المبحث الثاني: الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية
منشأ الضلال في القدر هو من التسوية بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية؛ كما فعل الجبرية والقدرية:
فالقدرية قالوا: إنّ المعاصي والذنوب ليست محبوبة لله، ولامرضية، فليست مقدرة ولا مقضية، فهي عن مشيئته وخلقه.
والجبرية قالوا: الكون كله بقضاء الله وقدره فيكون محبوبا مرضيا1.
وأهل السنة والجماعة أبصروا الحقيقة كلها، فآمنوا بالحقّ الذي عند كلّ واحد من الفريقين، ونفوا الباطل الذي تلبس به كلّ واحد منهما؛ فهم يقولون: إنّ الله وإن كان يريد المعاصي قدرا فهو لايحبها ولايرضاها ولا يأمر بها، بل يبغضها وينهى عنها2.
وقد أوضح الشيخ الأمين رحمه الله الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، فقال رحمه الله: "وتحقيق النسبة بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية الدينية أنه بالنسبة إلى وجود المراد وعدم وجوده؛ فالإرادة الكونية أعمّ مطلقا؛ لأنّ كلّ مراد شرعا يتحقق وجوده في الخارج إذا أريد كونا وقدرا؛ كإيمان أبي بكر، وليس يوجد مالم يرد كونا وقدرا ولو أريد شرعا؛ كإيمان أبي لهب. فكلّ مراد شرعي حصل فبالإرادة الكونية، وليس كلّ مراد كوني حصل مرادا في الشرع. وأما بالنسبة إلى تعلق الإرادتين بعبادة--------------------------------------------
1 انظر شرح الطحاوية ص279. ومدارج السالكين 1/251-252.
2 انظر القضاء والقدر للدكتور عمر الأشقر ص103.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 542)
الإنس والجنّ لله تعالى: فالإرادة الشرعية أعم مطلقاً، والإرادة الكونية أخص مطلقا؛ لأن كلّ فرد من أفراد الجنّ والإنس أراد الله منه العبادة شرعا، ولم يردها من كلهم كونا وقدرا؛ فتعمّ الإرادة الشرعية عبادة جميع الثقلين، وتختصّ الإرادة الكونية بعبادة السعداء منهم كما قدمنا من أنّ الدعوة عامة والتوفيق خاصّ؛ كما بينه تعالى بقوله: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} 1؛ فصرح بأنه يدعو الكلّ ويهدي من شاء منهم. وليست النسبة بين الإرادة الشرعية والقدرية العموم والخصوص من وجه، بل هي العموم والخصوص المطلق كما بينا، إلا أنّ إحداهما أعمّ مطلقا من الأخرى باعتبار، والثانية أعمّ مطلقا باعتبار آخر كما بينا، والعلم عند الله تعالى"2.
وقال الشيخ رحمه الله في موضع آخر: "إنّ الإرادة نوعان: كونية قدرية: وهي مشيئة الله وقوع الشيء أو عدم وقوعه.
وإرادة شرعية دينية؛ بحيث يطلب المراد باعتبار الشرع؛ بحيث لو أدى الإنسان ما أريد منه شرعا أثيب، وإن لم يؤد ذلك استحق العقاب والنكال والعذاب. والإرادة الشرعية لاتستلزم الإرادة الكونية القدرية؛ لأنّ النفوذ وعدمه يتعلق بالإرادة القدرية ولا يتعلق ذلك بالإرادة الشرعية. فالشيء الذي يراد إرادة شرعية مطلوب شرعا، لكن قد يريده الله كونا، وقد لايريده كونا وقدرا فلا يقع"3.
وهذا التفريق بين الإرادة الكونية والشرعية هو معتقد أهل السنة والجماعة كما تقدم القول في ذلك. وممن ذكر هذا الفرق من علماء السلف: شيخ--------------------------------------------
1 سورة يونس، الآية [25] .
2 دفع إيهام الاضطراب 10/160-161.
3 معارج الصعود ص302. وانظر دفع إيهام الاضطراب 10/129، 133، 159. وأضواء البيان 7/222.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 543)
الإسلام ابن تيمية رحمه الله حيث يقول: (الإرادة في كتاب الله على نوعين، أحدهما: الإرادة الكونية: وهي الإرادة المستلزمة لوقوع المراد التي يقال فيها ماشاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.. وأما النوع الثاني: فهو الإرادة الدينية الشرعية: وهي محبة المراد ورضاه ومحبة أهله والرضا عنهم وجزاؤهم بالحسن … فهذه الإرادة لاتستلزم وقوع المراد إلا أن يتعلق به النوع الأول من الإرادة. ولهذا كانت الأقسام أربعة:
أحدها: ما تعلقت به الإرادتان؛ وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة؛ فإنّ الله أراده إرادة تديّن وشرع، فأمر به وأحبه ورضيه وأراده إرادة كون فوقع، ولولا ذلك لما كان. الثاني: ما تعلقت به الإرادة الدينية فقط: وهو ما أمر الله به من الأعمال الصالحة، فعصى ذلك الأمرَ الكفارُ والفجار؛ فتلك كلها إرادة دين، وهو محبها ويرضاها لو وقعت ولو لم تقع. الثالث: ما تعلقت به الإرادة الكونية فقط: وهو ماقدره وشاءه من الحوادث التي لم يأمر بها: كالمباحات والمعاصي فإنه لم يأمر بها ولم يرضها ولم يحبها؛ إذ هو لا يأمر بالفحشاء، ولايرضى لعباده الكفر، ولولا مشيئته وقدرته وخلقه لها لما كانت ولما وجدت؛ فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. والرابع: ما لم تتعلق به هذه الإرادة ولا هذه؛ فهذا مالم يكن من أنواع المباحات والمعاصي"1.
وقال الإمام ابن أبي العزّ الحنفي رحمه الله مفرقا بين الإرادة الكونية، والإرادة الشرعية: (إنّ الله تعالى يريد الكفر من الكافر ويشاؤه، ولا يرضاه ولا يحبه؛ فيشاؤه كونا، ولا يرضاه دينا) 2.
وبهذا يتضح مذهب السلف في هذه المسألة التي كانت منشأ الضلال--------------------------------------------
1 مجموع الفتاوى 8/187-189. وانظر أيضا: المصدر نفسه 8/440. ولوامع الأنوار البهية 1/338.
2 شرح الطحاوية ص277.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 544)
والتخبط في باب القدر؛ بسبب عدم تفريق المخالفين بين الإرادتين. وهدى الله أهل السنة والجماعة بسبب تمسكهم بالأصلين العظيمين إلى التمييز بين الإرادتين، فوافقوا بمعتقدهم ما جاء في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 545)
المبحث الثالث: الهداية
الهداية نوعان: هداية دلالة على الحقّ وإرشاد؛ وهي لجميع الخلق، وهي التي يقدر عليها الرسل وأتباعهم، قال الله تعالى: {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} 1. وهداية توفيق وتثبيت من الله منة منه وفضلا لعباده المتقين؛ وهي التي لايقدر عليها إلا الله، قال تعالى: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} 2"3.
وقد أوضح الشيخ الأمين رحمه الله نوعي الهداية، فقال رحمه الله: "إنّ الهدى يستعمل في القرآن استعمالين؛ أحدهما عام، والثاني خاص. أما الهدى العام فمعناه إبانة طريق الحقّ وإيضاح المحجة سواء سلكها المبين له أم لا. ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ} 4؛ أي بينا لهم طريق الحقّ على لسان نبينا صالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، مع أنهم لم يسلكوها، بدليل قوله عز وجل {فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} 5.
ومنه أيضا قوله تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ} 6 أي بينا له طريق الخير والشرّ، بدليل {إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً} 7.--------------------------------------------
1 سورة الرعد، الآية [7] .
2 سورة القصص، الآية [56] .
3 انظر الجامع لأحكام القرآن 1/112-113.
4 سورة فصلت، الآية [17] .
5 سورة فصلت، الآية [17] .
6 سورة الإنسان، الآية [3] .
7 سورة الإنسان، الآية [3] .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 546)
وأما الهدى الخاصّ: فهو تفضل الله بالتوفيق على العبد. ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ} 1،2.
وقال أيضا: "إنّ الهدى المثبت له صلى الله عليه وسلم هو الهدى العام الذي هو البيان والدلالة والإرشاد.
وقد فعل ذلك صلى الله عليه وسلم فبين المحجة البيضاء حتى تركها ليلها كنهارها لايزيغ عنها إلا هالك. والهدى المنفي عنه في آية {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} 3 هو الهدى الخاص الذي هو التفضل بالتوفيق: لأنّ ذلك بيد الله وحده، وليس بيده صلى الله عليه وسلم؛ كما قال: {وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} الآية4"5.
ثمّ وضح الشيخ الأمين رحمه الله أنّ التوفيق الخاص هو ملك لله يمنّ به على من يشاء من عباده؛ فقال عند تفسير قوله تعالى: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} 6.
"فملكه تعالى وحده للتوفيق والهداية هو الحجة البالغة على خلقه؛ يعني فمن هديناه وتفضلنا عليه بالتوفيق فهو فضل منا ورحمة. ومن لم نفعل له ذلك فهو عدل منا وحكمة؛ لأنه لم يكن له ذلك دينا علينا ولاواجبا مستحقا يستحقه علينا بل إن أعطينا ذلك ففضل، وإن لم نعطه فعدل"7.--------------------------------------------
1 سورة الأنعام، الآية [125] .
2 دفع إيهام الاضطراب 10/8.
3 سورة القصص، الآية [56] .
4 سورة المائدة، الآية [41] .
5 أضواء البيان 7/126-127. وانظر المصدر نفسه 3/268، 4/147، 6/456.
6 سورة الأنعام، الآية [149] .
7 أضواء البيان 7/223.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 547)
وتقسيم الشيخ الأمين رحمه الله للهداية إلى هذين النوعين ليس بدعا، بل قد سبقه إليه أئمة السلف رحمهم الله؛ منهم الإمام ابن القيم رحمه الله الذي قال في توضيح نوعي الهداية: (قوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} يتضمن طلب الهداية ممن هو قادر عليها، وهي بيده إن شاء أعطاها عبده، وإن شاء منعه إياها. والهداية معرفة الحقّ والعمل به، فمن لم يجعله تعالى عالما بالحق عاملا به لم يكن له سبيل إلى الاهتداء؛ فهو سبحانه المتفرد بالهداية الموجبة للاهتداء التي لايتخلف عنها؛ وهي جعل العبد مريدا للهدى محبا له مؤثرا له عاملا به. فهذه الهداية ليست إلى ملك مقرب ولانبيّ مرسل، وهي التي قال سبحانه فيها: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} 1، مع قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} 2؛ فهذه هداية الدعوة والتعليم والإرشاد، وهي التي هدى بها ثمود فاستحبوا العمى عليها، وهي التي قال تعالى فيها: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} 3؛ فهداهم هدى البيان الذي تقوم به حجته عليهم، ومنعهم الهداية الموجبة للاهتداء التي لايضلّ من هداه بها، فذاك عدله فيهم، وهذا حكمته؛ فأعطاهم ما تقوم به الحجة عليهم، ومنعهم ما ليسوا له بأهل ولايليق بهم) 4.
وقال رحمه الله أيضاً يتكلم عن القسم الثاني من أقسام الهداية، ألا وهو تفضل الله على العبد بتوفيقه رحمة منه وفضلاً جل وعلا: "التوفيق هو أن لا يكلك الله إلى نفسك وأن الخذلان هو أن يخلي بينك وبين نفسك، فالعبيد مقلبون بين توفيقه وخذلانه، بل العبد في الساعة الواحدة ينال--------------------------------------------
1 سورة القصص، الآية [56] .
2 سورة الشورى، الآية [52] .
3 سورة التوبة، الآية [115] .
4 شفاء العليل ص53. وانظر: المصدر نفسه ص65. وبدائع الفوائد 2/35. ولوامع الأنوار البهية 1/334. وشرح العقيدة الطحاوية ص500.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 548)
نصيبه من هذا وهذا … فإن وفقه فبفضله ورحمته، وإن خذله فبعدله وحكمته. وهو المحمود على هذا وهذا له أتمّ حمد وأكمله، ولم يمنع العبد شيئا هو له، وإنما منعه ما هو مجرد فضله وعطائه، وهو أعلم حيث يضعه وأين يجعله"1.--------------------------------------------
1 مدارج السالكين 1/413. وانظر شرح الطحاوية ص500.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 549)
المبحث الرابع: أفعال العباد بين الإفراط والتفريط
المطلب الأول: وسطية أهل السنة والجماعة في أفعال العباد
ذكر الشيخ الأمين رحمه الله أنّ هذه المسألة قد ضلّ فيها القدرية والجبرية، وهدى الله فيها أهل السنة والجماعة إلى القول الحقّ بإذنه؛ فقال رحمه الله: "أما القدرية فضلوا بالتفريط؛ حيث زعموا أنّ العبد يخلق عمل نفسه استقلالا من غير تأثير لقدرة الله فيه. وأما الجبرية فضلوا بالإفراط؛ حيث زعموا أنّ العبد لاعمل له أصلا حتى يؤاخذ به. وأما أهل السنة والجماعة فلم يفرطوا ولم يفرطوا؛ فأثبتوا للعبد أفعالا اختيارية –ومن الضروري عند جميع العقلاء أنّ الحركة الارتعاشية ليست كالحركة الاختيارية-، وأثبتوا أنّ الله خالق كل شيء؛ فهو خالق العبد وخالق قدرته وإرادته. وتأثير قدرة العبد لا يكون إلا بمشيئة الله تعالى، فالعبد وجميع أفعاله بمشيئة الله تعالى، مع أنّ العبد يفعل اختيارا بالقدرة والإرادة اللتين خلقهما الله فيه فعلا اختياريا يثاب عليه ويعاقب"1.
وقد بسط الشيخ الأمين رحمه الله عقيدة أهل السنة والجماعة في القدر، وبين وسطيتهم بين الغالين والمفرطين، وقررها أحسن تقرير؛ فأتى بخلاصة معتقد السلف في القدر؛ فقال رحمه الله: "إنّ الله تبارك وتعالى قدر--------------------------------------------
1 دفع إيهام الاضطراب 10/330. وانظر معارج الصعود ص297-298.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 550)
مقادير الخلق قبل أن يخلق الخلق، وعلم أنّ قوما صائرون إلى الشقاء، وقوما صائرون إلى السعادة؛ فريق في الجنة وفريق في السعير. وأقام الحجة على الجميع ببعث الرسل وتأييدهم بالمعجزات التي لا تترك في الحقّ لبسا، فقامت عليهم حجة الله في أرضه بذلك. ثمّ إنه تعالى وفق من شاء توفيقه، ولم يوفق من سبق لهم في علمه الشقاء الأزلي، وخلق لكلّ واحد منهم قدرة وإرادة يقدر بها على تحصيل الخير والشر، وصرف قدرتهم وإرادتهم بقدرته وإرادته إلى ما سبق لهم في عمله من أعمال الخير المستوجبة للسعادة وأعمال الشر المستوجبة للشقاء. فأتوا كلّ ما أتوا، وفعلوا كلّ ما فعلوا طائعين مختارين غير مجبورين ولامقهورين: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} 1، {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} 2"3.
وبهذه الخلاصة الجامعة أبرز الشيخ الأمين رحمه الله عقيدة أهل السلف في القدر موضحا وسطية أهل السنة والجماعة بين الغالين والجافين.
وقد سبقه إلى بيان هذه الوسطية علماء أجلاء من أهل السنة والجماعة؛ منهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الذي قال: "اعلم أنّ العبد فاعل على الحقيقة وله مشيئة ثابتة، وله إرادة جازمة، وقوة صالحة. وقد نطق القرآن بإثبات مشيئة العباد في غير ما آية؛ كقوله: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} 4، ونطق بإثبات فعله في عامة آيات القرآن: يعملون، يفعلون، يؤمنون، يكفرون، يتفكرون، يحافظون، يتقون. وكما أنا فارقنا مجوس الأمة بإثبات أنه تعالى خالق،--------------------------------------------
1 سورة الإنسان، الآية [30] .
2 سورة الأنعام، الآية [149] .
3 أضواء البيان 7/223-224.
4 سورة التكوير، الآية [28] .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 551)
فارقنا الجبرية بإثبات أنّ العبد كاسب فاعل صانع عامل، والجبر المعقول الذي أنكره سلف الأمة وعلماء السنة هو أن يكون الفعل صادرا على الشيء من غير إرادة ولا مشيئة ولا اختيار؛ مثل حركة الأشجار بهبوب الرياح"1.
وقال رحمه الله أيضا: "الأعمال والأقوال والطاعات والمعاصي هي من العبد؛ بمعنى أنها قائمة به، وحاصلة بمشيئته وقدرته، وهو المتصف بها والمتحرك بها الذي يعود حكمها عليه. وهي من الله بمعنى أنه خلقها قائمة بالعبد وجعلها عملا له وكسبا؛ كما يخلق المسببات بأسبابها؛ فهي من الله مخلوقة له، ومن العبد صفة قائمة به واقعة بقدرته وكسبه كما إذا قلنا هذه الثمرة من الشجرة، وهذا الزرع من الأرض؛ بمعنى أنه حدث منها، ومن الله بمعنى أنه خلقه منها: لم يكن بينهما تناقض"2.--------------------------------------------
1 مجموع الفتاوى 8/393-394.
2 نقلاً عن لوامع الأنوار البهية 1/313.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 552)
المطلب الثاني: موقف الشيخ الأمين من الجبرية
أوضح الشيخ الأمين رحمه الله معتقد الجبرية، وبين أنهم وقعوا في التفريط حيث زعموا أنّ العبد لافعل له، بل هو مجبور من قبل الله لا مشيئة له في حركة ولاسكون1.
وقد ردّ رحمه الله على هذه الفرقة الضالة في مواطن عديدة من تفسيره، وأورد شبههم التي يتعلقون بها، فأسقطها وأقام عليهم الحجة بالآيات القرآنية والبراهين العقلية؛ فقال رحمه الله في معرض الردّ عليهم: "وادعاء أنّ العبد مجبور لا إرادة له ضروريّ السقوط عند عامة العقلاء. ومن أعظم الضروريات الدالة عليه أنّ كلّ عاقل يعلم أنّ بين الحركة الاختيارية والحركة الاضطرارية كحركة المرتعش فرقا ضروريا لا ينكره عاقل. وأنك لو ضربت من يدعي أنّ الخلق مجبورون وفقأت عينه مثلا، وقتلت ولده واعتذرت له بالجبر فقلت له: أنا مجبور ولا إرادة لي في هذا السوء الذي فعلته بك، بل هو فعل الله وأنا لا دخل لي فيه؛ فإنه لا يقبل منك هذه الدعوى بلا شك، بل يبالغ في إرادة الانتقام منك قائلا: إنّ هذا بإرادتك ومشيئتك"2.
وهكذا يصور لنا الشيخ الأمين رحمه الله تفاهة هذا المعتقد، ويبين أنه لايقوم على أساس صحيح، بل ولا ينظر إلى حقيقة القدر إلا من عين واحدة.
وقد تطرق رحمه الله إلى ذكر بعض شبه الجبرية التي أقاموا عليها مذهبهم، فأوردها رحمه الله بصيغة مناظرة بين جبريّ وسنيّ؛ فقال رحمه--------------------------------------------
1 انظر معارج الصعود ص298. ولعلها (الإفراط وليست التفريط) .
2 أضواء البيان 7/224.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 553)
الله: "لو فرضنا أنّ جبريا ناظر سنيا، فقال الجبري: حجتي لربي أن أقول: إني لست مستقلا بعمل، وإني لابدّ أن تنفذ فيّ مشيئته وإرادته على وفق العلم الأزلي، فأنا مجبور فكيف يعاقبني على أمر لاقدرة لي أن أحيد عنه؟
فإن السنيّ يقول له: كلّ الأسباب التي أعطاها للمهتدين أعطاها لك؛ جعل لك سمعا تسمع به، وبصرا تبصر به وعقلا تعقل به. وأرسل لك رسولا، وجعل لك اختيارا وقدرة، ولم يبق بعد ذلك إلا التوفيق، وهو ملكه المحض، إن أعطاه ففضل، وإن منعه فعدل؛ كما أشار له تعالى بقوله: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} 1؛ يعني أنّ ملكه للتوفيق حجة بالغة على الخلق؛ فمن أعطيه ففضل، ومن منعه فعدل"2.
وهذه الشبهة التي أوردها الشيخ الأمين رحمه الله وردّ عليها قد ردّ عليها غير واحد من السلف رحمهم الله بنحو ردّ الشيخ الأمين رحمه الله؛ منهم العلامة ابن القيم رحمه الله الذي قال يردّ على هذه الشبهة الجبرية: "فما احتج بالقدر على إبطال الأمر والنهي إلا من هو من أجهل الناس وأظلمهم وأتبعهم لهواه.
وتأمل قوله تعالى بعد حكايته عن أعدائه واحتجاجهم بمشيئته وقدره على إبطال ما أمرهم به رسوله، وأنه لولا محبته ورضاه به لما شاءه منهم: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} 3؛ فأخبر سبحانه أنّ الحجة له عليهم برسله وكتبه وبيان ما ينفعهم ويضرهم وتمكنه من الإيمان بمعرفة أوامره ونواهيه، وأعطاهم الأسماع والأبصار والعقول.--------------------------------------------
1 سورة الأنعام، الآية [149] .
2 دفع إيهام الاضطراب 10/331.
3 سورة الأنعام، الآية [149] .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 554)
فثبتت حجته البالغة عليهم بذلك، واضمحلت حجتهم الباطلة عليه بمشيئته وقضائه"1.
وأورد الشيخ الأمين رحمه الله أيضا للجبرية شبهة أخرى يبنون عليها معتقدهم الفاسد، وردّ عليها، وفندها. وقد ذكرها رحمه الله مرارا لأهميتها؛ فقال رحمه الله ذاكرا الشبهة ورادا عليها: "فإن قيل: إذا كانوا لايستطيعون السمع، ولايبصرون ولايفقهون؛ لأنّ الله جعل الأكنة المانعة من الفهم على قلوبهم، والوقر الذي هو الثقل المانع من السمع في آذانهم: فهم مجبورون. فما وجه تعذيبهم على شيء لايستطيعون العدول عنه والانصراف إلى غيره؟ فالجواب: أنّ الله جل وعلا بين في آيات كثيرة من كتابه العظيم أنّ تلك الموانع التي يجعلها على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم؛ كالختم والطبع والغشاوة والأكنة ونحو ذلك إنما جعلها عليهم جزاء وفاقا لما بادروا إليه من الكفر وتكذيب الرسل باختيارهم؛ فأزاغ الله قلوبهم بالطبع والأكنة ونحو ذلك جزاء على كفرهم؛ فمن الآيات الدالة على ذلك: قوله تعالى: {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِم} 2، أي بسب كفرهم، وهو نص قرآني صريح في أنّ كفرهم السابق هو سبب الطبع على قلوبهم. وقوله: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} 3، وهو دليل أيضا واضح على أنّ سبب إزاغة الله قلوبهم هو زيغهم السابق. وقوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِم} 4 وفي قوله تعالى: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً … } الآية5، وقوله: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا--------------------------------------------
1 شفاء العليل ص17.
وانظر رفع الشبهة والغرر عمن يحتج على فعل المعاصي بالقدر، للعلامة مرعي الكرمي ص30.
2 سورة النساء، الآية [155] .
3 سورة الصف، الآية [5] .
4 سورة المنافقون، الآية [3] .
5 سورة البقرة، الآية [10] .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 555)
لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} 1، وقوله تعالى: {كَلَاّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} 2، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنّ الطبع على القلوب ومنعها من فهم ماينفع: عقاب من الله على الكفر السابق على ذلك. وهذا الذي ذكرنا هو وجه ردّ شبهة الجبرية التي يتمسكون بها في هذه الآيات المذكورة وأمثالها في القرآن العظيم"3.
وقد ردّ على هذه الشبهة أيضا عدد من أئمة السلف؛ منهم العلامة ابن القيم رحمه الله الذي قال مبينا سبب الختم والطبع والران على القلوب: "ولكنه عقوبة على كفرهم وإعراضهم السابق؛ فإنه سبحانه يعاقب على الضلال المقدور بإضلال بعده، ويثيب على الهدى بهدى بعده، كما يعاقب على السيئة بسيئة مثلها ويثيب على الحسنة بحسنة مثلها.... –إلى أن قال:- فإنه إذا دعا عبده إلى معرفته ومحبته وذكره وشكره فأبى العبد إلا إعراضا وكفرا قضى عليه بأن أغفل قلبه عن ذكره، وصده عن الإيمان به، وحال بين قلبه وبين قبول الهدى؛ وذلك عدل منه فيه، وتكون عقوبته بالختم والطبع والصدّ عن الإيمان كعقوبته له بذلك في الآخرة مع دخول النار.... وكذلك عماهم عن الهدى في الآخرة عقوبة لهم على عماهم في الدنيا، ولكنّ أسباب هذه الجرائم في الدنيا كانت مقدورة لهم واقعة باختيارهم وإرادتهم وفعلهم، فإذا وقعت عقوبات لم تكن مقدورة، بل قضاء جار عليهم ماض عدل فيهم"4.
وقد أجاب أيضا عن هذه الشبهة الإمام أبي العزّ الحنفي رحمه الله الذي قال: "والجواب الصحيح عنه أن يقال: إنّ ما يبتلى به العبد من الذنوب الوجودية وإن كانت خلقا لله تعالى، فهي عقوبة له على ذنوب--------------------------------------------
1 سورة الأنعام، الآية [110] .
2 سورة المطففين، الآية [14] .
3 أضواء البيان 4/144-145. وانظر: المصدر نفسه 6/653، 7/109-110، ودفع إيهام الاضطراب 10/9-10. ومعارج الصعود ص79.
4 شفاء العليل ص86.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 556)
قبلها؛ فالذنب يكسب الذنب، ومن عقاب السيئة السيئة بعدها؛ فالذنوب كالأمراض التي يورث بعضها بعضا"1.--------------------------------------------
1 شرح الطحاوية ص497.
وقد ردّ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله على هذه الشبهة بنحو ردود هؤلاء السلف رحمهم الله، (انظر الفتاوى 14/331) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 557)
المطلب الثالث: موقف الشيخ الأمين رحمه الله من القدرية النفاة
بين الشيخ الأمين رحمه الله معتقد القدرية في أفعال العباد موضحا أنهم وقعوا في الإفراط في هذا الباب بإنكارهم القدر وجعلهم العبد مستقلا بكلّ ما يفعل، ليس لمشيئة الله دخل في ذلك1؛ فقال رحمه الله في معرض الردّ عليهم: "ومن أعظم الأدلة القطعية الدالة على بطلان مذهب القدرية، وأنّ العبد لايستقل بأفعاله دون قدرة الله ومشيئته: أنه لا يمكن لأحدٍ أن ينكر علم الله بكل شيء قبل وقوعه، والآيات والأحاديث الدالة على هذا لا ينكرها إلا مكابر. وسبق علم الله بما يقع من العبد قبل وقوعه برهان قاطع على بطلان تلك الدعوى. وإيضاح ذلك: أنك لو قلت للقدري: إذا كان علم الله في سابق أزله تعلق بأنك تقع منك السرقة أو الزنا في محلّ كذا في وقت كذا، وأردت أنت بإرادتك المستقلة في زعمك دون إرادة الله ألا تفعل تلك السرقة أو الزنا الذي سبق بعلم الله وقوعه، فهل يمكنك أن تستقلّ بذلك؟ وتصير علم الله جهلا بحيث لا يقع ما سبق في علمه وقوعه في وقته المحدد له؟ والجواب بلا شك هو: أنّ ذلك لا يمكن بحال؛ كما قال تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} 2، وقال الله تعالى: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} 3. ولا إشكال البتة في أنّ الله يخلق للعبد قدرة وإرادة يقدر بها على الفعل والترك، ثمّ يصرف الله بقدرته وإرادته قدرة العبد وإرادته إلى ما سبق به علمه فيأتيه العبد طائعا مختارا غير مقهور--------------------------------------------
1 انظر معارج الصعود ص297.
2 سورة الإنسان، الآية [30] .
3 سورة الأنعام، الآية [149] .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 558)
ولا مجبور، وغير مستقلّ به دون قدرة الله وإرادته؛
كما قال تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} 1"2.
وهذا المعتقد الذي قرره الشيخ الأمين رحمه الله هو عين ما قرره قبله أئمة السلف رحمهم الله؛ مثل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الذي قال: "إنّ أئمة أهل السنة يقولون: إنّ الله خالق أفعال العباد، كما أنّ الله خالق كلّ شيء، وأنه تعالى خالق الأشياء بالأسباب، وأنه تعالى خلق للعبد قدرة بها يكون فعله، وأنّ العبد فاعل لفعله حقيقة"3.
ومنهم العلامة ابن القيم رحمه الله الذي قال في معرض حديثه عن عقيدة السلف في القدر: "فإنهم يثبتون قدرة الله على جميع الموجودات؛ من الأعيان والأفعال، ومشيئته العامة، وينزهونه أن يكون في ملكه ما لا يقدر عليه، ولا هو واقع تحت مشيئته، ويثبتون القدر السابق، وأنّ العباد يعملون على ما قدره الله وقضاه وفرغ منه، وأنه لا يشاؤون إلا أن يشاء الله، ولايفعلون إلا من بعد مشيئته، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن"4.
ثمّ أخذ رحمه الله يوضح معتقد أهل السنة في أفعال العباد، فقال: "فحركاتهم واعتقاداتهم أفعال لهم حقيقة، وهي مفعولة لله سبحانه، مخلوقة له حقيقة، والذي قام بالرب عز وجل علمه وقدرته ومشيئته وتكوينه. والذي قام بهم هو فعلهم وكسبهم وحركاتهم وسكناتهم، فهم المسلمون المصلون القائمون القاعدون حقيقة، وهو سبحانه هو المقدر على ذلك القادر عليه الذي شاءه منهم وخلقه لهم، ومشيئتهم وفعلهم بعد--------------------------------------------
1 سورة الأنعام، الآية [149] .
2 أضواء البيان 7/224-225.
3 نقلا عن لوامع الأنوار البهية 1/213.
4 شفاء العليل ص52.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 559)
مشيئته؛ فما يشاؤون إلا أن يشاء الله. وما يفعلون إلا أن يشاء الله"1.
وأما عن مذهب القدرية النفاة في هذا الباب:
فقد تعرض له الشيخ الأمين رحمه الله في مواضع عديدة من تفسيره، فردّ عليه، وبين بطلانه وتفاهته، وأسقط الأدلة التي قام عليها، وبين تهافتها:
قال رحمه الله عند تفسير قوله تعالى: {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً} 2: "ويؤخذ من هذه الآيات وأمثالها في القرآن الكريم بطلان مذهب القدرية: أنّ العبد مستقلّ بعمله من خير أو شرّ، وإنّ ذلك ليس بمشيئة الله بل بمشيئة العبد، سبحانه جل وعلا عن أن يقع في ملكه شيء بدون مشيئته، وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا"3.
وقال رحمه الله عند تفسير قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} … –إلى قوله- {وَكَانُوا قَوْماً بُوراً} 4: "واعلم أنّ ما ذكره الزمخشري في هذه الآية وأطنب فيه من أنّ الله لايضلّ أحدا: مذهب المعتزلة؛ وهو مذهب باطل، في غاية الوضوح من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فإياك أن تغترّ به"5.
وأورد الشيخ رحمه الله عند تفسيره لقوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} 6.--------------------------------------------
1 شفاء العليل ص52.
2 سورة الكهف، الآية [17] .
3 أضواء البيان 4/40.
4 سورة الفرقان، الآيتان [17-18] .
5 أضواء البيان 6/300.
6 سورة الزخرف، الآية [81] .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 560)
قول الزمخشري الذي أساء الأدب مع كلام الله، وضرب لهذه الآية مثلا بقوله: "ونظيره أن يقول العدلي للمجبر: إن كان الله تعالى خالقا للكفر في القلوب ومعذبا عليه عذابا سرمدا، فأنا أول من يقول هو شيطان وليس بإله"1.
وقد ردّ الشيخ الأمين رحمه الله على هذا القول الشنيع وبين فساد معتقده، فقال: "فانظر قول هذا الضال في ضربه المثل في معنى هذه الآية الكريمة بقول الضال الذي يسميه العدلي: إن كان الله خالقا للكفر في القلوب..إلخ. فخلق الله للكفر في القلوب وتعذيبه الكفار على كفرهم مستحيل عنده كاستحالة نسبة الولد لله. وهذا المستحيل في زعمه الباطل إنما علق عليه أفظع أنواع المستحيل، وهو زعمه الخبيث أنّ الله إن كان خالقا للكفر في القلوب ومعذبا عليه فهو شيطان، لا إله إلا الله سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. فانظر رحمك الله فظاعة جهل هذا الإنسان بالله، وشدة تناقضه في المعنى العربي للآية؛ لأنه جعل قوله: إن كان الله خالقا للكفر ومعذبا عليه بمعنى {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ} 2؛ في أنّ الشرط فيهما مستحيل. وجعل قوله في الله أنه شيطان –لا إله إلا الله سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا- كقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: "أنا أول العابدين". فاللازم لكلامه أن يقول: لو كان خالقا للكفر فأنا أول العابدين. وقد أعرضت عن الإطالة في بيان بطلان كلامه وشدة ضلاله وتناقضه: لشناعته ووضوح بطلانه؛ فهي عبارات مزخرفة، وشقشقة لا طائل تحتها، وهي تحمل في طياتها الكفر والجهل بالمعنى العربي للآية، والتناقض الواضح.... ولا يخفى تصريح القرآن بأنّ الله خالق كلّ شيء؛ كما قال تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} الآية3، وقال تعالى:--------------------------------------------
1 أضواء البيان 7/302.
2 سورة الزخرف، الآية [81] .
3 سورة الزمر، الآية [62] .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 561)