------------------------------
(1) كما ورد ذلك في الحديث الذي أخرجه مسلم: كتاب الإمارة -باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنّة (3/ 1502).
(2) نسمة المؤمن: النسمة بفتحتين الروح والنفس، وكل شيء في روح فهو نسمة. النهاية لابن الأثير (5/ 49)، ولسان العرب (12/ 573).
(3) أخرجه أحمد (3/ 355)، والترمذي: كتاب فضل الجهاد -باب ما جاء في ثواب الشهداء (4/ 174)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه: كتاب الزهد - باب ذكر القبر والبلى (2/ 1428).
والنسائي: كتاب الجنائز -باب أرواح المؤمنين (4/ 108)، وقال الألباني في تعليقه على شرح العقيدة الطحاوية (ص 456): صحيح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 479)
يعتقدون أنه يعدي، فنفى ذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم، وممّن قال هذا من العلماء ابن عيينة والإمام أحمد وغيرهما، ولكن لو كان كذلك لكان هذا داخلًا في قوله: "لا عدوى"، وقد يقال: هو من باب عطف الخاص على العام وخصّه بالذكر لاشتهاره عندهم بالعدوى.
وقالت طائفة: بل المراد بصفر شهر، ثم اختلفوا في تفسيره على قولين:
أحدهما: أن المراد نفي ما كان أهل الجاهلية يفعلون في النسئ، فكانوا يحلّون المحرم ويحرّمون صفرًا مكانه، وهذا قول مالك …
والثاني: أن المراد أن أهل الجاهلية كانوا يتشاءمون بصفر، ويقولون: إنه شهر شؤم، فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وهذا حكاه أبو داود عن محمد بن راشد المكحولي(1) عمّن سمعه يقول ذلك.
ولعلّ هذا القول أشبه الأقوال، وكثير من الجهّال يتشاءم بصفر وربما ينهى عن السفر فيه، والتشاؤم بصفر من جنس الطيرة المنهي عنه، وكذلك التشاؤم بالأيام كيوم الأربعاء …
وكذلك تشاؤم أهل الجاهلية بشوّال في النكاح فيه خاصة، وقد قيل أن أصله أن طاعونًا وقع في شوّال في سنة من السنين فمات فيه كثير من العرائس، فتشاءم بذلك أهل الجاهلية، وقد ورد الشرع بإبطاله، قالت--------------------------------------------
(1) محمد بن راشد المكحولي الخزاعي أبو عبد الله الدمشقي، قال أبو حاتم: كان صدوقًا حسن الحديث، وقال ابن حبان: كان من أهل الورع والنسك ولم يكن الحديث من صنعته وكثر المناكير في روايته فاستحق الترك، توفي قبل السبعين ومائة.
الجرح والتعديل (7/ 253)، والمجروحين (2/ 253)، وميزان الاعتدال (3/ 543)، وتهذيب التهذيب (9/ 158).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 480)
عائشة رضي الله عنها: "تزوّجني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال وبنى بي في شوال، فأيّ نسائه كان أحظى عنده مني"(1) … "(2).
فنخلص من هذا كلّه أن الطيرة شرك تنافي كمال التوحيد، وقد يكون التطيّر منافيًا للتوحيد بالكلية إذا اعتقد أنه هو الذي يجلب إليه النفع أو يدفع عنه الضرّ، والله أعلم.
3 - الجمع بين قوله صلى الله عليه وسلم: "لا عدوى" وقوله: "فرّ من المجذوم فرارك من الأسد" وقوله: "لا يورد ممرض على مصح"
أشكل على العلماء قوله صلى الله عليه وسلم: "لا عدوى ولا طيرة"(3)، مع قوله صلى الله عليه وسلم: "وفر من المجذوم فرارك من الأسد"(4)، وقوله: "لا يورد ممرض على مصح"(5)، ونهيه صلى الله عليه وسلم عن الدخول إلى أرض الطاعون أو الخروج منها(6)، وقد أجابوا عن ذلك بأجوبة كثيرة:
1 - فطائفة منهم ردّت حديث أبي هريرة: "لا عدوى"، وقالوا: إن أبا هريرة رضي الله عنه رجع عن ذلك، والأحاديث الدالّة على الاجتناب أكثر، فالمصير إليها أولى.--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم: كتاب النكاح -باب استحباب التزوّج والتزويج في شوال (2/ 1039).
(2) لطائف المعارف (ص 74، 75).
(3) أخرجه البخاري: كتاب الطب -باب لا صفر (7/ 19)، ومسلم: كتاب السلام - باب لا عدوى ولا طيرة (4/ 1743).
(4) أخرجه البخاري: كتاب الطب - باب الجذام (7/ 17).
(5) أخرجه البخاري: كتاب الطب - باب الجذام (7/ 17)، ومسلم: كتاب السلام - باب لا عدوى ولا طيرة (4/ 1743).
(6) سبق إيراد هذا الحديث وتخريجه (ص 349).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 481)
2 - وطائفة أخرى عكست القول، وأخذوا بحديث: "لا عدوى"، وتركوا الأخذ بالأحاديث الأخرى التي فيها الأمر بالاجتناب، وأعلّوا بعضها بالشذوذ كحديث: "فر من المجذوم فرارك من الأسد"، وأن عائشة رضي الله عنها أنكرته وقالت: "ولكنه قال: "لا عدوى"، وقال: "فمن أعدى الأوّل".
وهذان القولان لا يسلمان من المآخذ.
أمّا الأول: فقولهم إن أبا هريرة راوي حديث "لا عدوى" رجع عنه … فإن هذا لا يضرّ؛ لأن الحديث قد رواه جماعة من الصحابة منهم أنس بن مالك وجابر بن عبد الله وابن عمر وغيرهم، فنسيان أبي هريرة لا يضرّ.
وأمّا القول الثاني: فقولهم بإعلال حديث "فر من المجذوم"، فان ذلك لا يضرّ لأن أحاديث الاجتناب الأخرى ثابتة.
3 - وقالت طائفة أخرى: إن أحاديث النفي مخاطب بها قوى الإيمان، وأحاديث الإثبات مخاطب بها ضعيف الإيمان.
قال صاحب تيسير العزيز الحميد: "وهذا القول فيه نظر"(1).
4 - وقال طائفة: إن قوله صلى الله عليه وسلم: "لا عدوى" نفي لما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من إضافة الفعل لغير الله تعالى، وأن هذه الأمراض تعدى بطبعها وإلا قد يجعل الله بمشيئته مخالطة الصحيح للمريض سببًا لحدوث المرض وانتقاله إلى الصحيح.
ولعلّ القول الأخير هو أرجح الأقوال وأحسنها، وقد رجّحه طائفة من العلماء(2).--------------------------------------------
(1) تيسير العزيز الحميد (ص 372).
(2) انظر: حكاية هذه الأقوال في فتح الباري لابن حجر (10/ 160 - 162)، وتيسير العزيز الحميد (ص 371 - 374).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 482)
وقد تكلّم ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذه المسألة، وذكر بعض أقوال العلماء فيها ورجح القول الأخير، فقال: "وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا عدوى ولا هامة ولا صفر"، فقال أعرابي: يا رسول الله، فما بال الإبل تكون في الرحل كأنها الظباء فيخالطها البعير الأجرب فيجربها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فمن أعدى الأوّل"(1).
أمّا العدوى فمعناها أن المرض يتعدّى من صاحبه إلى من يقارنه من الأصحّاء، فيمرض بذلك، وكانت العرب تعتقد ذلك في أمراض كثيرة منها الجرب، ولذلك سأل الأعرابي عن الإبل الصحيحة يخالطها البعير الأجرب فتجرب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "فمن أعدى الأول"، ومراده أن الأوّل لم يجرب بالعدوى بل بقضاء الله وقدره، فكذلك الثاني وما بعده.
وقد وردت أحاديث أشكل على كثير من الناس فهمها، حتى ظن بعضهم أنها ناسخة لقوله: "لا عدوى"، مثل ما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يورد ممرض على مصح"(2)، والممرض صاحب الإبل المريضة، والمصح صاحب الإبل الصحيحة. والمراد النهي عن إيراد الإبل المريضة على الصحيحة، ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: "فرّ من المجذوم فرارك من الأسد"(3)، وقوله صلى الله عليه وسلم في الطاعون: "إذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوها"(4)، ودخول النسخ في هذا كما تخيّله بعضهم لا معنى له، فإن معنى قوله: "لا عدوى" خبر محض لا يمكن نسخه، إلا أن يقال هو نهي عن اعتقاد العدوى لا نفي لها،--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه (ص 481).
(2) لقدم تخريجه (ص 481).
(3) تقدم تخريجه (481).
(4) تقدم تخريجه (ص 349).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 483)
ولكن يمكن أن يكون ناسخًا للنهي في هذه الأحاديث الثلاثة وما في معناها.
والصحيح الذي عليه جمهور العلماء أنه لا نسخ في ذلك كلّه، ولكن اختلفوا في معنى قوله: "لا عدوى"، وأظهر ما قيل في ذلك أنه نفي لما كان يعتقده أهل الجاهلية من أن هذه الأمراض تعدى بطبعها من غير اعتقاد تقدير الله لذلك، ويدل على ذلك قوله: "فمن أعدى الأول"، يشير إلى أن الأوّل إنما جرب بقضاء الله وقدره فكذلك الثاني وما بعده، خرج الإمام أحمد والترمذي من حديث ابن مسعود قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "لا يعدى شيء شيئًا" (قالها ثلاثًا)، فقال أعرابي: يا رسول الله النُّقْبة(1) من الجرب تكون بمشفر البعير أو بذنبه في الإبل العظيمة فتجرب كلّها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فما أجرب الأول، لا عدوى ولا هامة ولا صفر، خلق الله كل نفس وكتب حياتها ومصابها ورزقها"(2).
فأخبر أن ذلك كلّه بقضاء الله وقدره؛ كما دلّ عليه قوله تعالي: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا}(3)، فأمّا نهيه صلى الله عليه وسلم عن إيراد الممرض، وأمره بالفرار من المجذوم ونهيه عن الدخول إلى موضع الطاعون، فإنه من باب اجتناب الأسباب--------------------------------------------
(1) النقبة: بضم النون وسكون القاف، قال ابن الأثير: أوّل شيء يظهر من الجرب وجمعها نقب بسكون القاف، لأنها تنقب الجلد أي تخرقه. النهاية لابن الأثير (5/ 101).
(2) مسند أحمد (1/ 440)، وسنن الترمذي: كتاب القدر -باب ما جاء لا عدوى ولا هامة ولا صفر (4/ 450).
وقد سبق حديث أبي هريرة (ص 481)، وهو بمعناه.
(3) سورة الحديد، آية (22).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 484)
التي خلقها الله تعالى وجعلها أسبابًا للهلاك والأذى، والعبد مأمور باتّقاء أسباب البلاء إذا كان في عافية منها، فكما أنه يؤمر أن لا يلقي نفسه في الماء أو في النار أو يدخل تحت الهدم ونحوه مما جرت العادة بأنه يهلك أو يؤذى، فكذلك اجتناب مقاربة المريض كالمجذوم، أو القدوم على بلد الطاعون، فإن هذه كلّها أسباب للمرض والتلف، والله تعالى هو خالق الأسباب ومسبّباتها ولا خالق غيره ولا مقدّر غيره.
وأمّا إذا قوي التوكّل على الله تعالى والإيمان بقضائه وقدره، فقويت النفس على مباشرة بعض هذه الأسباب اعتمادًا على الله ورجاء منه أن لا يحصل به ضرر، ففي هذه الحال تجوز مباشرة ذلك لاسيما إذا كان فيه مصلحة عامّة أو خاصة.
وعلى مثل هذا يحمل الحديث الذي خرّجه أبو داود والترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بيد مجذوم فأدخلها معه في القصعة، ثم قال: "كل باسم الله ثقة بالله وتوكّلًا عليه"(1)، وقد أخذ به الإمام أحمد، وروي ذلك عن عمر وابنه وسلمان رضي الله عنهم، ونظير ذلك ما روي عن خالد بن الوليد رضي الله عنه من أكل السم، ومنه مشي سعد بن أبي وقاص وأبي مسلم الخولاني(2) بالجيوش على متن البحر … فهذا كلّه لا--------------------------------------------
(1) أخرجه أبو داود: كتاب الطب - باب الطيرة (4/ 239)، والترمذي: كتاب الأطعمة - باب الأكل مع المجذوم (1818)، وقال: حديث غريب، وابن ماجه: كتاب الطب - باب الجذام (3542)، والحاكم (4/ 136)، وقال: حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.
(2) أبو مسلم عبد الله بن ثوب الخولاني الداراني، قال العجلي: "تابعي ثقة، من كبار التابعين وعبادهم"، وقال ابن عبد البر: "أدرك الجاهلية وأسلم قبل وفاة النبيّ صلى الله عليه وسلم ولم يرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو معدود من كبار التابعين، وكان ناسكًا عابدًا، له كرامات وفضائل". توفي رحمه الله تعالي سنة 62 هـ. =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 485)
يصلح إلّا لخواص من الناس قوي إيمانهم بالله وقضائه وقدره وتوكّلهم عليه وثقتهم به(1).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "فإن جميع النعم من الله وفضله؛ كما قال تعالى: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ}(2)، {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ}(3)، ولا تضاف النعم إلى الأسباب بل إلى مسبّبها ومقدّرها؛ كما في الحديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه صلّى بهم الصبح في أثر سماء ثم قال: "أتدرون ما قال ربكم الليلة"؟ قال: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأمّا المؤمن فقال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأمّا الكافر فقال: مطرنا بنوء(4) كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب"(5).--------------------------------------------
= تاريخ الثقات للعجلي (ص 511)، والاستيعاب لابن عبد البرّ (4/ 1757)، وسير أعلام النبلاء (4/ 7).
(1) لطائف المعارف (ص 67 - 69).
(2) سورة النساء، آية (79).
(3) سورة النحل، آية (53).
(4) نوء: جمعها أنواء وهي منازل القمر وهي ثمان وعشرون منزلة ينزل القمر كل ليلة في منزلة منها، ومنه قوله تعالى: {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ}، سورة يس، آية (39).
وكانت العرب في الجاهلية تقول: إذا سقط منها نجم، وطلع آخر لابدّ أن يكون عند ذلك مطر، فينسبون كل مطر يكون عند ذلك إلى النجم، ويقولون: مطرنا بنوء كذا.
وإنّما سمّي نوءًا لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناء الطالع بالمشرق، ينوء نوءًا أي نهض وطلع.
النهاية لابن الأثير (5/ 122).
(5) أخرجه البخاري: كتاب المغازي - باب غزوة الحديبية (5/ 62)، ومسلم: كتاب الإيمان - باب بيان كفر من قال: مطرنا بالنوء (1/ 83).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 486)
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا عدوى ولا هامة ولا نوء ولا صفر"(1)، وهذا يدلّ على أن المراد نفي تأثير هذه الأسباب بنفسها من غير اعتقاد أنها بتقدير الله وقضائه، فمن أضاف شيئًا من النعم إلى غير الله مع اعتقاد أنه ليس من الله فهو مشرك حقيقة. ومع اعتقاد أنه من الله فهو نوع من الشرك الخفي(2).
4 - معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "لا عدوى ولا طيرة والشؤم في ثلاث"
جاءت بعض الأحاديث التي ظنّ بعض الناس أنها تدلّ على جواز الطيرة، ومن ذلك حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا عدوى ولا طيرة والشؤم في ثلاث: في المرأة والدابّة والدار"(3)، وفي رواية عند مسلم: "إن كان الشؤم في شيء ففي الفرس والمسكن والمرأة"(4).
وقد ورد هذا الحديث عن عدد من الصحابة وبألفاظ مختلفة، فقد رواه عبد الله بن عمر وأبو هريرة وسهل بن سعد وجابر وغيرهم.
وقد تكلّم العلماء رحمهم الله تعالى على هذا الحديث وأجابوا عنه بعدّة أجوبة:
1 - فقال بعضهم: هذا مستثنى من الطيرة المنهي عنها، فإذا كره--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه (ص 482).
(2) لطائف المعارف (ص 70، 71).
(3) أخرجه البخاري: كتاب الطب - باب الطيرة (7/ 27)، ومسلم: كتاب السلام - باب الطيرة والفأل وما يكون فيه من الشؤم (4/ 1747).
(4) صحيح مسلم: كتاب السلام - باب الطيرة والفأل، وما يكون فيه من الشؤم (4/ 1747).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 487)
الرجل دارًا سكنها أو امرأة صحبها أو فرسًا أو خادمًا، فليفارق الجميع بالبيع والطلاق ونحوه فإنها مشؤومة(1).
2 - وقال آخرون: لم يجزم النبي صلى الله عليه وسلم بالشؤم في هذه الثلاثة بل علّقه على الشرط … وهو قوله: "إن كان"، وغلطوا الراوي في روايته بالجزم دون الشرط.
قال في تيسير العزيز الحميد: "ولا يصح تغليطه مع إمكان حمله على الصحة، ورواية تعليقه بالشرط لا تدلّ على نفي رواية الجزم"(2).
3 - وقالت طائفة أخرى: إن الشؤم في هذه الأشياء إنما يلحق من تشاءم بها وتطيّر بها فيكون شؤمها عليه، أما من توكّل على الله ولم يتشاءم ولم يتطيّر لم تكن مشؤومة عليه، قالوا: ويدلّ عليه حديث أنس: "لا طيرة والطيرة على من تطيّر"(3).
4 - وهناك قول لعائشة رضي الله عنها وهو إنكارها لهذا الحديث، حيث قالت: "والذي أنزل القرآن على أبي القاسم ما هكذا كان يقول، ولكن نبى الله صلى الله عليه وسلم -كان يقول: "كان أهل الجاهلية يقولون الطيرة في المرأة والدار والدابة"، ثم قرأت عائشة قول الله تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ}(4) إلى آخر الآية(5).--------------------------------------------
(1) انظر: شرح السنة للبغوي (12/ 178، 179).
(2) تيسير العزيز الحميد (ص 376).
(3) تقدم تخريجه (478).
(4) سورة الحديد، آية (22).
(5) أخرجه أحمد (6/ 246)، وقال الهيثمي في المجمع (5/ 104): رجاله رجال الصحيح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 488)
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: " … ولكن قول عائشة هذا مرجوح، ولها رضي الله عنها اجتهاد في ردّ بعض الأحاديث الصحيحة خالفها فيه غيرها من الصحابة، وهي رضي الله عنها لما ظنت أن هذا الحديث يقتضي إثبات الطيرة التي هي من الشرك لم يسعها غير تكذيبه وردّه، ولكن الذين رووه ممن لا يمكن ردّ روايتهم، ولم ينفرد بهذا أبو هريرة وحده، ولو انفرد به فهو حافظ الأمة"(1).
وقال ابن حجر رحمه الله تعالى: "ولا معنى لإنكار ذلك على أبي هريرة مع موافقته من ذكرنا من الصحابة في ذلك"(2).
وقد ذكر الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى بعض هذه الأقوال(3)، ثم قال: "والتحقيق أن يقال في إثبات الشؤم في هذه الثلاث … أن هذه الثلاث أسباب يقدر الله تعالى بها الشؤم واليمن ويقرنه، ولهذا يشرع لمن استفاد زوجة أو أمة أو دابّة أن يسأل الله تعالى من خيرها وخير ما جبلت عليه، ويستعيذ به من شرّها وشرّ ما جبلت عليه كما في حديث عمرو(4) ابن شعيب--------------------------------------------
(1) مفتاح دار السعادة (2/ 254).
(2) فتح الباري ابن حجر (6/ 61).
(3) انظر حكاية هذه الأقوال في مفتاح دار السعادة (2/ 253 - 257)، وطرح التثريب (8/ 120 - 123)، وفتح الباري (6/ 61، 62)، وتيسير العزيز الحميد (ص 376 - 377).
(4) عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص أبو إبراهيم السهمي، اضطرب قول أئمّة الجرح والتعديل فيه، وغالبهم على توثيقه، وإنما أنكروا عليه بعض رواياته عن أبيه عن جدّه، وهو ثقة في نفسه، قال ابن حجر في التقريب: "صدوق"، أخرج له الأربعة. توفي سنة 118 هـ.
الجرح والتعديل (6/ 238)، وميزان الاعتدال (3/ 263)، وتهذيب التهذيب (8/ 48)، وتقريب التهذيب (ص 260).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 489)