الوفاء بها، وكذلك ما يجب الوفاء به لله عز وجل، مما يعاهد العبد ربه عليه من نذر التبرر ونحوه.
الخامس: الخيانة في الأمانة، فإذا أؤتمن الرجل أمانة، فالواجب عليه أن يردها كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}(1).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أد الأمانة إلى من ائتمنك"(2).
قال الله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27)}(3).
فالخيانة في الأمانة من خصال النفاق.
وخاصل الأمر أن النفاق الأصغر كله يرجع إلى اختلاف السريرة والعلانية كما قاله الحسن …
والنفاق الأصغر وسيلة إلى النفاق الأكبر، كما أن المعاصي بريد الكفر، وكما يخشى على من أصر على المعصية أن يسلب الإيمان عند الموت كذلك يخشى على من أصر على خصال النفاق أن يسلب الإيمان، فيصير منافقًا خالصًا …
ومن أعظم خصال النفاق العملي أن يعمل الإنسان عملًا، ويظهر أنه قصد به الخير، وإنما عمله ليتوصل به إلى غرض له سيء فيتم له--------------------------------------------
(1) سورة النساء آية (58).
(2) أخرجه أحمد (3/ 414) وأبو داود: كتاب البيوع والإجارات، باب في الرجل يأخذ حقه من تحت يده (3/ 805) والترمذي: كتاب البيوع (3/ 564) وقال: هذا حديث حسن غريب. والدارمي: كتاب البيوع، باب في أداء الأمانة واجتناب الخيانة (2/ 178) والحاكم (2/ 46) وقال: حديث صحيح ووافقه الذهبي.
(3) سورة الأنفال آية (27).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 410)
ذلك، ويتوصل بهذه الخديعة إلى غرضه، ويفرح بمكره وخداعه، وحمد الناس له على ما أظهره، ويتوصل به إلى غرضه السيء الذي أبطنه، وهذا قد حكاه الله في القرآن عن المنافقين واليهود، فحكى عن المنافقين أنهم {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107)}(1).
وأنزل في اليهود {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (188)}(2).
وهذه الآية نزلت في اليهود، سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه وأخبروه بغيره، فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم، وما سئلوا عنه قال ذلك ابن عباس، وحديثه مخرج في الصحيحين(3).
وفيهما أيضًا عن أبي سعيد: أنها نزلت في رجال من المنافقين كانوا إذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلافه، فإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغزو، اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا(4).
وفي حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من غشنا فليس منا،--------------------------------------------
(1) سورة التوبة آية (107).
(2) سورة آل عمران آية (188).
(3) صحيح البخاري: كتاب التفسير، باب {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا} (5/ 174) صحيح مسلم: كتاب صفات المنافقين وأحكامهم (4/ 1343).
(4) أخرجه البخاري: كتاب التفسير، باب {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا} (5/ 174) ومسلم: كتاب صفات المنافقين وأحكامهم (4/ 2142).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 411)
والمكر والخديعة في النار"(1)(2).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "وقد ورد في القرآن تشبيه المنافقين بالخشب المسندة في نظرهم فقال: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ}(3) فوصفهم بحسن الأجسام وتمامها، وحسن المقام والفصاحة حتى أنهم يعجب منظرهم لمن يراهم، ويسمع قولهم من سمعه سماع إصغاء وإعجاب به، ومع هذا فبواطنهم خراب ومعائبهم مهلكة فلهذا مثلهم بالخشب المسندة التي لا دفع لها ولا إحساس وقلوبهم مع هذا ضعيفة في غاية الضعف {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ}(4) لأنهم لما أضمروا خلاف ما أظهروا خافوا من الاطلاع عليهم، فكلما سمعوا صيحة ظنوا أنها عليهم وهكذا كل مريب يظهر خلاف ما يضمر يخاف من أدنى شيء ويتحسر عليه(5).
فالنفاق داء عضال، ومرض خطير، ولذلك كان الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم من سلف هذه الأمة يخافون منه خوفًا شديدًا لعلمهم بدقة وجله، وما يترتب عليه من الآثار السيئة وقد أشار ابن رجب--------------------------------------------
(1) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (10/ 169) وفي الصغير (1/ 261) وابن حبان في صحيحه (1/ 473) والقضاعي في مسنده (1/ 175) وأبو نعيم في الحلية (4/ 189) وقال المنذري في الترغيب والترهيب (2/ 572) رواه الطبراني في الكبير والصغير بإسناد جيد، وابن حبان في صحيحه. وقال الحافظ في الفتح (4/ 356) وأخرجه الطبراني في الصغير من حديث ابن مسعود، والحاكم في المستدرك من حديث أنس، وإسحاق بن راهويه في مسنده من حديث أبي هريرة وفي إسناد كل منهما مقال: لكن مجموعها يدل على أن للمتن أصلًا.
(2) جامع العلوم والحكم (3/ 330 - 342).
(3) سورة المنافقون آية (4).
(4) سورة المنافقون آية (4).
(5) غاية النفع (ص 24).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 412)
رحمه الله تعالى إلى ذلك وبين أن السلف رحمهم الله تعالى كانوا يخافون من النفاق أشد الخوف.
فقال: "ومن هنا كان الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم من السلف الصالح يخافون على أنفسهم النفاق، ويشتد جزعهم منه، فالمؤمن يخاف على نفسه النفاق الأصغر، ويخاف أن يغلب ذلك عليه عند الخاتمة فيخرجه إلى النفاق الأكبر، لأن دسائس السوء الخفية توجب سوء الخاتمة وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في دعائه: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك فقيل له: يا نبي الله، آمنا بك، وبما جئت به، فهل تخاف علينا، فقال: نعم، إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن عز وجل يقلبها كيف شاء"(1). خرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث أنس …(2).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "ولما تقرر عند الصحابة رضي الله عنهم أن النفاق هو اختلاف السر والعلانية، خشي بعضهم على نفسه أن يكون إذا تغير عليه حضور قلبه ورقته وخشوعه عند سماع الذكر، برجوعه إلى الدنيا والاشتغال بالأهل والأولاد والأموال أن يكون ذلك منه نفاقًا كما في صحيح مسلم عن حنظلة الأسدي أنه مر به أبو بكر رضي الله عنه وهو يبكي فقال: مالك؟ قال: نافق حنظلة يا أبا بكر نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالجنة والنار كأنهما رأي العين، فإذا رجعنا عافسنا(3) الأزواج والصبية فنسينا كثيرًا، قال أبو بكر: فوالله أنا لكذلك،--------------------------------------------
(1) أخرجه أحمد (3/ 112) والترمذي: كتاب القدر، باب ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن (4/ 448) وقال: هذا حديث حسن.
(2) جامع العلوم والحكم (1/ 139).
(3) عافسنا: المعافسة هي الملاعبة والممارسة، والمعنى اشتغلنا بمعايشنا وأزواجنا وأولادنا.
النهاية لابن الأثير (3/ 263).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 413)
فانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: مالك يا حنظلة؟ قال: نافق حنظلة يا رسول الله، وذكر له مثل ما قال لأبي بكر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو تدومون على الحال التي تكونون بها عندي لصافحتكم الملائكة في مجالسكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة"(1)(2) …
وقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى أثارًا كثيرة عن السلف من الصحابة رضي الله عنهم وغيرهم تدل على خوفهم من النفاق فقال: "ومن هنا كان الصحابة يخافون النفاق على أنفسهم، وكان عمر يسأل حذيفة عن نفسه"(3).
وسئل أبو رجاء العطاردي(4): هل أدركت من أدركت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يخشون النفاق؟ فقال: نعم، إني أدركت منهم بحمد الله صدرًا حسنًا، نعم شديدًا، نعم شديدًا"(5).
وقال البخاري في صحيحه: وقال ابن أبي مليكة(6): "أدركت--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم: كتاب التوبة، باب فضل دوام الذكر والفكر في أمور الآخرة (4/ 2107).
(2) جامع العلوم والحكم (3/ 343).
(3) أخرجه وكيع في الزهد (3/ 791) والخرائطي في مساوئ الأخلاق (1/ 27/ ب).
(4) هو الإمام الكبير عمران بن ملحان التميمي البصري، من كبار المخضرمين، أدرك الجاهلية، وأسلم بعد فتح مكة، ولم ير النبي صلى الله عليه وسلم، وكان خيرًا تلاءً لكتاب الله، وكان ثقة نبيلًا عالمًا عاملًا، توفي سنة 105 هـ.
أسد الغابة (4/ 136) وسير أعلام النبلاء (4/ 253) وتهذيب التهذيب (8/ 140).
(5) أخرجه الفريابي في صفة المنافق (ص 71) والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (2/ 634) وأبو نعيم في الحلية (2/ 307).
(6) هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة زهير بن عبد الله القرشي التيمي أبو محمد الإمام الحافظ الحجة، كان عالمًا مفتيًا صاحب حديث وإتقان، وثقه أبو زرعة وأبو حاتم وغيرهما، توفي سنة 117 هـ رحمه الله تعالى.
الجرح والتعديل (5/ 99) وسير أعلام النبلاء (5/ 88) وتهذيب التهذيب (5/ 306).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 414)
ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه(1).
ويذكر عن الحسن أنه قال: "ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق"(2).
وروي عن الحسن: "أنه حلف ما مضى مؤمن قط ولا بقي إلا وهو من النفاق غير آمن، وما مضى منافق قط ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن"(3).
وكان يقول: "من لم يخف النفاق فهو منافق"(4).
وسمع رجل أبا الدرداء يتعوذ من النفاق في صلاته، فلما سلم قال له: ما شأنك وشأن النفاق؟ فقال: "اللهم اغفر لي ثلاثًا، لا تأمن البلاء، والله إن الرجل ليفتن في ساعة واحدة فينقلب عن دينه"(5).
والآثار عن السلف في هذا كثيرة جدًا(6).
وهذا كله يدل على عظم النفاق، وشدة خطره، فإذا كان الصحابة رضي الله عنهم الذين اختارهم الله لصحبة رسوله صلى الله عليه وسلم والذين رباهم--------------------------------------------
(1) صحيح البخاري: كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله (1/ 17) وأخرجه المروزي في تعظيم قدر الصلاة (2/ 634) وأبو نعيم في الحلية (2/ 307).
(2) ذكره البخاري في صحيحه: كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله (1/ 17).
(3) أخرجه الفريابي في صفة المنافق (73) والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (2/ 634).
(4) أخرجه الفريابي فى صفة المنافق (73).
(5) أخرجه الفريابي في صفة المنافق (69) والذهبي في السير (6/ 382) وقال: إسناده صحيح.
(6) جامع العلوم والحكم (3/ 339، 340).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 415)
الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا يخافون من النفاق، فما الحال في زمننا هذا الذي قل فيه الإخلاص، والإيمان بالله عز وجل، مما لا شك فيه أن خلقًا كثيرًا قد وقعوا في النفاق سواءًا شعروا بذلك أم لم يشعروا، نسأل الله السلامة منه ومن كل ما يحبط الأعمال ويفسدها، ونسأله أن يوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه إنه سميع مجيب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 416)
المبحث الثالث البدع وكلام ابن رجب عليها
المطلب الأول معنى البدعة في اللغة والشرع
البدعة نقيض السنة مشتقة من بَدَع الشيء يبدعه بَدْعًا إذا أوجده على غير مثال سابق، وابتدعه وأبدعه بمعنى واحد، واسم الفاعل من أبدع المبدع، ومن ابتدع المبتدع، ومن أسماء الله تعالى الحسنى البديع فهو سبحانه بديع السموات والأرض لأنه أبدعها وأحدثها على غير مثال سابق كما قال تعالى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}(1) والبديع أيضًا الذي ليس قبله شيء، والله سبحانه وتعالى هو الأول الذي ليس قبله الشيء، والبدع: ما كان أولًا ولم يسبقه شيء كما قال تعالى: {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ}(2) أي ما كنت أول رسول أرسل إلى أهل الأرض بل أرسل قبلي رسل كثيرون.
ويقال لمن أتى بأمر لم يسبقه إليه أحد أتى ببدعة ومنه قوله تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا}(3) … "(4).--------------------------------------------
(1) سورة البقرة آية (117).
(2) سورة الأحقاف آية (9).
(3) سورة الحديد آية (27).
(4) انظر: الصحاح للجوهري (3/ 1183) ولسان العرب (8/ 7) والقاموس المحيط (3/ 4) والمفردات للراغب (ص 38).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 417)
فالبدعة اسم هيئة من الابتداع وهي كل ما أحدث واخترع على غير مثال سابق، وهي بهذا المعنى تقال في المدح والذم لأن المراد أنه أتى بشيء مخترع على غير مثال سبق سواءًا كان خيرًا أو شرًا ولكن لفظ البدعة غلب على الحدث المكروه في الدين، قال ابن الأثير: "وأكثر ما يستعمل المبتدع عرفًا في الذم"(1).
وأما البدعة في الشرع فقد عرفها ابن رجب رحمه الله تعالى فقال: "المراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعًا، وإن كان بدعة لغة"(2).
وقال رحمه الله تعالى: "فقوله صلى الله عليه وسلم: "كل بدعة ضلالة"(3) من جوامع الكلم، لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد"(4) فكل من أحدث شيئًا ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه، فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال، أو الأقوال الظاهرة والباطنة(5).
فالبدعة إذًا هي كل ما لم يشرعه الله تعالى في كتابه أو على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ولم يكن على عهد الصحابة دينًا يعبد الله به أو يتقرب به إليه سواء كان ذلك في الاعتقاد أو الأقوال أو الأعمال.
وقد جاءت الأدلة الكثيرة في كتاب الله سبحانه وتعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم التي تدل على وجوب الاتباع والنهي عن البدع ومحدثات الأمور.--------------------------------------------
(1) النهاية لابن الأثير (1/ 107).
(2) جامع العلوم والحكم (2/ 290).
(3) انظر تخريجه في الورقة التي تليها (ص 419).
(4) تقدم تخريجه (ص 382).
(5) جامع العلوم والحكم (2/ 291).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 418)
منها قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31)}(1).
ومنها قوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}(2).
ومنها قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}(3).
ومنها قوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)}(4).
وأما الأحاديث فكثيرة جدًا:
منها حديث العرباض بن سارية قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب فقال قائل: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا فقال: "أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن كان عبدًا حبشيًا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة"(5).--------------------------------------------
(1) سورة آل عمران آية (31).
(2) سورة النور آية (63).
(3) سورة الحشر آية (7).
(4) سورة الأنعام آية (153).
(5) أخرجه أحمد (4/ 126) وأبو داود: كتاب السنة، باب لزوم السنة (5/ 15) والترمذي: كتاب العلم، باب ما جاء في الأخذ في السنة واجتناب البدع (5/ 44) وقال: هذا حديث حسن صحيح وابن ماجه: المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين (1/ 15) والحاكم (1/ 97) وقال: هذا حديث صحيح لا علة له ووافقه الذهبي، والبغوي في شرح السنة (1/ 205) وقال: هذا حديث حسن، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للشيخ الألباني (2/ 647).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 419)
ومنها حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش، يقول: صبّحكم ومسّاكم، ويقول: "بعثت أنا والساعة كهاتين" ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى، ويقول: "أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة"(1).
ومنها حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"(2).
ومنها حديث أنس رضي الله عنه قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر وقال آخر: أنا أعتزل النساء، فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي، فليس مني"(3).
فهذه النصوص من الكتاب والسنة تدل على وجوب الاتباع والابتعاد عن البدع ومحدثات الأمور.
كما أن السلف الصالح من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم: كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة (2/ 592).
(2) تقدم تخريجه (ص 382).
(3) أخرجه البخاري: كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح (6/ 116) ومسلم: كتاب النكاح، باب استحباب النكاح (2/ 1018).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 420)
وتابعيهم كانوا يحثون على التمسك بالسنن التي جاءت عن الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ويحذرون من البدع وينفرون منها، والآثار عنهم في ذلك كثيرة جدًا.
فمن أقوال الصحابة رضي الله عنهم: قول عمر رضي الله عنه: "ما أخاف على هذه الأمة من مؤمن ينهاه إيمانه، ولا من فاسق بين فسقه ولكني أخاف عليها رجلًا قد قرأ القرآن حتى أزلقه بلسانه ثم تأوله على غير تأويله"(1).
وقال حذيفة رضي الله عنه: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، اتبعوا أثارنا فقد سبقتم سبقًا بعيدًا، وإن أخطاتم فقد ضللتم ضلالًا بعيدًا"(2).
وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: "كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة"(3).
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، وكل بدعة ضلالة"(4).
وقال عثمان بن حاضر(5) الأزدي: دخلت على ابن عباس فقلت:--------------------------------------------
(1) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (ص 225).
(2) أخرجه ابن بطة العكبري في الإبانة الكبرى (1/ 336).
(3) أخرجه المروزي في السنة (ص 24) والبيهقي في المدخل (ص 180) واللالكائي في شرح اعتقاد أهل السنة (1/ 92) وابن بطة العكبري في الإبانة الكبرى (1/ 339).
(4) أخرجه وكيع في الزهد (2/ 590) وابن خيثمة في كتاب العلم (ص 122) والطبراني في الكبير (9/ 168) والدارمي في السنن (1/ 61) والبيهقي في المدخل (ص 186) وابن وضاح في البدع (ص 10) وابن بطة العكبري في الإبانة الكبرى (1/ 328).
(5) عثمان بن حاضر الحميري ويقال الأزدي أبو حاضر القاص، روى عن ابن عباس وغيره، قال أبو زرعة: يماني، حميري، ثقة.
الجرح والتعديل (6/ 147) وتهذيب التهذيب (7/ 109).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 421)
أوصني، فقال: نعم عليك بتقوى الله والاستقامة، اتبع ولا تبتدع"(1).
ومن الآثار الواردة عن التابعين ومن بعدهم في التحذير من البدع ولزوم السنة:
قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: "من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا خان الرسالة، لأن الله يقول: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}(2) فما لم يكن يومئذ دينًا لا يكون اليوم دينًا"(3).
وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والاقتداء بهم وترك البدع، وكل بدعة فهي ضلالة"(4).
وقال حسان بن عطية(5) رحمه الله تعالى: "ما ابتدع قوم بدعة في--------------------------------------------
(1) أخرجه الدارمي في السنن (1/ 50) وابن وضاح في البدع (ص 25) وابن بطة العكبري في الإبانة الكبرى (1/ 319).
(2) سورة المائدة آية (3).
(3) الاعتصام للشاطبي (1/ 49).
(4) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/ 156) وذكرها أبو يعلى في طبقات الحنابلة (1/ 241).
(5) حسان بن عطية المحاربي أبو بكر الدمشقي، الإمام الحجة، وثقه أحمد ويحيى بن معين وغيرهم.
قال الأوزاعي: ما أدركت أشد اجتهادًا ولا أعمل منه، قال الذهبي: بقي حسان إلى حدود سنة ثلاثين ومئة.
تهذيب الكمال للمزي (6/ 34) وسير أعلام النبلاء (5/ 446) وتهذيب التهذيب (2/ 251).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 422)
دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها، ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة"(1).
وقال سفيان الثوري رحمه الله تعالى: "من جالس صاحب بدعة لم يسلم من أحد ثلاث إما أن يكون فتنة لغيره، وإما أن يقع في قلبه شيء فيزل به فيدخله النار، وإما أن يقول والله ما أبالي ما تكلموا وأني واثق بنفسي، فمن آمن الله على دينه طرفة عين سلبه إياه"(2).
ويقول الأوزاعي رحمه الله تعالى: "عليك بآثار السلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوها لك بالقول"(3).
فهذه الآثار الواردة عن السلف الصالح رحمهم الله تعالى كلها تدعو إلى التمسك بالكتاب والسنة وتحذر من البدع والمحدثات صغيرها وكبيرها يقول الإمام أبو محمد البربهاري(4) رحمه الله تعالى: "واحذر صغار المحدثات، فإن صغار البدع تعود حتى تصير كبارًا، وكذلك كل بدعة أحدثت في الأمة كان أولها صغيرًا يشبه الحق، فاغتر بذلك من دخل--------------------------------------------
(1) أخرجه الدارمي في السنن (1/ 44) وابن بطة العكبري في الإبانة الكبرى (1/ 351) وابن وضاح في البدع (ص 37).
(2) أخرجه ابن وضاح في البدع (ص 47).
(3) أخرجه الآجري في الشريعة (ص 58) والخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث (ص 7) والبيهقي في المدخل (ص 199).
(4) الإمام الحافظ أبو محمد الحسن بن علي بن خلف البربهاري، كان قوالًا بالحق داعية إلى الأثر والسنة، لا يخاف في الله لومة لائم، توفي سنة 329 هـ رحمه الله تعالى.
طبقات الحنابلة (2/ 18) والبداية والنهاية (11/ 225) وسير أعلام النبلاء (15/ 90).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 423)
فيها، ثم لم يستطع المخرج منها فعظمت، وصارت دينًا يدان به فخالف الصراط المستقيم.
فانظر رحمك الله كل من سمعت كلامه من أهل زمانك خاصة، فلا تعجلن، ولا تدخلن في شيء منه حتى تسأل وتنظر هل تكلم فيه أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أو أحد من العلماء؟ فإن أصبت فيه أثرًا عنهم فتمسك به ولا تجاوزه لشيء، ولا تختر عليه شيئًا فتسقط في النار".
واعلم رحمك الله -أنه ليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال، ولا تتبع فيها الأهواء، وهو التصديق بآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا كيف، ولا شرح، ولا يقال: لم؟ ولا كيف، فالكلام والجدال والمراء محدث يقدح الشك في القلب، وإن أصاب صاحبه الحق والسنة"(1).--------------------------------------------
(1) شرح السنة للبربهاري (ص 23 - 24).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 424)
المطلب الثاني أنواع البدع
للبدع أنواع مختلفة باعتبارات مختلفة فهي ليست على درجة واحدة ولكن هذه الأنواع كلها لا تخرج عن هذين النوعين:
النوع الأول: بدعة قولية اعتقادية كمقالات الجهمية والمعتزلة والرافضة وسائر الفرق الضالة واعتقاداتهم.
النوع الثاني: بدعة في العبادات كالتعبد لله سبحانه وتعالى بعبادة لم يشرعها وهذا النوع ينقسم إلى قسمين:
1 - بدعة في أصل العبادة وذلك بأن يحدث عبادة ليس لها أصل مشروع كأن يحدث صلاة غير مشروعة كصلاة الرغائب، أو صيامًا كصيام رجب وحده أو أعيادًا كأعياد الموالد وغيرها، وقد بين ابن رجب رحمه الله تعالى هذا النوع فقال: "فأما العبادات فما كان منها خارجًا عن حكم الله ورسوله بالكلية، فهو مردود على عامله، وعامله يدخل تحت قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ}(1) فمن تقرّب إلى الله بعمل لم يجعله الله ورسوله قربة إلى الله فعمله باطل مردود عليه، وهو شبيه بحال الذين كانت صلاتهم عند البيت مكاء وتصدية، وهذا كمن تقرب إلى الله تعالى بسماع الملاهي أو الرقص--------------------------------------------
(1) سورة الشورى آية (21).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 425)
أو بكشف الرأس في غير الإحرام، وما أشبه ذلك من المحدثات التي لم يشرع الله ورسوله بالتقرب بها بالكلية، وليس ما كان قربة في عبادة يكون قربة في غيرها مطلقًا(1).
2 - بدعة الزيادة في العبادة المشروعة كزيادة الشيعة "أشهد أن عليًا ولي الله" في الآذان أو النقص من المشروع كذكر الله بالاسم المفرد كما يفعله الصوفية أو الإتيان بصفة معينة للعبادة غير مشروعة كالاتيان بالأذكار المشروعة بأصوات جماعية مطربة أو تخصيص وقت معين لعبادة مشروعة لم يخصصه الشرع كمن خصّ يوم النصف من شعبان وليلته بصيام وقيام، وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هذا النوع بقوله: "وأما من عمل عملًا أصله مشروع وقربة ثم أدخل فيه ما ليس بمشروع أو أخل فيه بمشروع، فهذا أيضًا مخالف للشريعة بقدر إخلاله بما أخل به أو إدخاله ما أدخل فيه، وهل يكون عمله من أصله مردودًا عليه أم لا، فهذا لا يطلق القول فيه برد ولا قبول، بل ينظر فيه، فإن كان ما أخل به من أجزاء العمل أو شروطه موجبًا لبطلانه في الشريعة كمن أخل بالطهارة للصلاة مع القدرة عليها، أو كمن أخل بالركوع أو بالسجود مع الطمأنينة فيهما، فهذا عمل مردود عليه، وعليه إعادته إن كان فرضًا. وإن كان ما أخل به لا يوجب بطلان العمل، كمن أخل بالجماعة للصلاة المكتوبة عند من يوجبها ولا يجعلها شرطًا، فهذا لا يقال إن عمله مردود من أصله بل هو ناقص، وإن كان قد زاد في العمل المشروع ما ليس بمشروع، فزيادته مردودة عليه بمعنى أنها لا تكون قربة ولا يثاب عليها، ولكن تارة يبطل بها العمل من أصله، فيكون مردودًا كمن زاد ركعة عمدًا في صلاته مثلًا، وتارة لا يبطله ولا يرده من أصله كمن توضأ أربعًا--------------------------------------------
(1) جامع العلوم والحكم (1/ 142، 143).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 426)
أربعًا، أو صام الليل مع النهار وواصل في صيامه، وقد يبدل بعض ما يؤمر به في العبادة بما هو منهي عنه، كمن ستر عورته في الصلاة بثوب محرم، أو توضأ للصلاة بماء مغصوب أو صلى في بقعة غصب، فهذا قد اختلف العلماء فيه، هل عمله مردود من أصله أم أنه غير مردود وتبرأ به الذمة من عهدة الواجب؟ وأكثر الفقهاء على أنه ليس بمردود من أصله(1).--------------------------------------------
(1) جامع العلوم والحكم (1/ 144، 145).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 427)
المطلب الثالث الرد على محسني البدع وكلام ابن رجب في ذلك
هناك فريق من الناس يقسمون البدع إلى بدع حسنة وسيئة وإلى بدع مذمومة ومحمودة، وهذا تقسيم لا أصل له، وإنما هو من تلبيس إبليس جاءوا به من عند أنفسهم ليسوغوا الأحداث في الدين، والذي دعاهم إلى هذا التقسيم هو تمسكهم ببعض النصوص التي ليس لهم في الحقيقة دلالة فيها لأن تقسيم البدع إلى هذا التقسيم لا دليل عليه من الشرع بل إن فيه مخالفة صريحة لأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: " … وكل بدعة ضلالة"(1) وهم يقولون: لا، بل البدعة منها ما هو بدعة حسنة ومنها ما هو بدعة سيئة، وقد رد ابن رجب رحمه الله تعالى على هذا التقسيم وبين أن البدع جميعها مذمومة سواء في الأقوال أو الأعمال أو الاعتقادات فقال رحمه الله تعالى: "فقوله صلى الله عليه وسلم: "كل بدعة ضلالة" من جوامع الكلم لا يخرج منه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد"(2) فكل من أحدث شيئًا ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة، والدين بريء منه وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة"(3).--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه (ص 419).
(2) تقدم تخريجه (ص 382).
(3) جامع العلوم والحكم (2/ 291).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 428)
وهؤلاء الذين قسموا البدع إلى حسنة وسيئة احتجوا بنصوص لا دليل لهم فيها وإنما هي شبهات تعلقوا بها، واغتر بها من لا علم عنده من المتصوفة والجهال والعوام مما دعاهم إلى أن يتعبدوا الله سبحانه وتعالى بعبادات لم ترد عن الله ولا عن رسوله صلى الله عليه وسلم، فإذا نهاهم عالم أو أحد طلبة العلم عن ذلك قالوا: أن ما نفعله بدعة حسنة وليس بدعة سيئة.
وقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى النصوص والأمور التي تعلقوا بها ورد عليهم فيها، وبيّن أنه لا حجة لهم فيها فقال: "وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع، فإنما ذلك من البدع اللغوية لا الشرعية، فمن ذلك قول عمر رضي الله عنه لما جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد، وخرج ورآهم يصلون كذلك، فقال: "نعمت البدعة هذه"(1) وروي عنه أنه قال: "إن كانت هذه بدعة، فنعمت البدعة"(2).
وروي عن أبي بن كعب قال له: إن هذا لم يكن، فقال عمر: قد علمت، ولكنه حسن. ومراده أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت، ولكن له أصل في الشريعة يرجع إليه:
فمنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحث على قيام رمضان ويرغب فيه، وكان الناس في زمنه يقومون في المسجد جماعات متفرقة ووحدانًا وهو صلى الله عليه وسلم، صلى بأصحابه في رمضان غير ليلة ثم امتنع من ذلك، معللًا بأنه خشي أن يكتب عليهم، فيعجزوا عن القيام به، وهذا قد أمن بعده صلى الله عليه وسلم.--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري: كتاب صلاة التراويح (2/ 252).
(2) بهذه الرواية أخرجه ابن سعد في الطبقات (5/ 42) وانظر: صلاة التراويح للألباني (ص 42).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 429)