Arabic source text

📘 নাহজুল উসুল ইলা হাকিকাতি মাহাব্বাতির রাসূল সাল্লাল্লাহু আলাইহি ওয়া সাল্লাম (মুহাম্মদ বিন খলিফা আত-তামিমি)

📘 نهج الوصول الي حقيقة محبة الرسول صلى الله عليه وسلم (محمد بن خليفة التميمي)

📘 নাহজুল উসুল ইলা হাকিকাতি মাহাব্বাতির রাসূল সাল্লাল্লাহু আলাইহি ওয়া সাল্লাম (মুহাম্মদ বিন খলিফা আত-তামিমি)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
وبهذا يتضح لنا أن الأمة كانت على شريعة واحدة؛ التي هي التوحيد الخالص، ثم طرأ الشرك عليها(1).
وإليك التدرج الذي فعله الشيطان مع بني الإنسان لإخراج الناس من عبادة الله وحده إلى الشرك به وعبادة غيره، وهو مأخوذ من تفسير قوله تعالى: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح]، حيث إن هؤلاء الخمسة كانوا عبادًا صالحين، فلما ماتوا، أوحى الشيطان إلى قومهم؛ أن انجبوا لهم أنصابًا، وسموها بأسمائهم، واعكفوا عليها لتتذكروهم، وتقتدوا بأعمالهم الصالحة، فلما ذهب هذا الجيل، وأتي من بعدهم، أوحي إليهم الشيطان: إن أسلافكم كانوا يعبدونهم، فافعلوا كما كانوا يفعلون، ففعلوا؛ فوقع الشرك في بني آدم من طريق الغلو في الصالحين، ومن ثم أرسل الله جل وعلا نوح عليه السلام ليدعوهم إلى عبادة الله وحده وترك الشرك، فلم يستجيبوا له إلا قليل منهم.
ويتضح هذا المعنى بذكر الآثار الواردة في تفسير الآية المتقدم ذكرها من سورة نوح عليه السلام، وإليك بعضا منها:
عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: "هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم، أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسَّخ العلم، عُبدت"(2).
وما روى ابن جرير بإسناده عن محمد بن قيس، قال: كانوا قوم صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدرون بهم، فلما ماتوا--------------------------------------------
(1) انظر: "مجموع الفتاوى" (2/ 437، 8/ 285، 20/ 106، 107) بتصرف.
(2) "صحيح البخاري"، كتاب التفسير، تفسير سورة نوح، باب ودًا وسواعًا ويغوث ويعوق. "الفتح" (8/ 535)، حديث رقم (4920).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)

قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم؛ كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون، دب إليهم إبليس، فقال: إنما كان يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم"(1).
فهنا قولان:
الأول: أنها كانت في قوم نوح.
الثاني: أنها كانت أسماء رجال صالحين.
ولا فرق بين القولين، فإن كونها أسماء أصنام لا ينافي كون تلك الأصنام لرجال صالحين في الأصل.
قال ابن حجر رحمه الله بعد حكايته للقولين -: "بل مرجع ذلك إلى قول واحد، وقصة الصالحين كانت مبتدأ عبادة قوم نوح هذه الأصنام، ثم تبعهم من بعدهم على ذلك"(2).
إذا علم ذلك كله، ظهر أن أعظم أسباب الشرك وعبادة الأصنام الغلو في المخلوقين، ورفعهم فوق منازلهم(3)، فلذلك نهى الله عن الغلو ومشابهة أهل الكتاب الذين غلوا في أنبيائهم وصالحيهم حتى عبدوهم من دون الله؛ فقال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ} [النساء: 171]، {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [هود].--------------------------------------------
(1) "جامع البيان" للطبري (29/ 98، 99).
(2) "فتح الباري" (8/ 137).
(3) "مجموع الفتاوى" (14/ 362)، وقاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق لابن تيمية (ص 42، 43) بتصرف.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)

وكذلك اهتم النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الباب، فحذر أشد التحذير من الغلو، وسد ذرائعه وأبوابه، وحاربه في جميع ميادين ونواحي العبادة(1).
ومما ورد عنه في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله"(2).
قال الشيخ سليمان بن عبد الله رحمه الله بعد إيراده لهذا الحديث ما نصه: "أي: لا تمدحوني فتغلوا في مدحي، كما غالت النصارى في عيسى؛ فادعوا فيه الربوبية، وإنما أنا عبد الله، فصفوني بذلك كما وصفني به ربي، وقولوا: عبد الله ورسوله"(3).
* منها ما جاء عن عائشة رضي الله عنها: أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة - رأينها بالحبشة فيها تصاوير - لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات، بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة"(4).
قال شيخ الإسلام رحمه الله: "وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع هي التي أوقعت كثيرًا من الأمم؛ إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك، فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم--------------------------------------------
(1) "مجموع الفتاوى" (2/ 404، 405) بتصرف
(2) رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قوله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا}. [الفتح] (6/ 551)، حديث رقم (3445).
(3) (تيسير العزيز الحميد) (ص 314).
(4) رواه البخاري في كتاب الجنائز، باب بناء المسجد على القبر برقم (1341)؛ ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها والنهي عن اتخاذ القبور مساجد برقم (528).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)

الصالحين … فهذه المفسدة - التي هي مفسدة الشرك كبيره وصغيره - هي التي حسم النبي صلى الله عليه وسلم مادتها؛ حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقا …(1)(2).
* منها ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة العقبة وهو على راحلته -: "هات القط لي" فلقط له حصيات هن حصى الخذف(3)، فلما وضعتهن في يده قال: "بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين"(4).
قال شيخ الإسلام رحمه الله بعد إيراده لهذا الحديث -: "إن هذا عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال"(5).--------------------------------------------
(1) يشير إلى قوله صلى الله عليه وسلم: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام"، رواه ابن ماجه في كتاب المساجد والجماعات، باب المواضع التي تكره فيها الصلاة (1/ 246)، حديث رقم (745) واللفظ له؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب في المواضع التي لا تجوز فيها الصلاة (1/ 330)، حديث رقم (492)؛ والترمذي، كتاب أبواب الصلاة، باب ما جاء أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام (1/ 131)، حديث رقم (317)، وقال: فيه اضطراب. وصححه الألباني في (صحيح ابن ماجه) (1/ 231) حديث رقم (612).
(2) "اقتضاء الصراط المستقيم" (2/ 674)
(3) هو: الحصى الصغير الذي يمكن حمله بأطراف الأصابع لصغره. انظر: "لسان العرب" (4/ 44)، مادة: (خذف).
(4) رواه النسائي في "سننه"، كتاب المناسك، باب التقاط الحصى (5/ 296)، حديث رقم (3057)؛ وابن ماجه، كتاب المناسك، باب قدر حصى الرمي (2/ 1008)، حديث رقم (3029). وصححه الألباني في (صحيح ابن ماجه) (3/ 49)، حديث رقم (2473).
(5) "اقتضاء الصراط المستقيم" (1/ 289).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)

* ومنها: أنه صلى الله عليه وسلم نهى أن يجصَّص القبرُ، وأن يُقعَد عليه، وأن يبنى عليه(1).
* ومنها: أمره صلى الله عليه وسلم بتسوية القبور وطمس التماثيل؛ فعن أبي الهياج الأسدي، قال: قال لي علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفا إلا سويته"(2)
* ومنها: ما جاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم فإذا حبل ممدود بين الساريتين، فقال: "ما هذا الحبل؟ "، قالوا: هذا حبل لزينب، فإذا فترت تعلقت به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا، حُلُّوهُ، لِيُصَلِّ أحدكم نشاطه، فإذا فتر، فليقعد"(3).
قال ابن حجر رحمه الله تحت هذا الحديث: "وفيه الحث على الاقتصاد في العبادة، والنهي عن التعمق فيها"(4).
وغيرها كثير من أقواله صلى الله عليه وسلم في النهي عن التشدد، والأخذ بالأيسر، والرفق في الأمر كله(5)؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: "إن الدين يسر، ولن يشاد الدينَ--------------------------------------------
(1) رواه مسلم في كتاب الجنائز، باب النهي عن تجصيص القبر والبناء عليه (2/ 667)، حديث رقم (970).
(2) رواه مسلم في كتاب الجنائز، باب الأمر بتسوية القبر (2/ 666)، حديث رقم (969)
(3) رواه البخاري في كتاب التهجد، باب ما يكره من التشديد في العبادة. "الفتح" (3/ 43)، حديث رقم (1150)؛ ومسلم في كتاب صلاة المسافرين، باب أمر من نعس في صلاته أو استعجم عليه القرآن أو الذكر بأن يرقد أو يقعد حتى يذهب عنه ذلك (1/ 541، 542)، حديث رقم (784).
(4) "فتح الباري" (3/ 45).
(5) "قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق" (ص 42 - 45).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)

أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغَدْوَةِ(1) والرَّوْحَةِ(2) وشيءٍ من الدُّلْجَةِ(3)(4)، والله تعالى أعلم](5).
* * *--------------------------------------------
(1) الغَدْوة: السير في أول النهار.
(2) الرَّوحة: السير بعد الزوال.
(3) الدُّلْجة: السير آخر الليل، والمراد هنا، قال ابن حجر: "أي: استعينوا على مداومة العبادة بإيقاعها في الأوقات المنشطة". انظر في هذا كله: فتح الباري لابن حجر (1/ 118).
(4) رواه البخاري في كتاب الإيمان، باب الدين يسر. "الفتح" (1/ 116) حديث رقم (39).
(5) انظر: "الجواب الباهر في زوار المقابر" لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، دراسة وتحقيق د. إبراهيم بن خالد المخيف حفظه الله (ص 85 - 91).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)

‌‌الباب الأول: وجوب محبته صلى الله عليه وسلم -
وفيه فصلان

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)

‌‌الفصل الأول: بيان المعنى الصحيح لمحبته صلى الله عليه وسلم والأدلة على وجوبها
وفيه مبحثان

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)

‌‌المبحث الأول: المعنى الصحيح لمحبته صلى الله عليه وسلم -
‌‌المطلب الأول: تعريف المحبة:
أحببت قبل الشروع في بيان المعنى الصحيح لمحبة النبي صلى الله عليه وسلم أن أتطرق للمعنى اللغوي والاصطلاحي لكلمة المحبة، وذلك بهدف التعريف بهذه الكلمة وبيان مدلولها:

‌‌أ - أصل اشتقاق المحبة:
قال صاحب لسان العرب: "المحبة: اسم للحب"(1).
ويرى ابن القيم أن مادة كلمة "حب" تدور في اللغة على خمسة أشياء:
أحدها: الصفاء والبياض، ومنه قولهم لصفاء بياض الأسنان ونضارتها "حبب الأسنان".
الثاني: العلو والظهور، ومنه "حبب الماء وحبابه" وهو ما يعلوه عند المطر الشديد، وحبب الكأس منه.
الثالث: اللزوم والثبات، ومنه: "حبَّ البعير وأحب، إذا برك ولم يقم.--------------------------------------------
(1) (1/ 290).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)

قال الشاعر:
حلت عليه بالفلاة ضربًا … ضرب بعير السوء إذ أحبَّا
الرابع: اللب، ومنه: حبة القلب، للبُّه وداخله.
ومنه: الحبة لواحدة الحبوب، إذ هي أصل الشيء ومادته وقوامه.
الخامس: الحفظ والإمساك، ومنه حب الماء للوعاء الذي يحفظ فيه ويمسكه وفيه معنى الثبوت أيضًا.
ثم قال رحمه الله: ولا ريب أن هذه الخمسة من لوازم المحبة:
1 - فإنها صفاء المودة، وهيجان إرادات القلب للمحبوب.
2 - وعلوها وظهورها منه لتعلقها بالمحبوب المراد.
3 - وثبوت إرادة القلب للمحبوب ولزومها لزوما لا تفارقه.
4 - ولإعطاء المحب محبوبه لبه وأشرف ما عنده، وهو قلبه.
5 - ولاجتماع عزماته وإراداته وهمومه على محبوبه.
فاجتمعت فيها المعاني الخمسة(1).
ووضعوا لمعناها حرفين مناسبين للمسمى غاية المناسبة: "الحاء" التي هي من أقصى الحلق.
و "الباء" الشفوية التي هي نهايته.--------------------------------------------
(1) زاد ابن القيم في كتابه روضة المحبين (ص 17، 18) على هذه المعاني الخمسة ما يلي: "وقيل: بل هي مأخوذة من القلق والاضطراب، ومنه سمي القرط حبا لقلقه في الأذن واضطرابه. وقيل بل هي مأخوذة من الحب الذي هو إناء واسع فيمتلئ به بحيث لا يسع لغيره، وكذلك قلب المحب ليس فيه سعة لغير محبوبه، وقيل: مأخوذة من الحب وهو الخشبات الأربع التي يستقر عليها ما يوضع من جرة أو غيرها فسمي الحب بذلك لأن المحب يتحمل لأجل محبوبه الأثقال، كما تتحمل الخشبات ثقل ما يوضع عليها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)

فللحاء الابتداء، وللباء الانتهاء، وهذا شأن المحبة وتعلقها بالمحبوب، فإن ابتداءها منه وانتهاءها إليه.
وقالوا في فعلها: حَبْهُ وأحَبَّهُ.
ثم اقتصروا على اسم الفاعل من "أحب" فقالوا: "مُحِبٌّ" ولم يقولوا "حاب". واقتصروا على اسم المفعول من "حب" فقالوا: "محبوب" ولم يقولوا "مُحَب" إلا قليلا كما قال الشاعر:
ولقد نزلت فلا تظني غيره … مني بمنزلة المُحَب المكرم(1)
وأعطوا "الحب" حركة الضم التي هي أشد الحركات وأقواها، مطابقة لشدة حركة مسماه وقوتها.
وأعطوا "الحِب" وهو المحبوب: حركة الكسر لخفتها عن الضمة وخفة المحبوب، وخفة ذكره على قلوبهم وألسنتهم …
فتأمل هذا اللطف والمطابقة والمناسبة العجيبة بين الألفاظ والمعاني تطلعك على قدر هذه اللغة، وأن لها شأنا ليس لسائر اللغات(2).

‌‌ب - الحد الاصطلاحي للمحبة:
قال ابن حجر(3): "وحقيقة المحبة عند أهل المعرفة من المعلومات التي لا تحد، وإنما يعرفها من قامت به وجدانا ولا يمكن التعبير عنها"(4).--------------------------------------------
(1) البيت لعنترة بن شداد.
(2) مدارج السالكين (3/ 9 - 11).
(3) أحمد بن علي بن حجر العسقلاني - صاحب كتاب فتح الباري - من أئمة العلم والتاريخ، ولد بالقاهرة سنة (773 هـ)، وتوفي بها سنة (852 هـ)، وله مؤلفات كثيرة. الأعلام (1/ 178).
(4) فتح الباري (10/ 463).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)

وقال ابن القيم: "لا تحد المحبة بحد أوضح منها، فالحدود لا تزيدها إلا خفاء وجفاء، فحدها وجودها. ولا توصف المحبة بوصف أظهر من المحبة، وإنما يتكلم الناس في أسبابها، وموجباتها، وعلاماتها، وشواهدها، وثمراتها، وأحكامها فحدودهم ورسومهم دارت على هذه الستة، وتنوعت بهم العبارات وكثرت الإشارات، بحسب إدراك الشخص ومقامه وحاله وملكه للعبارة"(1)
قلت: وهذا الذي ذكره ابن القيم وابن حجر هو الذي تطمئن له النفس فالمحبة أمر شعوري وجداني يتعرف عليه بواسطة الأمور الستة التي أشار إليها ابن القيم، وذلك لكون هذه الأمور هي العناصر التي يمكن أن يعبر عن المحبة من طريقها.
ولذلك فلا داعي لذكر تعريفات العلماء لها فحدها وجودها، والحدود لا تزيدها إلا خفاء وجفاء كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى--------------------------------------------
(1) مدارج السالكين (3/ 9).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)

‌‌المطلب الثاني: أقسام المحبة:
‌‌أ - أقسام المحبة من حيث العموم:
تنقسم المحبة من حيث العموم إلى قسمين:
1 - مشتركة، 2 - خاصة.

‌‌القسم الأول: المحبة المشتركة.
وهي ثلاثة أنواع:
أحدها: محبة طبيعية كمحبة الجائع للطعام، والظمآن للماء ونحو ذلك، وهذه لا تستلزم التعظيم.
الثاني: محبة رحمة وإشفاق، كمحبة الوالد لولده الطفل، وهذه أيضا لا تستلزم التعظيم.
الثالث: محبة أنس وألف، وهي محبة المشتركين في صناعة أو علم أو مرافقة أو تجارة أو سفر، لبعضهم بعضا، وكمحبة الإخوة بعضهم بعضا. فهذه الأنواع الثلاثة، التي تصلح للخلق، بعضهم من بعض، ووجودها فيهم لا يكون شركا في محبة الله، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء والعسل، وكان يحب نساءه، وعائشة أحبهن إليه، وكان يحب أصحابه، وأحبهم إليه الصديق رضي الله عنه.

‌‌القسم الثاني: المحبة الخاصة التي لا تصلح إلا لله.
ومتى أحب العبد بها غيره، كان شركًا لا يغفره الله، وهي محبة العبودية المستلزمة للذل والخضوع والتعظيم، وكمال الطاعة، وإيثاره على غيره.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)

فهذه المحبة لا يجوز تعلقها بغير الله أصلًا(1) بل يجب إفراد الله بهذه المحبة الخاصة التي هي توحيد الإلهية، بل الخلق والأمر والثواب والعقاب، إنما نشأ عن المحبة ولأجلها، فهي الحق الذي خلقت به السموات والأرض، وهي الحق الذي تضمنه الأمر والنهي وهي سر التأله، وتوحيدها هو شهادة أن لا إله إلا الله، وليس كما يزعم المنكرون، أن الإله هو الرب الخالق، فإن المشركين كانوا مقرِّين بأنه لا رب إلا الله ولا خالق سواه، ولم يكونوا مقرين بتوحيد الإلهية الذي هو حقيقة لا إله إلا الله، فإن الإله الذي تألهه القلوب حبا وذلا وخوفا ورجاء وتعظيما وطاعة.
وإله بمعنى مألوه؛ أي: محبوب معبود، وأصله من التأله وهو التعبد الذي هو آخر مراتب المحبة، فالمحبة حقيقة العبودية(2) وسيأتي مزيد تفصيل لهذا القسم.

‌‌ب - أقسام المحبة باعتبار متعلقها ومحبوبها:
تنقسم المحبة باعتبار متعلقها ومحبوبها إلى قسمين:
1 - نافعة محمودة، 2 - مذمومة ضارة.

‌‌القسم الأول: المحبة النافعة:
وهي التي تجلب لصاحبها ما ينفعه وهو السعادة وهي ثلاثة أنواع:
أ - محبة الله.
ب - محبة في الله.
ج - محبة ما يعين على طاعة الله واجتناب معصيته.--------------------------------------------
(1) تيسير العزيز الحميد (ص 411).
(2) تيسير العزيز الحميد (ص 412).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)

فيحب الله تعالى حبًّا لا يشاركه فيه أحد، ويكون الله عز وجل هو المحبوب المراد الذي لا يحب لذاته ولا يراد لذاته إلا هو، وهو المحبوب الأعلى الذي لا صلاح للعبد ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور إلا بأن يكون هو محبوبه ومراده وغاية مطلوبه. وتكون هذه المحبة مستلزمة لما يتبعها من عبادته تعالى وخضوعه له، وتعظيمه عز وجل.
والمحبة في الله: بأن يحب المؤمنين لا يحبهم إلا لله ويكون هواه تبعا لحب الله تعالى ورضاه، فلا يحب إلا ما يحب الله تعالى.
ومحبة ما يعين على طاعة الله أنواع كثيرة تندرج فيها جميع العبادات.

‌‌القسم الثاني: المحبة الضارة:
وهي المحبة المذمومة التي تجلب لصاحبها ما يضره وهو الشقاء. وهي ثلاثة أنواع أيضا:
1 - المحبة مع الله.
2 - محبة ما يبغضه الله.
3 - محبة ما تقطع محبته عن محبة الله تعالى أو تنقصها.
فمن النوع الأول: محبة المشركين آلهتهم كحب الله.
ومن النوع الثاني: محبة الفواحش والمنكرات التي يبغضها الله.
ومن النوع الثالث: عشق النساء الذي يزيد عن حده حتى يضيع الأوامر ويدخل في النواهي، وفي مقدمة ذلك عشق الفاسقات والعاهرات والولدان.
فهذه ستة أنواع عليها مدار كتاب الخلق.
فأصل المحاب المحمودة محبة الله تعالى؛ وأصل الإيمان والتوحيد والنوعان الآخران تبع لها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)

كما أن المحبة مع الله أصل الشرك والمحاب المذمومة، والنوعان الآخران تبع لها(1).
فأصل الشرك الذي لا يغفره الله هو الشرك في هذه المحبة، فإن المشركين لم يزعموا أن آلهتهم وأوثانهم شاركت الرب سبحانه في خلق السموات والأرض وإنما كان شركهم بها من جهة محبتها مع الله فوالوا عليها وعادوا عليها وتألهوها وقالوا: هذه آلهة صغار تقربنا إلى الإله الأعظم، قال تعالى: {ومِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّه}.
ففرق بين محبة الله أصلًا، والمحبة له تبعًا، والمحبة معه شركًا، وعليك بتحقيق هذا الموضع فإنه مفرق الطرق بين أهل التوحيد وأهل الشرك(2).--------------------------------------------
(1) إغاثة اللهفان (2/ 140، 141)، وجامع الرسائل (2/ 202).
(2) روضة المحبين (293).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)

‌‌المطلب الثالث: حقيقة المحبة الشرعية:
المقصود بالمحبة الشرعية: محبة الله سبحانه وتعالى ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم وكل ما يدخل في فلكها ويدور مع محورها.
فهذه المحبة من أعظم واجبات الإيمان وأكبر أصوله، بل ومن أوجب العبادات المناطة بقلب المؤمن، ذلك لأنه لابد في إيمان القلب من حب الله ورسوله، وأن يكون الله ورسوله صلى الله عليه وسلم إليه مما سواهما.
فهي أصل كل عمل من أعمال الإيمان والدين، كما أن التصديق به أصل كل قول من أقوال الإيمان والدين، فإن كل حركة في الوجود إنما تصدر عن محبة: إما محبة محمودة، أو عن محبة مذمومة.
فجميع الأعمال الإيمانية الدينية لا تصدر إلا عن المحبة المحمودة، وأصل المحبة المحمودة هي محبة الله سبحانه وتعالى، إذ العمل الصادر عن محبة مذمومة لا يكون عملا صالحا عند الله، بل جميع الأعمال الإيمانية الدينية لا تصدر إلا عن محبة الله، فإن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه. كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه أنه قال "أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه"(1).
فإخلاص الدين لله هو الدين الذي لا يقبل الله سواه وهو الذي--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم في صحيحه، كناب الزهد: باب من أشرك في عمله غير الله (8/ 223).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)

بعث به الأولين والآخرين من الرسل، وأنزل به جميع الكتب واتفق عليه أهل الإيمان.
وهذا هو خلاصة الدعوة النبوية وهو قطب القرآن الذي تدور عليه رحاه(1). فأصل الدين وقاعدته يتضمن أن يكون الله هو المعبود الذي تحبه القلوب وتخشاه ولا يكون لها إله سواه، والإله ما تألهه القلوب بالمحبة والتعظيم والرجاء والخوف والإجلال والإعظام ونحو ذلك.
والله سبحانه أرسل الرسل بأنه لا إله إلا هو فتخلو القلوب عن محبة ما سواه بمحبته، وعن رجاء ما سواه برجائه، وعن سؤال ما سواه بسؤاله، وعن العمل لما سواه بالعمل له، وعن الاستعانة بما سواه بالاستعانة به(2).
فإذا كان أصل العمل الديني هو إخلاص الدين لله، وهو إرادة الله وحده فالشيء المراد لنفسه هو المحبوب لذاته، وهذا كمال المحبة، ولكن أكثر ما جاء المطلوب باسم العبادة كقوله تعالى: {وما خَلَقْتُ الجِنَّ والأِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذرايات]، وقوله: {يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ والَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة: 21]، وأمثال هذا والعبادة تتضمن كمال الحب ونهايته، وكمال الذل ونهايته، فالمحبوب الذي لا يعظم ولا يذل له لا يكون معبودا، والمعظم الذي لا يحب لا يكون معبودا، ولهذا قال تعالى {ومِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة: 165].
فبين سبحانه أن المشركين بربهم الذين يتخذون من دون الله أندادا، وإن كانوا يحبونهم كما يحبون الله، فالذين آمنوا أشد حبا لله منهم لله ولأوثانهم، لأن المؤمنين أعلم بالله، والحب يتبع العلم، ولأن المؤمنين--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (12/ 48، 49).
(2) مجموع الفتاوى (11/ 523، 524).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)

جعلوا جميع حبهم لله وحده، وأولئك جعلوا بعض حبهم لغيره وأشركوا بينه وبين الأنداد في الحب، ومعلوم أن ذلك أكمل، قال تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ} [الزمر].
واسم المحبة فيه إطلاق وعموم فإن المؤمن يحب الله ويحب رسله وأنبياءه وعباده المؤمنين، وإن كان ذلك من محبة الله، وإن كانا المحبة التي لله لا يستحقها غيره. ولهذا جاءت محبة الله سبحانه وتعالى مقرونة بما يختص به سبحانه من العبادة والإنابة إليه والتبتل له، ونحو ذلك. فكل هذه الأسماء تتضمن محبة الله سبحانه وتعالى.
وكما أن محبته هي أصل الدين، فكذلك كمال الدين يكون بكمالها ونقصه بنقصها(1) وكمال هذه المحبة هو بالعبودية والذل والخضوع والطاعة للمحبوب سبحانه وتعالى فالحق الذي خلق به ولأجله الخلق هو عبادة الله وحده التي هي كمال محبته والخضوع والذل له، ولوازم عبوديته من الأمر والنهي والثواب والعقاب، ولأجل ذلك أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وخلق الجنة والنار(2).
قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أيُّكُمْ أحْسَنُ عَمَلًا}
وقال تعالى: {إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أيُّهُمْ أحْسَنُ عَمَلًا}، وقال تعالى: {وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ فِي سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أيُّكُمْ أحْسَنُ عَمَلًا} [هود: 7].
فأخبر سبحانه في هذه الآيات أن خلق العالم والموت والحياة وتزين الأرض بما عليها أنه للابتلاء والامتحان ليختبر خلقه أيهم أحسن عملا، فيكون عمله موافقًا لمحاب الرب تعالى، فيوافق الغاية التي خلق--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (10/ 56، 57).
(2) روضة المحبين (ص 59).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)

هو لها وخُلق لأجلها العالم، وهي عبوديته المتضمنة لمحبته وطاعته، وهي العمل الأحسن وهو مواقع محبته ورضاه، وقدر سبحانه مقادير تخالفها بحكمته في تقديرها، وامتحن خلقه بين أمره وقدره ليبلوهم أيهم أحسن عملا.
فانقسم الخلق في هذا الابتلاء فريقين:
فريقًا داروا مع أوامره ومحابه، ووقفوا حيث وقف بهم الأمر، وتحركوا حيث حركهم الأمر، واستعملوا الأمر في القدر، وركبوا سفينة الأمر في بحر القدر، وحكموا الأمر على القدر، ونازعوا القدر بالقدر امتثالا لأمره واتباعا لمرضاته فهؤلاء هم الناجون.
والفريق الثاني: عارضوا بين الأمر والقدر، وبين ما يحبه ويرضاه وبين ما قدره وقضاه، فهؤلاء هم المفرطون(1).
وحقيقة المحبة: حركة نفس المحب إلى محبوبه، فالمحبة حركة بلا سكون(2) فالحب يوجب حركة النفس وشدة طلبها، والنفس خلقت متحركة بالطبع كحركة النار، فالحب حركتها الطبيعية، فكل من أجل شيئا من الأشياء وجد في حبه لذة وروحا، فإذا خلا عن الحب مطلقا تعطلت النفس عن حركتها وثقلت وكسلت وفارقها خفة النشاط، ولهذا تجد الكسالى أكثر الناس هما وغما وحزنا، ليس لهم فرح ولا سرور، بخلاف أرباب النشاط والجد في العمل أي عمل كان، فإن كان النشاط في عمل هم عالمون بحسن عواقبه وحلاوة غايته كان التذاذهم بحبه ونشاطهم فيه أقوى.
وإنه ليس للقلب والروح ألذ ولا أطيب ولا أحلى ولا أنعم من محبة الله والإقبال عليه وعبادته وحده وقرة العين به، والأنس بقربه،--------------------------------------------
(1) روضة المحبين (60، 61).
(2) روضة المحبين (ص 59).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)