أما قولهم: إن الملائكة يعتقدون الثالوث الذي يقولون به فبهت قبيح وكذب صريح بَنَوْهُ على فاسد معتقدهم. وإلاّ فمن أين علموا أن اعتقاد الملائكة ما حكوه عنهم والدليل على تخرص ذلك على الملائكة التوراة والإنجيل والمزامير فإنها شاهدة بالتوحيد وتنْزيه الباري عن الثاني والثالث. وقد قال لوقا: "إن جبريل حين خاطب مريم وسلّم عليها ارتاعت منه. وقالت: ما هذا السلام؟ فقال لها جبريل: اعلمي أبي أنا جبريل الواقف قدّام الله جئتك أبشرك"1.
وقد أكثرنا من ذكر الشواهد على التوحيد مما يقضي ببطلان هذه القراءة وتبيّن تخرص من ألّفها.
وفي قول النصارى / (2/94/ب) هَا هنا: "لأنك قبل الكلّ لم تزل"، يدلّ على حدث الابن والروح القدس لتأخرهما2 عن الأب في الوجود. إذ لو كانا قديمين لم يكونا مسبوقين. فإن عبّر النصارى عن صفتي العلم والحياة بالابن والروح. قلنا لهم: فالصفتان قديمتان أيضاً. فكيف يكون الأب قبل الكل والصفة لا تتأخر عن موصوفها؟ فالقراءة على ذلك باطلة. فنحن نسألهم عن الابن والروح أهما [إلهان أزليان أو مخلوقان حادثان؟] 3.
فإن كانا حادثين4 مخلوقين فقد أبطلوا القول بألوهيتهما وأبطلوا القول بالتثليث. وإن كانا إلهين خالقين بطل أن يكون الأب سابقاً لهما وفسدت هذه التلاوة.--------------------------------------------
1 لوقا 1/28-30.
2 في م: إذاخرهما.
3 في ص، م (إلهين أزليين أو مخلوقين حادثين) والصواب ما أثبتّه.
(فإن كانا حادثين) ليست في (م) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 641)
وأما قولهم: "ثالوثاً واحداً". فلا تظن أنهم يعتقدون أنها صفات للذات بل مرادهم أن الآلهة ثلاثة فقط بغير رابع. والدليل عليه إفراد كل واحد منهم بالذكر والتعبد والسؤال كما شهدت به الصلوات والأمانة التي لهم والتسابيح. ولو كانوا يردون ذلك إلى أنهم صفات للذات لاقتصروا على إفراد / (2/95/أ) الله تعالى بالذكر كما أفرد موسى عليه السلام والأنبياء عليهم السلام. فهل تجدون في التوراة والنبوات للتثليث ذكراً ألتبة؟ على أن النصارى قد عبدوا بني آدم، ألا تراهم كيف يقرؤون في الصلاة: "تعالوا نسجد تعالوا نتضرع للمسيح إلهنا". والمسيح هو المولود الذي ولدته مريم عليهما السلام.
94- فضيحة أخرى: النصارى يقرؤن في صلاة نصف الليل وهي الثامنة: "تبارك الرّبّ إله آبائنا وفوق المتعالي إلى الدهر. تبارك1 مجدك القدوس فوق المسيح وفوق المتعالي إلى الدهر. مبارك أنت فوق المسيح وفوق المتعالي إلى الدهر"2. وكرروا هذه الفوقية في هذه الصلاة دفعات. فوصفوا الله تعالى بأنه فوق المسيح وفوق مَن هو أعلى من المسيح وذلك مناقض لما قرؤوه في صلاة النوم إذ قالوا فيها: "إن المسيح نطير الله في الابتداء وإن روح القدس مساويه في الكرامة". فإن كان الله فوق المسيح بطل قولهم أنه نظيره. وإن كان المسيح نطيره بطل أن يكون فوقه. / (2/95/ب) فلا بدّ من إبطال أحد القراءتين ضرورة الوفاء3 بالأخرى.
ثم نقول لهم: أليس أقنوم الوجود وأقنوم الحياة وأقنوم العلم متساوية في الأزلية والقِدَم واستحقاق الربوبية. فما الذي خصص أحدهم بالفوقية دون الآخرين وليس مقدماً عليهم؟.--------------------------------------------
(تبارك مجد … إلى آخر الصلاة) ليست في (م) .
2 ورد معنى هذه القراءة في كتاب: (ترانيم ومدائح منتخبة ص 33، 34) .
3 في م: بالوفاء.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 642)
فإن أبيتم إلاّ إثبات الفوقية له عليهما فقد أثبتم أنهما دونه. وذلك تشويش للثالوث وإن وفيتم1 بالثالوث أبطلتم هذه القراءة ولا سبيل إلى إبطالها. فإن التوراة والإنجيل والنبوات شاهد لها2 بالصحّة؛ إذ خصصت الباري بالألوهية ووصفته بأنه المتعالي فوق المسيح وفوق كل شيء. جلّ وعلا وتقدّس عما يقول الجاحدون علوّاً كبيراً.
فهذه بهديكم ثمان صلوات قد اشتملت على الكفر والبهت والفجر وقلة الحياة. وذلك أن أحدهم يقوم [مضمخاً] 3 ببوله فيتوجه إلى مشرق الشمس - وهي جهة كان المسيح وغيره من الأنبياء يتنكبها في صلاته - فيناجي رجلاً من بني آدم فيقول في قراءته: "يا من قتله اليهود وصلبوه، وسمّروا يديه على خشبة وتركوه على جذعة بين اللصوص حتى أسالت الشمس دمه وحتى لصق بالخشبة / (2/96/أ) جسده. برحمة المسامير التي سمّرت بها في يديك ارحم من خلقت بيديك4 يا الله".
وهذا - حوشيتم - لو خوطب به زعيم قرية أو رئيس محلة لتطيّر من سماعه وعجّل العقوبة لقائله. فكيف بمن يناجي بذلك إلهه وربّه جل وعلا؟!.
سؤال على النصارى:
نقول للنصارى: أخبرونا ما الذي صنعه الله بيسوع حتى صار ابناً له إذ لم تقولوا بالنبوة المعروفة المتّحدة من الزوجة والمملوكة؟.--------------------------------------------
1 في م: أفيتم.
2 ليست في (م) .
3 في ص، م (متضمخ) والصواب ما أثبتّه.
4 في م: تكرر: "ارحم من خلقت بيديك".
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 643)
فإن قالوا: "مسحه فصار بمسحه له مسيحاً وابناً. قلنا: أبينوا لنا هل مسحه بدهن؟ فإن قالوا: نعم. ساووا بينه وبين داود وغيره. إذ قال داود في مزاميره: "صبياً كنت في غنم أبي فأخذني ربّبي ومسحني بدهن مسيحه"1.
وقال داود في مزمور آخر: "ائتمر2 الشعوب على الرّبّ وعلى مسيحه" 3. يعني: نفسه.
وقال الله تعالي في السفر الثالث من التوراة ويسمى سفر الكهنة: "إن الحبر الممسوح من أولاد هارون هو الذي يتولى القرابين ورش الدم على زوايا المذبح"4. وذلك مشهور عندهم فالمسيح هو الممسوح فما زادوا أن وصفوه بوصف / (2/96/ب) كاهن.
وفي الإصحاح الخامس من هذا السفر: "قال الله لموسى: اعمد إلى هارون وبنيه وخذ اللباس ودهن5 المسيحين الذي يمسح به الأحبار وخذ الجماعة كلها إلى باب قبة الأمد. وقدم هارون وألبسه لباس الكهنة وكلله بأكليل من ذهب وصب على رأسه من دهن المسيحين [وامسحه] 6 وقدسه. ففعل موسى ذلك بهارون"7.
فما نرى المسيح له مَزِيَّة على داود وهارون في ذلك. وما نراه نسج له إلاّ على منوال من تقدم من صفوة الله تعالى.
وقد حكوا عن إنجيل لوقا أن جبريل بشّر مريم بأن ولدها المسيح ابن داود يجلسه الرّبّ على كرسي أبيه داود، ويملكه على بيت يعقوب. وذلك يتقاضى أن--------------------------------------------
1 مزمور 23/5، 89/20.
2 في م: أقيموا.
3 مزمور 2/2.
4 لاويين 4/5، 6.
5 في م: وهني.
6 في ص، م (ومسحه) والصواب ما أثبتّه.
7 سفر الخروج الإصحاح (8) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 644)
يكون1 أفضل منه أو معه في رتبة الفضل - فيالله العجب - جبريل يخبر عن الله أن المسيح هو ابن داود، وأنتم تقولون كلا ولكنه ربّ داود. لقد تباعد ما بينكم وبين جبريل، ومن كان عدوّاً لجبريل الأمين فهو لا شكّ عدوّ لله ربّ العالمين.
وإن قالوا: إنما جعله مسيحاً وابناً بتسمية سماه بها وسمى نفسه ابناً له. قلنا: وكذلك يعقوب إذ حكيتم / (2/67/أ) لنا عن التوراة أن الله تعالى قال لموسى: "ابني بكري إسرائيل"2. والبكر أَجَلُّ قَدراً عند والده من غير البكر على ما لا يخفى. والتوراة تشهد بأن للولد الأكبر سهمين في الميراث ولغيره سهم واحد3 ثم4 هو جَدُّ المسيح وعامة الأنبياء من نسله فهلاّ عبدتموه واتّخذتموه إلهاً؟!.
وإن زعموا أن المسيح إنما سمّاه الله ابناً للتربية وحسن التأديب - فلعمري - لئن كان الله قد غَذَّاه بغير رضاع وقوته بسوى الطعام المألوف وألبسه غير الثياب المعهودة وبعث إليه مَلَكاً يؤدبه واختلفت الملائكة إلى بيت أُمّه لزيارته وامتثال أوامره ليخالف بينه5 وبين سائر الناس إن ذلك لموضع شبهة. فأما وأمره في جميع أحواله على ما يعهد من الناس ولم تطهر له آية6 في صباه ولم يتكلم في المهد كما زعموا ولا زاد أبلغ ثلاثين7سنة على رجل من بني آدم. فما وجه ادعاء ربوبيته وألوهيته؟.--------------------------------------------
1 في ص (يكونا) والتصويب في م.
2 خروج 4/22.
3 تثنية 21/15-17.
4 ليست في (م) .
5 في م: عينه.
6 في م: أنه.
7 في م: ثلاثون.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 645)
ولو أن النصارى قالوا: إنه تكلم في المهد وخلق من الطين كهيئة الطير كما يقول فيه المسلمون لوجدوا شعباً / (2/97/ب) يستريحون إليه ساعة وساعة.
وإن قالوا: إنه إنما صار مسيحاً وابناً بمعمودية يوحنا، فقد اعترفوا بأن مريم لم تلد الابن المسيح في الحقيقة وإنما هي امرأة ولدت طفلاً من أطفال بني آدم. وحينئذٍ تكون بنوة المسيح مجرد تسمية لا غير. ويستوي حاله وحال من تَقَدَّمه في هذه التسمية من بني إسرائيل. وإن قالوا: إنما اتّخذه الله مسيحاً وابناً لأنه أطاعه1 طاعةً لم يطعها أحد قبله. وعبده عبادة لا يتصور أن يبلغها أحد. فنقول: كيف ذلك وإنما أطاع الله تعالى منذ عقل وبلغ مبالغ الرجال. وذلك دون [العشرين] 2 سنة وأنتم حكيتم لنا في التوراة أن موسى عليه السلام عَمَّر مائة وعشرين سنة3. فإذا طرحنا سِنَّ الصبي كان عمر المسيح خُمْس عمر موسى. وإذا كان الأمر كذلك فقد زادت أعمال موسى وطاعاته4 وأَرْبَت على طاعة المسيح.
وقد حكيتم لنا أن موسى مَلَك جانباً كبيراً من الأرض وقاتل الجبابرة وجاهد العمالقة وأباد الفراعنة وقتل عوجاً مبارزة وواصل5 / (2/98/أ) لله أربعين يوماً وأربعين ليلة لا يذوق طعاماً وابتلى بخلاف قومه وكثرة تلونهم وتعنتهم بالجهل المركوز في طباعهم فصبر عليهم ورفق بهم وساسهم وتلقى أوامر ربّه بصدر فسيح وباع رحيب. فلم يهب جباراً وإن عَظُم قَدْرُه ولا نكل عن عدوّ وإن تفاقم أمره. حتى فتح الشام ودوخ البلاد. ولما دنا حمامه وزمه6--------------------------------------------
1 في ص: زاد "الله".
2 في ص (العشرون) والصواب ما أثبتّه.
3 تثنية 34/7.
4 في م: وطاعته.
5 في م: زاد: (من) .
6 ليس في م.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 646)
من المقدور زمامه. تقدم إلى خادم كان له يقال له: يوشع بن نون يفتح باقي بلاد الشام وأفاض عليه من فاضل همته وصحيح عزمته ما شَدَّد شكيمته وأَيَّد نحيزته فقاتل أربعة وعشرين مَلِكاً وأبادهم عن جديد الأرض. وهذه عبادات لم يتفق للمسيح عليهما السلام مع نزول سنه. وأنتم أخبرتمونا في الإنجيل أن المسيح كان مذ بلغ الحلم إلى أن ناهز الثلاثين مشتغلاً بتعلم التوراة واقتباس العلم من أتباع موسى فلم يكن يُحَارِب ولا يُحَارَب ولا امتحن بما امتحن به موسى. فقد كذبتم في قولكم / (2/98/ب) إنه اتّخذ ابناً لتقدمه في الطاعات على غيره.
وكيف تستقيم لكم هذه الدعوى والمزامير تشهد بخلافهم. قال داود عليه السلام متنبئاً على المسيح: "أقسَم الرّبّ ولا يكذب إنك أنت الكاهن المؤيّد تشبه مملكي صادق"1. فشبه المسيح برجل كاهن كان في زمن إبراهيم الخليل وأقصى درجات الشبه أن يساوي المشبه به في الفضل. وهذا الكلام من داود يفضي بانحطاط درجة المسيح عن درجة إبراهيم وموسى - عيلهما السلام - إذ لا خلاف بين أهل الكتاب أن إبراهيم وموسى أفضل من ملكي صادق هذا الذي شُبه به المسيح فاعلم ذلك.
وإن قالوا: إنه كان [له] 2 من النية ما لم يكن لموسى ولا غيره - والأعمال بالنيات. - قلنا: لو عكس عليكم الأمر وقيل لكم: بل نية موسى كانت أعظم وقصده كان أتم وأفخم. فبماذا كنتم تجيبون؟ فإن من كان له من أنواع العبادات والقُربات ما وصفنا فهو أحق بأن يقال إن نيته أعظم من نية غيره فقد بطل جميع ما تمسك / (2/99/أ) النصارى به في بنوة المسيح واستوت حاله وحال أحبار بني إسرائيل في المسيحية والبنوة.--------------------------------------------
1 مزمور 110/4.
2 إضافة يقتضيها السياق. والله أعلم.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 647)
وإنما أوردنا ما أوردنا من ذلك كسراً لحجج النصارى وهدماً لأباطيلهم. ونحن والحمد لله أسلم قلوباً لأنبياء الله وأحسن قولاً منهم وأجمل اعتقاداً صلوات الله عليهم أجمعين. اهـ.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 648)
الباب العاشر: في البشائر الإلهية بالعزة المحمدية
…
لباب العاشر: في البشائر الإلهيّة بالعزّة المحمّديّة
في البشائر الإلهية بالعزّة المحمّدية:
وتشتمل على قسمين: نذكر في القسم الأوّل: ما نصت عليه الأنبياء من لدن إبراهيم إلى المسيح عليهم السلام مما يشهد بنبوة محمّد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحقّق رسالته وأنه عليه السلام أفضل النّبيّين والمرسلين. فلو لم يبعث محمّد صلى الله عليه وسلم لاختلفت أقوال الأنبياء ورُدَّت شهاداتهم وعكَّر ذلك على نبواتهم بالإبطال. وقد بالغوا عليهم السلام في التنصيص على اسمه ونعته وحليته وذكر أرضه وبلده وجميل سيرته وصلاح أمته / (2/99/ب) وسعادة ملته وأنه من ولد إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن. وأن دعوته تدوم إلى قيام القيامة.
والقسم الثاني: ر فيه ما جاء من الآيات البيّنات والخوارق الباهرات مما تضمّنه الكتاب العزيز واشتملت عليه السنة الطاهرة فأوجب الله به الحجة وأنار المحجة وأقام منار الأبرار ومحى بذلك آثار الكفار. ولتقع البداءة بما في التوراة من ذلك1.
- البشرى الأولى:
قالت التوراة في الفصل العاشر من السفر الأوّل منها: "إن الله تعالى قال لإبراهيم: إن في هذا العام يولد لك ولد اسمه إسحاق. فقال إبراهيم: ليت2--------------------------------------------
1 لقد حرصت على تتبع مواطن ذكر هذه البشارات في كتب الأديان التي ألّفها العلماء المسلمون. وخاصة العلماء الذين كانوا من أهل الكتاب وهداهم الله إلى الإسلام ذلك لتمكنهم من لغة التوراة والإنجيل ومعرفتهم الجيدة بمعانيها. فاستشهادهم بهذه البشارات يعتبر حجة على من يعتقدون قدسية تلك الكتب.
2 في م: كيت.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 651)
إسماعيل هذا يحيى بين يديك يمجدك. فقال الله تعالى: قد استجبت لك في إسماعيل وإني أباركه وأُيَمِّنه وأعظمه جدّاً جِدّاً بما قد استجبت فيه وأُصيِّره لأمة كبيرة وأعطيه شعباً جليلاً وسيلد اثني عشر عظيماً"1.
قلت: قد علم الموالف والمخالف والموافق والمفارق أنه لم يكن في ذرية إسماعيل مَنْ ظهرت بركته / (2/100/أ) ونمت أمته وأعطي الشعب الجليل سوى محمّد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلقد ملئوا الأرض برحبها2 وطبقوا من شرق الدنيا إلى غربها. ودوخوا الآفاق وأربوا في العدد على أولاد إسحاق. وهم - والحمد لله - لا يزدادون على مرّ الأيام إلاّ نماءً وكثرةً. وهذا بالغ في شرف إسماعيل إذ فخر الولد يكسب الوالد فخراً ويرفعه دنيا وأخرى. وناهيك بمن يصفه الله بالعظم والبركة واليمن والجلاله وبأقل من هذه الوعود يثبت الفضل على سائر المخلوقات؛ إذ اليسير من الله عظيم والعظيم منه فلا شيء أعظم منه.--------------------------------------------
1 تكوين 17/15-20. وقد وردت هذه البشارة في المراجع الآتية: (الدين والدولة ص 131، للمهتدي إلى الإسلام علي بن ربن الطبري. إفحام اليهود ص 115-116، للمهتدي السموأل المغربي. الجواب الصحيح 3/331، لابن تيمية، أعلام النبوة ص 198، للماوردي. هداية الحيارى ص 115، لابن القيم، الأجوبة الفاخرة ص 163، للقرافي، الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأهوام ص 265، للقرطبي، مقامع هامات الصلبان ص 217، لأبي عبيدة الخزرجي، إظهار الحقّ ص 517، لرحمة الله الهندي، ومحمّد رسول الله هكذا بشرت به الأناجيل ص 64، للمهتدي بشرى زخارى ميخائيل، محمّد صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل والقرآن ص 36، للمهتدي إبراهيم خليل أحمد) .
وقد ذكر السموأل - الذي كان من أحبار اليهود فأسلم - النّصّ العبري للنّصّ السابق 17/19 كالآتي: "وليشماعيل شمعيتَخَا هَنِّي يبرخْتى أونوا وهفريثي أوثو وهِزْ بيثي أوثو بماد ماد". ثم قال السموأل: فهذه الكلمة (بماد ماد) إذا عددنا حساب حروفها بالجمل كان اثنين وتسعين. وذلك عدد حساب حروف اسم (محمّد) صلى الله عليه وسلم. فإنه أيضاً اثنان وتسعون 10هـ. وتوضيح كلامه كالآتي: ب=2+م=40+أ=1+د =4=47، عدد كلمة (بماد) م=40+أ= أ=1+د=4=45 عدد كلمة (ماد) . ومجموع تلك الحروف:47-45=92. وهو عدد حروف اسم (محمّد) م=40+ح=8+م=40+د=4، المجموع: =92، وقد نقله القرطبي في الإعلام ص 265، 266. وذكره أيضاً عبد السلام - الذي كان من أحبار اليهود فأسلم - في كتابه: (الرسالة الهادية) . (ر: إظهار الحقّ ص 518) .
2 في م: (بر حربا) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 652)
- البشرى الثّانية:
قالت التوراة في الفصل التّاسع من السفر الأوّل: "إن الملك ظهر لهاجر وقد فارقت ساره. فقال يا هاجر مِن أين أقبلت؟ وإلى أين تريدين؟ فلما شرحت له الحال قال: ارجعي فإني سأكثر ذريّتك وزرعك حتى لا يحصون وها أنت تحبلين وتلدين ابناً تسمينه إسماعيل، لأن الله قد سمع تذللك1 وخضوعك. / (2/100/ب) وولدك يكون وحشي الناس2. وتكون يده فوق الجميع ويد الكل به. ويكون مسكنه على تخوم جميع إخوته"3.
فهذه بشارة شافه الله تعالى بها هاجر على لسان ملكه وأخبرها أنه جاعل يد ابنها العليا ويد من سواه السفلى. ولم تتم هذه البشرى إلاّ بمبعث محمّد صلى الله عليه وسلم.--------------------------------------------
1 في م: نداءك.
2 وردت العبارة في الدين والدولة ص 131، كالآتي: "وهو يكون عَيْر الناس". ويبيّن لنا المهتدي عبد الأحد داود أن العبارة محرفة وتصحيحها كالآتي: "وسوف يصبح إسماعيل ذا ذرية كثيرة". ويقول: لقد قام المسيحيون بترجمة نفس هذه الكلمة التي تعني: (وفير أو كثير) من الفعل: (PARA) الذي يرادفه بالعبرية لفظ: (وفير) ترجموها إلى معنى مغاير لحقيقة اللفظ ألا وهو: (الحمار الوحشي؟!) أليس من العار والكفر أن ينعت إسماعيل بالحمار المتوحش وهو النبي الذي كرمه الله فنعته (بصاحب الذرية الخصية الكثيرة العدد؟!! ".
3 تكوين 16/7-12. (ر: هذه البشارة في الدين والدولة ص 131، وأعلام النبوة ص 197، للماوردي، تحفة الأريب في الرّدّ على أهل الصليب ص 258، للمهتدي عبد الله الترجمان، الجواب الصحيح 3/305، وهداية الحيارى ص 114، الأجوبة الفاخرة ص 164، مقامع هامات ص 217، ص 266، محمّد صلى الله عليه وسلم في الكتاب المقدس ص60، 61، للمهتدي البروفسور عبد الأحد داود، محمّد رسول الله صلى الله عليه وسلم 64) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 653)
- البشرى الثّالثة1:
قالت التوراة في الفصل الثالث عشر من السفر الأوّل أيضاً: "قال الله لإبراهيم: إني جاعل ابنك إسماعيل لأمة عظيمة لأنه من زرعك"2.
- البشرى الرّابعة:
قالت التوراة في الفصل العشرين من السفر الخامس: "قال موسى: أقبل الله من سينا3.وتجلى من ساعير. وظهر من جبال فاران. معه ربوات الأطهار عن يمينه"4.--------------------------------------------
1 في م: الثالث.
2 تكوين 21/12، 13، كالآتي: "قال الله لإبراهيم … لأنه بإسحاق يدعى لك نسل وابن الجارية أيضاً سأجعله أمة لأنه نسلك". المراد بابن الجارية هو إسماعيل عليه السلام. وهذا من تحريف أهل الكتاب لتوراتهم. وتثبيت نظرة الحقد الاحتقار إلى ذرية إسماعيل عليه السلام واعتبارهم أبناء الجارية. ويؤكد لك ما ورد في رسالة بولس إلى غلاطية 4/21-31، وفيه:
"كن ماذا يقول الكتاب اطرد الجارية وابنها لأنه لا يرث ابن الجارية مع ابن الحرة. إذاً أيّها الإخوة لسنا أولاد جارية بل أولاد الحرة". اهـ. (ر: البشارة في الدين والدولة ص 132، والجواب الصحيح 3/311، وهداية الحيارى ص 114، الأجوبة الفاخرة ص 165، محمّد رسول الله صلى الله عليه وسلم 64) .
3 في م: الواو ساقطة.
4 تثنية 33/1-3. وقد تكرر معنى هذه البشارة في سفر حقبوق 3/3 كالآتي: "الله جاء من تيمان والقدوس من جبال فاران، سلاه. جلاله غطى السماوات والأرض أمتلات من تسبيحه وكان لمعان كالنور".
وقد وردت البشارة في الدين والدولة ص 138، الإعلام بمناقب الإسلام ص 203، للعامري، أعلام النبوة ص 199، الفصل في الملل والنحل 8/194، لابن حزم، الجواب الصحيح 3/212، وهداية الحيارى ص 112، الأجوبة الفاخرة ص 165، إفحام اليهود ص 118، الإعلام ص 264، تحفة الأريب ص 265، مقامع هامات ص 216، إظهار الحق ص 517، محمّد رسول الله صلى الله عليه وسلم 63، النصيحة الإيمانية في فضيحة الملة النصرانية ص 346، للمهتدي نصر بن يحيى المتطبب، محمّد صلى الله عليه وسلم ص 32،عبد الأحد، محمّد رسول الله ص63، محمّد صلى الله عليه وسلم ص 65-67، إبراهيم خليل) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 654)
فسيناء1 الجبل الذي كلم الله فيه موسى. وساعير2 هو جبل الخليل بالشام. وكان المسيح يتعبد فيه ويناجي ربّه. وفاران3 جبل بني هاشم الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحنث فيه ويتعبد4. وقد خصت التوراة محمّد صلى الله عليه وسلم / (2/101/أ) بزيادة على موسى وعيسى، فقالت: "معه ربوات الأطهار عن يمينه". وذلك كناية عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني بالربوات: الجماعات من الأكابر والمعظمين في الدين على مذهب تسمية العظيم القدر "رباً". فجمعوا الرّبّ ربوات ولم يقولوا (أرباباً) لفساد التعبير وسوء الترجمة. كما قال فولس مفسرهم: "إن جبل فاران متّصل ببلاد أرابيا"5. يريد بلاد العرب.--------------------------------------------
1 سيناء: أو حوريب اسم جبل واقع في شبه جزيرة سيناء جنوباً. وهناك رأيان في موقعه: أحدهما أنه جبل سربال في واد فيران. والآخر: أنه جبل موسى. (ر: قاموس ص 498، الموسوعة الميسرة ص 1057) .
2 ساعير: جبال ممتدة في الجهة الشرقية من وادي عربة من البحر الميت إلى خليج العقبة سميت كذلك نسبة إلى سعير الحوري. ويطلق على جبل في أرض يهوذا. بين قرية يعاريم وبيت شمس. (ر: قاموس ص 466، دائرة المعارف 9/623، للبستاني) .
3 فاران: كلمة عبرانية معربة. من أسماء مكة أو جبال الحجاز. وقيل: إن (فاران) اسم أحد العمالقة السبعة الذين اقتسموا الأرض. فجعلوا الفاران الحجاز. (ر: معجم البلدان4/225،ياقوت الحموي، النصيحة الإيمانية ص346،تحفة الأريب ص265) .
قال شيخ الإسلام في تعليقه على البشارة السابقة: "وعلى هذا فيكون ذكر الجبال الثلاثة حقاً. جبل حراء الذي ليس حول مكة، جبل أعلى منه، ومنه كان نزول أوّل الوحي على النبيّ صلى الله عليه وسلم. وحوله من الجبال جبال كثيرة حتى قد قيل: إن بمكة اثني عشر ألف جبل. وذلك المكان يسمى فاران إلى هذا اليوم والبرية التي بين مكة وطور سيناء تسمى (برية فاران) . ولا يمكن أحد أن يدّعي أنه - بعد المسيح - نزل كتاب في شيء من تلك الأرض ولا بعث نبي". (ر: الجواب 3/301.
4 ذكر هذه النبوات الثلاثة في هذه البشارة نظير ذكرها في أوّل سورة: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الأمِينِ} . (ر: للتوسع في ذلك هداية الحيارى ص 113، 114) .
5 لم أقف في رسائل بولس على ما نقله المؤلِّف. ولكن ورد في رسالة بولس إلى غلاطية 4/25، النّصّ الآتي: "لأن هاجر جبل سيناء في العربية".
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 655)
ويحتمل أن يكون أراد بالربوات جماعة الملائكة وهو الأقرب. لأن الربوات الجماعات واحدها: ربوة. قال داود في المزمور الثالث: "الرّبّ ناصري لا أخاف من ربوات الشعوب المحيطين بِيَ"1. فيكون ذلك كناية عن تأييد الله نبيّه محمّد صلى الله عليه وسلم وبالملائكة في حروبه وغزواته وترددهم إليه بالوحي والتَّنْزِيل. وفي التوراة: "إن إسماعيل سكن برية فاران ونشأ بها وتعلم الرمي"2.
وذلك كلّه بمكة وإذا كان ذلك كذلك، فلم يأت من جبال فاران من دعا إلى الله وأظهر أحكامه ونشر أعلامه وشرع الدين القويم ونهج للأمم الطريق / (2/101/ب) المستقيم ومهد الحاج وعمّر الأندية وعمر رؤس الجبال وبطون الأودية بالتلبية سوى محمّد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
- البشرى الخامسة:
قالت التوراة في الفصل الحادي عشر من السفر الخامس: "يا موسى إني سأقيم لبني إسرائيل نبيّا من إخوتهم. مثلك. أجعل كلامي في فيه. ويقول لهم ما آمره به. والذي لا يقبل قول ذلك النبي الذي يتكلم باسمي أنا أنتقم منه ومن سبطه"3.--------------------------------------------
1 المزمور 3/5، 6.
2 تكوين 21/2. ومما يؤكّد أن مسكن إسماعيل عليه السلام وذريته من بعه في جزيرة العرب وفي أرض الحجاز خاصة ما ورد في تكوين 25/17، 18: "ومات إسماعيل وانضم إلى قومه وسكنوا من حويلة إلى شور التي أمام مصر". وقد ورد في قاموس الكتاب: "إن حويلة من أبناء يقظان وقد سكنوا بجهة اليمن والحجاز يبن اليمن وأشور أمام مصر". (ر: تكوين 10/7، 29، 30، قاموس ص 329، 467، 939) .
3 تثنية 18/18، 19. وقد وردت البشارة في الدين والدولة ص 137، إفحام اليهود ص 111، الإعلام بمناقب ص 202، أعلام النبوة ص 198، هداية الحيارى ص 109، الأعلام ص 263، مقامع هامات الصلبان ص 214، الأجوبة الفاخرة ص 164، تحفة الأريب ص 260، إظهار الحقّ ص 508، محمّد رسول الله ص 64، محمّد صلى الله عليه وسلم ص 67، 68، إبراهيم خليل، محمّد صلى الله عليه وسلم ص 31، عبد الأحد، الانتصارات الإسلامية ص 120، 121، نجم الدين البغدادي الطوفي.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 656)
قلت: هذه آثار النقمة على من فارقه لائحة وآثار النعمة على من وافقه واضحة. واعلم أن إخوة بني إسرائيل هم ولد إسماعيل ولا يجوز أن يكون هذا النبيّ المذكور من بني إسرائيل ألبتة لأن الله تعالى يقول لموسى: "نبي مثلك". ولم يبعث من بني إسرائيل نبي مثل موسى جاء بكتاب منَزَّل وشرع مبتدأ1. فوجب أن يكون من ولد إسماعيل ولم يقم من ولد إسماعيل من يمكن تنْزِيل هذا الوعد الحقّ عليه سوى2 رسول الله. فلو لم يبعث محمّد صلى الله عليه وسلم لأخلفته أقوال التوراة - وخبر الله تعالى محاشا عن الخلف بل قوله الحقّ ووعده الصدق سبحانه وتعالى … / (2/102/أ) .
- البشرى السّادسة:
قالت التوراة في هذا السفر: "قال موسى لبني إسرائيل: لا تطيعوا العرافين ولا المنجّمين. فسيقيم لكم الرّبّ نبيّاً من أخوتكم مثلي، فأطيعوا ذلك النبي"3.--------------------------------------------
1 ذكر الشيخ رحمة الهندي عشرين وجهاً في المماثلة بين نبيّنا محمّد صلى الله عليه وسلم وموس عليه السلام. (ر: إظهار الحقّ ص 512) .
2 ليست في م.
3 تثنية18/14، 15.وقد وردت البشارة في الدين والدولة ص137، والإعلام بمناقب ص203،إفحام اليهود ص111، الأجوبةالفاخرة ص164،هداية الحيارى ص115.
ومما يؤكّد هذه البشارة والتي قبلها وأنها في نبيّنا محمّد صلى الله عليه وسلم وليست في المسيح ولا غيره من الأنبياء قول بطرس في سفر أعمال الرسل 3/19-24: "فتوبوا وارجعوا لتمحى خطاياكم لكي تأتي أوقات الفرح من وجه الرّبّ ويرسل يسوع المبشر به لكم قبل الذي ينبغي أن السماء تقبله إلى أزمنه رد كلّ شيء التي تكلم عنها الله بفم جميع أنبيائه القديسين منذ الدهر. فإن موسى قال للآباء: إن نبيّنا مثلي سيقيم لكم الرّبّ إلهكم من إخوتكم له تسمعون في كلّ ما يكلمكم به ويكون أن كلّ نفس لا تسمع لذلك النبي تباد من الشعب وجميع الأنبياء أيضاً من صموئيل فما بعده جميع الذين تكلموا سبقوا وأنبأوا بهذه الأيام". فهذا القول من بطرس الحواري المعظم عند النصارى - فيه التصريح بأن النبي الآتي ليس هو المسيح ولا غيره من الأنبياء؛ لأنهم قد بشروا به. فلا يعقل أن يكون واحداً منهم. ولأنهم من بني إسرائيل وليس أحد منهم يشبه موسى عليه السلام في سيرته وإتيانه بشريعة جديدة. فقد وجب على العاقل المنصف منهم أن يقرّ بالنبي المبشَّر به بأنه محمّد صلى الله عليه وسلم الذي تنطبق عليه أوصاف هذه البشارة تماماً.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 657)
فإن قيل: فلعلّ هذا الموعود به بنو إسرائيل هو هارون أخو موسى ووزيره. أو يوشع خادمه ومشيره.
قلنا: التوراة تأبى ذلك. إذ قد أخبرت أن هارون توفي في حياة موسى وعاش موسى بعده. وأما يوشع بن نون فهو من بني إسرائيل والله تعالى يقول: "من إخوتهم". ولم يقل من أنفسهم. والتوراة أيضاً قد1 سدت هذا الباب فقالت في آخر ورقة فيها من السفر الخامس: "ومات موسى فكان بنو إسرائيل يسمعون من يوشع ويطيعونه ولم يقع من بني إسرائيل بعد موسى مثل موسى الذي عرف الله وجهاً قِبَل وجه وصنع الآيات والعجائب"2. ثم هارون ويوشع قد كانا أقيما للنبوة قبل صدور هذا الخطاب من الله.
ولا يصحّ أن يُنَزَّل على المسيح بإجماع الأمم. أما اليهود فهو عندهم كذَّاب أشِر. وأنه ما أحيا ميتاً قط ولا أبرأ أبرص. وأما / (2/102/ب) النصارى فهم يزعمون أنه الرّبّ الذي بعث الأنبياء وأرسل الرسل وأنه الذي خلق الخلق وأتقن العالم. فإن رجعوا القهقري وقالوا: إن المسيح مثل موسى فقد تناقض قولهم وخبطوا عشوى. وأما المسلمون فالمسيح عندهم نبي كريم غير أنه من بني إسرائيل والله تعالى يقول: "من إخوتهم" ولم يقل من أنفسهم. فبطل أن يكون المسيح أو غيره وتعيّن أن يكون محمّد صلى الله عليه وسلم ضرورة الوفاء بقول الله تعالى3.
- البشرى السّابعة:
قالت التوراة: "لما حضرت إسرائيل الوفاة وهو بمصر عند يوسف دعا أولاده فحضروا بين يديه فباركهم واحداً واحِداً ودعا لهم ولما انتهت النوبة إلى ابنه--------------------------------------------
1 ليست في (م) .
2 تثنية 34/5-12.
3 تعليق المؤلِّف على البشارة نقله من كتاب الدين والدولة ص 138.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 658)
يهوذا قال فيه: لا يعدم سبط يهوذا [مَلِكاً مُسلَّطاً] 1 وأفخاذه [نبيّاً مرسلاً] 2 حتى يأتي الذي لهالكل"3.
وإنما عنى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ثبت ذلك فيما تقدم فهذه.
سبع بشائر من التوراة باقية خالدة قد صانها الله عن التحريف وحماها عن التغيير والتصحيف ولو غسل / (2/203/أ) الخاطر4 من وضر الهموم وإنجاب عن القلب غيوم الغموم حتى تطهر النفس ويضيء الحسّ ويصفوا دهن الذهن لتوسعت في استخراج جميع ما في التوراة من أعلام نبيّنا محمّد صلى الله عليه وسلم وفي هذا القدر بلاغ وكفاية.
- البشرى الثّامنة:
من مزامير داود في مزمور له: "سبحوا الله تسبيحاً جديداً، وليفرح بالخالق من اصطفى الله له أمته وأعطاه5 النصر وسدد الصالحين منهم بالكرامة. يسبحونه على مضاجعهم، ويكبرون الله بأصوات مرتفعة، بأيديهم سيوف ذوات شفرتين لينتقم بهم من الأمم الذين لا يعبدونه"6.--------------------------------------------
1 في م: مسلك. وفي ص (ملك مسلط) والصواب ما أثبتّه.
2 في ص، م (نبي مرسل) والصواب ما أثبتّه.
3 ورد النّصّ في سفر التكوين 49/1-12، وقد سبق تفسير هذه البشارة والتعليق عليها. (ر: ص: 298) . وقد وردت البشارة في محمّد صلى الله عليه وسلم ص 77-84، عبد الأحد. الأجوبة الفاخرة ص 164، إظهار الحقّ ص 518، 519، مقدمة تعليق د. السقا على كتاب الإعلام ص 31، 32، محمّد نبيّ الإسلام للطهطاوي ص 4، 5) .
4 في م: (الخاضر) .
5 في م: زاد (الله) .
6 مزمور 149/1-9، وقد وردت البشارة في الدين والدولة ص 142، وأعلام النبوة ص 210، الجواب الصحيح 3/315، هداية الحيارى ص 143، الأجوبة الفاخرة ص 170، والإعلام ص 266، ومقامع هامات ص 218، إظهار الحقّ ص 525.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 659)
وقوله: "يكبرون الله بأصوات مرتفعة" إشارة إلى ما يفعله الحجيج من التلبية وهذه كلها صفات النبيّ محمّد وأمته1.
- البشرى التّاسعة:
قال داود النبي عليه السلام: "من أجل هذه بارك الله عليك إلى الأبد. فتقلد أيّها الجبار السيف لأن البهاء لوجهك والحمد الغالب عليك، اركب كلمة الحقّ وسمت التأله. فإن ناموسك وشرائعك مقرونة بهيبة يمينك / (2/103/ب) وسهامك مسنونة والأمم يخرون تحتك"2. ليس متقلد السيف من الأنبياء بعد داود سوى نبيّنا عليه السلام وهو الذي خَرَّت الأمم تحته وقرنت3 شرائعه بالهيبة. فإما القبول وإما الجزية وإما السيف. وتصديقه قوله صلى الله عليه وسلم: "نصرت بالرعب"4.
فإن قالوا: سماه المزمور جباراً. قلنا: لا يمتنع أن يكون النبيّ جباراً على الكافرين رحيماً بالمؤمنين. كقوله تعالى: {أَذِلَّةً عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةً عَلَى الكَافِرِين} . [سورة المائدة، الآية: 54] . وقد شهد--------------------------------------------
1 قال الإمام ابن تيمية معلّقاً على هذه البشارة: "إن هذه الصفات إنما تنطبق على محمّد صلى الله عليه وسلم وأمته. فهم الذين يكبرون الله بأصواتهم المرتفعة في أذانهم للصلوات الخمس وعلى الأماكن العالية في الحج وفي عيد الفطر وعيد النحر. وليس هذا لأحد من الأمم لا أهل الكتاب ولا غيرهم سواهم فإن اليهود يجمعون الناس بالبوق والنصارى بالناقوس. وقوله: "بأيديهم سيوف ذات شفرتين" فهي السيوف العربية التي فتح الصحابة بها البلاد وهي إلى اليوم معروفة لهم. وقوله: "يسبحون على مضاجعهم" هو: نعت للمؤمنين الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم". اهـ. بتصرف بسيط. (ر: الجواب الصحيح 3/315-318، هداية الحيارى ص 143، 144) .
2 ذكر النّصّ في المزمور 45/2-5، وقد وردت البشارة في الدين والدولة ص 139، والجواب الصحيح 3/318، وهداية الحيارى ص 145، والإعلام ص 267، مقامع هامات ص 219، إظهار الحق ص 520، 521، وقد أفاض وأجاد الشيخ رحمة الله في تحليل هذه البشارة ومطابقة الصفات الواردة فيها لنبيّنا محمّد صلى الله عليه وسلم. فمن أراد التوسع فعليه مراجعة كلامه في إظهار الحقّ.
3 في م: وقونت.
4 أخرجه البخاري في كتاب التيمم. (ر: فتح الباري 1/453) . عن جابر رضي الله عنه، وملسم 2/164، وأحمد في مسنده 2/412، عن أبي هريرة رضي الله عنه .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 660)
المزمور له بالنبوة صريحاً إذ أخبر أن له ناموساً وشرائع كنواميس الأنبياء وشرائعهم. وقال: إن دينه يظهر على كلّ دين فلم يُخْرم ما أخبر به.
- البشرى العاشرة:
قال داود في مزمور له: "إن ربّنا عظيم محمود جدّاً، وفي قرية إلهنا قدوس، ومحمّد قد عَمَّ الأرض كلها فرحاً"1.
فقد نصّ داود على اسم محمّد وبلده وسماه قرية الله تعالى. وأخبر أن كلمته تعُم أهل الأرض2.
- البشرى الحادية عشرة:
قال داود في مزمور له: "إن الله أظهر من صهيون / (2/104/أ) إكليلاً محموداً"3.
فهذا داود قد أكثر في مزاميره من ذكر سيدنا محمّد رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو محمود وأحمد والمحمود. ووصف داود له بأنه (إكليل) 4 يشير إلى أنه رئيس الأنبياء عليهم السلام. إذ الإكليل هو الذي يجعل على الرأس.--------------------------------------------
1 ورد النّصّ في مزمور 48/1، 2 كالآتي: "عظيم هو الرّبّ، وحميد جدّاً في مدينة إلهنا. جبل قدسه جميل الارتفاع. فرح كلّ الأرض جبل صهيون. فرح أقاصي الشمال مدينة الملك العظيم". وكذلك في مزمور 66/4، ونصّه: "لأن الرّبّ عظيم وحميد جدّاً. مهوب هو على كل الآلهة … ".
وأمّا نصّ ما ذكره المؤلِّف فقد ورد في الدين والدولة ص 139، والجواب الصحيح 3/319، هداية الحيارى ص 147، الأجوبة الفاخرة ص 171، والمعنى بين النصين واحد وواضع أيضاً في معنى اسم نبيّنا محمّد صلى الله عليه وسلم.
2 وهذا مما أخبر به نبيّنا محمّد صلى الله عليه وسلم. فقد جاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله زوى لي الأرض مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها". أخرجه أحمد 5/278، ومسلم 4/2215.
3 ورد في مزمور 50/2 ما نصّه: "من صهيون كمال الجمال الله أشرق يأتي إلهنا ولا يصمت".
وقد ورد النّصّ الذي ذكره المؤلّف في الدين والدولة ص 140، أعلام النبوة ص 210، هداية الحيارى ص 146، والإعلام ص 267.
4 في ص، م (إكليلاً) والصواب ما أثبتّه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 661)
- البشرى الثّانية عشرة:
قال داود في مزمور: "لترتاح البوادي وقراها. ولتصر أرض قيدار مروجاً. ولتسبح سكان الكهوف. ويهتفوا من قلل الجبال بحمد الرّبّ ويذيعوا تسابيحه في الجزائر"1.
فليت شعري لمن البوادي من الأمم سوى أمة محمّد؟ ! ومن قيدار2 سوى ابن إسماعيل جدّ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!. ومَنْ سكن الكهوف وقلل الجبال سوى العرب؟!.
- البشرى الثّالثة عشرة:
في صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال داود في مزمور له: "ويجوز من البحر إلى البحر ومن لدن الأنهار إلى منقطع الأرض. تخر أهل الجزائر بين يديه. وتلحس أعداؤه التراب وتسجد له ملوك الفرس. وتدين له الأمم بالطاعة / (2/104/ب) والانقياد. ويخلص المضطر البائس ممن هو أقوى منه. وينقذ الضعيف الذي لا ناصر له. ويرأف بالمساكين والضعفاء ويُصلَّى عليه ويبارك في كلّ حين"3.--------------------------------------------
1 ورد النّصّ في سفر أشعيا 42/11، 12، وليس في مزمور داود كما ذكر المؤلّف. وقد وردت البشارة في الدين والدولة ص 143، أعلام النبوة ص 202، الجواب الصّحيح 3/322، هداية الحيارى ص 147، الأجوبة الفاخرة ص 171، الإعلام ص 273، مقامع هامات ص 225، إظهار الحقّ ص 526.
2 قيدار: سام سامي معناه: "قدير أو أسود". وهو ابن إسماعيل الثاني بنصّ التوراة في سفر التكوين 25/12-18. "وهذه أسماء بني إسماعيل بأسمائهم حسب مواليدهم، نبايوت بكر إسماعيل، وقيدار وأدبئيل … " وهو أب لأشهر قبائل العرب وتسمى بلادهم أيضاص: قيدار. (ر: قاموس ص 751) .
3 مزمور 72/8-15. ونصّه كالآتي: "ويملك من البحر إلى البحر ومن النهر إلى أقاصي الأرض. أمامه تجثو أهل البرية. وأعداؤه يلحسون التراب. ملوك ترشيش الجزائر يرسلون تقدمه. ملوك شبا وسباء يقدمون هدية. ويسجد له كلّ الملوك. كلّ الأمم تتعبد له. لأنه ينجي الفقير المستغيث والمسكين إذ لا معين له، يشفق على المسكين والبائس، ويخلص أنفس الفقراء من الظلم والخطف، يفدي أنفسهم ويكرم دمهم في عينيه ويعيش ويعطيه من ذهب شباً ويصلي لأجله دائماً اليوم كله يباركه". ويلاحظ الفرق بين النّصّ الموجود حالياً في المزامير. وبين نص المؤلِّف الذي ذكره علماؤنا في كتبهم. وإن الاختلاف بين النّصّين يرجع إلى تحريف أهل الكتاب لأسفارهم محاولة منهم لطمس الحقّ بالبشارات الورادة في نبيّنا محمّد صلى الله عليه وسلم.
(ر: البشارة في الدين والدولة ص 140، وتحفة الأريب ص 275، 276، أعلام النبوة ص 210، الجواب الصّحيح 3/322/ هداية الحيارى ص 146، الإعلام ص 267، مقامع هامات ص 219، الأجوبة الفاخرة ص 171) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 662)