خلقي وخلقي" 1.
هذا الحديث فيه منقبة عظيمة لجعفر بن أبي طالب من حيث أنه أشبه النبي صلى الله عليه وسلم خلقاً وخُلقاً وأكرم بها من منقبة فقد قال ـ جل وعلا ـ مادحاً نبيه عليه الصلاة والسلام {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} 2.
2- روى الإمام مسلم بإسناده إلى أبي موسى قال: بلغنا مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن باليمن فخرجنا مهاجرين إليه أنا وإخوان لي أنا أصغرهما أحدهما أبو بردة والآخر أبو رهم ـ إما قال بضعاً وإما قال ثلاثة وخمسين أو اثنين وخمسين رجلا من قومي ـ قال: فركبنا سفينة فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة فوافقنا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عنده فقال جعفر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثنا هاهنا وأمرنا بالإقامة فأقيموا معنا فأقمنا معه حتى قدمنا جميعاً قال: فوافقنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتتح خيبر فأسهم لنا، أو قال أعطانا منها وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئاً إلا لمن شهد معه إلا لأصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه قسم لهم معهم قال: فكان ناس من الناس يقولون لنا: ـ يعني لأهل السفينة ـ نحن سبقناكم بالهجرة.
قال: فدخلت أسماء بنت عميس وهي ممن قدم معنا على حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم زائرة وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر إليه فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت أسماء بنت عميس: قال عمر الحبشية هذه؟ البحرية هذه؟ فقالت أسماء: نعم فقال عمر: سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله صلى الله عليه وسلم منكم فغضبت وقالت: كذبت3 يا عمر كلا والله كنتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يطعم جائعكم، ويعظ--------------------------------------------
1ـ المسند مع الفتح الرباني 22/214، صحيح البخاري مع فتح الباري 7/499 من رواية البراء رضي الله عنه.
2ـ سورة القلم آية /4.
3ـ كذبت: هنا بمعنى أخطأت وليس المراد بها شتم الفاروق وسبه فالصحابة رضي الله عنهم كانوا أطهر الناس ألسنة من بذيء الكلام قال الحافظ رحمه الله تعالى: وأهل الحجاز يقولون "كذبت" في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 389)
ما قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن كنا نؤذى ونخاف وسأذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأسأله ووالله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد على ذلك قال: فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم قالت: يا نبي الله إن عمر قال كذا وكذا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس بأحق بي منكم وله ولأصحابه هجرة واحدة ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان … " الحديث2.
هذا الحديث فيه بيان فضيلة عظيمة للذين هاجروا الهجرة الأولى إلى الحبشة فقد أكرمهم النبي صلى الله عليه وسلم بالقسم من غنائم خيبر ولم يقسم لأحد غاب عن هذا الفتح سواهم، وأخبر أنهم أحق الصحابة به عليه الصلاة والسلام وأن لهم أجر الهجرتين وفي مقدمتهم جميعاً جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وعنهم أجمعين.
3- وروى الإمام أحمد بإسناده إلى أبي هريرة رضي الله عنه قال: ما احتذى النعال ولا انتعل ولا ركب المطايا ولا لبس الكور3 من رجل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من جعفر بن أبي طالب4.
قال الحافظ ابن كثير بعد إيراد هذا الحديث بسنده: "وهذا إسناد جيد إلى أبي هريرة وكأنه إنما يفضله في الكرم، فأما في الفضيلة الدينية فمعلوم أن الصديق والفاروق ـ بل وعثمان بن عفان ـ أفضل منه، وأما أخوه علي رضي الله--------------------------------------------
موضع أخطأت" أهـ.فتح الباري 7/64.
1ـ البعداء البغضاء قال العلماء: البعداء في النسب البغضاء في الدين لأنهم كفار إلا النجاشي وكان يستخفي بإسلامه عن قومه ويوري لهم"أهـ شرح النووي على صحيح مسلم 16/65.
2ـ صحيح مسلم 4/1946-1947.
3ـ الكور: رحل الناقة بأداته وهو كالسرج وآلته للفرس "النهاية في غريب الحديث" 4/208.
4ـ المسند 2/213-214 وفيه "يعني الجود والكرم" سنن الترمذي 5/320 وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب ورواه النسائي في فضائل الصحابة ص/86، والحاكم في المستدرك 3/209 وقال: صحيح على شرط البخاري وأقره الذهبي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 390)
عنهما فالظاهر أنهما متكافئان أو علي أفضل منه"1.
ولا شك أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أفضل الخلق على الإطلاق بعد الخلفاء الثلاثة ولا يساويه أحد في فضله بعدهم رضي الله عنهم أجمعين.
4- ومن مناقب جعفر رضي الله عنه التي اشتهر بها أنه كان كثير العطف والحنو على المساكين وكان يحبهم ويسكن إليهم حتى إنه كان يكنى بأبي المساكين.
فقد روى الإمام البخاري بإسناده إلى أبي هريرة رضي الله عنه أن الناس كانوا يقولون: أكثر أبو هريرة وإني كنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشبع بطني حتى لا آكل الخمير ولا ألبس الحبير2 ولا يخدمني فلان ولا فلانة وكنت ألصق بطني بالحصاء من الجوع وإن كنت لأستقرئ الرجل الآية هي معي كي ينقلب بي فيطعمني، وكان أخير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب كان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته حتى إن كان ليخرج إلينا العكة3 التي ليس فيها شيء فيشقها فنلعق ما فيها"4.
ففي هذا بيان فضيلة لجعفر رضي الله عنه وشهادة من أبي هريرة رضي الله عنه بأنه كان أشفق الناس على المساكين.
قال الحافظ ابن حجر: "وهذا التقييد يحمل عليه المطلق الذي جاء عن عكرمة عن أبي هريرة قال: "ما احتذى النعال وما ركب المطايا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من جعفر بن أبي طالب"5.
5- ومن مناقبه رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم جعله نائباً لزيد بن حارثة في غزوة مؤتة وأبلى فيها بلاء حسناً. فقد روى الإمام البخاري بإسناده إلى ابن--------------------------------------------
1ـ البداية والنهاية 4/286.
2ـ الحبير: قال في النهاية: "الحبير من البرود وما كان موشياً مخططاً" 1/328 وانظر فتح الباري 7/76.
3ـ العكة: ظرف السمن. وقوله: ليس فيها شيء "مع قوله": فنعلق ما فيها "لا تنافي بينهما لأنه أراد بالنفي أي: لا شيء فيها يمكن إخراجه منها بغير قطعها، وبلإثبات ما يبقى في جوانبها" فتح الباري 7/76.
4ـ صحيح البخاري مع الفتح 7/75.
5ـ فتح الباري 7/76.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 391)
عمر رضي الله عنهما قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ـ مؤتة ـ زيد بن حارثة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة" قال عبد الله: كنت فيهم في تلك الغزوة فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى ووجدنا ما في جسده بضعاً وتسعين من طعنة ورمية.
وروى أيضاً بإسناده إلى نافع أن ابن عمر أخبره أنه وقف على جعفر يومئذ وهو قتيل فعددت به خمسين بين طعنة وضربة ليس منها شيء في دبره يعني في ظهره1.
هذان الحديثان ظاهرهما التعارض "ويجمع بأن العدد قد لا يكون له مفهوم أو بأن الزيادة باعتبار ما وجد فيه من رمي السهام، أو الخمسين مقيدة بكونها ليس فيها شيء في دبره أي: في ظهره، فقد يكون الباقي في بقية جسده ولا يستلزم ذلك أنه ولى دبره، وهو محمول على أن الرمي إنما جاء من جهة قفاه أو جانبيه … ووقع في رواية البيهقي في "الدلائل" بضعاً وتسعين أو بضعاً وسبعين، وأشار إلى أن بضعاً وتسعين أثبت في قوله "ليس فيها شيء في دبره" بيان فرط شجاعة جعفر وإقدامه"أ. هـ2.
7- ومن مناقبه إخبار النبي صلى الله عليه وسلم أنه مات شهيداً في سبيل الله تعالى وشهد له بذلك.
فقد روى الإمام أحمد بإسناده إلى أبي قتادة فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيش الأمراء وقال: "عليكم زيد بن حارثة فإن أصيب زيد فجعفر فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة الأنصاري" فوثب جعفر فقال: بأبي أنت يا نبي الله وأمي ما كنت أرهب أن تستعمل علي زيداً قال: "امضوا فإنك لا تدري أي ذلك خير" قال: فانطلق الجيش فلبسوا ما شاء الله ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد المنبر وأمر أن ينادى الصلاة جامعة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثاب خبر أو--------------------------------------------
1ـ الحديثان في صحيح البخاري 3/58.
2ـ فتح الباري 7/512، وانظر البداية والنهاية لابن كثير 4/274.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 392)
ثاب خبر ـ شك عبد الرحمن ـ ألا أخبركم عن جيشكم هذا الغازي إنهم انطلقوا فلقوا العدو فأصيب زيد شهيداً استغفروا له فاستغفر له الناس، ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب فشد على القوم حتى استشهد أشهد له بالشهادة فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فأثبت قدميه حتى قتل شهيداً فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد، ولم يكن من الأمراء هو أمر نفسه" فرفع رسول الله أصبعيه وقال: "اللهم هو سيف من سيوفك فانصره" وقال عبد الرحمن مرة: فانتصر به فيؤمئذ سمي خالد سيف الله، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "انفروا فأمدوا إخوانكم ولا يتخلفن أحد فنفر الناس في حر شديد مشاة وركباناً" 1.
قال الحافظ ابن كثير: "وقد أخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه شهيد فهو ممن يقطع له بالجنة "أ. هـ2.
8- ومن مناقبه رضي الله عنه إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم عنه بأن له جناحين يطير بهما مع الملائكة.
روى البخاري بإسناده إلى ابن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا حيا ابن جعفر قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين3.
وفي هذا بيان فضيلة لجعفر رضي الله عنه من حيث إطلاق ذي الجناحين عليه وهي منقبة عظيمة له رضي الله عنه. وتحية ابن عمر لابن جعفر بقوله: "السلام عليك يا ابن ذي الجناجين" كأنه يشير إلى حديث عبد الله بن جعفر وأبي هريرة رضي الله عنهما.
فقد روى الطبراني بإسناده إلى عبد الله بن جعفر قال: قال لي رسول الله--------------------------------------------
1ـ المسند 5/299 وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد 6/156 وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير خالد بن سمير وهو ثقة.
2ـ البداية والنهاية 4/285.
3ـ صحيح البخاري 3/58.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 393)
صلى الله عليه وسلم: "هنيئاً لك يا عبد الله بن جعفر أبوك يطير مع الملائكة في السماء 1.
وروى الحاكم بإسناده إلى أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مرَّ بي جعفر الليلة في ملأ من الملائكة وهو مخضب الجناحين بالدم أبيض الفؤاد" 2.
9- ومن مناقبه رضي الله عنه أنه كان ذا مكانة عظيمة عند النبي صلى الله عليه وسلم ولذلك لما بلغه نبأ استشهاده حزن حزناً عظيماً عليه عرف ذلك في وجهه عليه الصلاة والسلام.
فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها قالت: لما أتى نعي جعفر عرفنا في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم الحزن3.
وجاء في صحيح البخاري أنه حزن على الأمراء الثلاثة الذين أمّرهم في غزوة مؤتة حزناً عظيماً حتى ظهر أثر الحزن عليه عليه الصلاة والسلام.
فقد روى الإمام البخاري بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها قالت: "لما جاء قتل ابن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة رضي الله عنهم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف فيه الحزن" الحديث4.
10- ومن مناقبه رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتنى بأولاده عناية عظيمة بعد أن استشهد في غزوة مؤتة فقد قام بزيارتهم وتفقد أحوالهم ودعا لهم فقد روى الإمام أحمد بإسناده إلى عبد الله بن جعفر … أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهل آل جعفر ثلاثاً أن يأتيهم ثم أتاهم فقال: "لا تبكوا على أخي بعد اليوم ادعوا لي ابن أخي" قال: فجيء بنا كأنا أفرخ فقال: "ادعوا إلى الحلاق" فجيء بالحلاق فحلق رؤوسنا ثم قال: "أما محمد فشبيه عمنا أبي طالب. وأما عبد الله فشبيه--------------------------------------------
1ـ مجمع الزوائد 9/273 وقال: رواه الطبراني وإسناده حسن وأورده الحافظ في فتح الباري 7/76 وقال: رواه الطبراني بإسناد حسن.
2ـ المستدرك 3/212 وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره الذهبي.
3ـ المستدرك 3/209 وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره الذهبي.
4ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري 7/512.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 394)
خلقي وخُلقي" ثم أخذ بيدي فأشلهما فقال: "اللهم اخلف جعفراً في أهله وبارك لعبد الله في صفقة يمينه" قالها ثلاث مرار قال: فجاءت أمنا فذكرت له يتمنا وجعلت تفرح له1 فقال: "العيلة تخافين وأنا وليهم في الدنيا والآخرة"2.
وروى الإمام مسلم بإسناده إلى عبد الله بن جعفر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر تلقي بصبيان أهل بيته قال: وإنه قدم من سفر فسبق بي إليه فحملني بين يديه، ثم جيء بأحد ابني فاطمة فأردفه خلفه قال: فأدخلنا المدينة ثلاثة على دابة3.
وروى الإمام أحمد بإسناده إلى عبد الله بن جعفر قال: لو رأيتني وقثم وعبيد الله ابنا عباس ونحن صبيان نلعب إذ مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم على دابة فقال: " ارفعوا هذا إليّ" قال: فحملني أمامه وقال لقثم: "ارفعوا هذا إلي" فجعله وراءه وكان عبيد الله أحب إلى عباس من قثم فما استحى من عمه أن حمل قثماً وتركه قال: ثم مسح على رأسي ثلاثاً وقال كلما مسح: "اللهم أخلف جعفراً في ولده" قال: قلت لعبد الله! ما فعل قثم قال: استشهد قال: قلت: الله ورسوله أعلم بالخير4.
ذلك هو جعفر بن أبي طالب وتلك طائفة من مناقبه التي دلت على عظيم مكانته وعلو شأنه وأنه أوتي خيراً كثيراً وفضلاً عظيماً رضي الله عنه وأرضاه.--------------------------------------------
1ـ تفرح له أي: ذكرت له صلى الله عليه وسلم يتم أولادها وثقل مؤونتهم وما ستلقاه من العناء في تربيتهم "انظر النهاية" 3/424.
2ـ المسند مع الفتح الرباني 22/213-214 وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد 6/156-157 ثم قال: رواه أحمد والطبراني ورجالهما رجال الصحيح.
3ـ صحيح مسلم 4/1885.
4ـ المسند مع الفتح الرباني 22/215 قال الحافظ ابن حجر في الإصابة: 2/280: أخرجه أحمد وغيرها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 395)
9) عبد الله بن جعفر رضي الله عنه:
هو عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بن عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم أبو جعفر القرشي الهاشمي1 وأمه أسماء بنت عميس الخثعمية أخت ميمونة بنت الحارث لأمها ولد بأرض الحبشة لما هاجر أبواه إليها وهو أول من ولد بها من المسلمين وحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم وروى عنه رضي الله عنه وأرضاه. وقد وردت له بعض المناقب دلت على عظيم شأنه وعلو مكانته.
1- فمن مناقبه رضي الله عنه أنه كان ممن شمهلم شرف الهجرة من الحبشة إلى المدينة وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن للناس هجرة واحدة ولهم هجرتان فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى أسماء بنت عميس رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "للناس هجرة ولكم هجرتان" 2.
2- ومن مناقبه رضي الله عنه أنه كان من الذين شبهوا النبي صلى الله عليه وسلم خَلقاً وخُلقاً ودعا له ولإخوانه عامة ودعا له خاصة أن يبارك له في تجارته.
فقد روى الإمام أحمد بإسناده إلى عبد الله بن جعفر … أن النبي صلى الله عليه وسلم أمهل آل جعفر ثلاثاً أن يأتيهم ثم أتاهم فقال: "لا تبكوا على أخي بعد اليوم ادعوا لي ابني أخي" قال: فجيء بنا كأنا أفرخ فقال: "ادعوا إلي الحلاق" فجيء بالحلاق فحلق رؤوسنا ثم قال: "أما محمد فشبيه عمنا أبي طالب وأما عبد الله فشبيه خلقي وخلقي" ثم أخذ بيدي فأشلهما فقال: "اللهم اخلف جعفراً في أهله وبارك لعبد الله في صفقة يمينه" قالها ثلاث مرار … الحديث3.
وروى أبو يعلى والطبراني كما في "مجمع الزوائد"4 عن عمرو بن حريث--------------------------------------------
1ـ انظر ترجمته في الاستيعاب على حاشية الإصابة 2/266-267، أسد الغابة 3/132-135، سير أعلام النبلاء 3/456-462، البداية والنهاية 9/36، الإصابة 2/280-281.
2ـ المستدرك 3/566 وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
3ـ المسند 1/204، ورواه النسائي مختصراً 8/182.
4ـ المجمع 9/286 ثم قال: رواه أبو يعلى والطبراني ورجالها ثقات
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 396)
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ بعبد الله بن جعفر وهو يبيع بيع الغلمان أو الصبيان قال: "اللهم بارك له في بيعه أو قال في صفقته".
2- ومن مناقبه رضي الله عنه إرداف المصطفى عليه الصلاة والسلام له على دابته بين يديه وخلفه. فقد روى الإمام مسلم بإسناده إلى عبد الله بن جعفر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر تلقي بصبيان أهل بيته قال: وإنه قدم من سفر فسبق بي إليه فحملني بين يديه ثم جيء بأحد ابني فاطمة فأردفه خلفه قال: فأدخلنا ثلاثة على دابة1.
وروى أيضاً بإسناده إلى عبد الله بن جعفر قال: أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم خلفه فأسر إلي حديثاً لا أحدث به أحد من الناس2.
ذلك هو عبد الله بن جعفر وتلك طائفة من مناقبه التي دلت على فضله وجلالة قدره رضي الله عنه وأرضاه.--------------------------------------------
1ـ صحيح مسلم 4/1885.
2ـ المصدر السابق 4/1886.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 397)
10) أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب:
هو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل: اسمه المغيرة أسلم عام الفتح وحسن إسلامه، وكان قبل إسلامه من أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى دينه ومن تبعه وكان شاعراً بارعاً هجا الإسلام وأهله، وهو الذي رد عليه حسان بن ثابت رضي الله عنه في قصيدته التي مطلعها:
ألا أبلغ أبا سفيان عني … مغلغلة فقد برح الخفاء
هجوت محمداً وأوجبت عنه
… وعند الله في ذلك الجزاء1
شهد أبو سفيان حنيناً وأبلى فيها بلاء حسناً وكان ممن ثبت ولم يفر يومئذ ولم تفارق يده لجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انصرف الناس إليه وكان يشبه النبي صلى الله عليه وسلم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه وشهد له بالجنة وكان يقول: " أرجو أن تكون خلفاً من حمزة" وهو معدود في فضلاء الصحابة2.
قال الذهبي رحمه الله تعالى: "تلقى النبي صلى الله عليه وسلم في الطريق قبل أن يدخل مكة مسلماً فانزعج النبي صلى الله عليه وسلم وأعرض عنه لأنه بدت منه أمور في أذية النبي صلى الله عليه وسلم فتذلل للنبي صلى الله عليه وسلم حتى رق له، ثم حسن إسلامه ولزم هو والعباس رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين إذ فر الناس وأخذ بلجام البغلة وثبت معه وكان أخا النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة أرضعتهما حليمة3.
وكانت وفاته رضي الله عنه سنة عشرين للهجرة "وكان سبب وفاته أنه حج فلما حلق الحلاق رأسه قطع أثلولاً كان في رأسه فلم يزل مريضاً منه حتى مات بعد مقدمه من الحج بالمدينة سنة عشرين"4.--------------------------------------------
1ـ انظر طبقات ابن سعد 4/49-54، أسد الغابة 5/215، المستدرك 3/255، سير أعلام النبلاء 1/202، البداية 7/114.
2ـ الاستيعاب على حاشية الإصابة 4/84.
3ـ سير أعلام النبلاء 1/203.
4ـ الاستيعاب على حاشية الإصابة 4/85.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 398)
وأبو سفيان هذا وردت له بعض المناقب دلت على جلالة قدره وهي:
1- ما رواه الطبراني بإسناده عن أبي حبة البدري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين لا ينظر في ناحية إلا رأى أبا سفيان بن الحارث يقاتل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أبا سفيان خير أهلي أو من خير أهلي" 1.
هذا الحديث فيه فضيلة ظاهرة لأبي سفيان بن الحارث حيث بين النبي صلى الله عليه وسلم أنه من خيار أهل البيت النبوي رضي الله عنهم أجمعين.
2- وروى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى العباس بن عبد المطلب قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فلقد رأيته وما معه إلا أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وهو آخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راكبها وأبو سفيان لا يألوا أن يسرع نحو المشركين2.
وفي هذا الحديث بيان منقبة عظيمة لأبي سفيان رضي الله عنه وهي فرط شجاعته وإقدامه لمناجزة أعداء الدين من المشركين والكافرين من أجل نصرة الإسلام ورفع رايته.
3- وروى الحاكم أبو عبد الله بإسناده إلى عروة بن الزبير قال: أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رضي الله عنه كان أحب قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان شديداً عليه فلما أسلم كان أحب الناس إليه3.
ففي قول عروة بيان ما حصل لأبي سفيان بن الحارث من المكانة عند النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن كان من أشد الناس عداوة له، فإنه صار بعد ذلك من أحب الناس إليه رضي الله عن أبي سفيان وأرضاه.
4- وروى الحاكم أيضاً: بإسناده إلى عروة بن الزبير قال: قال رسول الله--------------------------------------------
1ـ أورده الهيثمي في مجمع الزوائد 9/274 وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط وإسناده حسن.
2ـ المستدرك 3/255 ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأقره الذهبي.
3ـ المصدر السابق 3/255 وهذا مرسل ولعله أخذه عن أبيه أو غيره من الصحابة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 399)
صلى الله عليه وسلم: "سيد فتيان الجنة أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب" قال: حلقه الحلاق بمنى وفي رأسه ثألول فقطعه فمات فيرون أنه شهيد1.
فقول عروة هذا لا بد أنه سمعه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يمكن أن يقوله من تلقاء نفسه، والصحابة لا بد أنهم سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم لأن هذا من باب الإخبار بالغيب لأنه متضمن الشهادة لمعين بالجنة، ولا يخبر بهذا إلا المصطفى عليه الصلاة والسلام.
ذلك هو أبو سفيان بن الحارث وتلك بعض مناقبه فقد كان من فضلاء الصحابة وأجلهم ورضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين.--------------------------------------------
1ـ المستدرك 3/255 وأورده الحافظ في "الإصابة" 4/60 وقال: "أخرجه الحاكم أبو أحمد من طريق حماد بن سلمة عن هشام عن عروة عن أبيه، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أبو سفيان بن الحارث سيد فتيان أهل الجنة" ثم ساق كلام عروة بكامله ثم قال: "هذا مرسل رجاله ثقات"أهـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 400)
11) عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب:
هو عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف القرشي الهاشمي كان إسلامه قديماً قبل دخول النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم وكان أسن من النبي صلى الله عليه وسلم بعشر سنين هاجر إلى المدينة وشهد بدراً، وعقد له رسول الله صلى الله عليه وسلم أول راية وأمره على سرية قبل وقعة بدر ومات رضي الله عنه عقب غزوة بدر إذ قطعت رجله فمات بالصفراء رضي الله عنه وأرضاه1.
وقد وردت له بعض المناقب دلت على جليل قدره وعظيم مكانته:
1- فمن مناقبه رضي الله عنه أن أول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له رضي الله عنه.
ذكر ابن إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم عقد لعبيدة بن الحارث راية وأرسله في سرية قبل وقعة بدر فكانت أول راية عقدت في الإسلام2.
وأما الواقدي فذكر أن أول لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لحمزة3.
قال الحافظ ابن حجر: "ويمكن الجمع على رأي من يغاير بين الراية واللواء والله أعلم"4.
2- ومن مناقبه رضي الله عنه أنه كان أحد الذين برزوا يوم بدر فقد كان في حسب الله الذين قاتلوا في سبيل الله وهم حمزة وعلي وثالثهم عبيدة بن الحارث، وحزب الشيطان كان يمثله عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة.
فقد روى الشيخان وغيرهما عن قيس بن عباد قال: "سمعت أبا ذر يقسم قسماً إن هذه الآية {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} 5. نزلت في الذين--------------------------------------------
1ـ الاستيعاب على حاشية الإصابة 2/436-438، الإصابة 2/442، أسد الغابة 3/356-357.
2ـ سيرة ابن هشام 1/595.
3ـ مغازي الواقدي 1/9.
4ـ الإصابة 2/442.
5ـ سورة الحج آية/19.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 401)
برزوا يوم بدر: حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة1.
ففي هذا الحديث منقبة واضحة لعبيدة بن الحارث حيث إنه كان من الصحابة الذين أنزل الله فيهم قرآناً يتلى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها: وأكرم بها من منقبة فإنها أكسبته منزلة عظيمة وميزة شريفة رضي الله عنه وأرضاه.
وروى أبو داود بإسناده إلى حارثة بن مضرب عن عليّ قال: تقدم يعني عتبة بن ربيعة ـ وتبعه ابنه وأخوه فنادى من يبارز؟ فانتدب له شباب من الأنصار فقال من أنتم؟ فأخبروه فقال: لا حاجة لنا فيكم إنما أردنا بني عمنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "قم يا حمزة، قم يا عليّ قم يا عبيدة بن الحارث" فأقبل حمزة إلى عتبة، وأقبلت على شيبة، واختلف بين عبيدة والوليد ضربتان، فأسخن كل واحد منهما صاحبه، ثم ملنا على الوليد فقتلناه واحتملنا عبيدة"2.
3- ومن مناقبه رضي الله عنه أن سبب وفاته ضربة بسيف في ساقه يوم بدر ضربه به عتبة بن ربيعة فكانت وفاته رضي الله عنه في سبيل الله فقد روى الحاكم بإسناده إلى عبد الله بن عباس وذكر حديث المبارزة وأن عتبة بن ربيعة قتل عبيدة بن الحارث وبارز ضربه عتبة على ساقه فقطعها فحمله رسول الله صلى الله عليه وسلم فمات بالصفراء منصرفه من بدر فدفنه هنالك3.
ذلك هو عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب فقد كان رضي الله عنه من السابقين الأولين إلى الإسلام ومن الذين أخلصوا دينهم لله وقاتل في سبيل الله نصرة لدين الإسلام حتى فارق الدنيا وهو على ذلك فرضي الله عنه وأرضاه.
والذي أخلص إليه في هذا المبحث أنني ضمنته ذكر فضائل أحد عشر--------------------------------------------
1ـ صحيح البخاري 3/5، صحيح مسلم 4/2323.
2ـ سنن أبي داود 2/49.
3ـ المستدرك 3/187-188 ثم قال عقبه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 402)
شخصاً من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم الذكور عدا أمير المؤمنين علي بن طالب رضي الله عنه فإنني كما قلت في أول هذا المبحث قد تقدم معنا ذكر فضائله في "الفصل الثالث" من هذا الباب، وهناك أفراد من أهل البيت صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرد لهم ذكر فضائل تخصهم فهؤلاء يكفيهم ما جاء في فضلهم عموماً من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، كما يكفيهم ما حصل لهم من شرف الصحبة التي لا يعدلها شيء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 403)
المبحث الرابع: فضل أهل بيته الإناث
…
1) خديجة رضي الله عنها:
هي أم المؤمنين خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي تجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في قصي وهي من أقرب نسائه إليه في النسب ولم يتزوج من ذرية قصي غيرها إلا أن أم حبيبة، تزوجها صلى الله عليه وسلم بمكة وهو ابن خمسة وعشرين سنة وكانت قبله عند أبي هالة ابن النباش بن زرارة التميمي1 حليف بني عبد الدار، وقد بقيت رضي الله عنها مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن أكرمه الله برسالته، وكانت أول من آمن به من النساء، وصدقته ونصرته فكانت له وزير صدق وهي سيدة نساء العالمين في زمانها، وهي ممن كمل من النساء فقد كانت عاقلة جليلة دينة مصونة كريمة من أهل الجنة، وكان عليه الصلاة والسلام يثني عليها ويفضلها على سائر أمهات المؤمنين ويبالغ في تعظيمها، ولم يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم امرأة قبلها، وكل أولاده عليه الصلاة والسلام منها إلا إبراهيم رضي الله عنه فإنه من سريته مارية رضي الله عنها، ولم يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم عليها امرأة قط، ولا تسرى إلى أن قضت نحبها فوجد لفقدها فإنها كانت نعم القرين فلقد أنفقت عليه صلى الله عليه وسلم من مالها واتجر فيه لها رضي الله عنها وأرضاها، وكانت وفاتها رضي الله عنها قبل الهجرة بثلاث سنين2.
وقد وردت الأحاديث الصحيحة بمناقبها الكثيرة ومن تلك الأحاديث:
1- ما رواه الحاكم بإسناده إلى عفيف بن عمر وقال: كنت امرء تاجراً، وكنت صديقاً للعباس بن عبد المطلب في الجاهلية فقدمت لتجارة فنزلت على العباس بن عبد المطلب بمنى فجاء رجل فنظر إلى الشمس حين مالت فقام يصلي--------------------------------------------
1ـ وقبل: كانت قبله عند عتيق بن عائذ بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم ثم خلف عليها النبي صلى الله عليه وسلم "وهذا قول أبي عمر بن عبد البر انظر الاستيعاب على الإصابة 4/272.
2ـ طبقات ابن سعد 1/131، الاستيعاب على حاشية الإصابة 4/271-281، أسد الغابة 5/434، تاريخ الإسلام 1/41، مجمع الزوائد 9/218-225، فتح الباري 7/134، الإصابة 4/273-276.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 407)
ثم جاءت امرأة فقامت تصلي ثم جاء غلام حين راهق الحلم فقام يصلي فقلت للعباس: من هذا؟ فقال: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن أخي يزعم أنه نبي ولم يتابعه على أمره غير هذه المرأة وهذا الغلام، وهذه المرأة خديجة بنت خويلد امرأته وهذا الغلام ابن عمه علي بن أبي طالب قال عفيف الكندي: وأسلم وحسن إسلامه: لوددت أني كنت أسلمت يومئذ فيكون لي ربع الإسلام1.
هذا الحديث اشتمل على منقبة عظيمة لأم المؤمنين خديجة رضي الله عنها وهي أنها كانت من السابقين الأولين إلى الإسلام.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "ومما اختصت به سبقها نساء هذه الأمة إلى الإيمان، فسنت ذلك لكل من آمنت بعدها فيكون لها مثل أجرهن لما ثبت: أن من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء2 وقد شاركها في ذلك أبو بكر الصديق بالنسبة إلى الرجل، ولا يعرف قدر ما لكل منهما من الثواب بسبب ذلك إلا الله عز وجل"3.
2- روى الإمام البخاري بإسناده إلى عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو غار حراء فجاءه الملك فقال: اقرأ قال: "ما أنا بقارئ" قال: "فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ قلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني--------------------------------------------
1ـ المستدرك 3/183 ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
2ـ الحديث في صحيح مسلم 4/2059.
3ـ فتح الباري 7/137.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 408)
الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ} 1 فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، فقال: " زملوني زملوني" فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال: لخديجة وأخبرها الخبر "لقد خشيت على نفسي" فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق. الحديث2.
فهذا الحديث تضمن ذكر منقبة ظاهرة لأم المؤمنين خديجة رضي الله عنها وهي أنها كانت تقوي قلب النبي صلى الله عليه وسلم في بداية نزول الوحي عليه وطمأنته عليه الصلاة والسلام مما كان يخشاه على نفسه وهونت عليه الأمر وأنه لا خوف عليه ولا حزن وأقسمت للنبي صلى الله عليه وسلم على أن الله لا يخزيه ولا يخذله واستدلت على ما أقسمت عليه بما فيه من صفاته الطيبة من أصول مكارم الأخلاق التي هي إحسانه إلى الأقارب والأجانب إما بالبدن، وإما بالمال وبينت له أن من وجدت فيه هذه الخصال الحميدة لن يخزيه الله أبداً.
3- ومن مناقبها رضي الله عنها التي انفردت بها دون سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أنه عليه الصلاة والسلام لم يتزوج عليها حتى فارقت الحياة الدنيا. فقد روى مسلم بإسناده إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: لم يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم على خديجة حتى ماتت3.
قال الحافظ: "وهذا مما لا اختلاف فيه بين أهل العلم بالأخبار وفيه دليل على عظم قدرها عنده وعلى مزيد فضلها لأنها أغنته عن غيرها واختصت به بقدر ما اشترك فيه غيرها مرتين لأنه صلى الله عليه وسلم عاش بعد أن تزوجها ثمانية وثلاثين عاماً انفردت خديجة منها بخمسة وعشرين عاماً وهي نحو--------------------------------------------
1ـ سورة العلق آية/1-3.
2ـ صحيح البخاري 1/6-7.
3ـ صحيح مسلم 4/1889.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 409)
الثلثين من المجموع ومع طول المدة فصان قلبها فيها من الغيرة ومن تكدر الضرائر الذي ربما حصل له هو منه ما يشوش عليه بذلك وهي فضيلة لم يشاركها فيها غيرها"1.
4- ومن مناقبها العظيمة التي شرفت بها أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأنها خير نساء هذه الأمة المحمدية قاطبة: فقد روى الإمام البخاري بإسناده إلى علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "خير نسائها مريم وخير نسائها خديجة" 2.
وعند الإمام مسلم بلفظ "خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد" قال أبو كريب وأشار وكيع إلى السماء والأرض3.
قال النووي رحمه الله: "قوله صلى الله عليه وسلم: "خير نسائها مريم بنت عمران وخير نسائها خديجة بنت خويلد" وأشار وكيع إلى السماء والأرض" أراد وكيع بهذه الإشارة تفسير الضمير في نسائها وأن المراد به جميع نساء الأرض أي: كل من بين السماء والأرض من النساء والأظهر أن معناه أن كل واحدة منهما خير نساء الأرض في عصرها وأما التفضيل بيهما فمسكوت عنه"4.
وقال القرطبي رحمه الله تعالى: "الضمير عائد على غير مذكور لكنه يفسره الحال والمشاهدة يعني: به الدنيا".
وقال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر أقوال العلماء في مرجع الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم: "خير نسائها مريم وخير نسائها خديجة" والذي يظهر لي أن قوله: "خير نسائها" خبر مقدم والضمير لمريم فكأنه قال: مريم خير نسائها أي:--------------------------------------------
1ـ فتح الباري 7/137.
2ـ صحيح البخاري 2/315.
3ـ صحيح مسلم 4/1886.
4ـ شرح النووي على صحيح مسلم 15/198.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 410)
نساء زمانها وكذا في خديجة وقد جزم كثير من الشراح أن المراد نساء زمانها لما تقدم في أحاديث الأنبياء في قصة موسى وذكر آسية من حديث أبي موسى رفعه "كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم وآسية" فقد أثبت في هذا الحديث الكمال لآسية كما أثبته لمريم فامتنع حمل الخيرية في حديث الباب على الإطلاق وجاء ما يفسر المراد صريحاً فروى البزار والطبراني من حديث عمار بن ياسر رفعه "لقد فضلت خديجة على نساء أمتي كما فضلت مريم على نساء العالمين" "وهذا حديث حسن الإسناد"1.
5- ومن مناقبها رضي الله عنها التي دلت على شرفها وجلالة قدرها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثير من ذكرها بعد موتها بالثناء عليها والمدح لها وكان يأتي من العمل ما يسرها في حياتها. فقد روى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت: "ما غرت على امرأة للنبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة هلكت قبل أن يتزوجني لما كنت أسمعه يذكرها وأمره الله أن يبشرها ببيت من قصب وإن كان ليذبح الشاة فيهدي في خلائلها منها ما يسعهن"2.
وروى مسلم رحمه الله بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها قالت: ما غرت للنبي صلى الله عليه وسلم على امرأة من نسائه ما غرت على خديجة لكثرة ذكرها إياها3.
وروى البخاري رحمه الله بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها قالت: "ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة وما رأيتها ولكن كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة؟ فيقول: إنها كانت وكانت وكان لي منها ولد"4.--------------------------------------------
1ـ فتح الباري 7/135.
2ـ صحيح البخاري 2/315، صحيح مسلم 4/1888.
3ـ صحيح مسلم 4/1889.
4ـ صحيح البخاري 2/315.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 411)