ويشهد لهذا أن أنسًا نفسه ذكر في حديث "أبي بن كعب" وفي حديث آخر "أبا الدرداء" فلو كان المراد الحصر لاتفقت الأسماء في الحديثين.
الثاني: أن المراد بالجمع الكتابة لا الحفظ.
الثالث: أن المراد بالجمع حفظه بوجوه القراءات كلها.
الرابع: أن المراد بالجمع تلقيه كله من فم الرسول صلى الله عليه وسلم.
الخامس: أن المراد أنهم هم الذين عرضوه على النبي صلى الله عليه وسلم واتصلت بنا أسانيدهم وأما من حفظه ولم يتصل بنا سنده فكثير1.
قال المازري -رحمه الله تعالى- "وقد تمسك بقول أنس هذا جماعة من الملاحدة ولا متمسك لهم فيه، فإنا لا نسلم حمله على ظاهره، سلمناه، ولكن من أين لهم أن الواقع في نفس الأمر كذلك؟ سلمناه، لكن لا يلزم من كون كل من الجم الغفير لم يحفظه كله ألا يكون حفظ مجموعه الجم الغفير، وليس من شرط التواتر أن يحفظ كل فرد جميعه. بل إذا حفظ الكلُّ الكلَّ ولو على التوزيع كفى"2.
وقد توافرت الدواعي لحفظ الصحابة للقرآن الكريم: ومنها:
1- قوة الحافظة عندهم وسيلان الذهن وحدة الخاطر وفي التاريخ شواهد لذلك.
2- أنهم كانوا أميين لا يعرفون القراءة ولا يحذقون الخط والكتابة وجعلهم هذا لا يعولون إلا على قوة الحافظة.
3- تمكن الإيمان من قلوبهم رضي الله عنهم وحب الله سبحانه وتعالى وحب الرسول صلى الله عليه وسلم وحب كتابه مما جعلهم يقبلون على حفظ القرآن.--------------------------------------------
1 البرهان في علوم القرآن: الزركشي ج1 ص242.
2 الإتقان: السيوطي ج1 ص72، وفتح الباري: ج9 ص52، والمرشد الوجيز ص40 عن المعلم شرح صحيح مسلم للمازري "مخطوط".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
4- بلاغة القرآن التي ملكت الأفئدة، وقد كانوا يتذوقون الكلام ويحفظون أجوده فلا عجب أن يقبلوا على حفظ القرآن.
5- النصوص الكثيرة الواردة في الحث على حفظ القرآن والترهيب من نسيانه وهجره.
6- تشريع قراءة القرآن في الصلاة والقيام به في الليل وهم أهل صلاة وقيام وغير ذلك من العوامل1 التي دفعتهم لحفظ القرآن حتى حفظه عدد كبير كما أشرنا ويكفي أنه قتل في بئر معونة نحو سبعين من حفاظ القرآن وقتل في معركة اليمامة مثلهم؛ مما يدل على كثرة حفاظ القرآن الكريم في عهد الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم وعلى تنافسهم في حفظ القرآن وتحفيظه وتعلمه وتعليمه.--------------------------------------------
1 انظر مناهل العرفان: الزرقاني ج1 ص284، 331.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
6- حفظ التابعين ومن بعدهم -رحمهم الله تعالى- للقرآن الكريم:
مر بنا أن الصحابة رضي الله عنهم انتشروا في الآفاق الإسلامية والبلدان المفتوحة يعلمون الناس أمور دينهم ويعقدون حلق التعليم والتدريس في مساجد تلك البلدان، وأقبل عليهم كثير من الناس يتحلقون حولهم، ويتلقون العلم منهم وصار لبعض هذه المدارس شهرة كبيرة حملت كثيرًا من التابعين على الرحلة إليها وتلقي العلم من أهلها كمدرسة ابن مسعود رضي الله عنه في الكوفة ومدرسة أبي بن كعب رضي الله عنه في المدينة ومدرسة ابن عباس رضي الله عنهما في مكة وغيرها من مدارس الصحابة رضي الله عنهم.
وكان الصحابة يعلمونهم القرآن الكريم ويحفظونهم إياه ويفسرون لهم معانيه ويبينون لهم أحكامه، وقد أقبل التابعون على هذه المدارس فكثر حفاظ القرآن الكريم ولم يقتصروا على تلاوته بل حفظوا أوجه قراءته واشتهر عدد كبير من الحفاظ بالقراءة والرواية.
وتجرد بعض التابعين -رحمهم الله تعالى- للعناية بضبط القراءات وإتقانها ووضع القواعد لها والأصول حتى صاروا أئمة يقتدى بهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
7- حفظ القرآن الكريم في العصر الحديث:
أما في العصور الحديثة فما زالت المسيرة -والحمد لله- مستمرة يحفظ المسلمون القرآن في صدورهم مع تكالب الأحوال على المسلمين واضطراب المعيشة ومغريات الحضارة وتوافر الموانع، وانحسار الدوافع، وما زلنا نرى كثرة حفاظ القرآن الكريم ونجد إقبالا لا يخطر ببال ولا يحلم بمثله أهل الكتاب.
فقد انتشرت مدارس تحفيظ القرآن الكريم العديدة وأنشئت معاهد للقراءات وكليات القرآن في العديد من الدول الإسلامية والحمد لله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
8- خصائص جمع القرآن بمعنى حفظه في الصدور:
ولهذا النوع من الجمع مزايا وخصائص منها:
1- أن جمع القرآن بمعنى حفظه هو أول علم نشأ من علوم القرآن الكريم، وذلك أنه حين نزل الوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم في غار حراء وجرى ما جرى تلا عليه الصلاة والسلام ما نزل عليه من القرآن على خديجة وذلك من حفظه فهو أول علم نشأ من علوم القرآن.
2- أنه دائم لا ينقطع إن شاء الله تعالى، فقد حفظ الرسول صلى الله عليه وسلم القرآن وحفظه أصحابه والتابعون ومن بعدهم وما زال المسلمون يحفظونه إلى أن يأذن الله برفعه بخلاف جمعه بمعنى كتابته فقد مر بثلاث مراحل آخرها في عهد عثمان رضي الله عنه.
3- أن الحفظ في الصدور خاص بالقرآن وليس هناك كتاب يحفظه أهله غير القرآن.
4- أنه يجب على كل مسلم أن يحفظ من القرآن ما يؤدي به الصلوات بخلاف جمعه بمعنى كتابته وتدوينه فلا يجب على كل مسلم.
5- الوعيد لمن حفظ شيئًا من القرآن ثم نسيه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
النوع الثاني: جمعه بمعنى كتابته وتدوينه
مدخل
…
النوع الثاني: جمعه بمعنى كتابته وتدوينه:
جمع القرآن الكريم بهذا المعنى ثلاث مرات:
- الجمع الأول: في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.
- الجمع الثاني: في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
- الجمع الثالث: في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه.
المراد بالجموع الثلاثة:
وقد يشكل على الذهن كيف يجمع الشيء الواحد ثلاث مرات فإذا كان جُمِعَ في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم فكيف يجمع في عهد أبي بكر رضي الله عنه وإذا جمع في عهد أبي بكر ثانية فكيف يجمع ثالثة.
والجواب: أنه لا يراد بالجمع معناه الحقيقي في جميع المراحل. فالمراد بجمع القرآن في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم "كتابته وتدوينه" والمراد بجمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه "جمع في مصحف واحد". والمراد بجمع القرآن في عهد عثمان رضي الله عنه "نسخه" في مصاحف متعددة.
ويظهر بهذا أن الجمع بمعناه الحقيقي كان في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
وسنتحدث عن كل مرحلة من مراحل هذه الجمع:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
أولًا: جمع القرآن بمعنى كتابته وتدوينه في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم:
كتاب الوحي:
اتخذ الرسول صلى الله عليه وسلم عددًا من الصحابة كان إذا نزل عليه شيء من القرآن أمر أحدهم بكتابته وتدوينه ويعرف هؤلاء الصحابة بـ "كتّاب الوحي" ومنهم:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
الخلفاء الأربعة، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، ومعاوية بن أبي سفيان، ويزيد بن أبي سفيان وخالد بن سعيد بن العاصي وحنظلة بن الربيع، والزبير بن العوام وعامر بن فهيرة، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن الأرقم، والمغيرة بن شعبة، وعبد الله بن رواحة، وخالد بن الوليد، وثابت بن قيس، وغيرهم1.
صفة هذا الجمع:
وصف هذا الجمع صحابيان جليلان فقال زيد بن ثابت رضي الله عنه: "كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نوَلِّف القرآن من الرِّقاع"2 أي نجمعه لترتيب آياته من الرقاع، وروى عثمان بن عفان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من كان يكتبه فيقول: "ضعوا هذه في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا". الحديث3.
أدوات الكتابة:
لم تكن أدوات الكتابة ميسرة للصحابة في ذلك الوقت فكانوا يكتبونه على كل ما تناله أيديهم من العُسُب "وهي جريد النخل".
واللِّخَاف: "وهي الحجارة الرقيقة".
والرقاع: "وهي القطعة من الجلد أو الورق".
الكرانيف: "وهي أطراف العسب العريضة".
والأقتاب: "جمع قتَب وهي الخشب الذي يوضع على ظهر البعير ليركب عليه".--------------------------------------------
1 انظر جوامع السيرة لابن حزم ص26، 27، وزاد المعاد لابن القيم ج1 ص29، وكتاب الوحي للدكتور: أحمد عبد الرحمن عيسى، وكتاب النبي صلى الله عليه وسلم: للدكتور محمد مصطفى الأعظمي.
2 رواه الحاكم في المستدرك ج2 ص229.
3 رواه الحاكم في المستدرك ج2 ص221.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)
والأكتاف: "جمع كتف وهي عظم عريض للإبل والغنم".
وكان كتاب الوحي رضي الله عنهم يضعون كل ما يكتبون في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وينسخون لأنفسهم منه نسخة.
مميزات جمع القرآن في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم:
1- ثبت في السنة نزول القرآن الكريم على سبعة أحرف ومما ورد في ذلك حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه" 1 وقد كانت كتابة القرآن في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم على الأحرف السبعة.
2- أجمع العلماء على أن جمع القرآن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مرتب الآيات أما ترتيب السور ففيه خلاف.
3- بعض ما كتب في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم نسخت تلاوته وظل مكتوبًا حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الحديث عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان فيما أنزل من القرآن: "عشر رضعات معلومات يحرمن" ثم نسخن "بخمس معلومات" فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن2.
4- لم يكن القرآن الكريم في عهد الرسول الله صلى الله عليه وسلم مجموعًا في مصحف واحد، بل كان مفرقا في الرقاع والأكتاف واللخاف وغيرها؛ ولهذا قال زيد بن ثابت رضي الله عنه: "قبض النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن القرآن جمع في شيء"3، وقال أيضًا لما أمر بجمع القرآن في عهد أبي بكر رضي الله عنه: "فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال"4.--------------------------------------------
1 رواه البخاري ج6 ص100، ورواه مسلم ج1 ص560.
2 رواه مسلم ج2 ص1075.
3 فتح الباري، لابن حجر ج9 ص9، الإتقان في علوم القرآن: السيوطي ج1 ص57.
4 صحيح البخاري ج6 ص98 باب جمع القرآن الكريم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)
ولعلك تسأل بعد هذا لماذا لم يجمع القرآن في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم في مصحف واحد؟ وقد أجاب العلماء رحمهم الله تعالى على ذلك، وذكروا أسبابًا منها:
1- أن الله تعالى قد أمن نبيه عليه الصلاة والسلام من النسيان بقوله سبحانه وتعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى، إِلَاّ مَا شَاءَ اللَّهُ} 1، أي ما شاء أن يرفع حكمه بالنسخ فلا خوف إذن أن يذهب شيء من القرآن الكريم، وأما بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فإن النسيان قد يقع فبادر المسلمون إلى جمعه في مصحف واحد2.
2- قال الخطابي: "إنما لم يجمع صلى الله عليه وسلم القرآن في المصحف لما يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته فلما انقضى نزوله بوفاته ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك وفاء بوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة3.
وقال الزركشي: "وإنما ترك جمعه في مصحف واحد؛ لأن النسخ كان يرد على بعض، فلو جمعه ثم رفعت تلاوة بعض لأدى إلى الاختلاف واختلاط الدين، فحفظه الله في القلوب إلى انقضاء زمان النسخ ثم وَفق لجمعه الخلفاء الراشدين"4.
3- أن القرآن الكريم لم ينزل جملة واحدة، بل نزل منجمًا في ثلاث وعشرين سنة.
4- أن ترتيب آيات القرآن وسوره ليس على حسب ترتيب نزوله،--------------------------------------------
1 سورة الأعلى: الآيتين 6، 7.
2 البرهان: الزركشي: ج1 ص238.
3 الإتقان: السيوطي: ج1 ص57، وانظر شرح السنة: للبغوي ج4 ص519.
4 البرهان: الزركشي ج1 ص235.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)
ولو جمع القرآن في مصحف واحد حينئذاك لكان عرضة للتغيير كلما نزل شيء من القرآن1.
ولم يكن الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- إذا اختلفوا في شيء من القرآن يرجعون إلى ما هو مكتوب بل كانوا يرجعون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيعرضون عليه قراءتهم ويسألونه عنها.
وبعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ومقتل بعض القراء من الصحابة دعت الحاجة إلى جمع القرآن في مصحف واحد، فكان ذلك في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه.--------------------------------------------
1 مناهل العرفان: الزرقاني ج1 ص241، 242.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)
ثانيا: جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه:
سببه:
بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ارتدت بعض قبائل العرب فأرسل أبو بكر رضي الله عنه خليفة الرسول صلى الله عليه وسلم الجيوش لقتال المرتدين وكان قوام هذه الجيوش هم الصحابة رضوان الله عليهم وفيهم حفاظ القرآن، وكانت حروب الردة شديدة قتل فيها عدد من القراء الذين يحفظون القرآن الكريم، فخشي بعض الصحابة أن يذهب شيء من القرآن بذهاب حفظته1 فأراد أن يجمع القرآن في مصحف واحد بمحضر من الصحابة.
وقصة ذلك رواها البخاري في صحيحه عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: أرسل إلي أبو بكر -مقتل أهل اليمامة- فإذا عمر بن الخطاب عنده قال أبو بكر رضي الله عنه: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر2 يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقرآء--------------------------------------------
1 شرح السنة: البغوي ج4 ص521.
2 يعني: اشتد وكثر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)
بالموطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت لعمر: كيف تفعل شيئًا لم يفعله رسول الله عليه وسلم. قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن فاجمعه، فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلون شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هو والله خير فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حياته ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنها"1.
تاريخ هذا الجمع:
هو كما جاء في الحديث بعد معركة اليمامة، وفي السنة الثانية عشرة من الهجرة.
أسباب اختيار زيد بن ثابت رضي الله عنه لهذا الجمع:
ترجع أسباب اختيار زيد بن ثابت لأمور منها:
1- أنه كان من حفاظ القرآن الكريم.
2- أنه شهد العرضة الأخيرة للقرآن الكريم، وقد روى البغوي عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه قال: قرأ زيد بن ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام الذي توفاه الله فيه مرتين إلى أن قال عن زيد بن ثابت أنه: "شهد--------------------------------------------
1 صحيح البخاري ج6 ص98، 99.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
العرضة الأخيرة، وكان يقرئ الناس بها حتى مات، ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر في جمعه، وولاه عثمان كتبة المصاحب رضي الله عنهم أجمعين"1.
3- أنه من كتاب الوحي للرسول صلى الله عليه وسلم.
4- خصوبة عقله، وشدة ورعه، وكمال خلقه، واستقامة دينه، وعظم أمانته ويشهد لذلك قول أبي بكر رضي الله عنه له: "إنك رجل شاب، عاقل، ولا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم" وقوله نفسه رضي الله عنه: "فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن".
منهج زيد في هذا الجمع:
من المعلوم أن زيد بن ثابت رضي الله عنه كان يحفظ القرآن كله في صدره، وكان القرآن مكتوبًا عنده ومع هذا فلم يعتمد على ما حفظه ولا على ما كتب بيده، وذلك أن عمله ليس جمع القرآن فحسب، وإنما التوثيق والتثبت فيما يكتب؛ ولهذا يقول الزركشي رحمه الله تعالى عن زيد: "وتتبعه للرجال كان للاستظهار لا لاستحداث العلم"2 وقال ابن حجر رحمه الله تعالى: "وفائدة التتبع المبالغة في الاستظهار والوقوف عند ما كتب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم"3.
وقد رسم أبو بكر رضي الله عنه لزيد المنهج لهذا الجمع فقال له ولعمر بن الخطاب رضي الله عنه: "اقعدوا على باب المسجد، فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه"4، 5.--------------------------------------------
1 شرح السنة: البغوي ج4 ص525، 526، والبرهان للزركشي ج1 ص237، والإتقان للسيوطي ج1 ص50.
2 البرهان: الزركشي ج1 ص234.
3 فتح الباري: ابن حجر ج9 ص15.
4 المصاحف: لابن أبي داود ص12، وجمال القراء ج1 ص86.
5 قال ابن حجر: "ورجاله ثقات مع انقطاعه" فتح الباري ج9 ص14.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)
وقد امتثلا ذلك فقد قام عمر في الناس فقال: "من كان تلقى من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا من القرآن فليأتنا به"1.
وقد بين زيد نفسه المنهج الذي سلكه بقوله رضي الله عنه: "فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال"2.
وعلى هذا فإن منهج زيد في جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه يقوم على أسس أربعة:
- الأول: ما كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
- الثاني: ما كان محفوظًا في صدور الرجال.
- الثالث: أن لا يقبل شيئًا من المكتوب حتى يشهد شاهدان على أنه كتب بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم قال السخاوي معناه: "من جاءكم بشاهدين على شيء من كتاب الله الذي كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم"3.
وقال ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى: "وكان غرضهم أن لا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم لا من مجرد الحفظ"4.
- الرابع: أن لا يقبل من صدور الرجال إلا ما تلقوه من فم الرسول صلى الله عليه وسلم فإن عمر رضي الله عنه ينادي: "من كان تلقى من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا من القرآن فليأتنا به" ولم يقل من حفظ شيئًا من القرآن فليأتنا به.--------------------------------------------
1 المصاحف: ابن أبي داود ص17.
2 صحيح البخاري: ج6 ص98، 99.
3 جمال القراء: السخاوي ج1 ص86.
4 فتح الباري: ابن حجر ج9 ص15، وانظر المرشد الوجيد: لأبي شامة ص57.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)
مميزات جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه:
1- جمع القرآن الكريم في هذا العهد على أدق وجوه البحث والتحري والإتقان على الوجه الذي أشرنا إليه في منهج الجمع.
2- أهمل في هذا الجمع ما نسخت تلاوته من الآيات.
3- أن هذا الجمع كان بالأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن الكريم كما كان في الرقاع التي كتبت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.
4- أن هذا الجمع كان مرتب الآيات باتفاق واختلف العلماء في السور هل كانت مرتبة في هذا الجمع أم أن ترتيبها كان في عهد عثمان رضي الله عنه.
5- اتفق العلماء على أنه كتب نسخة واحدة من القرآن في هذا الجمع حفظها أبو بكر لأنه إمام المسلمين.
6- ظفر هذا الجمع بإجماع الأمة عليه وتواتر ما فيه.
مكانة هذا الجمع:
ظفر هذا الجمع باتفاق الصحابة رضي الله عنهم على صحته ودقته وأجمعوا على سلامته من الزيادة أو النقصان، وتلقوه بالقبول والعناية التي يستحقها حتى قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "أعظم الناس أجرا في المصاحف أبو بكر فإنه أول من جمع ما بين اللوحين"1.
ومع هذا التصريح من علي رضي الله عنه فقد زعم قوم أن أول من جمع القرآن هو علي رضي الله عنه وقد رد عليهم الألوسي فقال: وما شاع أن عليا -كرم الله وجهه- لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلف لجمعه. فبعض طرقه ضعيفة، وبعضها موضوعة، وما صح فمحمول كما قيل على الجمع في الصدر، وقيل: كان جمعًا بصورة أخرى لغرض آخر، ويؤيده أنه--------------------------------------------
1 المصاحف: أبو داود السجستاني ص11.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 82)
قد كتب فيه الناسخ والمنسوخ فهو ككتاب علم1. ولهذا روي أن أول من جمعه عمر رضي الله عنه، كما روي أن أول من جمعه سالم مولى أبي حذيفة، أقسم أن لا يرتدي برداء حتى يجمعه وكل ذلك محمول على ما حمل عليه جمع علي رضي الله عنه بل ذكر ابن حجر وغيره أن جمع علي رضي الله عنه كان حسب ترتيب النزول وذكر النهاوندي -أحد مفسري الرافضة- "أن الكتاب الذي جمعه أمير المؤمنين -رضى الله عنه- كان فيه بيان شأن نزول الآيات. وأسماء الذين نزلت فيهم وأوقات نزولها وتأويل متشابهاتها وتعيين ناسخها ومنسوخها، وذكر عامها وخاصها، وبيان العلوم المرتبطة بها، وكيفية قراءاتها"2.
وإن صح هذا -مع استحالته- فليس هو بجمع للقرآن وإنما هو كتاب في علوم القرآن. وإنما قلت مع استحالته؛ فلأن جمعه حسب ترتيب النزول غير ممكن فقد سأل محمد بن سيرين عكرمة مولى ابن عباس فقال: "قلت لعكرمة: ألفوه كما أنزل الأول فالأول؟ قال: لو اجتمع الإنس والجن على أن يؤلفوه هذا التأليف ما استطاعوا"3.
تسميته بالمصحف:
لم يكن "المصحف" يطلق على القرآن قبل جمع أبي بكر الصديق رضي الله عنه وإنما عرف هذا الاسم بعد أن أتم زيد جمع القرآن فقد روى السيوطي عن ابن أشتة في كتابه "المصاحف" أنه قال: "لما جمعوا القرآن فكتبوه في الورق قال أبو بكر: التمسوا له اسمًا فقال بعضهم السفر وقال--------------------------------------------
1 روح المعاني: الألوسي، ج1 ص22.
2 نفحات الرحمن: ج1 ص8-12. عن كتاب: علوم القرآن عند المفسرين: إصدار مركز الثقافة والمعارف القرآنية في إيران ج1 ص367.
3 الإتقان: السيوطي ج1 ص77.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)
بعضهم المصحف فإن الحبشة يسمونه المصحف وكان أبو بكر أول من جمع كتاب الله وسماه المصحف"1.
خبر هذا المصحف:
بعد أن أتم زيد جمع القرآن في المصحف سلمه لأبي بكر الصديق رضي الله عنه فحفظه عنده حتى وفاته، ثم انتقل إلى أمير المؤمنين من بعده عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبعد وفاته انتقل المصحف إلى حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها لأن عمر رضي الله عنه جعل أمر الخلافة من بعده شورى، فبقي عند حفصة إلى أن طلبه منها عثمان رضي الله عنه لنسخه بعد ذلك، ثم أعاده إليها -لما سيأتي- ولما توفيت حفصة رضي الله عنها أرسل مروان بن الحكم إلى أخيها عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ساعة رجعوا من جنازة حفصة بعزيمة ليرسلن بها فأرسل بها ابن عمر إلى مروان فمزقها مخافة أن يكون في شيء من ذلك خلاف ما نسخ عثمان رضي الله عنه2.--------------------------------------------
1 الإتقان: السيوطي ج1 ص51.
2 المرشد الوجيز: أبو شامة المقدسي ص52.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)
ثالثا: جمع القرآن بمعنى نسخه في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه:
سببه:
عندما اتسعت الفتوحات الإسلامية انتشر الصحابة رضي الله عنهم في البلاد المفتوحة يعلمون أهلها القرآن وأمور الدين، وكان كل صحابي يعلم بالحرف الذي تلقاه من الأحرف السبعة، فكان أهل الشام يقرءون بقراءة أبي بن كعب رضي الله عنه فيأتون بما لم يسمع أهل الشام فيكفر بعضهم بعضًا1. وعندما اتجه جيش المسلمين لفتح "أرمينيه" و"أذربيجان" كان الجنود من أهل العراق وأهل الشام فكان--------------------------------------------
1 فتح الباري: ابن حجر العسقلاني ج9 ص18.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)
الشقاق والنزاع يقع بينهم ورأى حذيفة بن اليمان رضي الله عنه اختلافهم في القراءة وبعض ذلك مشوب باللحن مع إلف كل منهم لقراءته واعتياده عليها واعتقاده أنها الصواب وما عداها تحريف وضلال، حتى كفر بعضهم بعضا فأفزع هذا حذيفة رضي الله عنه فقال والله لأركبن إلى أمير المؤمنين "يعني عثمان بن عفان رضي الله عنه"، وكان عثمان قد رأى نحو هذا في المدينة، فقد كان المعلم يعلم بقراءة والمعلم الآخر يعلم بقراءة فجعل الصبيان يلتقون فينكر بعضهم قراءة الآخر فبلغ ذلك عثمان رضي الله عنه فقام خطيبًا وقال: "أنتم عندي تختلفون فيه فتلحنون فمن نأى عني من الأمصار أشد فيه اختلافًا وأشد لحنًا، اجتمعوا يا أصحاب محمد، واكتبوا للناس إمامًا"1.
فلما جاء حذيفة إلى عثمان رضي الله عنهما وأخبره بما جرى تحقق عند عثمان ما توقعه، وقد روى البخاري في صحيحه قصة ذلك الجمع في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "إن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح "أرمينيه" و"أذربيجان" مع أهل العراق فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك فأرسلت بها حفصة إلى عثمان2.
تاريخ هذا الجمع:
كان ذلك في أواخر سنة 24 وأوائل سنة 25 كما قال ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى3.--------------------------------------------
1 المصاحف: ابن أبي داود ص29.
2 صحيح البخاري ج6 ص99.
3 فتح الباري: ابن حجر ج9 ص17.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)