وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} 1 جعل العدة أربعة أشهر وعشرًا، وإذا عرفنا أن هذه الآية هي آخر ما نزل عرفنا أنها هي الناسخة.
ثانيًا:
معرفة تاريخ التشريع الإسلامي وتدرجه الحكيم في التشريع، وقد مر بنا استعراض المراحل التي مر بها تحريم الخمر وكيف تمت مراعاة أحوالهم حيث اعتادوا شرب الخمر، لا يكاد يخلو منها بيت وكيف تدرج في علاج هذه المشكلة حتى خرجوا إلى بر الأمان والسلامة والإسلام بحكمة بالغة.
ثالثًا:
الاستعانة بمعرفة أول ما نزل وآخر ما نزل في تفسير القرآن التفسير السليم واستنباط الحكم الصحيح، وقد عرفنا ذلك في معرفة أول وآخر ما نزل في الربا والجهاد والخطأ الذي وقع فيه بعضهم بسبب جهل معرفة أول وآخر ما نزل.
رابعًا:
تذوق أساليب القرآن الكريم والاستفادة من ذلك في أسلوب الدعوة إلى الله تعالى حيث يكون بأسلوب لتقرير حكم ثم يختلف الأسلوب لتقرير حكم آخر بالوعد مرة والوعيد أخرى وبالترغيب أو الترهيب أو بالتخيير أو الإلزام حسب ما يناسب الحال.
خامسًا:
معرفة السيرة النبوية وترتيب أحداثها حسب حديث القرآن عنها ومتابعة أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم ومواقفه في الدعوة في مكة وسيرته في الدعوة إلى الله بعد الهجرة؛ مما يوقف الدعاة خاصة والمسلمين عامة على أصدق حديث عن أفضل سيرة لأحسن قدوة عليه الصلاة والسلام.
سادسًا:
إظهار عناية الصحابة والعلماء من بعدهم بالقرآن الكريم حتى عرفوا أول ما نزل وآخر ما نزل من القرآن كله وفي كل حكم من أحكامه الذي لا يمكن الوصول إليه وإدراكه إلا بالجهد الكبير والاهتمام العظيم مما يوجب على من بعدهم الاقتداء بهم والسير على نهجهم.--------------------------------------------
1 سورة البقرة: الآية 234.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 255)
إعجاز القرآن الكريم
مدخل
…
إعجاز القرآن الكريم:
جرت سنة الله تعالى أن يظهر على يد كل نبي من أنبيائه معجزة يظهر بها على قومه وتكون دليلًا على صدقه في أنه مرسل من الله تعالى.
وقد كانت معجزة كل نبي من جنس ما برع فيه قومه حتى يكون تحديه لهم فيما يعرفون وفيما يتقنون ليكون التحدي أعظم وأشد.
فجاءت معجزة عيسى عليه السلام إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله تعالى وهي من جنس ما برع فيه قومه وهو الطب وإن لم تكن طبًّا.
وجاءت معجزة موسى عليه السلام العصا واليد وغيرهما وهي من جنس ما برع فيه قوم فرعون وهو السحر وإن لم تكن سحرًا.
وجاءت معجزة محمد صلى الله عليه وسلم وقد تفوق قومه في البيان والفصاحة والبلاغة فجاءت معجزته عليه السلام من جنس ما برع فيه قومه فأنزل الله القرآن وأعجزهم ولم يستطيعوا الإتيان بمثله أو بعضه.
وقد بين العلماء هذا العجز عن الإنسان بمثل هذا القرآن بدراسة نصوص التحدي وإثبات العجز وما يتعلق بذلك كله في هذا المبحث "إعجاز القرآن" بل تجاوز ذلك إلى أن أصبح هذا الإعجاز علمًا مستقلًا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 256)
تعريف المعجزة
تعريف المعجزة لغة
…
تعريف المعجزة، لغة:
أصلها مأخوذ من "عجز" قال ابن فارس: العين والجيم والزاء أصلان صحيحان، يدل أحدهما على الضعف، والآخر على مؤخر الشيء1.
وخلاصة كلام أهل اللغة2 في ذلك أن كلمة عجز تطلق على:
1- العجز بمعنى:
الضعف تقول "عجزت عن كذا، أعجز أي ضعفت عنه، والعجوز سميت لعجزها في كثير من الأمور قال تعالى: {قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا} 3.
2- العجز بمعنى:
مؤخر الشيء والجمع أعجاز، وأعجاز الأمور: أواخرها، وعَجْزُ الشيء وعِجْزُه، وعُجْزُه وعَجُزُه وعَجِزُه: آخره، وعجز بيت الشعر: آخره وعجزه المرأة وعجيزتها مؤخرتها، والعِجْزَة آخر ولد الرجل، وأعجاز النخل، وأعجاز الإبل، وأعجاز الليل: أواخرها، والألف تسميه العرب العجوز لأنه آخر الأرقام عندها وما بعدها يكرر فيقال عشرة آلاف، مائة ألف، ألف ألف.
وصار العجز في التعارف: اسم للقصور عن فعل الشيء وهو ضد القدرة قال تعالى: {أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ} 4.--------------------------------------------
1 معجم مقاييس اللغة: ابن فارس مادة "عجز"، ص738.
2 انظر معجم مقاييس اللغة: ابن فارس ص738، ولسان العرب: ابن منظور ج5 ص369، 373، والمفردات: الأصفهاني ص325.
3 سورة هود: الآية 72.
4 سورة المائدة: الآية 31.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 257)
تعريف المعجزة في الاصطلاح
…
أما المعجزة في الاصطلاح فهي:
أمر خارق للعادة، مقرون بالتحدي، سالم من المعارضة، يجريه الله تعالى على يد نبيه، شاهدًا على صدقه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 257)
شرح التعريف:
ونريد بقولنا: "خارق للعادة" أنها مخالفة لأحكام العادة المألوفة كحرارة النار، وبرودة الثلج، وحدود القدرة البشرية المعتادة، فالمعجزة لا تخضع لهذه الأحكام، ونؤكد أنها مخالفة لأحكام العادة وليست مخالفة لأحكام العقل.
ونريد بقولنا "مقرون بالتحدي" أن يكون مقصودًا بها تحدي القوم وإثارتهم للإتيان بمثلها حتى تقوم عليهم الحجة عند عجزهم، والتحدي يكون إما بلسان المقال أو بلسان الحال من غير نطق به أو تصريح بالتحدي.
وقد أخطأ بعض الباحثين فأسقط هذا الشرط1 معتقدًا أن بعض المعجزات غير مقرون بالتحدي لاعتقاده أن التحدي لا بد أن يكون بلسان المقال.
ونريد بقولنا "سالم من المعارضة" أنه لا يمكن لأحد أن يأتي بمثلها، ولهذا فإن معجزات الأنبياء لا تتكرر فلكل نبي معجزاته الخاصة به لا يأتي أحد بمثلها حتى من إخوانه الأنبياء، وإلا لاشترك الأنبياء كلهم في نوع واحد من الخوارق لا يأتي به أحد غيرهم يدل على نبوتهم، ولهذا الاختلاف حكم عديدة، وهي صفة يغفل عنها كثير من الباحثين فيقصرون عدم المعارضة على عامة الناس.
ونريد بقولنا: "يجريه الله على يد نبيه" أن المعجزة وإن جاء بها النبي فليست من عنده وليست في قدرته ولكنها من الله.
ونريد بقولنا "شاهدًا على صدقه" أن الإتيان بالمعجزة إنما هو لإقامة الدليل على أنه مرسل من ربه وإقامة الحجة على قومه.--------------------------------------------
1 البيان في إعجاز القرآن: د. صلاح الخالدي ص24.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 258)
المعجزة في القرآن الكريم:
ورد في القرآن الكريم استعمال مشتقات كلمة "عجز" نحو ست وعشرين مرة لكنه لم يرد استعمال مصطلح "معجزة" ولا "إعجاز" في القرآن ولا في السنة.
ولم يعرف إطلاق مصطلح "معجزة" على الأمور الخارقة التي تظهر على أيدي الأنبياء عليهم السلام إلا في أواخر القرن الثاني تقريبًا1.
وأطلق القرآن على المعجزة عدة مسميات منها:
1- الآية:
في قوله تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ} 2 وقال تعالى على لسان صالح عليه السلام: {هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً} 3 وفرعون يقول لموسى عليه السلام: {قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} 4.
2- البينة:
قال موسى عليه السلام لفرعون: {قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائيلَ} 5 وقال صالح عليه السلام لقومه: {قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً} 6.
3- البرهان:
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} 7 وقال سبحانه وتعالى مخاطبًا نبيه موسى عليه السلام بعدما أمره أن يلقي عصاه فإذا هي حية وأن يخرج يده فإذا هي بيضاء من غير سوء: {فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَأِهِ} 8.--------------------------------------------
1 مباحث في إعجاز القرآن: د. مصطفى مسلم، ص13.
2 سورة الأنعام: الآية 109.
3 سورة الأعراف: الآية 73.
4 سورة الأعراف: الآية 106.
5 سورة الأعراف: الآية 106.
6 سورة الأعراف: الآية 73.
7 سورة النساء: الآية 174.
8 سورة القصص: الآية 32.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 259)
4- السلطان: كما قال الكفار لأنبيائهم: {قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} وأجاب الرسل عليهم السلام: {وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} 1 وقال تعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآياتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ، إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَأِهِ} 2.--------------------------------------------
1 سورة إبراهيم: الآيتين 10، 11.
2 سورة المؤمنون: الآية 45، 46.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 260)
شروط المعجزة:
وللمعجزة شروط منها1:
1- أن تكون من الأمور الخارقة للعادة:
سواء كانت كلامًا كالقرآن الكريم، وتسبيح الحصى بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم وحنين الجذع وكلام الهدهد ونحو ذلك. أو كانت فعلًا كانشقاق القمر، وانفجاز الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم، وتكثير الطعام القليل ونحو ذلك. أو كانت ترك فعل كعدم إحراق النار لإبراهيم عليه السلام وعدم إغراق البحر لموسى عليه السلام وقومه وعدم تأثير السم في جسده صلى الله عليه وسلم.
والمعجز هو الأمر الخارق للعادة ولو فعل النبي أمرًا غير خارق للعادة ولم يستطع الآخرون فعله فإن الإعجاز ليس في فعله وإنما في منعهم وحبسهم عن الإتيان بمثل فعله، كما لو رفع الرسول يده أو مد رجله أو تكلم بالكلام المعتاد ثم تحدى قومه بالإتيان بمثل فعله أو قوله فلم يستطيعوا ذلك فإن الإعجاز ليس في فعله هذا أو قوله؛ لأنه ليس خارقًا للعادة وإنما الإعجاز في هذه الحالة في منعهم وحبسهم عن ذلك لكونه هو الأمر غير المعتاد والخارق للعادة.--------------------------------------------
1 انظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي ج1 ص70، 71، وانظر مباحث في إعجاز القرآن: د. مصطفى مسلم ص15، 17 ومنها اقتبست هذا المبحث.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 260)
2- أن يكون الأمر الخارق للعادة من الله:
كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ} 1 وقال الأنبياء عليهم السلام: {وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} 2 وحين قال الكفار للرسول صلى الله عليه وسلم: {ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ} أمره الله أن يقول: {قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ} 3.
3- سلامتها من المعارضة بالإتيان بمثلها:
إذ لو استطاع البشر الإتيان بمثلها لما صلحت علامة على أن صاحبها مرسل من ربه، فلا بد لكونها علامة على صدق صاحبها في أنه مرسل من ربه أن لا يقدر البشر كلهم بل والجن معهم على الإتيان بمثلها، لأنها من قدرة الله وحده. كما قال تعالى عن القرآن {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ} 4.
4- أن تقع وفق مقتضى قول صاحبها:
فلا تقع على خلاف قوله. فإذا جاءت على خلاف قوله لم تصلح دليلًا على دعواه، ولا دليل على صدقه لمخالفتها لمقتضى كلامه كما حدث لأدعياء النبوة.
5- أن تقترن بالتحدي عند وقوعها:
وذلك لأمرين: أولهما: إثبات عجز المخاطبين عن الإتيان بمثلها وعدم إدعائهم أو من بعدهم عدم وجود الداعي للإتيان بمثلها، وثانيهما: إقامة الحجة عليهم عند عجزهم.--------------------------------------------
1 سورة الأنعام: الآية 109.
2 سورة إبراهيم: الآية 11.
3 سورة يونس: الآية 15.
4 سورة الطور: الآية 34.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 261)
ولا يلزم أن يكون التحدي بلسان المقال كما فهمه بعض المعاصرين، وإنما يكون بلسان المقال وبلسان الحال؛ إذ المقام مقام صراع، وعناد، واحتجاج يغني فيه الحال عن المقال في بعض المقام.
6- أن يستدل بها النبي على صدقه في رسالته:
إذ الغرض من إظهارها إثبات أمرين: أولهما أنه صادق في دعوى الرسالة. ثانيهما: أنه مرسل من الله لا من غيره، فينبغي أن يكون إظهارها لإثبات ذلك لا لغيره دونهما.
7- أن يكون ظهور المعجزة أو المعجزات بعد دعوى الرسالة:
حتى يصح الاستشهاد بها، أما إذا تقدم وقوع الأمر الخارق على دعوى الرسالة فإنه لا يسمى معجزة وإنما يسمى "إرهاص" كتظليل السحابة للرسول صلى الله عليه وسلم وهو في سفره إلى الشام قبل البعثة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 262)
جواز وقوع المعجزة:
لا يشك مؤمن بأن الله سبحانه وتعالى هو خالق هذا الكون كله صغيره وكبيره ومدبر شئونه، وموجد نظامه، والذي يوجد الشيء من العدم أقدر على تغيير سنة من سننه أو نظام من أنظمته بل أقدر على إعادة خلقه: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} 1.
فالذي جعل النار حارة في قدرته أن يجعلها باردة، والذي خلق القمر قادر على أن يقسمه إلى نصفين، والذي خلق في السم خاصية قادر على سلبها منه، والذي خلق الثعبان من العدم قادر على خلقه من العصا، وهكذا في بقية المعجزات. ومن ينكر هذا فقد أساء الظن بربه وقدرته واعتقد ربوبية إله عاجز عياذًا بالله تعالى.--------------------------------------------
1 سورة يس: الآيتين 78، 79.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 262)
ومما يحز في النفس ظهور بعض من ينكر الخوارق أو بعضها، ويئولها بتكلف شديد حتى لا تكون من الأمور الخارقة، فيزعم مثلًا أن المرء إذا اعتقد اعتقادًا جازمًا في أمر من الأمور، وتيقنه يقينًا قاطعًا أنه يقع وفق اعتقاده، فإذا اعتقدت امرأة بكر لم تتزوج ولم يجامعها أحد أنها حامل وتيقنت ذلك فإن الحمل يقع!! 1 ويريدون بذلك تعليل حمل مريم بعيسى عليه السلام فتكلفوا ما هو أغرب من المعجزة، وفروا من خارق إلى أخرق.
وفسروا فلق البحر لموسى عليه السلام بالمد والجزر، والطير الأبابيل2 بالجراثيم والميكروبات.
ونسي أولئك أن الذي يقدر على جعل الماء سائلًا قادر على أن يجعله متجمدًا أو صلبًا، وما المانع أو المستغرب أن يجعل نوعًا من أنواع الطيور قادرًا على حمل حجارة ورميها على أعداء الله ونحو ذلك.--------------------------------------------
1 تفسير المنار: ج3 ص309، 310.
2 حكاية طريفة أسوقها للعظة والعبرة طفل صغير سأله والده ماذا حفظت اليوم؟ فقال: سورة العصافير فاستغرب والده وطلب منه قراءتها وحين قرأها وجد أنه فهم من ذكر الطير الأبابيل أنها طيور حقيقية وهو لا يفهم من الطيور إلا العصافير، فانظر لهذا العقل الفطري وانظر لتأويلات أهل العقول الكبيرة!!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 263)
المراد بإعجاز القرآن الكريم:
للعلماء في تعريف الإعجاز أقوال تختلف ألفاظها وتتحد معانيها منها تعريف الهمداني أن معناه: "أنه يتعذر على المتقدمين في الفصاحة، فعل مثله، في القدر الذي اختص به"1.
ويمكن تعريفه بقولنا هو: عجز المخاطبين بالقرآن وقت نزوله ومن بعدهم إلى يوم القيامة عن الإتيان بمثل هذا القرآن مع تمكنهم من البيان وتملكهم لأسباب الفصاحة والبلاغة وتوفر الدواعي واستمرار البواعث.--------------------------------------------
1 المغني في أبواب التوحيد والعدل: ج16، إعجاز القرآن ص226.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 263)
إثبات إعجاز القرآن الكريم:
حين نزل القرآن الكريم لم ينزل بما يوافق معتقدات الجاهلية أو يداريها بل نزل هادمًا لها، مبطلًا لأصولها، منكرًا لمبادئها، ساخرًا من معتقداتها وأهلها أهل جاهلية، أهل عناد واستكبار، أهل طغيان وجبروت، أهل أنفة وعزة، لو كان عندهم أدنى قدرة على معارضة القرآن أو الإتيان بمثله وقد تحداهم واستثارهم لذلك ما ترددوا وما تلكئوا ولكنهم يعلمون من فورهم أن بينهم وبين ذلك بُعد ما بين المشرقين أو قل بعد ما بين السموات والأرضين.
نعم عجزوا وهم أهل اللغة وأهل البيان "أجل، لقد سجل التاريخ هذا العجز على أهل اللغة أنفسهم في عصر نزول القرآن. وما أدراك ما عصر نزول القرآن؟ هو أزهى عصور البيان العربي، وأرقى أدوار التهذيب اللغوي"1 جمعوا الحشود في الصحراء، ورفعوا المنابر في الأسواق وعرضوا فيها أنفس بضائعهم، وأجود صناعاتهم وما البضاعة إلا بضاعة الكلام وما الصناعة إلا صناعة الشعر والخطابة، يتبارون في عرضها، ويتنافسون في نقدها، "فما هو إلا أن جاء القرآن.. وإذا الأسواق قد انفضت إلا منه، وإذا الأندية قد صفرت إلا عنه، فما قدر أحد منهم أن يباريه أو يجاريه"2 كرروا النظر ورجعوا البصر علهم يجدون فيه فجوة ينفذون منها فعاد إليهم البصر خاسئًا وهو حسير.
"ولم يسد القرآن عليهم باب المعارضة بل فتحه على مصراعيه فدعاهم إليه أفرادًا أو جماعات. بل تحداهم وكرر عليهم ذلك التحدي في صور شتى، متهكمًا بهم، متنزلًا معهم إلى الأخف فالأخف … ، وأباح--------------------------------------------
1 النبأ العظيم: د. عبد الله دراز، ص83.
2 المرجع السابق: ص83، 84 بتصرف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 264)
لهم في كل مرة أن يستعينوا بمن شاءوا ومن استطاعوا، ثم رماهم والعالم كله بالعجز في غير مواربة فقال: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} 1 وقال: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} 2 فانظر أي إلهاب!! وأي استفزاز! لقد أجهز عليهم بالحكم البات المؤبد في قوله: {وَلَنْ تَفْعَلُوا} ثم هددهم بالنار، ثم سواهم بالأحجار، فوالله لو كان فيهم لسان يتحرك، لما صمتوا عن منافسته وهم الأعداء الألداء وأباة الضيم الأعزاء، وقد أصاب منهم موضع عزتهم وفخارهم، ولكنهم لم يجدوا ثغرة ينفذون منها إلى معارضته ولا سلمًا يصعدون به إلى مزاحمته، بل وجدوا أنفسهم منه أمام طود شامخ، فما اسطاعوا أن يظهروه، وما استطاعوا له نقبًا … حتى إذا استيأسوا من قدرتهم واستيقنوا السيوف بدل الحروف، وتلك هي الحيلة التي يلجأ إليها كل مغلوب في الحجة والبرهان، وكل من لا يستطيع دفعًا عن نفسه بالقلم واللسان"3.
سلكوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم كل سبيل للتوقف عن دعوته، ساموه بالمال، وعرضوا عليه الملك، وقاطعوه ومن معه حتى يموتوا جوعًا، وتآمروا على قتله، وأخرجوه من بلده وسلكوا أصعب الطرق وأعرضوا كل الإعراض عن الطريق الوحيد الذي عرضه عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم لإبطال دعوته وهو أن يأتوا بمثل هذا القرآن، فوجدوا أن كل سبيل أهون من هذا السبيل، وكل مشقة دون هذا المطلب، فأي شيء يكون العجز إن لم يكن هذا هو العجز كل العجز4.--------------------------------------------
1 سورة الإسراء: الآية 88.
2 سورة البقرة: الآية 24.
3 النبأ العظيم: ص84، 85 بتصرف.
4 المرجع السابق: ص87، 88 بتصرف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 265)
ولو أثر عنهم معارضة للقرآن الكريم، أو محاولة جادة لتطاير خبرها في الأجيال ولتداولتها الألسن وسطرتها الأقلام ولكن ذلك لم ولن يكون ما دام هناك مِسكة من عقل، أو ذرة من كرامة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 266)
عناية العلماء به وأهم المؤلفات فيه:
كان للعلماء -رحمهم الله تعالى- عناية كبيرة واهتمام عظيم بإعجاز القرآن الكريم. وسبق أن ذكرنا أن مصطلح "المعجزة" أو "إعجاز القرآن" لم يرد في الكتاب ولا في السنة ولا في أقوال الصحابة رضي الله عنهم وإنما ورد التعبير عن هذا المعنى بالآية والبرهان والسلطان.. وغير ذلك.
وهي العبارات التي كان يتداولها العلماء في القرنين الأول والثاني الهجريين عند حديثهم عن إعجاز القرآن، وليس هناك تحديد دقيق لتأريخ ظهور مصطلح إعجاز القرآن.
وقد استعمل هذا المصطلح في نهاية القرن الثاني وأوائل القرن الثالث ويؤيد هذا أن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى "ت241هـ" استعمل كلمة "معجزة" للأمر الخارق المؤيد للأنبياء ولما استعمل له من بعده مصطلح "الكرامة"1.
كما ظهر استعمال هذا المصطلح عند النظام "ت231هـ" أحد أئمة المعتزلة حين زعم أن إعجاز القرآن كان بالصرفة -كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى- فتصدى له علماء السنة والجماعة وردوا عليه وأبطلوا زعمه فشاع مصطلح المعجزة وقل استعمال مصطلح الآية والبرهان والسلطان وغيرها..
وللمعتزلة عناية خاصة بإعجاز القرآن ولعل عنايتهم تلك نتيجة عدم اعتمادهم في إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلا على معجزة القرآن دون سواها من--------------------------------------------
1 انظر "فكرة إعجاز القرآن": نعيم الحمصي ص8.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 266)
المعجزات يقول الهمداني "لم يعتمد شيوخنا في إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم على المعجزات1.. ويقول عن المعجزات: "فلا يصح أن يستدل بها على صحة النبوة، ولذلك اعتمد شيوخنا في تثبيت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم على القرآن"2 ويوضح هذا الأمر فيقول: "إن شيوخنا أثبتوها معجزة ودلالة، لكنهم لم يجوزوا الاعتماد عليها في مكالمة المخالفين"3 ولهذا كثرت مؤلفات في إعجاز القرآن وبلاغته ومناظراتهم ومجادلاتهم وشطحاتهم.
أما أول كتاب يحمل هذا المصطلح في عنوانه فهو كتاب "إعجاز القرآن" الذي ألفه محمد بن زيد الواسطي المتوفى سنة 306هـ4 وهو كتاب مفقود. إلا أن أقدم كتاب خاص بإعجاز القرآن وصل إلينا هو "النكت في إعجاز القرآن" لأبي الحسن علي بن عيسى الرماني "ت384هـ" وهو من أئمة المعتزلة.
ثم تتابعت المؤلفات بعد ذلك وكثرت كثرة لا تكاد تحصى قديمًا وحديثًا وليس من السهل حصرها كلها وسأذكر بعض هذه المؤلفات إجمالًا.
فمن المؤلفات قديمًا:
1- النكت في إعجاز القرآن:
لأبي الحسن علي بن عيسى الرماني "ت384هـ"5 وهي رسالة مختصرة جاءت جوابًا لسؤال عن ذكر النكت في إعجاز القرآن دون التطويل بالحجاج، وتقع في سبع وثلاثين صفحة طبعت ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن.--------------------------------------------
1 المغني في أبواب التوحيد والعدل: عبد الجبار الهمداني ج16 ص152.
2 المرجع السابق.
3 المرجع السابق.
4 الفهرست: ابن النديم ص172 أو ص245، والأعلام: الزركلي ج6 ص132. وانظر فكرة إعجاز القرآن: نعيم الحمصي ص8، وإعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة: د. منير سلطان ص50.
5 مباحث في إعجاز القرآن: د. مصطفى مسلم ص43.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 267)
2- بيان إعجاز القرآن:
لأبي سليمان حمد بن محمد الخطابي "ت386هـ" وهي أيضًا رسالة مختصرة تقع في 47 صفحة وطبعت ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن.
3- إعجاز القرآن:
لأبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني "ت403هـ" طبع بتحقيق عماد الدين أحمد حيدر في مجلد واحد يقع في 325 صفحة الطبعة الأولى 1406 مكتبة العلوم والحكم في المدينة المنورة.
4- الرسالة الشافية:
لأبي بكر عبد القاهر الجرجاني "ت471هـ" وهي رسالة موجزة لكنها شاملة قرر فيها أن الإعجاز ثابت عن طريق عجز العرب عن معارضة القرآن وقرر أن العبرة بعجز العرب المعاصرين لنزوله دون المتأخرين عن زمانه ورد على القول بالصرفة، وتقع هذه الرسالة في حوالي 40 صفحة وطبعت ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن.
5- دلائل الإعجاز:
وهو أيضًا لعبد القاهر الجرجاني في مجلد طبع أكثر من مرة بتحقيق أحمد مصطفى المراغي، وطبع كذلك بتحقيق محمد عبد المنعم خفاجي.
6- نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز:
للفخر الرازي "ت606هـ" اختصر فيه كتابي "دلائل الإعجاز" و"أسرار البلاغة" لعبد القاهرة الجرجاني وزاد فيه بعض الفوائد وبين يدي طبعة مطبعة الآداب والمؤيد بمصر سنة 1317هـ.
7- البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن:
لعبد الواحد الزملكاني "ت651هـ" طبع بتحقيق د. خديجة الحديثي، ود. أحمد مطلوب في بغداد الطبعة الأولى عام 1394هـ وتقع مع الفهارس في 432 صفحة. وللزملكاني أيضًا كتاب "التبيان في علم البيان المطلع على إعجاز القرآن" طبع في بغداد أيضًا عام 1383هـ.
8- معترك الأقران في إعجاز القرآن:
لجلال الدين السيوطي "ت 911هـ" طبع في ثلاثة مجلدات الطبعة الأولى 1408هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 268)
وأما المؤلفات الحديثة:
فكثيرة جدًّا في مختلف أوجه الإعجاز، أذكر بعض أشهرها:
1- إعجاز القرآن والبلاغة النبوية:
للأستاذ مصطفى الرافعي "ت1356هـ" طبع عدة مرات في مصر. وهو بحق من أفضل المؤلفات في موضوعه قديمًا وحديثًا.
2- النبأ العظيم:
د. محمد عبد الله دراز "ت1377هـ" وهو كتاب في الإعجاز اللغوي للقرآن الكريم أحد ثلاثة أنواع من الإعجاز وعد المؤلف بالكتابة عنها فأتم الأول، وتوفي قبل تمام الباقي، وامتاز بأسلوبه الأدبي المتميز، ودقة استنباطه، وسلاسة لفظه، يقع في 216 صفحة وطبع أكثر من مرة.
3- مباحث في إعجاز القرآن:
د. مصطفى مسلم وكتبه مؤلفه لطلاب قسم القرآن وعلومه في كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية لمادة إعجاز القرآن، وهو كتاب قيم يقع في حوالي ثلاثمائة صفحة.
4- فكرة إعجاز القرآن:
تأليف نعيم الحمصي وهو في أصله مقالات نشرها في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق ثم جمعها في هذا الكتاب وصدرت طبعته الأولى عام 1374هـ والثانية 1400هـ ويقع في حوالي خمسمائة صفحة وهو عرض لقضية إعجاز القرآن الكريم منذ البعثة إلى حين تأليفه.
5- البيان في إعجاز القرآن:
د. صلاح الخالدي وألفه حين درس مادة إعجاز القرآن في كلية المجتمع في الأردن ولم يجد كتابًا يجمع جزئيات وحدات المادة كما يقول فألف هذا1الكتاب، ويقع في حوالي أربع مائة صفحة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 269)