Arabic source text

📘 জুহুদুশ শাইখ মুহাম্মাদ আল-আমীন আশ-শানকীতি ফী তাকরীরি আকীদাতুস সালাফ (আব্দুল আজিজ বিন সালিহ বিন ইবরাহিম আত-তুওয়াইয়ান)

📘 جهود الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في تقرير عقيدة السلف (عبد العزيز بن صالح بن إبراهيم الطويان)

📘 জুহুদুশ শাইখ মুহাম্মাদ আল-আমীন আশ-শানকীতি ফী তাকরীরি আকীদাতুস সালাফ (আব্দুল আজিজ বিন সালিহ বিন ইবরাহিম আত-তুওয়াইয়ান)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
وبهذا يوضح الشيخ الأمين رحمه الله قاعدة مهمة؛ وهي أن الألفاظ قبل الإضافة والتخصيص هي معان مشتركة، ولكنها بعد الإضافة والتخصيص تخص من أضيفت إليه. وهذا ملحوظ فيما بين المخلوقات، فكيف بين الخالق جل وعلا وبين المخلوق؛ فصفات الله جل وعلا تشترك مع صفات المخلوق في المعنى العام الكلي، وتفترق بعد الإضافة والتخصيص.
بل هي تفترق بعد الإضافة والتخصيص بين المخلوقات أنفسها؛ فلفظة اليد مثلاً من المعاني المشتركة، لكن إذا قلت: يد الباب، أو يد الإنسان، أو يد الطائر، أو يد الحيوان؛ ظهرت النتيجة الدالة على التفاوت فيما بين هذه المخلوقات، فكيف بين الخالق جل وعلا وبين خلقه، إنها والله لأعظم مباينة.
أما الشق الثاني من الجواب على هذا السؤال؛ فهو خاص بمن أثبت بعض الصفات، وأول البعض الآخر؛ فيلزمه أن يثبت بقية الصفات كما يليق بجلاله سبحانه، مثل ما قال في بعضها؛ إذ الكل لا نعلم كيفيتها، والمشابهة منتفية عن الجميع؛ قال رحمه الله: "الوجه الثاني: هو أن تقول: هل عرفتم كيفية منزهة عن مشابهة الخلق في السمع والبصر مثلاً؟ فلا بد أن يقولوا أيضاً: لا، ولكنا نعلم أن سمع الله وبصره منزهان عن مشابهة أسماع الخلق وأبصارهم. فإن قالوا ذلك، قلنا: ونحن نقول مثل ذلك في الاستواء، وسائر الصفات الثابتة بالوحي الصحيح"1.
وبعد هذا البسط الواضح من الشيخ الأمين رحمه الله في الإجابة عن هذا السؤال الإجابة المقنعة التي تزيل الشبه، وتمحو التصورات التي يحسبها أصحابها علماً ومهارة يخدعون بها السذج ويبلبلون أفكارهم ومعتقداتهم: أريد أن أقول: إن الشيخ الأمين رحمه الله بهذه الإجابة الواضحة دلل على--------------------------------------------
1 آداب البحث والمناظرة 2/131.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 327)

أنه قد أوتي علماً وافياً وحجة بالغة في مجادلة الخصوم، وأعطى مثلاً واضحاً للداعية في الأسلوب الذي ينبغي أن يحتذى به في إقناع الخصم من غير إثارة البغضاء والجدل. فرحم الله الشيخ الأمين رحمة واسعة.
أما السؤال الثاني:
فقد أورده رحمه الله بقوله: "اعلم إن قال معطل متنطع: إن القرآن العظيم نزل بلغة العرب، والاستواء في لغتهم هو هذا الذي نشاهده في استواء المخلوقين، فإثباته لله يستلزم التشبيه بالخلق بحسب الوضع العربي الذي نزل به القرآن"1.
وقد رد رحمه الله على هذا السؤال، وبين بطلانه من وجهين:
الأول: أن المعترض لم يفرق بين الخالق والمخلوق، لكن العرب لم يقعوا في هذا الخطأ؛ فهم يعرفون ما بين الخالق والمخلوق من مباينة، وأن للخالق صفات تليق بعظمته، وهي صفات كمال لا نقص فيها، وللمخلوق صفات مناسبة تليق بما هو عليه من النقص والضعف؛ فقال رحمه الله موضحاً هذا المعنى: "الأول: أن العرب الذين نزل القرآن بلغتهم يعلمون كل العلم من معاني لغتهم أن بين الخالق والمخلوق، والرازق والمرزوق، والمحيي، والمميت والممات، إلى آخره فوارق عظيمة هائلة مستلزمة للاختلاف التام بين صفات الخالق والمخلوق والرازق والمرزوق. وأن أصل اللغة يقتضي أن تكون صفة كل منهما مناسبة لحاله؛ فعظمة صفة الخالق كعظمة ذاته، وانحطاط صفة المخلوق عنها كانحطاط ذاته عن عظمة ذاته. وما كان يلتبس ذلك على عوام المسلمين في زمنه صلى الله عليه وسلم، فما كان يخطر في عقولهم مشابهة صفة الخالق لصفة خلقه، بل يعلمون أن صفة الخالق لائقة به، وصفة المخلوق لائقة به، والفرق بينهما كالفرق بين الذات--------------------------------------------
1 آداب البحث والمناظرة 2/131. وانظر: أضواء البيان 7/449.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 328)

والذات"1.
أما الشق الثاني من الجواب: فقد عنى به الشيخ رحمه الله من أثبت بعض الصفات من غير كيف، وأول الباقي: أنه يلزمه إثبات الجميع لله من غير كيف، أو نفي الجميع؛ لأنها تشابه صفات المخلوقين؛ فقال رحمه الله: "الوجه الثاني: أن العرب الذين نزل القرآن بلغتهم لا يعرفون للسمع والبصر مثلاً كيفية إلا هذا المعنى المشاهد في المخلوقين بالحاسة التي هي جارحة، فيلزم قولكم أن يكون إثبات السمع والبصر ونحوهما من الصفات يستلزم التشبيه بحسب الوضع العربي الذي نزل به القرآن. فإن قالوا: لا يلزم من كون الوضع العربي يراد فيه بمعنى السمع والبصر ما هو مشاهد في المخلوقات أن يكون سمع الله وبصره مشابهين لأسماع الخلق وأبصارهم، لتنزيه صفاته عن مشابهة صفاتهم. قلنا: وكذلك نقول في الاستواء ونحوه، ولا وجه البتة للفرق بين السمع والبصر وبين الاستواء، والمشاهد من الجميع في المخلوقات لا يليق بالله جل وعلا، والذي اتصف الله به من الجميع منزه عن مشابهة صفات الخلق؛ كتنزيه سائر صفاته وذاته عن مشابهة صفات الخلق وذواتهم"2.
ونلاحظ في هذا الجواب قوة الحجة التي عرضها الشيخ الأمين رحمه الله، إذ إنه قد استخدم حجة المنازع المثبت لبعض الصفات، فألزمه أن يقول في بعض الصفات كما قال في بعضها الآخر؛ إما إثباتاً، وإما نفياً؛ لأنّ التفريق بينهما قول على الله بغير علم وتحكم بغير دليل، وقد دلت الأدلة السمعية والعقلية على ثبوت الصفات لله من غير كيف.--------------------------------------------
1 آداب البحث والمناظرة 2/131. وانظر: أضواء البيان 7/449-450.
2 آداب البحث والمناظرة 2/131-132.
وانظر الإجابة عن هذين السؤالين أيضاً: في أضواء البيان 2/320، 7/449-451. ومنهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص45.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 329)

‌‌المطلب الثالث: مقارنة بين مذهب السلف والخلف
السلف يثبتون صفات الله على الحقيقة، ويفوضون الكيفية إلى العليم الخبير؛ فلا يحرفون، ولا يعطلون، ولا يشبهون، ولا يفوضون المعنى.
وقد غلط المتكلمون في فهم معتقد السلف، ورجحوا عليه مذهب الخلف؛ قال البيجوري1: "طريقة الخلف أعلم وأحكم لما فيها من مزيد الإيضاح، والرد على الخصوم. وهي الأرجح. وطريقة السلف أسلم لما فيها من السلامة من تعيين معنى غير مراد له تعالى"2.
فكذب على السلف حيث جعل معتقدهم التفويض المحض، والجهل بكلام الله وعدم العلم والفقه؛ فآمنوا باللفظ وجهلوا المعنى. وجعل الخلف أعلم وأفقه وأحكم طريقة؛ لأنهم صرفوا اللفظ إلى معاني بنوع من التكلف3.
وقد أوضح الشيخ الأمين رحمه الله خطأ هذه المقالة وتهافتها، وجورها؛ حيث اتهمت السلف بالجهل بكلام الله، والتفويض المحض، ورد عليها، وأكد أن طريق السلامة متضمن العلم والحكمة؛ إذ لا سلامة إلا بالعلم والحكمة؛ فقال رحمه الله: "وصفوا مذهب السلف بأنه أسلم، وهي صيغة تفضيل، من السلامة. وما كان يفوق غيره، ويفضله في السلامة فلا شك أنه أعلم منه وأحكم"4.--------------------------------------------
1 هو إبراهيم بن محمد بن أحمد البيجوري؛ شيخ الجامع الأزهر في وقته، اشعري العقيدة. له عدة مؤلفات منها: تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد. توفي سنة (1277?) .
(انظر: الأعلام 1/71. ومعجم المؤلفين 1/84) .
2 تحفة المريد ص91.
3 انظر العقيدة الحموية الكبرى ص14.
4 منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص46-47.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 330)

وقال رحمه الله في موضع آخر: "إن مذهب السلف أسلم وأحكم وأعلم، وقولهم: مذهب السلف أسلم؛ إقرار منهم بذلك؛ لأن لفظ أسلم: صيغة تفضيل من السلامة، وما كان يفضل غيره ويفوقه في السلامة فهو أحكم وأعلم. وبه يظهر أن قولهم: ومذهب الخلف أحكم وأعلم: ليس بصحيح بل الأحكم الأعلم هو الأسلم كما لا يخفى"1.
فلا وجه لجعل الخلف أعلم وأحكم من السلف، مع اعترافهم بأن مذهب السلف أسلم؛ فالسلامة إذا وجدت في شيء فلا بد أن يكون أحكم وأعلم؛ إذ من المستحيل أن توجد السلامة في شيء لا تتوفر فيه الحكمة والعلم؛ إذ السلامة من ثمراتهما.
والشيخ الأمين رحمه الله لا يرضى هذا الفهم الناقص لمعتقد السلف؛ إذ هو تجهيل لهم، وتفضيل لأهل الجدل والسفطسة2 عليهم. وفيه انتقاص للصحابة والتابعين ومن سلك سبيلهم من صالح الأمة؛ إذ هم المعنيون بكلمة (السلف) .
ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ردّ على هذه المقولة ردّ به على الأشاعرة. فقال: "وتارة يجعلون إخوانهم المتأخرين أحذق وأعلم من السلف، ويقولون: "طريقة السلف أسلم، وطريقة هؤلاء أعلم وأحكم". فيصفون إخوانهم بالفضيلة في العلم والبيان والتحقيق والعرفان، والسلف بالنقص في ذلك والتقصير فيه، أو الخطأ والجهل، وغايتهم عندهم أن يقيموا أعذارهم في التقصير والتفريط. ولا ريب أن هذا شعبة من الرفض؛ فإنه وإن لم يكن تكفيراً للسلف. كما يقوله من يقوله من الرافضة والخوارج، ولا تفسيقا لهم كما يقوله من يقوله من المعتزلة والزيدية وغيرهم--------------------------------------------
1 آداب البحث والمناظرة 2/136.
2 يراد بالسفسطة الخداع والتمويه في الكلام.
راجع: بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية 1/322-324.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 331)

كان تجهيلاً لهم، وتخطئة وتضليلاً، ونسبة لهم إلى الذنوب والمعاصي، وإن لم يكن فسقاً، فزعماً أن أهل القرون المفضولة في الشريعة أعلم وأفضل من أهل القرون الفاضلة. ومن المعلوم بالضرورة لمن تدبر الكتاب والسنة وما اتفق عليه أهل السنة والجماعة من جميع الطوائف أن خير قرون هذه الأمة في الأعمال والأقوال والاعتقاد وغيرها من كل فضيلة أن خيرها القرن الأول. ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"1.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله أيضاً في موضع آخر يمدح منهج السلف: "ومن تدبر كلام أئمة السنة المشاهير في هذا الباب علم أنهم كانوا أدق الناس نظراً، وأعلم الناس في هذا الباب بصحيح المنقول وصريح المعقول. وأن أقوالهم هي الموافقة للمنصوص والمعقول، ولهذا تأتلف ولا تختلف، وتتوافق ولا تتناقض، والذين خالفوهم لم يفهموا حقيقة أقوال السلف والأئمة، فلم يعرفوا حقيقة المنصوص والمعقول، فتشعبت بهم الطرق، وصاروا مختلفين في الكتاب، مخالفين للكتاب، وقد قال تعالى: {وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} 2"3.
وقد رد العلامة مرعي الكرمي رحمه الله على من قال بأن مذهب السلف أسلم، ومذهب الخلف أحكم وأعلم بقوله: "فمذهب السلف اسلم، ودع ما قيل من أن مذهب الخلف أعلم؛ فإنه من زخرف الأقاويل، وتحسين الأباطيل؛ فإن أولئك قد شاهدوا الرسول والتنزيل، وهم أدرى بما نزل به الأمين جبريل، ومع ذلك فلم يكونوا يخوضون في حقيقة الذات"4.
وبعد معرفة حقيقة مذهب السلف الذي اختلط على المتكلمين فلم--------------------------------------------
1 الفتاوى 4/157-158.
2 سورة البقرة، الآية [176] .
3 درء تعارض العقل والنقل 2/301.
4 أقاويل الثقات ص46.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 332)

يفهموه، بين لنا الشيخ الأمين رحمه الله موقف السلف من صفات الله تعالى بياناً يدل على أن معتقد السلف هو الأسلم والأعلم والأحكم، فقال رحمه الله: "إن من كان على معتقد السلف الصالح إذا سمع مثلاً قوله تعالى: {عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} امتلأ قلبه من الإجلال والتعظيم والإكبار لصفة ربّ العالمين التي مدح بها نفسه، وأثنى عليه بها، فجزم بأن تلك الصفة التي تمدح بها خالق السموات والأرض بالغة من غايات الكمال والجلال ما يقطع علائق أوهام المشابهة بينها وبين صفات الخلق؛ لأن الصفة لا يمكن أن تشبه صانعها في ذاته، ولا في شيء من صفاته. وبإجلال تلك الصفة وتعظيمها وحملها على أشرف المعاني اللائقة بكمال من وصف بها نفسه وجلاله يسهل على ذلك المؤمن السلفي أن يؤمن بتلك الصفة ويثبتها لله كما أثبتها الله لنفسه على أساس التنزيه؛ فيكون أولاً: منزها سالماً من أقذار التشبيه، وثانياً: مؤمناً بالصفات مصدقاً بها على أساس التنزيه، فيكون سالماً من أقذار التعطيل. فيجمع بين التنزيه والإيمان بالصفات على نحو {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} 1، فمعتقده طريق سلامة محققة؛ لأنه مبني على ما تضمنته آية {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} الآية من التنزيه، والإيمان بالصفات، فهو تنزيه من غير تعطيل وإيمان من غير تشبيه ولا تمثيل. وكل هذا طريق سلامة محققة، وعمل بالقرآن، فهذا هو مذهب السلف"2.
وقال رحمه الله أيضاً: "والسلف الصالح رضي الله عنهم ما كانوا يشكون في شيء من ذلك، ولا كان يشكل عليهم. ألا ترى إلى قول الفرزدق، وهو شاعر فقط، وأما من جهة العلم فهو عاميّ:--------------------------------------------
1 سورة الشورى، الآية [11] .
2 منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص47-48. وانظر آداب البحث والمناظرة 2/133.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 333)

وكيف أخاف الناس والله قابض على الناس والسبعين في راحة اليد
فمن علم مثل هذا من كون السموات والأرضين في يده جل وعلا أصغر من حبة خردل. فإنه عالم بعظمة الله وجلاله، لا يسبق إلى ذهنه مشابهة صفاته لصفات الخلق. ومن كان كذلك زال عنه كثير من الإشكالات التي أشكلت على كثير من المتأخرين"1.
وبعد أن ذكر الشيخ الأمين رحمه الله طريقة السلف، وبين أنها أعلم وأحكم وأسلم، وشرح لنا موقفهم من صفات الباري سبحانه وتعالى، وذكر أن معتقدهم هو المعتقد الذي لا يخيب معتقده، ولا يضل مسترشده، فهو طريق محقق السلامة. شرع يذكر لنا في المقابل مذهب الخلف، وما يترتب عليه من أخطاء شنيعة، تجعل معتقده يشطط عن الطريق السوي، فيتهجم على صفات الله قائلاً فيها بغير علم ولا هدى؛ فقال رحمه الله: "وأما ما يسمونه مذهب الخلف: فالحامل لهم فيه على نفي الصفات وتأويلها هو قصدهم تنزيه الله عن مشابهة الخلق، ولكنهم في محاولتهم لهذا التنزيه وقعوا في ثلاث بلايا ليست واحدة منها إلا وهي أكبر من أختها: الأولى من هذه البلايا الثلاث: أنهم إذا سمعوا قول الله تعالى {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} : زعموا أن ظاهر الاستواء في الآية هو مشابهة استواء المخلوقين؛ فتهجموا على ما وصف الله به نفسه في محكم كتابه، وادعوا عليه أن ظاهره المتبادر منه هو التشبيه بالمخلوقين في استوائهم؛ فكأنهم يقولون لله: هذا الاستواء الذي أثنيت به على نفسك في سبع آيات من كتابك ظاهره قذر نجس لا يليق بك؛ لأنه تشبيه بالمخلوقين، ولا شيء من الكلام أقذر وأنجس من تشبيه الخالق بخلقه، سبحانك هذا بهتان عظيم. وهذه البلية الأولى التي هي تهجم على نصوص الوحي، وادعاء أن ظاهرها تشبيه الخالق بالمخلوق، وناهيك بها بلية. ثم لما تقررت هذه البلية--------------------------------------------
1 أضواء البيان 2/321.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 334)

قي أذهانهم، وتقذرت قلوبهم بأقذار التشبيه، اضطروا بسببها إلى نفي صفة الاستواء فرارا من مشابهة الخلق التي افتروها على نصوص القرآن أنها هي ظاهرها. ونفي الصفة التي أثنى الله بها على نفسه من غير استناد إلى كتاب أو سنة هو البلية الثانية التي وقعوا فيها؛ فحملوا نصوص القرآن أولا على معان غير لائقة بالله، ثم نفوها من أصلها فراراً من المحذور الذي زعموا" 1.
ثم ذكر رحمه الله الخطأ الثالث الذي وقع فيه المنحرفون عن منهج السلف، فقال: "والبلية الثالثة: أنهم يفسرون الصفة التي نفوها بصفة أخرى من تلقاء أنفسهم، من غير استناد إلى وحي مع أن الصفة التي فسروها بها هي بالغة غاية التشبيه بالمخلوقين؛ فيقولون: "استوى" ظاهره مشابهة استواء المخلوقين فمعنى استوى: استولى، ويستدلون بقول الراجز في إطلاق الاستواء على الاستيلاء:
قد استوى بشر على العراق
من غير سيف ودم مهراق
ولا يدرون أنهم شبهوا استيلاء الله على عرشه الذي زعموه باستيلاء بشر بن مروان على العراق، فأي تشبيه بصفات المخلوقين أكبر من هذا؟. وهل يجوز لمسلم أن يشبه صفة الله التي هي الاستيلاء المزعوم بصفة بشر التي هي استيلاؤه على العراق؟ وصفة الاستيلاء من أوغل الصفات في التشبيه بصفات المخلوقين؛ لأن فيها التشبيه باستيلاء مالك الحمار على حماره. ومالك الشاة على شاته، ويدخل فيها كل مخلوق قهر مخلوقاً واستولى عليه، وفي هذا من أنواع التشبيه ما لا يحصيه إلا الله"2.
وبعد ما ذكر الشيخ الأمين رحمه الله هذه الأمور الشنيعة التي وقع فيها--------------------------------------------
1 منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص48-49. وانظر: آداب البحث والمناظرة 2/133-134.
2 منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص46، 47، 48، 49.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 335)

من سلك مسلك الخلف، بين أنهم نتيجة تحريفهم وقعوا في شر مما فروا منه؛ فالسلف أثبتوا صفات الله التي امتدح الله بها نفسه، وأثنى بها عليه رسوله صلى الله عليه وسلم كما يليق بجلاله وكماله، وأهل التحريف أثبتوا صفات ما أنزل الله بها من سلطان، وقالوا كما يليق بجلاله، فأي الفريقين أحق بالأمن؟ وقد قال رحمه الله في بيان حالهم: "فإن زعم من شبه أولاً، وعطل ثانياً، وشبه ثالثاً أيضاً أن الاستيلاء المزعوم منزه عن مشابهة استيلاء المخلوقين. قلنا له: نحن نسألك ونطلب منك الجواب بإنصاف: أيهما أحق بالتنزيه عن مشابهة الخلق: الاستواء الذي مدح الله به نفسه في محكم كتابه، وهو في نفس القرآن الذي يتلى، ولتاليه بكل حرف منه عشر حسنات؛ لأنه كلام الله. أم الأحق بالتنزيه هو الاستيلاء الذي جئتم به من تلقاء أنفسكم من غير استناد إلى وحي؟ ولا شك أن الجواب أن اللفظ الوارد في القرآن أحق بالتنزيه والحمل على أشرف المعاني وأكملها من اللفظ الذي جاء به معطل من كيسه الخالص لا مستند له من الوحي، وبهذه الكلمات القليلة يظهر لكم أن مذهب السلف أسلم وأحكم وأعلم"1.
وهكذا ختم الشيخ رحمه الله هذه المقارنة التي أظهر فيها معتقد السلف في صفات الله سبحانه وتعالى مبيناً حال أهله عند سماعهم لصفات خالقهم جل وعلا، ومؤكداً أن طريقهم طريق سلامة محققة، بخلاف مذهب الخلف الذين تهجموا على صفات الله ووقعوا في أخطاء شنيعة جعلتهم ممقوتين عند أهل الإيمان.
وقد دعا الشيخ الأمين رحمه الله لمن التبس عليه الأمر ممن ابتعدوا عن منهج السلف، وكان مقصدهم حسناً أن يغفر الله لهم وأن يتجاوز عن آثامهم؛ لأنهم لم يتعمدوا تشبيه الله وتعطيله عن صفاته، وإن كان مسلكهم فاسداً مخالفاً لمراد الله سبحانه وتعالى، فقال رحمه الله: "ونحن--------------------------------------------
1 منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص49-50. وانظر: آداب البحث والمناظرة 2/133-136.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 336)

نرجو أن يغفر الله تعالى للذين ماتوا على هذا الاعتقاد؛ لأنهم لا يقصدون تشبيه الله بخلقه، وإنما يحاولون تنزيهه عن مشابهة خلقه؛ فقصدهم حسن، ولكن طريقهم إلى ذلك القصد سيئة. وإنما نشأ لهم ذلك السوء بسبب أنهم ظنوا لفظ الصفة التي مدح الله بها نفسه يدل ظاهره على مشابهة صفة الخلق؛ فنفوا الصفة التي ظنوا أنها لا تليق قصداً منهم لتنزيه الله، وأولوها بمعنى آخر يقتضي التنزيه في ظنهم، فهم كما قال الشافعي:
رام نفعاً فضرّ من غير قصد ومن البرّ ما يكون عقوقاً1
ونحن نرجو أن يغفر الله لهم خطأهم، وأن يكونوا داخلين في قوله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً} 2. وخطؤهم المذكور لا شك فيه، ولو وفقهم الله لتطهير قلوبهم من التشبيه أولاً، وجزموا بأن ظاهر صفة الخالق هو التنزيه عن مشابهة صفة المخلوق، لسلموا مما وقعوا فيه. ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم عالم كل العلم بأن الظاهر المتبادر مما مدح الله به نفسه في آيات الصفات هو التنزيه التام عن صفات الخلق، ولو كان يخطر في ذهنه أن ظاهره لا يليق لأنه تشبيه بصفات الخلق، لبادر كل المبادرة إلى بيان ذلك؛ لأنه لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، ولا سيما في العقائد، ولا سيما فيما ظاهره الكفر والتشبيه فسكوت النبي صلى الله عليه وسلم عن بيان هذا يدل على أن ما زعمه المؤولون لا أساس له كما ترى"3.
وبذلك يظهر لنا موقف الشيخ الأمين رحمه الله ممن مات على هذا المعتقد؛ حسن الظن في نيته، وأنه لم يتعمد التعطيل وإن وقع فيه، ودعاء الله له بالمغفرة والتجاوز عن المآثم والزلات؛ لأن مقصدهم حسن، لكنهم--------------------------------------------
1 ديوان الإمام الشافعي ص67 –جمع/ محمد الزعبي.
2 سورة الأحزاب، الآية [5] .
3 أضواء البيان 7/448-449.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 337)

لم يفلحوا في الوصول إليه.
أما موقفه رحمه الله من معتنقي هذا المذهب من ألحياء: فهو موقف المحذر لهم من سوء العاقبة والمنقلب، فخوفهم بالله، وأمرهم بخشيته، والإيمان بما امتدح به نفسه، وبين لهم أن كلامهم قول على الله بغير علم، وبهتان عظيم؛ فقال رحمه الله: "فاخش الله يا إنسان، واحذر من التقول على الله بلا علم، وآمن بما جاء في كتاب الله مع تنزيه الله عن مشابهة خلقه. واعلم أن الله الذي أحاط علمه بكلّ شيء لا يخفى عليه الفرق بين الوصف اللائق به والوصف غير اللائق به، حتى يأتي إنسان فيتحكم في ذلك، فيقول؛ هذا الذي وصفت به نفسك غير لائق بك، وأنا أنفيه عنك بلا مستند منك، ولا من رسولك، وآتيك بدله بالوصف اللائق بك، فاليد مثلاً التي وصفت بها نفسك لا تليق بك لدلالتها على التشبيه بالجارحة. وأنا أنفيها عنك نفياً باتاً، وأبدلها لك بوصف لائق بك وهو النعمة أو القدرة مثلاً، أو الجود، سبحانك هذا بهتان عظيم. {فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الألْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} 1"2.
وهكذا نراه رحمه الله يرجو لمن مات المغفرة والرحمة، ويخاف على الحي، فيعظه ويأمره أن يتدارك نفسه، ويعظم خالقه، فيصفه بما امتدح به نفسه، وأنله في كتابه، فلا يصف الله أعلم من الله، فهو العليم الخبير.--------------------------------------------
1 سورة الطلاق، الآيتان [10-11] .
2 أضواء البيان 7/446-447.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 338)

‌‌المطلب الرابع: رجوع بعض أئمة أهل التأويل عن مذهب الخلف إلى معتقد السلف
تفانى أئمة المتكلمين في خدمة مذهب الخلف والدعوة إليه والدفاع عنه، وأفنوا أعمارهم في تقويته وتصويبه، وتضعيف وتجهيل معتقد السلف، ولكن الله غالب على أمره؛ فمن عليهم بالهداية، ورجعوا إلى معتقد السلف الصالح، فأثبتوا الصفات ونفوا الكيفية.
وقد اثبتوا رجوعهم بمؤلفات حذروا الناس من خلالها من علم الكلام وأهله، وحثوهم على اعتقاد معتقد السلف لأنه الأسلم والأعلم والأحكم.
ولقد كان للشيخ الأمين رحمه الله وقفة متأنية عند هذه الظاهرة؛ حيث جعلها من الأمور التي تقام بها الحجة على بقية القوم الذين أصروا على باطلهم. ولم يراجعوا مذهبهم.
وقد ذكر رحمه الله رجوع هؤلاء الأئمة إلى معتقد السلف، وحذر من أصر منهم على مذهبه السابق من مغبة فعله، مبيناً له أن الطريق الذي انتهجه غير محمود العاقبة؛ إذ فيه من التهجم على آيات الله وصفاته، ومن رمي سلف هذه الأمة بالتشبيه والتجسيم الشيء الكثير.
قال رحمه الله: "واعلم أن أئمة القائلين بالتأويل رجعوا قبل موتهم عنه؛ لأنه مذهب غير مأمون العاقبة؛ لأن مبناه على ادعاء أن ظواهر آيات الصفات وأحاديثها لا تليق بالله؛ لظهورها وتبادرها في مشابهة صفات الخلق، ثم نفي تلك الصفات الواردة في الآيات والأحاديث لأجل تلك الدعوى الكاذبة المشؤومة، ثم تأويلها بأشياء أخر، دون مستند من كتاب أو سنة أو قول صحابي أو أحد من السلف، وكل مذهب هذه حاله فإنه جدير بالعاقل المفكر أن يرجع عنه إلى مذهب السلف. وقد أشار تعالى في سورة

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 339)

الفرقان أن وصف الله بالاستواء صادر عن خبير بالله وصفاته، عالم بما يليق به وبما لا يليق، وذلك في قوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً} 1؛ فتأمل قوله: {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً} ، بعد قوله: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش} تعلم أن من وصف الرحمن بالاستواء على العرش خبير بالرحمن وبصفاته، لا يخفى عليه اللائق من الصفات وغير اللائق. فالذي نبأنا بأنه استوى على عرشه هو العليم الخبير الذي هو الرحمن، وقد قال تعالى: {وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} 2. وبذلك تعلم أن من يدعي أنّ الاستواء يستلزم التشبيه، وأنه غير لائق: غير خبير؛ نعم والله هو غير خبير، وسنذكر إن شاء الله أن أئمة المتكلمين المشهورين رجعوا كلهم عن تأويل الصفات" 3. ثم شرع رحمه الله في إيراد هؤلاء السعداء بعاقبتهم فرداً فرداً:
[1] أبو الحسن الأشعري رحمه الله:
أوضح الشيخ الأمين –رحمه الله أن أبا الحسن الأشعري رجع عن مذهبه إلى معتقد السلف، كما تدلّ على ذلك مؤلفاته الأخيرة، فهو برىء من أشعرية اليوم الذين يدعون أنه حرف بعض صفات الباري جلّ وعلا.
قال رحمه الله: "فمن ادعى على أبي الحسن الأشعري أنه يؤول صفة من الصفات كالوجه، واليد، والاستواء، ونحو ذلك، فقد افترى عليه افتراء عظيماً. بل الأشعري رحمه الله مصرح في كتبه العظيمة التي صنفها بعد رجوعه عن الاعتزال؛ كـ (الموجز) ، و (مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين) 4، و (الإبانة عن أصول الديانة) 5 أن معتقده الذي يدين الله به--------------------------------------------
1 سورة الفرقان، الآية [59] .
2 سورة فاطر، الآية [14] .
3 أضواء البيان 7/467-468.
4 انظر مقالات الإسلاميين 1/345-350؛ حيث صرح بمعتقده.
5 انظر الإبانة ص17. وكذا انظر: رسالة أهل الثغر؛ فهي على معتقد أهل السلف أيضاً.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 340)

هو ما كان عليه السلف الصالح من الإيمان بكل ما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم. وإثبات ذلك كله من غير كيف ولا تشبيه ولا تعطيل. وأن ذلك لا يصح تأويله، ولا القول بالمجاز فيه. وأن تأويل الاستواء بالاستيلاء هو مذهب المعتزلة ومن ضاهاهم، وهو أعلم الناس بأقوال المعتزلة؛ لأنه كان أعظم إمام في مذهبهم قبل أن يهديه الله إلى الحق" 1.
ونقل من كتابه الإبانة، ومقالات الإسلاميين ما يثبت صحة رجوعه إلى معتقد السلف، وتركه لمذهب الخلف.
يقول الإمام أبو الحسن رحمه الله بعد ما ذكر أن مذهبه في الصفات هو مذهب السلف رحمهم الله، وأنه يذهب إلى ماذهب إليه الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: "قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب ربنا عز وجل. وبسنة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل –نضر الله وجهه، ورفع درجته وأجزل مثوبته- قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون؛ لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل الذي أبان الله به الحق، ودفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك الشاكين. فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وجليل معظم، وكبير مفخم، وعلى جميع أئمة المسلمين" 2.--------------------------------------------
1 أضواء البيان 7/454. وانظر: فتاوى شيخ الإسلام 4/72.
2 الإبانة عن أصول الديانة للأشعري ص17.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 341)

[2] القاضي أبو بكر الباقلاني1 رحمه الله:
قال عنه الشيخ الأمين –رحمه الله: "أما كبيرهم الذي هو أفضل المتكلمين المنسبين إلى أبي الحسن الأشعري، وهو القاضي محمد بن الطيب، المعروف بأبي بكر الباقلاني، فإنه كان يؤمن بالصفات على مذهب السلف، ويمنع تأويلها منعاً باتا، ويقول فيها مثل ما قدمنا عن الأشعري" 2.
ثم نقل الشيخ الأمين –رحمه الله من أحد كتب الباقلاني، وهو كتاب (التمهيد) 3 ما دلل به على صحة رجوعه إلى معتقد السلف وقد نقل عنه شيخ الإسلام ابن تيمية نقولاً من الكتاب المذكور تدل على صحة رجوعه إلى مذهب السلف، منها قوله: "فإن قال: فهل تقولون إنه في كل مكان؟ قيل له: معاذ الله، بل مستو على عرشه كما أخبر في كتابه فقال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} "4.
وقال في موضع آخر من كتابه التمهيد: "صفات ذاته التي لم يزل ولا يزال موصوفاً بها، وهي الحياة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام، والإرادة، والبقاء، والوجه، والعينان، واليدان، والغضب، والرضا.." 5.
[3] إمام الحرمين، أبو المعالي الجويني6:
ذكر الشيخ الأمين –رحمه الله رجوع أبي المعالي الجويني إلى معتقد--------------------------------------------
1 هو أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر البصري. أوحد المتكلمين، وكان على طريقة الأشعري. توفي سنة (403هـ) .
(انظر: سير أعلام النبلاء 17/190. والبداية والنهاية 11/373) .
2 أضواء البيان 7/468-469.
3 المصدر السابق.
4 انظر التمهيد ص260.
5 نقل ذلك عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتوى الحموية ص58.
6 أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن عبد الله الجويني، إمام الحرمين. توفي سنة (478هـ) ، وكان من أئمة الأشاعرة.
(انظر: سير أعلام النبلاء 18/468. وشذرات الذهب 3/358) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 342)

السلف، فقال: "واعلم أن إمام الحرمين أبا المعالي الجويني، كان في زمانه من أعظم أئمة القائلين بالتأويل، وقد قرر التأويل وانتصر له في كتابه الإرشاد، ولكنه رجع عن ذلك في رسالته: العقيدة النظامية1" 2.
ثم نقل رحمه الله مقتطفات من هذه العقيدة موضحاً رجوعه إلى معتقد السلف وتوبته من طريقة الخلف.
من ذلك ما ذكره الذهبي من أن الجويني قال لأصحابه في مرض موته: "اشهدوا على أني قد رجعت عن كل مقالة قلتها أخالف فيها ما قال السلف الصالح، وأني أموت على ما تموت عليه عجائز نيسابور" 3.
ونقل عنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه قال في مرض موته: "لقد خضت البحر الخضم، وخليت أهل الإسلام وعلومهم، ودخلت فيما نهوني عنه. والآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لابن الجويني، وها أنذا أموت على عقيدة أمي.." 4.
ويقصد بعقيدة أمه، أو ما تموت عليه عجائز بلده الفطرة الصافية النقية من الشوائب.
[4] أبو حامد الغزالي5 رحمه الله:
قال عنه الشيخ رحمه الله: "وكذلك أبو حامد الغزالي. كان في زمانه من أعظم القائلين بالتأويل، ثم رجع عن ذلك، وبين أن الحق الذي لا شك فيه--------------------------------------------
1 انظر العقيدة النظامية ص23-25.
2 أضواء البيان 7/472.
وانظر: الفتاوى 4/73. وشرح العقيدة الطحاوية ص228. وقد ذكر الذهبي رحمه الله أنه تاب ورجع إلى عقيدة السلف، ونقل نصوصاً من العقيدة النظامية مدللاً على قوله (انظر: سير أعلام النبلاء 18/472-473) .
3 انظر مختصر العلو للذهبي ص275.
4 مجموع فتاوى ابن تيمية 4/73.
5 هو أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي الغزالي. ولد سنة (450?) ، وتوفي سنة (505?) . وكان من أئمة الأشاعرة والمتصوفة.
(انظر: سير أعلام النبلاء 19/322. وشذرات الذهب 4/10-11) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 343)

هو مذهب السلف" 1.
ونقل رحمه الله من كتابه إلجام العوام شواهد مستدلا بها على صحة رجوعه إلى طريقة السلف، وختم ذلك بقوله: "وذكر غير واحد عن الغزالي أنه رجع في آخر حياته إلى تلاوة كتاب الله وحفظ الأحاديث الصحيحة، والاعتراف بأن الحق هو ما في كتاب الله وسنة رسوله. وذكر بعضهم أنه مات وعلى صدره صحيح البخاري رحمه الله"2.
[5] الفخر الرازي3 رحمه الله:
ذكر الشيخ رحمه الله توبته، فقال: "واعلم أيضاً أن الفخر الرازي كان في زمانه أعظم أئمة التأويل، ورجع عن ذلك المذهب إلى مذهب السلف معترفاً بأن طريق الحق هي اتباع القرآن في صفات الله".
ونقل الشيخ الأمين –رحمه الله من كتاب الرازي (أقسام اللذات) ما يدل على رجوعه وتوبته.
فمن ذلك ما نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من قوله: "لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلاً، ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن؛ اقرأ في الإثبات: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} 4، {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ--------------------------------------------
1 أضواء البيان 7/473-474.
وقد ذكر رجوعه إلى معتقد السلف غير واحد من العلماء.
(انظر إضافة إلى مصادر الحاشية السابقة: الفتاوى 4/72. ودرء تعارض العقل والنقل 1/162. والبداية والنهاية لابن كثير 12/173. وشرح الطحاوية 227) .
2 أضواء البيان 7/475.
وقد ذكر رجوعه إلى معتقد السلف غير واحد من العلماء.
(انظر إضافة إلى مصادر الحاشية السابقة: الفتاوى 4/72-73. ودرء تعارض العقل والنقل 1/160. ومجموعة الرسائل الكبرى 1/97. والبداية والنهاية 13/55. وشرح الطحاوية 227) .
3 فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين القرشي الطبرستاني، ويعرف بابن الخطيب. كان من أئمة الأشاعرة، وذكر ابن كثير، وغيره أنه رجع إلى معتقد السلف. توفي سنة (606هـ) .
(انظر: سير أعلام النبلاء 21/500-501. والبداية والنهاية 13/60) .
4 سورة طه، الآية [5] .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 344)

وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} 1، واقرأ في النفي: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} 2، {وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً} 3. {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} 4. ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي" 5.
[6] الشهرستاني6:
قال عنه الشيخ الأمين –رحمه الله: "وذكروا عن الشهرستاني أنه لم يجد عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم، وقد قال في ذلك:
لعمري قد طفت المعاهد
وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعاً كفّ حائر
على ذقن أو قارعا سنّ نادم7
وأمثال هذا كثير8.
وهذا يدلّ على تحيره وتخبطه، واضطرابه في نهاية حياته، وقد فطن إلى ما وقع فيه من تخبط، وتنبه إلى صحة مذهب السلف الموافق للفطرة، فقال كلمته: "فعليكم بدين العجائز فهو من أسنى الجوائز" 9.
وما ذلك إلا لأن دين العجائز سالم من شوائب علم الكلام وترهاته.--------------------------------------------
1 سورة فاطر، الآية [10] .
2 سورة الشورى، الآية [11] .
3 سورة طه، الآية [110] .
4 سورة مريم، الآية [65] .
5 انظر مصادر الحاشية رقم (؟؟) من الصفحة السابقة.
6 هو محمد بن عبد الكريم بن أحمد، أبو الفتح الشهرستاني. شيخ أهل الكلام. ولد في شهرستان سنة (479) . وتوفي سنة (548هـ) .
(انظر: سير أعلام النبلاء 20/286. وشذرات الذهب 4/149) .
7 نهاية الإقدام ص3.
8 أضواء البيان 7/475-476.
وممن ذكر رجوعه من السلف: ابن تيمية في الفتاوى (4/73) ، وفي درء تعارض العقل والنقل (1/159) . وابن أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية (ص228) .
9 نهاية الإقدام ص2.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 345)

وبعد أن ذكر الشيخ الأمين –رحمه الله من رجعوا من أئمة أهل التأويل عن مذهبهم إلى معتقد السلف1، وجه نداء إلى المتعصبين من المتأولة يحثهم فيه على الرجوع إلى الحق والتزام معتقد سلف هذه الأمة؛ فقال رحمه الله: "فيا أيها المعاصرون المتعصبون لدعوى أن ظواهر آيات الصفات وأحاديثها خبيث لا يليق بالله لاستلزامه التشبيه بصفات الخلق، وأنها يجب نفيها وتأويلها بمعان ما أنزل الله بها من سلطان، ولم يقلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أحد من أصحابه، ولا من التابعين. فمن هو سلفكم في هذه الدعوى الباطلة المخالفة لإجماع السلف؟ إن كنتم تزعمون أن الأشعري يقول مثل قولكم، وأنه سلفكم في ذلك فهو بريء منكم ومن دعواكم. وهو مصرح في كتبه التي صنفها بعد الرجوع عن الاعتزال أن القائلين بالتأويل هم المعتزلة، وهم خصومه وهو خصمهم، كما أوضحنا كلامه في الإبانة والمقالات، وقد بينا أن أساطين القول بالتأويل قد اعترفوا بأن التأويل لا مستند له، وأن الحق هو اتباع مذهب السلف، كما أوضحنا ذلك عن أبي بكر الباقلاني، وأبي المعالي الجويني، وأبي حامد الغزالي، وأبي عبد الله الفخر الرازي، وغيرهم ممن ذكرنا" 2.
وفي الختام يوصيهم بتقوى الله، وعدم التعرض لصفاته بالتحريف أو التعطيل، وألا يقولوا على الله بغير علم، فيقول رحمه الله: "وفي الختام نوصي أنفسنا وإخواننا المسلمين بتقوى الله تعالى، وعدم التهجم على الله تعالى وعلى كتابه بالدعاوى الباطلة، والتمسك بنور الوحي الصحيح في--------------------------------------------
1 وممن رجع إلى معتقد السلف، ولم يذكره الشيخ الأمين –رحمه الله الإمام أبو محمد عبد الله بن يوسف الجويني والد إمام الحرمين المتوفي سنة (438هـ) . وقد ألف رسالة سماها: (إثبات الاستواء والفوقية) ينصح فيها إخوانه بالرجوع إلى معتقد السلف، ويثبت فيها رجوعه إلى معتقد السلف. وهي تقع في (12) صفحة.
(انظر: مجموعة الرسائل المنيرية 1/174-178. وانظر أيضاً: الأعلام 4/146-147) .
2 أضواء البيان 7/476.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 346)