حيث كونها صفة ذاتية فعلية؛ إذ إنّ صفة الكلام صفة ذاتية باعتبار نوع الكلام، وفعلية باعتبار أفراد الكلام.
[10] صفة الوجه:
قال رحمه الله: "والوجه صفة من صفات الله العلي وصف بها نفسه. فعلينا أن نصدق ربنا، ونؤمن بما وصف به نفسه مع التنزيه التامّ عن مشابهة صفات الخلق" 1.
[11] صفة العين:
قال رحمه الله عند تفسير قوله تعالى: {بأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} 2: "العين صفة لله تعالى لائقة بجلاله، لا يشبه صفة المخلوقين.
وإنما جمعت هنا لمناسبة إضافتها إلى الضمير المجموع للتعظيم" 3.
[12] صفة القدم:
قال رحمه الله عند تفسير قوله تعالى: {لأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} 4: "وثبت في بعض الأحاديث أنّ النار لا يزال الله يلقى فيها، وتقول: هل من مزيد. فيضع ربّ العزة قدمه عليها فتقول: قط قط5. وهذه صفة لله تعالى لائقة بجلاله تثبت كغيرها على أساس التنزيه"6.--------------------------------------------
1 أضواء البيان 7/450. وانظر المصدر نفسه 2/332، 4/199، 6/457.
وكلام الشيخ هذا يشبه كلام من سبقه من السلف عن هذه الصفة الكريمة. (انظر مثلاً: التوحيد لابن خزيمة 1/24-25. والفتاوى 6/68. ومختصر الصواعق ص417) .
2 سورة هود، الآية [37] .
3 معارج الصعود ص113. وللسلف رحمهم الله كلام حول هذه الصفة الكريمة يشبه ما أورده الشيخ الأمين رحمه الله. (انظر مثلاً: التوحيد لابن خزيمة 1/96-97. والفتاوى 6/68) .
4 سورة هود، الآية [119] .
5 يشير رحمه الله إلى الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه (6/47) ، ومسلم في صحيحه (4/2186-2187) .
6 معارج الصعود ص304.
وممن تكلم من السلف على هذه الصفة بكلام يشبه كلام الشيخ الأمين: القاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات لأخبار الصفات (1/195) ، وشيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (6/68) ، وغيرهما.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 307)
[13] صفة الغضب:
قال رحمه الله: "اعلم أنّ الغضب صفة وصف الله بها نفسه إذا انتهكت حرماته، تظهر آثارها في المغضوب عليهم. نعوذ بالله من غضبه جل وعلا. ونحن معاشر المسلمين نمرها كما جاءت؛ فنصدق ربنا في كلّ ما وصف به نفسه، ولا نكذب بشيء من ذلك مع تنزيهنا التامّ له جل وعلا عن مشابهة المخلوقين سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً" 1.
فهي إذاً صفة ثابتة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته؛ لا يشبه غضبه غضب خلقه، كما أنّ صفاته كلها لا تشبه صفات خلقه؛ إذ الصفات تتبع المتصف بها، كما سبق أن قرر الشيخ الأمين رحمه الله ذلك.
[14] صفة الرحمة:
وفي بيان هذه الصفة يقول رحمه الله: "الرحمة صفة الله التي اشتق لنفسه منها اسمه الرحمن، واسمه الرحيم: وهي صفة تظهر آثارها في خلقه الذين يرحمهم، وصيغة التفضيل في قوله: {وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} 2؛ لأن المخلوقين قد يرحم بعضهم بعضاً، ولا شك أنّ رحمة الله تخالف رحمة خلقه؛ كمخالفة ذاته وسائر صفاته لذواتهم وصفاتهم3.--------------------------------------------
1 أضواء البيان 4/488. وانظر المصدر نفسه 2/316.
وللسلف رحمهم الله كلام حول هذه الصفة يطابق ما أورده الشيخ الأمين رحمه الله. (انظر مثلاً: التدمرية ص46. وسير أعلام النبلاء 17/656) .
2 سورة المؤمنون، الآية [109] .
3 أضواء البيان 5/834. وانظر المصدر نفسه 1/101، 2/315. ورحلة الحج ص79. ومنهج ودراسات ص26. ومعارج الصعود ص30، 50، 120، 182، 219. وانظر أيضاً الفتاوى 6/18.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 308)
[15] صفة المجيء:
قال رحمه الله عند تفسير قوله تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً} 1: "ومثل هذا من صفات الله تعالى التي وصف بها نفسه يمرّ كما جاء، ويؤمن بها، ويعتقد أنها حقّ، وأنه لا يشبه شيئاً من صفات المخلوقين. فسبحان من أحاط بكلّ شيء علماً، "يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما"2"3.
[16] صفة العجب:
قال رحمه الله عند تفسير قوله تعالى: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ} 4: "هذه الآية الكريمة على قراءة حمزة والكسائي فيها إثبات العجب لله تعالى، فهي إذاً من آيات الصفات على هذه القراءة"5.
[17] صفة النور:
قال رحمه الله عند تفسير قوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} 6: وصف الله بأنه نور. ومن أسمائه تعالى: النور. ومما يدلّ على وصفه به قوله تعالى: {وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} 7"8.
وقد ذكر الشيخ الأمين رحمه الله بعض الصفات بإيجاز، وبيّن أنها ثابتة--------------------------------------------
1 سورة الفجر، الآية [22] .
2 سورة طه، الآية [110] .
3 أضواء البيان 2/284.
4 سورة الصافات، الآية [12] .
5 أضواء البيان 6/680.
ولأبي يعلى كلام قريب من هذا الكلام. (انظر: إبطال التأويلات 1/245) .
6 سورة النور، الآية [35] .
7 سورة الزمر، الآية [69] .
8 تفسير سورة النور ص138. جمعه الدكتور عبد الله قادري.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 309)
لله سبحانه وتعالى على ما يليق بجلاله؛ مثل صفة الإرادة1، وصفة الرضا2، وغيرهما.
وقد سرد الشيخ رحمه الله بعض الصفات، فقال: فلا يشكل عليكم بعد هذا صفة نزول ولا مجيء، ولا صفة يد ولا أصابع، ولا عجب، ولا ضحك؛ لأنّ هذه الصفات كلها من باب واحد؛ فما وصف الله به نفسه منها: فهو حقّ، وهو لائق بكماله وجلاله، لا يشبه شيئاً من صفات المخلوقين. وما وصف به المخلقو منها: فهو حقّ مناسب لعجزهم وفنائهم وافتقارهم"3.
وبهذا يتضح لنا من الصفات التي ذكرها الشيخ الأمين رحمه الله مفصلة، ومن الأخرى التي سردها سرداً أنّ منهجه رحمه الله هو منهج السلف؛ لا يتجاوزون الكتاب والسنة؛ فما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم أثبتوه لله على ما يليق بجلاله وكماله. وما نفاه الله عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله محمد صلى الله عليه وسلم نفوه عن الله جل وعلا. وهم في إثبات الصفات ينزهون الله تبارك وتعالى عن مشابهة المخلوقين تنزيها لا يصل إلى التعطيل، بل يتقيّدون بقوله جل وعلا: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} 4.
وبما أوردته من كلام الشيخ الأمين رحمه الله حول الصفات يتضح لنا أنه رحمه الله سلفي العقيدة والمنهج؛ فعلى منهج السلف في الإثبات سار، وبما قالوا به قال رحمه الله رحمة واسعة وأجزل له المثوبة.--------------------------------------------
1 أضواء البيان 2/307.
2 المصدر نفسه 2/316.
3 منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص43-44. وانظر كلام الحافظ ابن القيم رحمه الله: في مختصر الصواعق المرسلة (1/365) .
4 سورة الشورى، الآية [11] .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 310)
المبحث الثاني: موقف الشيخ رحمه الله من أهل التأويل
المطلب الأول: معاني التأويل
التأويل له معان ثلاثة؛ أوضحها الشيخ الأمين رحمه الله وفصّلها، وهي:
الأول: بمعنى العاقبة، وما يؤول إليه الحال.
والثاني: بمعنى التفسير.
والثالث: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به. وهذا الأخير من وضع المتأخرين.
قال الشيخ رحمه الله مبيناً هذه الأقسام بأدلتها: "اعلموا أنّ التأويل يطلق في الاصطلاح مشتركاً بين ثلاثة معان:
1- يطلق على ما تؤول إليه حقيقة الأمر في ثاني حال. وهذا هو معناه في القرآن نحو قوله تعالى: {ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} 1، {وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} 2، {يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْل} 3: أي ما تؤول إليه حقيقة الأمر في ثاني حال.
2- ويطلق التأويل بمعنى التفسير، وهذا قول معروف؛ كقول ابن جرير: القول في تأويل قوله تعالى: كذا؛ أي تفسيره.
3- أما في اصطلاح الأصوليين: "فالتأويل هو صرف اللفظ عن ظاهره--------------------------------------------
1 سورة النساء، الآية [59] .
2 سورة يونس، الآية [39] .
3 سورة الأعراف، الآية [53] .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 311)
المتبادر منه لدليل" 1.
ثمّ بيّن رحمه الله أنّ التأويل بمعناه الأخير له ثلاث حالات. وذكر رحمه الله تلك الحالات مقرونة بأدلتها، مبينا المقبول منه من غير المقبول؛ فقال رحمه الله: وصرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه له عند علماء الأصول ثلاث حالات:
أ-إما أن يصرفه عن ظاهره المتبادر منه لدليل صحيح من كتاب أو سنة. وهذا النوع من التأويل صحيح مقبول لا نزاع فيه. ومثال هذا النوع: ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الجار أحقّ بسقبه" 2؛ فظاهر هذا الحديث ثبوت الشفعة للجار.
وحمل هذا الحديث على الشريك المقاسم حمل للفظ على محتمل مرجوح غير ظاهر متبادر. إلا أنّ حديث جابر الصحيح: "فإذا ضربت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" 3 دلّ على أنّ المراد بالجار الذي هو أحقّ بصقبه خصوص الشريك المقاسم. فهذا النوع من صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه لدليل واضح من كتاب أو سنة يجب الرجوع إليه. وهذا التأويل يسمى تأويلاً صحيحاً، وتأويلاً قريباً. ولا مانع منه إذا دلّ عليه النصّ.
ب- الثاني: هو صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه لشيء يعتقده المجتهد دليلا، وهو في نفس الأمر ليس بدليل. فهذا يسمى تأويلاً بعيداً، ويقال له: فاسد. ومثّل له بعض العلماء بتأويل الإمام أبي حنيفة رحمه الله لفظ--------------------------------------------
1 منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص32-33. وانظر: أضواء البيان 1/329. وذكر هذه الأنواع شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. (انظر العقيدة التدمرية ص91) .
2 أخرجه البخاري 3/47.
والسقب، والصقب: القرب. (حاشية البخاري 3/47) .
3 أخرجه البخاري في الصحيح 3/47 بنحوه، وفيه: ((فإذا وقعت)) بدل: ((فإذا ضربت)) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 312)
امرأة- في قوله صلى الله عليه وسلم: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل" 1؛ قالوا: حمل هذا على خصوص المكاتبة تأويل بعيد؛ لأنه صرف للفظ عن ظاهره المتبادر منه؛ لأنّ "أي" في قوله: "أيما امرأة" صيغة عموم، وأكدت صيغة العموم بـ "ما" المزيدة للتوكيد.
فحمل هذا على صورة نادرة هي المكاتبة حمل للفظ على غير ظاهره لغير دليل جازم يجب الرجوع إليه2.
ثمّ بيّن رحمه الله التأويل الذي نحن بصدده، والمعنى في هذا المبحث، والذي ينطبق على تأويل أهل الكلام لصفات الله، وعلى تأويل الباطنية الذين يقولون إنّ لكلّ نص ظاهراً وباطناً؛ فيؤولون جميع نصوص الدين بما تشتهي أنفسهم.
وقد بيّن الشيخ رحمه الله أنّ هذا النوع لا يستحقّ أن يسمى تأويلاً، وإنما هو اعتداء، وتلاعب بنصوص الشرع؛ فقال رحمه الله: "وأما حمل اللفظ على غير ظاهره لا لدليل: فهذا لا يسمى تأويلا في الاصطلاح، بل يسمى لعبا؛ لأنه تلاعب بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. ومن هذا تفسير غلاة الروافض قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} 3 قالوا: عائشة".
"ومن هذا النوع صرف آيات الصفات عن ظواهرها إلى محتملات ما أنزل الله بها من سلطان؛ كقولهم: "استوى" بمعنى "استولى"، فهذا لا يدخل في اسم التأويل، لأنه لا دليل عليه البتة، وإنما يسمى في اصطلاح أهل الأصول: لعبا: لأنه تلاعب بكتاب الله جل وعلا من غير دليل ولا--------------------------------------------
1 أخرجه الترمذي في سننه 3/399، وقال: حديث حسن. وقال الشيخ الألباني في إرواء الغليل 6/243: صحيح.
2 منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص33-34. وانظر أضواء البيان 1/359.
3 سورة البقرة، الآية [67] .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 313)
مستند. فهذا النوع لا يجوز لأنه تهجم على كلام رب العالمين، والقاعدة المعروفة عند علماء السلف: أنه لا يجوز صرف شيء من كتاب الله، ولا سنة رسوله عن ظاهره المتبادر منه إلا بدليل يجب الرجوع إليه" 1.
وقد ذكر شارح الطحاوية هذه المعاني الثلاثة، فقال عن المعنى الثالث منها: "والتأويل في كلام المتأخرين من الفقهاء والمتكلمين هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدلالة توجب ذلك. وهذا هو التأويل الذي تنازع الناس فيه، فيه كثير من الأمور الخبرية والطلبية. والتأويل الصحيح منه الذي يوافق ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وما خالف ذلك فهو التأويل الفاسد"2.
والتأويل بالمعنى الثالث طغى على المعنيين الآخرين، وكتب له من الذيوع والانتشار بين الفقهاء والأصوليين والمتكلمين بحيث أصبح هو المتبادر إلى الذهن عند سماع لفظ التأويل، مع أنه لم يكن معروفاً بلغة العرب، ولا عند السلف3.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن المعنى الثالث: "وهذا التأويل لا يكون إلا مخالفاً لما يدّل عليه اللفظ ويبيّنه.
وتسمية هذا تأويلاً لم يكن في عرف السلف، وإنما سمى هذا وحده تأويلاً طائفة من المتأخرين الخائضين في الفقه وأصوله والكلام، وظنّ هؤلاء أنّ قوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاّ اللَّه} 4 يراد به هذا المعنى، ثمّ صاروا في هذا التأويل على طريقين؛ قوم يقولون: إنه لا يعلمه إلا الله. وقوم يقولون: إنّ الراسخين في العلم يعلمونه. وكلا الطائفتين مخطئة؛--------------------------------------------
1 منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص33-34.وانظر أضواء البيان 1/330.
2 شرح العقيدة الطحاوية ص235.
3 انظر قسم الدراسة في تحقيق قانون التأويل/ محمد السلماني ص234. وابن تيمية وقضية التأويل ص133.
4 سورة آل عمران، الآية [7] .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 314)
فإنّ هذا التأويل في كثير من المواضع أو أكثرها، وعامتها من باب تحريف الكلم عن مواضعه؛ من جنس تأويلات القرامطة والباطنية. وهذا هو التأويل الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمه، وصاحوا بأهله من أقطار الأرض، ورموا في آثارهم بالشهب"1.
وقال ابن قدامة رحمه الله: "إنّ الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على ترك التأويل بما ذكرنا عنهم. وكذلك أهل كلّ عصر بعدهم، ولم ينقل التأويل إلا عن مبتدع أو منسوب إلى بدعة" 2.
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن المتأولة أنهم يزعمون أنّ النصوص الواردة في الصفات لم يقصد بها الرسول أن يعتقد الناس الباطل، ولكن قصد بها معاني، ولم يبين لهم تلك المعاني ولا دلهم عليها، ولكن أراد أن ينظروا فيعرفوا الحقّ بعقولهم، ثم يجتهدوا في صرف النصوص من مدلولها. ومقصوده امتحانهم وتكليفهم وإتعاب أذهانهم وعقولهم في أن يصرفوا كلامه عن مدلوله ومقتضاه ويعرف الحقّ من غير جهته. ثم قال رحمه الله: وهذا قول المتكلمة والجهمية والمعتزلة ومن دخل معهم في شيء من ذلك3.
وهؤلاء المؤولة منهم المقلّ ومنهم المكثر من التأويل؛ فالمعتزلة تنفي جميع الصفات، والأشاعرة يرون تأويل بعض الصفات، والجميع من الأشاعرة والمعتزلة يرون الإيمان بنصوص المعاد، وينكرون على الباطنية الذين يؤولونها، لكن للباطنية أن تلزمهم بتأويل نصوص المعاد قياساً على تأويلهم لنصوص الصفات، فيصبحوا مؤولة لجميع النصوص كالباطنية سواء--------------------------------------------
1 نقض المنطق ص58. وانظر: الفتوى الحموية الكبرى ص40. ومختصر الصواعق ص11. وشرح الطحاوية ص232-237
2 ذمّ التأويل ص40.
3 الفتوى الحموية الكبرى ص38. وانظر كلام شيخ الإسلام عن معاني التأويل الثلاثة في التدمرية ص91-92.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 315)
بسواء. أو يثبتوها مثل أهل السنة الذين يثبتون نصوص الكتاب والسنة كما أراد الله جل وعلا1. وبذلك تقوم الحجة على الباطنية والجهمية والمعتزلة والأشاعرة الذين يؤولون النصوص جميعها، أو بعضها.
ولا شك أنّ التأويل بمعناه الأخير معول هدم للدين الإسلامي، وتحريف لكلام الله سبحانه وتعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يستحقّ هذا المعنى أن يسمى تأويلاً، بل هو تحريف وتلاعب بنصوص الوحي، وفيه من الجناية على العقيدة الإسلامية ما يؤدي إلى هدمها ومسخها في أذهان من اتخذ التأويل طريقاً ومنهجاً نعوذ بالله من ذلك.--------------------------------------------
1 انظر: موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول 1/116-117. والفتوى الحموية ص38. والصفات الإلهية ص147.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 316)
المطلب الثاني: بعض شبه أهل التأويل، وردّ الشيخ عليها
لأهل التأويل شبه قدحت بأذهانهم عطلوا بها صفات الله، فكلما جاءتهم آية وحديث يخالف عقولهم وأفكارهم حرفوه وعطلوه، وقد بنوا معتقدهم على هذه الشبه التي أصلوها من عند أنفسهم زاعمين أنهم ينزهون الله عن صفات النقص ومشابهة الحوادث، وهم في الحقيقة قد شبهوه بالجمادات والمعدومات، وعطلوه عن صفات الكمال التي امتدح بها نفسه سبحانه، وأثنى عليه بها رسوله صلى الله عليه وسلم.
ومن هذه الشبه:
الشبهة الأولى: قولهم إن ظاهر الصفة غير مراد؛ لأن ظاهرها التشبيه؛ قال صاحب الجوهرة:
وكل نص أوهم التشبيها
أوله أو فوض ورم تنزيها1
ومعنى هذا أن كل نص في القرآن الكريم والسنة النبوية فيه صفة الله سبحانه وتعالى، ويوهم المشابهة بصفات المخلوقين بزعمهم يصرف عن ظاهره؛ مثل الاستواء: الذي أولوه بالاستيلاء. واليد: التي أولوها بالقدرة. والعين: التي أولوها بالرعاية. والمحبة: بإرادة الإحسان. وهكذا.
وقد ذكر الشيخ الأمين رحمه الله مضمون دعواهم هذه، فقال رحمه الله: "زعم كثير من النظار الذين عندهم فهم أن ظواهر آيات الصفات وأحاديثها غير لائقة بالله؛ لأن ظواهرها المتبادرة منها هو تشبيه صفات الله بصفات خلقه. وعقد ذلك المَقَريّ2 في إضاءته في قوله:--------------------------------------------
1 شرح الصاوي على جوهرة التوحيد ص128.
2 هو أحمد بن محمد بن أحمد بن يحيى بن عبد الرحمن المقري المغربي. ولد في تلمسان، ونشأ بها، ودخل مصر عام (1028) . وتوفي فيها عام (1041?) .
(انظر مقدمة شرح إضاءة الدجنة المسماة بـ (رائحة الجنة) لعبد الغني النابلسي ص7-8، والأعلام 1/237) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 317)
والنص إن أوهم غير اللائق
بالله كالتشبيه بالخلائق
فاصرفه عن ظاهره إجماعاً
واقطع عن الممتنع الأطماعا"1 2.
وقد ردّ رحمه الله على هذه الدعوى رداً مقنعاً مفحما، حيث قال: "وهذه الدعوى الباطلة من أعظم الافتراء على آيات الله تعالى وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم. والواقع في نفس الأمر أن ظواهر آيات الصفات وأحاديثها المتبادرة منها لكل مسلم راجع عقله هي مخالفة صفات الله لصفات خلقه. ولا بد أن نتساءل هنا فنقول: أليس الظاهر المتبادر مخالفة الخالق للمخلوق في الذات والصفات والأفعال؟ والجواب الذي لا جواب غيره: بلى. وهل تشابهت صفات الله مع صفات خلقه حتى يقال إن اللفظ الدال على صفته تعالى ظاهره المتبادر منه تشبيهه بصفة الخلق؟ والجواب الذي لا جواب غيره: لا، فبأي وجه يتصور عاقل أن لفظاً أنزله الله في كتابه مثلاً دالاً على صفة من صفات الله أثنى بها تعالى على نفسه يكون ظاهره المتبادر منه مشابهته لصفة الخلق؟ سبحانك هذا بهتان عظيم؛ فالخالق والمخلوق متخالفان كل التخالف، وصفاتهما متخالفة كل التخالف، فبأي وجه يعقل دخول صفة المخلوق في اللفظ الدال على صفة الخالق؟ أو دخول صفة الخالق في اللفظ الدال على صفة المخلوق مع كمال المنافاة بين الخالق والمخلوق؟ فكل لفظ دل على صفة الخالق ظاهره المتبادر منه أن يكون لائقاً بالخالق منزهاً عن مشابهة صفات المخلوق. وكذلك اللفظ الدال على صفة المخلوق لا يعقل أن تدخل فيه صفة الخالق" 3.
ثم بين رحمه الله هذا التفصيل في الفرق بين صفات الله وصفات خلقه بمثال يوضح به أن الظاهر المتبادر من صفات الله هو كما يليق بجلاله، لا يشابه صفة المخلوقين؛ قال رحمه الله: "فالظاهر المتبادر من لفظ اليد بالنسبة للمخلوق هو كونها جارحة هي عظم ولحم ودم، وهذا هو الذي--------------------------------------------
1 إضاءة الدجنة في عقائد أهل السنة، مع شرحها ص148، ط الأولى، عام1377?.
2 أضواء البيان 7/443.
3 أضواء البيان 7/444.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 318)
يتبادر إلى الذهن في نحو قوله تعالى: {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} 1، والظاهر المتبادر من اليد بالنسبة للخالق في نحو قوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} 2 إنها صفة كمال وجلال لائقة بالله جل وعلا، ثابتة له على الوجه اللائق بكماله وجلاله" 3.
الشبهة الثانية: قولهم أن التأويل إجماع:
يرى المتأولة أن التأويل مجمع عليه. وقد تقدم قول المقري في إضاءته:
فاصرفه عن ظاهره إجماعاً
واقطع عن الممتنع الأطماعا4
وقد كذب الشيخ رحمه الله حكاية هذا الإجماع، وبين أنه لا أساس له من الصحة. وعقب على قول المقري بقوله: "إجماع مفقود أصلاً، ولا وجود له البتة؛ لأنه مبني على شرط مفقود لا وجود له البتة؛ فالإجماع المعدوم المزعوم لم يرد في كتاب الله، ولا في سنة رسوله، ولم يقله أحد من أصحاب رسول الله، ولا من تابعيهم ولم يقله أحد من الأئمة الأربعة، ولا من فقهاء الأمصار المعروفين. وإنما لم يقولوا بذلك؛ لأنهم يعلمون أن ظواهر نصوص الوحي لا تدل إلا على تنزيه الله عن مشابهة خلقه. وهذا الظاهر الذي هو تنزيه الله لا داعي لصرفها عنه كما ترى"5.
وقد سبق الشيخ الأمين رحمه الله إلى القول بأن التأويل ليس من طريقة السلف كل من شيخ الإسلام ابن تيمية6، والذهبي7، وغيرهما. بل--------------------------------------------
1 سورة المائدة، الآية [38] .
2 سورة ص، الآية [75] .
3 أضواء البيان 7/445. وانظر المصدر نفسه 2/319، 7/451.
ومنهج ودراسات ص35. ومنع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز –الملحق بأضواء البيان 10/55.
4 إضاءة الدجنة في عقائد أهل السنة ص148.
5 أضواء البيان 7/451-452.
6 الفتاوى 6/394.
7 سير أعلام النبلاء 10/610.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 319)
نص العلامة عبد الباقي الواهبي على تحريم التأويل في صفات الله، فقال رحمه الله: "يحرم تأويل ما يتعلق به تعالى وتفسيره؛ كآية الاستواء، وحديث النزول، وغير ذلك من آيات الصفات، إلا بصادر عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو بعض الصحابة، وهذا مذهب السلف قاطبة"1.
ولاشك أنه لم يصدر عن الله ولا عن رسوله ما يوجب التأويل، وإنما ما يوجب الإثبات.
الشبهة الثالثة: قولهم أن الصفات مجاز:
يرى المؤولة أن الصفات التي يؤلونها ليست على الحقيقة، بل هي من المجاز. والمجاز باب واسع، يمكن من خلاله تعطيل الصفات.
وقد رد الشيخ الأمين رحمه الله على هذه الشبهة فقال: "إن الله تبارك وتعالى موصوف بتلك الصفات حقيقة لا مجازاً؛ لأنا نعتقد اعتقاداً جازماً لا يتطرق إليه شك أن ظواهر آيات الصفات وأحاديثها لا تدل البتة إلا على التنزيه عن مشابهة الخلق، واتصافه تعالى بالكمال والجلال. وإثبات التنزيه والكمال والجلال لله حقيقة لا مجازاً لا ينكره مسلم ومما يدعو إلى التصريح بلفظ الحقيقة ونفي المجاز كثرة الجاهلين الزاعمين أن تلك الصفات لا حقائق لها، وأنها كلها مجازات. وجعلوا ذلك طريقاً إلى نفيها؛ لأن المجاز يجوز نفيه، والحقيقة لا يجوز نفيها، فقالوا: مثلاً: اليد مجاز يراد به القدرة والنعمة، أو الجود؛ فنفوا صفة اليد لأنها مجاز. وقالوا: "على العرش استوى" مجاز؛ فنفوا الاستواء لأنه مجاز"2. وقال رحمه الله في موضع آخر: "ومن المعلوم أن هذه الصفات لو كان يقصد بها شيء آخر من المجازات التي يحملها عليها المؤولون لبادر صلى الله عليه وسلم إلى بيانه؛ لأنه لا يجوز في حقه صلوات الله عليه وسلامه--------------------------------------------
1 العين والأثر ص35-36.
2 أضواء البيان 7/452. وانظر المصدر نفسه 7/463.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 320)
تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، ولا سيما في العقائد" 1.
الشبهة الرابعة: الصفة التي لا يشتق منها تؤول:
قال رحمه الله: "ومن الغريب أن بعض الجاحدين لصفات الله المؤولين لها بمعان لم ترد عن الله ولا عن رسوله يؤمنون فيها ببعض الكتاب دون بعض؛ فيقرون بأن الصفات السبع التي تشتق منها أوصاف ثابتة لله مع التنزيه، ونعني بها القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام؛ لأنها يشتق منها قادر حي عليم إلخ. وكذلك في بعض الصفات الجامعة؛ كالعظمة والكبرياء والملك والجلال مثلاً؛ لأنها يشتق منها العظيم والمتكبر والجليل والملك. وهكذا يجحدون كل صفة ثبتت في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لم يشتق منها غيرها؛ كصفة اليد والوجه، ونحو ذلك. ولا شك أن هذا التفريق بين صفات الله التي أثبتها لنفسه، أو أثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم لا وجه له البتة بوجه من الوجوه، ولم يرد عن الله ولا عن رسوله صلى الله عليه وسلم الإذن في الإيمان ببعض صفاته وجحد بعضها، وتأويله؛ لأنها لا يشتق منها. وهل يتصور عاقل أن يكون عدم الاشتقاق مسوغاً لجحد ما وصف الله به نفسه؟ ولا شك عند كل مسلم راجع عقله أن عدم الاشتقاق لا يرد به كلام الله فيما أثنى به على نفسه، ولا كلام رسوله فيما وصف به ربه. والسبب الموجب للإيمان إيجاباً حتماً كلياً هو كونه من عند الله، وهذا هو الذي علم الراسخون في العلم أنه الموجب للإيمان بكل ما جاء عن الله سواء استأثر الله بعلمه؛ كالمتشابه، أو كان مما يعلمه الراسخون في العلم، كما قال الله عنهم: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} 2"3.--------------------------------------------
1 رحلة الحج، للشيخ الأمين رحمه الله ص83.
2 سورة آل عمران، الآية [7] .
3 أضواء البيان 7/447.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 321)
الشبهة الخامسة: الصفة التي ليس لها آثار تؤول:
قال الشيخ الأمين رحمه الله: "وما يزعمه بعضهم من أن القدرة والإرادة مثلاً، ونحوهما ليست كاليد، والوجه بدعوى أن القدرة والإرادة مثلاً ظهرت آثارهما في العالم العلوي والسفلي بخلاف غيرهما كصفة اليد ونحوها. فهو من أعظم الباطل، ومما يوضح ذلك أن الذي يقوله هو وأبوه وجده من آثار صفة اليد التي خلق الله بها نبيه آدم" 1.
الشبهة السادسة: أن الاستواء والعلو والفوقية تستلزم الجهة:
ذكر رحمه الله هذه الشبهة، ورد عليها، وفصل في المعنى المراد من الجهة، فقال: "واعلم أن ما يزعمه كثير من الجهلة من أن ما في القرآن العظيم من صفة الاستواء والعلو والفوقية يستلزم الجهة، وأن ذلك محال على الله، وأنه يجب نفي الاستواء والعلو والفوقية، وتأويلها بما لا دليل عليه من المعاني: كله باطل. وسببه سوء الظن بالله وكتابه، وعلى كل حال فمدعي لزوم الجهة لظواهر نصوص القرآن العظيم، واستلزام ذلك للنقص الموجب للتأويل. يقال له: ما مرادك بالجهة؟ إن كنت تريد بالجهة مكاناً موجوداً انحصر فيه الله، فهذا ليس بظاهر القرآن، ولم يقله أحد من المسلمين. وإن كنت تريد بالجهة: العدم المحض فالعدم عبارة عن لا شيء؛ فميز أولاً بين الشيء الموجود، وبين لا شيء"2.
وقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله على هذه الشبهة3. بنحو كلام الشيخ الأمين رحمه الله.
الشبهة السابعة: قول المفوضة: إن قولكم حقيقة لا مجازاً لم يرد عن السلف:--------------------------------------------
1 أضواء البيان 7/448.
2 أضواء البيان 7/459- 460.
3 انظر: العقيدة التدمرية ص66.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 322)
وقد رد الشيخ الأمين رحمه الله على هذه الشبهة رداً مقنعاً، فقال: "إنما قلنا حقيقة لا مجازاً لقطعِنا وجزمِنا بأن تلك الصفات التي مدح الله بها نفسه صفات كمال وجلال منزهة عن مشابهة صفات الخلق؛ كتنزيه ذاته عن مشابهة ذواتهم. وجميع العقلاء إذا راجعوا عقولهم تحققوا أن الظاهر المتبادر لكل مسلم هو مخالفة الله لخلقه وتنزيهه عن مشابهتهم في صفاتهم وذواتهم وأفعالهم؛ فالظاهر المتبادر من صفة الاستواء والوجه واليد مثلاً أنها صفات كمال وجلال منزهة عن كل ما يخطر في قلوب الجهلة من مشابهة صفات الخلق. وإذا كان ظاهرها المتبادر منها التنزيه وعدم المشابهة فإثباتها حقيقة لا محذور فيه؛ لأن إثبات الكمال والتنزيه لله لا محذور فيه البتة"1.
وقال في موضع آخر: "إن سبب نفوره2 من لفظة الحقيقة ونفي المجاز هو ما ينطوي عليه قلبه من سوء الظن بكلام الله في كتابه، وأن ظاهره المتبادر منه الكفر والتشبيه. ولو هداه الله إلى ما هدى إليه السلف الصالح من اليقين الجازم بأن ما مدح الله به نفسه في كتابه بالغ من الكمال والتنزيه ما يقطع علائق الوساوس وأوهام التشبيه؛ لأنه جل وعلا لا يمكن بحال أن يشبهه شيء من خلقه لما وقع فيما وقع فيه؛ فقد كان في بادئ الأمر يتبادر إلى ذهنه التشبيه لظنه أن ظواهر آيات الصفات تستلزم التشبيه، وكان ثانياً معطلاً بدعواه أن ما مدح الله به نفسه في كتابه من الصفات كالاستواء، واليد لا حقيقة لها. وأي جهل بالله، وأي إلحاد في آياته أعظم من دعوى أن معاني آياته لا حقيقة لها. سبحانك هذا بهتان عظيم. وعلى كل حال فإنا نقطع بأن ما مدح الله به نفسه في كتابه كله كمال وجلال منزه أتم التنزيه عن مشابهة الخلق، وأن حقيقة ذلك الكمال والجلال ثابتة له تعالى حقاً؛ لأن من--------------------------------------------
1 المعين والزاد ص43.
2 يقصد المفوض.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 323)
أسمائه تعالى الحق؛ فهو جل وعلا حق، وعبادته وحده حق. وجميع صفاته حق، وكل ما أثنى به على نفسه حق يقين. فمن ادعى على شيء من صفاته التي مدح بها نفسه أنها لا حقيقة لها متهجماً عليها بإدعائه أن ظاهرها المتبادر منها الكفر الذي هو مشابهة صفات الخلق. فالله جل وعلا حسبه، وسيجازيه الجزاء اللائق به"1.... إلى أن قال رحمه الله: "وقد قال الإمام مالك رحمه الله: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. فلو كان الاستواء لا حقيقة له عنده لما صرح بأن الإيمان به واجب، ولقال: إنه يجب تأويله بمعنى آخر، وأنه مجاز ولا حقيقة له" 2.
وقال رحمه الله أيضاً في معرض الرد عليهم: "إن أصل الحقيقة في اللغة التي نزل بها القرآن (فعلية) بمعنى: فاعل، من قول العرب: حق الشيء، بمعنى ثبت. أو بمعنى مفعول من حققت الشيء –بتخفيف القاف- إذا أثبته. وإذا علمت أن الحقيقة معناها من معنى مادة الثبوت، فثبوت صفات الله دلت عليه نصوص الوحي دلالة قاطعة لا نزاع فيها. فمعنى اتصافه بصفاته حقيقة بدلالة المطابقة: هو كونها ثابتة له حقاً. وهذا هو معنى نصوص الوحي، فلا زيادة فيه البتة على المعنى الذي دل عليه الوحي. وقد ذكرنا آنفاً أن من أسمائه الحق، وذلك مستلزم لأن صفاته كلها حق، وكل ما هو ثابت حقيقة فهو حق، وبهذا تعلم أن نفي الحقيقة عن بعض الصفات مستلزم لنفي ثبوتها، ونفي ثبوت ما أثبته الله لنفسه محادة له جل وعلا من حيث لا يشعر ذلك النافي. وأما نفي المجاز عن صفات الله فقد أوضحناه في رسالة مستقلة، ومن أوضح أدلته أن القائلين بالمجاز منذ نشأ المجاز مجمعون على أن من الفوارق بينه وبين الحقيقة في اصطلاح البيانيين أن كل--------------------------------------------
1 المعين والزاد ص43-44.
2 المعين والزاد ص45.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 324)
مجاز يجوز نفيه باعتبار الحقيقة … ومعلوم أن ما مدح الله به نفسه في كتابه لا يجوز نفي شيء منه، وذلك يستلزم منع المجاز فيؤول؛ لأن وجود المجاز يستلزم جواز النفي كما وضحنا"1.
وما قاله الشيخ الأمين رحمه الله في رده على هذه الشبهة قد قاله غيره من أئمة أهل السنة والجماعة؛ كالإمام ابن عبد البر رحمه الله الذي قال: "أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئاً من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة" 2.
وفي ختام هذا المبحث نشير على أن الشيخ الأمين رحمه الله أورد سؤالين بلسان أهل التأويل، ثم أجاب عليهما، ونسفهما من أساسهما موضحاً أنهما مجرد شبهة تدور في مخيلة المتأولة يلقونها في أسماع من يصغي إليهم ليبدلوا كلام الله ويحرفوا معانيه.
وقد أورد الشيخ رحمه الله سؤالهم الأول، بقوله: "اعلم أنه إن قال معطل متنطع: نحن لا نعقل كيفية استواء مثلاً منزهة عن مشابهة كيفية استواء الخلق، فبينوا لنا كيفية معقولة منزهة عن مشابهة كيفيات استواء الخلق لنعتقدها؛ لأنا لم تدرك عقولنا كيفية استواء منزهة عن ذلك؟ "3.
ثم أجاب الشيخ رحمه الله عن هذا السؤال مبيناً أن أشباه هذا السؤال يورده المعاند ليبطل به المعتقد السلفي، وقد سد رحمه الله على المعاند كل--------------------------------------------
1 الزاد والمعين ص45-46.
2 التمهيد 7/145.
وهذه المسألة من المسائل التي نوقش فيها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حين حبس. وقد رد عليهم بالرد المقنع.
(انظر: الفتاوى 3/188، 199) . وانظر كلام الإمام أبي الحسن الأشعري عن الحقيقة. (في رسالة أهل الثغر ص213، 216) .
3آداب البحث والمناظرة2/130.وانظر منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص45.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 325)
الطرق التي سلكها للنيل من العقيدة. فأجاب عن هذا السؤال بجوابين، يكفي واحد منهما لدمغ حجتهم، فقال: "الأول: أن يقال: هل عرفت كيفية الذات الكريمة المقدسة المتصفة بتلك الصفات؟ فلا بد أن يقول: لا. فإن قال: لا، قلنا له: معرفة كيفية الاتصاف بالصفات متوقفة على معرفة كيفية الذات؛ لأن الصفات تختلف باختلاف موصوفاتها؛ فكل صفة بحسب موصوفها" 1.
وفي هذه الإجابة تظهر لنا براعة الشيخ الأمين رحمه الله؛ فهو قد بدأ مع السائل وانطلق معه من قاعدة يتفقان عليها، وأوضح له أن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات؛ فإذا كنت تثبت لله ذاتاً حقيقية لا تشبه ذوات خلقه، وهذا أمر نتفق عليه؛ إذ لا تشبه ذات الله الذوات، ولا نعلم كيفيتها، فمن البديهي إذاً أن صفات الله تختلف عن صفات خلقه، وأن لا نعلم كيفيتها. وحينئذ فليس أمام هذا المعترض إلا أن يرضخ أمام هذا الجواب المقنع، ويسلم.
ولم يكتف الشيخ رحمه الله بما سبق، بل أورد مثلاً فيه عبرة لمن أراد الله هدايته؛ برهاناً صادقاً مشاهداً في الوجود، وحجة بالغة، فقال: "ألا ترى –ولله المثل الأعلى- أن لفظة رأس مثلاً إذا أضفتها إلى الإنسان فقلت: رأس الإنسان، وأضفتها إلى الوادي أو أضفتها إلى الجبل فقلت: رأس الجبل، وأضفتها إلى المال فقلت: رأس المال: أن لفظة الرأس لفظة واحدة، وأنها اختلفت حقائقها اختلافاً عظيماً بحسب اختلاف إضافاتها. وهذا في اختلاف الإضافات إلى مخلوقات حقيرة، فما بالك بالاختلاف الواقع بين ما أضيف إلى الخالق وما أضيف إلى خلقه؛ فالفرق بين ذلك كالفرق بين ذات الخالق وذوات المخلوقين"2.--------------------------------------------
1 آداب البحث والمناظرة 2/130. وانظر: منهج ودراسات ص45. وأضواء البيان 2/320، 7/450.
2 آداب البحث والمناظرة 2/131. وأضواء البيان 7/451. وانظر منهج ودراسات ص45-46.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 326)