وهكذا تتضارب أخبارهم وتتناقض، لأن الوضع يتم حسب الظروف والمناسبات.
أما سبب غيبته: فقد جاء في الكافي عن زرارة قال: "سمعت أبا عبد الله يقول: إن للقائم عليه السلام غيبة قبل أن يقوم، قلت: ولم؟ قال: إنه يخاف - وأومأ بيده إلى بطنه - يعني القتل" (1) .
وجاءت عندهم روايات عدة في هذا المعنى (2) . وأكد ذلك شيخ الطائفة الطوسي بقوله: "لا علة تمنع من ظهوره إلا خوفه على نفسه من القتل، لأنه لو كان غير ذلك لما ساغ له الاستتار وكان يتحمل المشاق والأذى، فإن منازل الأئمة وكذلك الأنبياء عليهم السلام إنما تعظم لتحملهم المشاق العظيمة في ذات الله تعالى" (3) .
ولكن هذا التعليل للغيبة الذي يؤكده شيخ الطائفة لا يتصور في حق الأئمة - على ما يعتقد الشيعة - لأن الأئمة "يعلمون متى يموتون، ولا يموتون إلا باختيار منهم". كما أثبت ذلك الكليني في الكافي في روايات عديدة، وبوب لها بهذا اللفظ المذكور (4) . وأثبت ذلك المجلسي في بحار الأنوار وبوب له بلفظ: "أنهم عليهم السلام يعلمون متى يموتون وأنه لا يقع ذلك إلا باختيارهم" (5) . فكيف يخرجون من هذا التناقض؟! (6) .
كما أن الأئمة - على حد ما يعتقد الشيعة - "يعلمون ما كان وما يكون ولا--------------------------------------------
(1) أصول الكافي: 1/338، الغيبة للنعماني: ص118، إكمال الدين: ص449
(2) انظر: أصول الكافي 1/337، 340، الغيبة للنعماني: ص118، إكمال الدين: ص449
(3) الغيبة لطلوسي، فصل في ذكر العلة المانعة لصاحب الأمر من الظهور: ص199
(4) أصول الكافي: 1/258
(5) بحار الأنوار: 27/285
(6) وقد رجعت إلى شرح الكافي للمازندراني لأطلع على ما يقوله في روايات الكافي التي تعلل غيبته بخوفه من القتل.. فوجدته مر عليها ولم يتعقبها بشيء
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 854)
يخفى عليهم الشيء" (1) ، كما قرر ذلك الكليني في باب يحمل العنوان المذكور.
فبوسعهم أن يحترزوا من الخطر بما لا يخطر على بال أحد.
ثم لماذا لم يقتل واحد من أولئك النواب الأربعة الذين يدعون الصلة بالإمام مباشرة وهم ليسوا كالإمام لا يموتون إلا باختيار منهم؟!
كذلك قد توفر الأمن التام للإمام في أثناء قيام بعض الدول الشيعية فلماذا لم يخرج إليهم، ويأنسوا بطلعته، ويستفيدوا من علمه، وسلاحه، وقوته.. وإذا مازالت الدولة رجع إلى مكمنه؟ ولذلك قال أحمد الكسروي - الشيعي الأصل -: "إذا كان منتظرهم قد اختفى لخوفه على نفسه فلم لم يظهر عندما استولى آل بويه الشيعيون على بغداد، وصيروا خلفاء بني العباس طوع أمرهم؟
فلم لم يظهر عندما قام الشاه إسماعيل الصفوي وأجرى من دماء السنيين أنهارًا؟
فلم لم يظهر عندما كان كريمخان الزندي وهو من أكبر سلاطين إيران يضرب على السكة اسم إمامكم (صاحب الزمان) ويعد نفسه وكيلاً عنه؟
وبعد، فلم لا يظهر اليوم وقد كمل عدد الشيعيين ستين مليونًا وأكثرهم من منتظريه؟ " (2) .
وكذلك اليوم - من بعد الكسروي - قامت دولة الآيات فلم لا يخرج إليهم ولا سيما وهم يجأرون بالدعوات، والاستغاثة لخروجه منذ مئات السنين.
كما وضعت روايات تعلل الغيبة بامتحان قلوب الشيعة واختبارهم، وقد يكون هذا التعليل الذي تحمله تلك الروايات محاولة منهم لمعالجة ظاهرة الشك الذي تسلل إلى قلوب الشيعة، حيث لم تجد هذه المسألة طريقها إلى عقول كثير منهم حتى اضطرهم ذلك إلى نبذ عقيدة التشيع ورفضها.--------------------------------------------
(1) أصول الكافي: 1/260
(2) التشيع والشيعة: ص42
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 855)
كما مل الشيعة الانتظار للغائب الموعود حتى قال قائلهم: "قد طال هذا الأمر علينا حتى ضاقت قلوبنا ومتنا كمدًا.." (1) . وأطل عليهم شبخ الشك الرهيب وقد شهد بذلك ابن بابويه القمي حيث قال: "رجعت إلى نيسابور، وأقمت فيها فوجدت أكثر المختلفين عليّ من الشيعة قد حيرتهم الغيبة، ودخلت عليهم في أمر القائم عليه السلام الشبهة" (2) .
وقد صورت رواياتهم - التي وضعت لمعاجلة هذا الأمر كما يظهر - حيرتهم في أمر الغائب، وطول غيبته وانقطاع أخباره، جاء في الكافي "عن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله يقول: إن للغلام غيبة قبل أن يقوم.. وهو المنتظر وهو الذي يشك في ولادته، منهم من يقول: مات أبوه بلا خلف، ومنهم من يقول: حمل، ومنهم من يقول: إنه ولد قبل موت أبيه بسنتين وهو المنتظر، غير أن الله عز وجل يحب أن يمتحن الشيعة، فعند ذلك يرتاب المبطلون" (3) . فعللوا هذا الاختلاف بأنه امتحان للشيعة.
وقد نقلت لنا كتب الفرق أن هذا ما حدث لهم بعد موت الحسن العسكري - كما سبق - فكأن هذه الرواية وأمثالها اخترعت لمواجهة نزعة الحيرة والشك التي داهمتهم بعد موت إمامهم عقيمًا.
وقد أكثروا من الروايات التي تجري هذا المجرى، وتصور واقعهم أبلغ تصوير.
فقد جاء في الكافي: "لا والله لا يكون ما تمدون إليه أعينكم حتى تغربلوا، لا والله لا يكون ما تمدون إليه أعينكم حتى تمحصوا، لا والله لا يكون ما تمدون إليه أعينكم حتى تميزوا، لا والله لا يكون ما تمدون إليه أعينكم إلا بعد إياس،--------------------------------------------
(1) الغيبة للنعماني: ص120
(2) إكمال الدين: ص2
(3) أصول الكافي: 1/337
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 856)
لا والله لا يكون ما تمدون إليه أعينكم حتى يشقى من يشقى ويسعد من يسعد" (1) .
فهم يدعون أن ما حل بهم بسبب دعوى الغيبة إنما هو من أجل التمحيص والابتلاء، وأنه إذا تم ذلك رجع القائم، ونسبوا إلى جعفر الصادق: أنه دخل عليه بعض أصحابه وهو يبكي كالثكلى، لأنه نظر - كما يقولون - في كتاب الجفر المشتمل على علم البلايا والمنايا، وعلم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة فقال: "تأملت فيه مولد قائمنا عليه السلام، وغيبته وإبطاءه وطول عمى وبلوى المؤمنين من بعده في ذلك الزمان، وتولد الشكوك في قلوب الشيعة من طول غيبته وارتداد أكثرهم عن دينه.." (2) .
فهذه الرواية المنسوبة إلى جعفر تتحدث عن درة كثير من الشيعة بسبب دعوى الغيبة التي طال أمدها، وهي قد وضعت - كغيره - بعدما حل بهم هذا الأمر لحضهم على البقاء في نطاق التشيع، وذلك بدعوى أن هذا أمر أخبرت به الأئمة وهو من أمارات رجعة الإمام المفقود.
وقد شهد شيخهم النعماني وهو من شيوخ القرن الثالث، وممن عايش واقع الشيعة في الفترة المبكرة لدعوى الغيبة، فشهادته في ذلك في غاية الأهمية، شهد بشك جميع الشيعة في أمر الغيبة - إلا القليل - يقول: "فإنا رأينا طوائف من العصابة المنسوبة إلى التشيع، المنتمية إلى نبينا محمد وآله صلى الله عليهم ممن يقول بالإمامة.. قد تفرقت كلمتها، وتشعبت مذاهبها، واستهانت بفرائض الله عز وجل، وخفت إلى محارم الله تعالى فطال بعضهم غلوًا، وانخفض بعضهم تقصيرًا، وشكوا جميعًا إلى القليل في إمام زمانهم وولي أمرهم وحجة ربهم.. للمحنة الواقعة بهذه الغيبة" (3) .--------------------------------------------
(1) أصول الكافي: 1/370
(2) الغيبة للطوسي: ص105-106
(3) الغيبة للنعماني: ص11
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 857)
وقد أخذ بعضهم يلعن بعضًا، ويبرأ منه ويشهد عليه بالكفر، كما تصور ذلك رواية النعماني التي تقول: "لا يكون الأمر الذي ينتظر حتى يبرأ بعضكم من بعض ويتفل بعضكم في وجوه بعض، فيشهد بعضكم على بعض بالكفر ويلعن بعضكم بعضًا" (1) . وجعلت الرواية هذه الظاهرة الخطيرة خيرًا، لأنها مؤذنة بخروج القائم فقالت: "الخير كله في ذلك الزمان، يقوم قائمنا ويدفع ذلك كله" (2) .
فيبدو من خلال هذه النصوص أن محدثي الشيعة عملوا على مواجهة هذه النكسة بوضع هذه الروايات على أهل البيت وجعلوها تشير إلى ما يلحق الشيعة من التمحيص والابتلاء والردة عند وقوع الغيبة وذلك من أجل إغرائهم بالبقاء داخل نطاق التشيع الإمامي.
ورغم هذه الاعترافات والشهادات فإن فكرة الغيبة التي اضطرت الإمامية للقول بها قد أحدثت هزة عنيفة زلزلت كيان التشيع الإمامي وكادت أن تؤدي إلى سقوطه بذهاب أتباعه.. رغم ذلك فإنهم يقولون في رواياتهم: "لو علم الله أنهم يرتابون ما خيب حجته طرفة عين" (3) . فأي ريبة أشد من شك الجميع إلا القليل، ومن التفرق والتلاعن؟!.
ويلاحظ كثرة التكذيب للغيبة من لدن الشيعة، ولا سيما في مراحل نشأتها، ولعل السبب يعود إلى وضوح كذبها لمن عاصرها وعايش ظروفها، ولذلك فقد نشط مؤسسو هذه الفكرة لسد الثغرات التي تهب عليهم منها رياح الشك، وتسديد الفجوات التي تتضح منها صورة الكذب، فعالجوا مشكلة التكذيب والتلاعن والتفرق بوضع روايات على أهل البيت تنبئ بحدوثها وتبشر بالخير عند وقوعها لأنها مؤذنة بعودة القائم (ولكنها وقعت ولم يخرج القائم) ، حاولوا معالجة ما ترامى إلى أسماع الشيعة من تكذيب أسرة الحسن لهذه الدعوات بوضع روايات--------------------------------------------
(1) الغيبة للنعماني: ص137-138، بحار الأنوار: 52/114-115
(2) الغيبة للنعماني: ص138، بحار الأنوار: ص115
(3) أصول الكافي: 1/333، الغيبة للنعماني: ص107
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 858)
تقول: "إن للقائم غيبة ويجحده أهله" وحينما سأل زرارة - الموضوع عليه الخبر (1) . - عن سبب ذلك قال أبو جعفر - فيما تزعم الرواية -: "يخاف، وأومأ بيده إلى بطنه" (2) .
ومن الفجوات كذلك أنه لا أحد من أسرة الحسن ولا غيرهم، يعلم بولادته ولا بمنشئه فوضعوا روايات تقول: "يبعث الله لهذا الأمر غلامًا منا، خفي الولادة والمنشأ" (3) .
ومن تتبع رواياتهم بهذه الطريقة وجد العجب.
كما قاموا من جهة أخرى بوضع روايات تجعل من انتظار الفرج بخروج القائم من أفضل الأعمال وأعظمها وذلك - فيما يظهر - لطرد الملل من طول الانتظار، وإزالة الأسى الناتج عن شدة الترقب، والشعور بالحرمان من صحبة القائم الإمام. جاء في الكافي: "أقرب ما يكون العباد من الله جل ذكره وأرضى ما يكون عنهم إذا افتقدوا حجة الله جل وعز ولم يظهر لهم ولم يعلموا مكانه وهم في ذلك يعلمون أنه لم تبطل حجة الله جل ذكره ولا ميثاقه، فعندها فتوقعوا الفرج صباحًا ومساءً" (4) .
فجعلوا الغيبة أمارة على ظهور الفرج مع أنه قد مضى اليوم على الغيبة أكثر من ألف ومائة سنة، ولم يقع شيء من هذه الوعود، فما تأثير ذلك على من يقرأ أمثال هذه الأماني من الشيعة؟! ألا يزداد الشك ويضعف اليقين، وقد يبحث عن مذهب آخر سوى الإسلام، لأنه قيل له - زورًا وبهتانًا - إن هذا المهدي الموعود متفق عليه بين السنة والشيعة.
ولهم روايات كثيرة في عقيدة الانتظار، وقد ذكر المجلسي منها (77) رواية--------------------------------------------
(1) لأنه مات قبل نشوء فكرة الغيبة
(2) الغيبة للنعماني: ص118
(3) أصول الكافي: 1/341-342، الغيبة للنعماني: ص112
(4) أصول الكافي: 1/333، بحار الأنوار: 52/145
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 859)
في باب عقده بعنوان "باب فضل انتظار الفرج، ومدح الشيعة في زمن الغيبة وما ينبغي فعله في ذلك الزمان" (1) . حتى نسبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أفضل أعمال أمتي انتظار فرج الله عز وجل" (2) . يعنون به خروج منتظرهم.
وجعلوا الانتظار أحب الأعمال إلى الله (3) . و"المنتظرون لظهوره أفضل أهل كل زمان" (4) ، وزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عنهم لأصحابه: "سيأتي قوم من بعدكم الرجل الواحد منهم له أجر خمسين منكم، قالوا: يا رسول الله نحن كنا معك ببدر وأحد وحنين ونزل فينا القرآن. فقال: إنكم لو تحملوا ما حملوا لم تصبروا صبرهم" (5) . وغاب عن واضع الرواية من زلة الصحابة عند الرافضة.
وجاءت عندهم روايات تطفئ ذلك التطلع لخروجه وتقول "من عرف هذا الأمر ثم مات قبل أن يقوم القائم عليه السلام كان له مثل أجر من قتل معه" (6) .
وبجانب هذا الترغيب فهناك التهديد والوعيد بالكفر والخلود في النار لمن أنكر غيبة القائم حتى جعلوا إنكارها كالكفر برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، بل عدّوا ذلك مثل كفر إبليس.
روى صدوقهم بسنده المزعوم "عن ابن أبي يعفور قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: من أقر بالأئمة من آبائي وولدي، وجحد المهدي من ولدي كان كمن أقر بجميع الأنبياء وجحد محمدًا صلى الله عليه وسلم. فقلت: يا سيدي ومن المهدي من ولدك؟ قال: الخامس من ولد السابع، يغيب عنهم شخصه ولا يحل لهم تسميته" (7) ، وافتروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أنكر القائم--------------------------------------------
(1) بحار الأنوار: 52/122-150، وانظر: إكمال الدين: ص603 وما بعدها
(2) بحار الأنوار: 52/122
(3) بحار الأنوار: 52/122
(4) بحار الأنوار: 52/122
(5) بحار الأنوار: 52/130
(6) بحار الأنوار: 52/131
(7) إكمال الدين: ص388
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 860)
من ولدي فقد أنكرني" (1) .
وقال صدوقهم: "مثل من أنكر القائم عليه السلام في غيبته مثل إبليس في امتناعه في السجود لآدم" (2) .
ومسألة الغيبة صارت بفعل شيوخ الشيعة مصدر حقد، ضد الصحابة ومن تبعهم بإحسان، حتى قال شيخهم الجزائري: "إني كلما أشكلت عليّ مسألة أوجبت على نفسي لعنهم، لأنهم سبب في استتار الحجة" (3) .
فتلاحظ أنهم يحاولون توجيه السخط والحقد الكامن في نفوس الشيع من مرارة الانتظار، ولوعة الاعتقاد بأن "الإمام الغائب مقموع مقهور مزاحم في حقه قد غلب قهرًا" (4) .
وأنه بسبب غيبته - كما يزعمون - "جرى على شيعته من أعداء الله ما جرى من سفك الدماء ونهب الأموال.." (5) .
فيوجهون هذا الحقد الناتج من هذا الشعور إلى سب ولعن لخير جيل عرفته البشرية.. ومن اقتفى أثرهم.--------------------------------------------
(1) إكمال الدين: ص390، لطف الله الصافي/ منتخب الأثر: ص492
(2) إكمال الدين: ص13
(3) شرح الصحيفة السجادية: ص37
(4) إكمال الدين: ص12
(5) إكمال الدين: ص12
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 861)
الاستدلال على وقوع الغيبة
عني الإمامية عناية شديدة بالبرهنة على صحة عقيدتهم في غيبة المهدي.. وقد اتجهوا إلى كتاب الله سبحانه يبحثون فيه عن سند لعقيدتهم، فلما لم يجدوا فيه ما يريدون استنجدوا كعادتهم بالتأويل الباطني المتسم بالتكلف الشديد والشطط البالغ وأولوا عدة آيات من كتاب الله بهذا المنهج.
جاء في أصل أصول التفسير عندهم (تفسير القمي) في قوله سبحانه: {وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى} (1) . قال: النهار هو القائم عليه السلام منا أهل البيت (2) .
وجاء في أصح كتبهم الأربعة في قوله سبحانه: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاء مَّعِينٍ} (3) ، قال: إذا غاب عنكم إمامكم فمن يأتيكم بإمام جديد (4) . وفي تفسير العياشي في قوله سبحانه: {وَأَذَانٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ} (5) . قال: "خروج القائم وأذان دعوته إلى نفسه" (6) .
والأمثلة في مثل هذا اللون من التأويل كثيرة حتى ألفوا في هذا كتبًا مستقلة مثل "ما نزل من القرآن في صاحب الزمان" (7) ، و"المحجة فيما نزل في القائم الحجة" (8) ، وقد نشر الأخير في طبعة حديثة (9) . قام على تحقيقها بعض الروافض--------------------------------------------
(1) الليل، آية: 2
(2) تفسير القمي: 2/425
(3) الملك، آية: 30
(4) أصول الكافي: 1/339، وانظر: تفسير العياشي: 2/76، إكمال الدين: ص339، البرهان: 2/102
(5) التوبة، آية: 3
(6) تفسير العياشي: 2/76، البرهان: 2/102
(7) للرافضي عبد العزيز الجلودي (انظر: الذريعة 19/30)
(8) لشيخهم هاشم البحراني
(9) نشر سنة (1403هـ) عن مؤسسة الوفاء، بيروت
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 862)
المعاصرين (1) ، وقد أول فيه مؤلفه أكثر من (120) آية من كتاب الله بمهديهم المنتظر في تأويلات هي من فضائحهم التي لا تستر، ولكن المحقق لم يقتنع بهذا العدد فأضاف إليه تأويل اثنتي عشرة آية أخرى من كتاب الله ووضعها في آخر الكتاب تحت عنوان "مستدرك المحجة".
والنظر الموضوعي المنصف يرى في هذه التأويلات الباطنية التي يراد الاحتجاج بها لمسألة غيبة مهديهم غلوًا شديدًا وأنها تحريف لكتاب الله لا استدلال به، وهي تدل دلالة ظاهرة على فساد الفكرة التي يحاول تقريرها من أصلها.
ويلتمس الإمامية من الغيبة التي وقعت لبعض الأنبياء دليلاً على صحة وقوع غيبة مهديهم؛ فيحتجون - مثلاً - بغيبة "موسى بن عمران عليه السلام من وطنه وهربه من فرعون ورهطه كما نطق به القرآن"، وغيبة يوسف عليه السلام، واستتار خبره عن أبيه - كما جاءت به سورة في القرآن - إلى أن كشف الله أمره وظهر خبره وجمع بينه وبين أبيه وإخوته، وقصة يونس بن متى نبي الله عليه السلام مع قومه وفراره منهم حين تطاول خلافهم له، واستخفافهم بحقوقه، وغيبته عنهم وعن كل أحد حتى لم يعلم أحد من الخلق مستقره، وستره الله تعالى وأمسك عليه رمقه بضرب من المصلحة، إلى أن انقضت تلك المدة ورده الله تعالى إلى قومه، وجمع بينهم وبينه (2) .
وكذلك استتار نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في الغار، وقد احتج بها الطوسي على من قال: "إذا كان (إمامكم) مكلفًا للقيام بالأمر وتحمل أعباء الإمامة كيف يغاب؟ " (3) . فيجيبه الطوسي بقوله: "أليس النبي صلى الله عليه وسلم قد اختفى في الشعب ثلاث سنين لم يصل إليه أحد واختفى في الغار ثلاثة أيام" (4) .--------------------------------------------
(1) يدعى محمد منير الميلاني، وقد أرجع نصوص الكتاب إلى مجموعة من كتبهم المعتمدة عندهم
(2) الغيبة للطوسي: ص77
(3) انظر: الغيبة للطوسي: ص13
(4) الغيبة للطوسي: ص13
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 863)
والواقع أن هذه المقارنات التي يقوم بها الإمامية لإقناع أتباعهم والمتشككين في أمر الغيبة لا تجدي في نزع فتيل الشك المشتعل في أفئدة القوم كلما تأملوا أمر الغيبة بعين عقولهم، رغم أنهم يعولون على هذه المقارنات كثيرًا، حتى إن ابن بابويه ألف في شأنه كتابًا لإقناع كبير شيوخهم الذي داخله الشك في أمر الغيبة ولإقناع الحافين به من الشيعة الذين داهمهم الريب والحيرة في شأنها كما أشار إلى ذلك في كتابه (1) .
أقول: إن هذه المقارنات غير مجدية في إثبات فكرة غيبة إمامهم لأسباب كثيرة، منها أن غيبة موسى ويوسف ويونس ومحمد (2) . عليهم السلام قد أخبر الله سبحانه بها في كتابه بنص واضح صريح لا لبس فيه ولا غموض، أما غيبة مهديهم فتنتهي رواياته إلى حكيمة إن صحت النسبة إليها، ثم أخبار الأبواب الأربعة المطعون في شهادتهم، لأنهم يجرون المصلحة إليهم، حيث المال المتدفق.
ولهذا ادعى كثيرون هذه البابية، كذلك غيبة الأنبياء معروفة لدى قومهم لأنهم عاشوا بينهم، وعرفوا، أما غائبهم فلم يعرفه أحد ولم ير له أثر، وكان أهله أنفسهم ينكرون وجوده. كما شهد ثقات المؤرخين أن الحسن العسكري لم يعقب - كما سيأتي -.
ثم إن غيبة هؤلاء الأنبياء محدودة الزمان والمكان، ما لبثوا أن عادوا إلى قومهم وأهلهم.
أما منتظرهم فقد مضت القرون ولم يعرف له أثر ولم يعلم له مكان.
كذلك رسل الله الذين غابوا قد أقاموا الحجة على قومهم، وبلغوا رسالات الله في جيلهم، أما غائبهم فقد مرت الأجيال ولم نسمع منه شيئًا.
يضاف إلى ذلك أن الغيبة للأنبياء كانت طبيعية في جملتها، فغيبة يوسف--------------------------------------------
(1) انظر: إكمال الدين: ص2-4
(2) أما غيبة الشعب فليست بغيبة، بل حصار ومقاطعة فلا تدخل في موضوعنا
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 864)
هي مفارقة لأبيه وظهوره عند قوم آخرين، كما يسافر المرء من بلد إلى بلد. وهي موقوته بزمن محدود، وهي حوادث استثنائية حتى بالنسبة للأنبياء عليهم السلام، فإنهم جم غفير، ولم ينقل أن هذا حدث لغير المذكورين.
أما احتجاج الاثني عشرية باختفاء النبي صلى الله عليه وسلم في الغار "فإن هذا الاستدلال واقع في غير موقعه، لأن استتار النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن لإخفاء دعوى النبوة، بل كانت من جنس التورية في الحرب، حتى لا يسد الكفار عليه الطريق، ثم هذا الاختفاء كان ثلاث أيام، فقياس ذلك على غيبة مهديهم في غاية الحماقة، فرق واضح بين الاختفاء الذي كان مقدمة عاجلة لظهور الدين وبين الاختفاء المتطاول الذي لازمه الخذلان وترك الدعوة وانتشار الطغيان" (1) .--------------------------------------------
(1) مختصر التحفة: ص119
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 865)
دفاعهم عن طول أمد الغيبة:
إن مما يعرف به كذب دعوى الشيعة وجود إمامها، هو استبعاد بقائه حيًا طول هذه المدة التي تجاوزت الآن ألف ومائة سنة. فإن تعمير واحد من المسلمين هذه المدة هو - كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - أمر يعرف كذبه بالعادة المطردة في أمة محمد، فلا يعرف أحد ولد في زمن الإسلام عاش مائة وعشرين سنة فضلاً عن هذا العمر، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في آخر عمره "أريأتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى على وجه الأرض ممن هو اليوم عليها أحد" (1) . فمن كان في ذاك الوقت له سنة ونحوها لم يعش أكثر من مائة سنة قطعًا، وإذا كانت الأعمار في ذلك العصر لا تتجاوز هذا الحد فما بعده من الأعصار أولى بذلك في العادة الغالبة العامة … ثم أعمار هذه الأمة ما بين الستين إلى السبعين، وقليل ممن يجوز ذلك (2) . كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح (3) .--------------------------------------------
(1) منهاج السنة: 2/65، وانظر الحديث في: صحيح البخاري، كتاب العلم، باب السمر في العلم: 1/37، ومسند أحمد: 2/121، 131
(2) منهاج السنة: 2/165.
وانظر الحديث في سنن الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في فناء أعمال هذه الأمة ما بين الستين إلى السبعين: 4/566 (2331) ، وكتاب الدعوات، باب في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: 5/553 (3550) ، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه، قال ابن حجر: وهو عجيب منه فقد رواه في الزهد أيضًا من طريق أخرى عن أبي هريرة (فيض القدير: 2/11) . ورواه ابن ماجه في كتاب الزهد، باب الأمل والأجل: 2/1415 (4236) . ورواه ابن حبان (انظر: فيض القدير: 2/11) ، والحاكم (المستدرك: 2/427) ، والخطيب (تاريخ بغداد: 6/397، 12/48) ، وأورده السيوطي في الجامع ورمز له بالحسن (الجامع الصغير ص48) ، وقال ابن حجر في الفتح: سنده حسن (انظر: فيض القدير: 2/11) ، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي (المستدرك 2/427) ، وتعقب ذلك الألباني وقال: الصواب أنه حسن لذاته وصحيح لغيره. سلسلة الأحاديث الصحيحة: 2/397 (757) ، وانظر: صحيح الجامع (للألباني) 1/354 (1084) .
(3) منهاج السنة: 2/165
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 866)
هذا الاعتراض يأخذ بخناق الإمامية، ويجتث جذور اعتقادهم من أساسه.. وقد حاول شيوخ الشيعة دفعه بإجراء مقارنات بين مهديهم وبعض الأنبياء عليهم السلام الذي زادت أعمارهم عن المعدل الطبيعي المألوف للبشر، فالمهدي عندهم شبيه بنوح عليه السلام الذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا (1) .
وأسندوا هذه المقارنة إلى بعض آل البيت لتحظى بالقبول عند أتباعهم، فروى ابن بابويه - بسنده - أن علي بن الحسين قال: "في القائم سنة من نوح عليه السلام وهو طول العمر" (2) . وكذلك يقولون إن بقاء مهديهم هو كبقاء عيسى بن مريم عليه السلام (3) . والخضر وإلياس، ويعقدون المقارنة حتى بإبليس (4) . ويسندون جملة من هذه المقارنات إلى بعض آل البيت لتكسب صفة القطع عن أتباعهم؛ لأنها من قول المعصوم (5) ، وكذلك يحتجون بأخبار المعمرين من البشر (6) ، وفاتهم أن يعقدوا المقارنة مع جبرائيل وملك الموت، والملائكة عمومًا وبالسماوات والأرض.
وهذا الدفاع قد أبطله الشيعة أنفسهم؛ لأنهم يقولون بأن مهديهم هو الحاكم الشرعي للأمة منذ أحد عشر قرنًا أو يزيد، وهو القيم على القرآن ولا يحتج بالقرآن إلا به، ولا هداة للبشر إلا بواسطته.. وهو الذي معه القرآن الكامل ومصحف فاطمة والجفر والجامعة، وما يحتاجه الناس في دينهم ودنياهم، فمهديهم مسؤول عن الأمة، ومعه وسائل هدايتهم وسعادتها في الدنيا والآخرة.
أما غيره ممن يعقدون المقارنة به فيختلفون عنه اختلافًا كثيرًا، فإن نوحًا عليه السلام قد--------------------------------------------
(1) انظر: الغيبة للطوسي: ص79
(2) إكمال الدين: ص488
(3) عقائد الإمامية: ص108
(4) الحائري/ إلزام الناصب: 1/283
(5) انظر هذه الروايات في: أصول الكافي: 1/336-337، الغيبة للنعماني: ص108 وما بعدها، إكمال الدين: ص134 وما بعدها، إلزام الناصب: 1/285
(6) انظر: الغيبة للطوسي: ص79 وما بعدها
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 867)
لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى الله سبحانه حتى أوحى الله إليه {أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَاّ مَن قَدْ آمَنَ} (1) . ولم يكن غائبًا في سردابه أو في مخبئه لا يعلم مستقره ومكانه، يرى الناس في ضلالهم وكفرهم ويتوارى عن الأنظار فلا يرونه مع تعاقب الأجيال وكر القرون. على أن عمر المهدي - الآن - قد زاد عن هذه المدة.
وكذلك عيسى عليه السلام قد بلغ رسالة ربه، وأقام الحجة وأدى الأمانة قبل رفعه إلى السماء فلم يكن يضير أتباعه أن يغيب عنهم بخلاف منتظرهم الذي غاب منذ طفولته وترك شيعته يختلفون في وجوده وبابيته، وتعميهم التقية عن معرفة حقيقة مذهبه، ويختلفون ويتنازعون حتى يكفر بعضهم بعضًا ويلعن بعضهم بعضًا.
أما الخضر وإلياس فإن الذي عليه المحققون من أهل العلم أنهما قد ماتا (2) ، وعلى تقدير حياتها فلا تسلم لهما المقارنة، لأنهما ليسا بمكلفين في هداية هذه الأمة وقيادتها بخلاف إمامهم الذي هو مسؤول - في اعتقادهم - عن المسلمين جميعًا--------------------------------------------
(1) هود، آية: 36
(2) انظر: المنتقى ص26، ويرى ابن حزم أن القول بحياة إلياس والخضر.. فكرة مأخوذة عن اليهودية، فاليهود هم الذين قالوا بحياة إلياس وحياة فنحاس بن العازار ابن هارون عليه السلام، وسار في سبيلهما بعض الصوفية فادعى أنه يلقى إلياس في الفلوات (الفصل: 5/37) ، وكذلك قال الصوفية بحياة الخضر، ولهم حكايات في الاجتماع به والأخذ عنه (انظر: ابن عربي/ الفتوحات المكية: 1/241، ابن عطاء الله السكندري/ لطائف المنن: ص52-53، وطبقات الشعراني: 1/97، 2/5، وانظر: الفصل: 5/37-38، ابن حجر/ تهذيب التهذيب: 7/477، وقد اعتبر ابن حزم دعاوى الصوفية الأخذ عن الخضر خروجًا عن عقيدة ختم النبوة (انظر: الفصل: 5/38) .
ودعوى بقاء الخضر إلى اليوم مخالف للدليل، وما عليه أهل التحقيق، انظر في ذلك: منهاج السنة: 1/28، ابن القيم/ المنار المنيف: ص67-76، وانظر عن الخضر: ابن كثير/ البداية والنهاية: 1/325-337، ابن حجر/ فتح الباري: 6/309-312 الإصابة: 2/286-335. ولابن حجر رسالة في تحقيق أمر الخضر، قال في خاتمتها: والذي تميل إليه النفس من حيث الأدلة القوية خلاف ما يعتقده العوام من استمرار حياته (الزهر النضر في نبأ الخضر، ضمن مجموعة الرسائل المنيرية: 2/234)
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 868)
في كل أمورهم.
أما إبليس فالخبر في بقائه ورد به القرآن بخلاف مهديهم الذي أنكره حتى أهله وطوائف من شيعته، ثم إن إبليس يمارس مهمته في إضلال الخلق عن سبيل الله، ولا شك أن ضلال الشيعة باتباع هذا "المعدوم" من أعماله، أما منتظرهم فليس له أثر ولا خبر. كما أن إبليس ليس من جنس الناس.. فلا تسلم لهم المقارنة في كل الأحوال.
أما بقية المعمرين من البشر فإنهم مهما بلغوا من العمر فلا يصلوا إلى بعض ما يدعونه في غائبهم، وكل الأمثلة التي ضربها شيوخهم في القرن الرابع ليس لها قيمة اليوم لتجاوز عمر منتظرهم أضعافها، كما أن هؤلاء ليس لهم مهمة غائبهم ومسؤولياته.
ويحاول بعض المعاصرين من شيوخهم أن يستنجد بلغة العلم الحديث في التدليل على إمكانية بقاء منتظرهم، فيقول المظفر: "وطول الحياة أكثر من العمل الطبيعي أو الذي يتخيل أنه العمر الطبيعي لا يمنع منها الطب ولا يحيلها، غير أن الطب بعد لم يتوصل إلى ما يمكنه من تعميرة حياة الإنسان وإذا عجز عنه الطب فإن الله قادر على كل شيء" (1) .
ويقول محمد حسين آل كاشف الغطا: "بأن أكابر فلاسفة الغرب قالوا بإمكان الخلود في الدنيا للإنسان" (2) . ثم قال: "قال بعض كبار علماء أوروبا: لولا سيف ابن ملجم (3) . لكان علي بن أبي طالب من الخالدين، لأنه قد جمع جميع--------------------------------------------
(1) عقائد الإمامية: ص108
(2) أصل الشيعة: ص70
(3) هذه مقالة شيعية اعتزالية مبنية على مذهب المعتزلة الذين يقولون بأن القاتل قد قطع على المقتول أجله، وهي مقالة مخالفة لما ثبت في الكتاب والسنة بأن كل من مات فقد استكمل أجله (انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام 8/516، شرح الطحاوية
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 869)
صفات الكمال والاعتدال" (1) .
هذا ما تقوله - نظريات بعض الكفار - إن صدق هؤلاء في نقلهم - ولكن الله سبحانه يقول لنبيه: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ} (2) ، ويقول: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ} (3) ، ويقول سبحانه: {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} (4) . وهو سبحانه أعلم بمن خلق، وأصدق القائلين، فلا عبرة بعد ذلك بقول كافر يحاول أن يتشبث بالبقاء في هذه الحياة ولو بالأوهام.
ولعلي الرضا - كما تنقل كتب الشيعة - كلمة صادقة قالها في الرد على الفرق الشيعية الكثيرة التي تقول بحياة بعض آل البيت ولا تصدق بموتهم وتدعي أنها غيبة وسيرجعون، وهي من أقوى الردود على الاثني عشرية من كلامهم أنفسهم، فقد جاء في رجال الكشي أن عليًا الرضا قيل له: إن قومًا وقفوا على أبيك ويزعمون أنه لم يمت، قال: "كذبوا وهم كفار بما أنزل الله عز وجل على محمد صلى الله عليه وسلم، ولو كان الله يمد في أجل أحد لمدّ الله في أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم" (5) .
ولكنهم يخالفون قول إمامهم ويزعمون أن الله مدّ في عمره لحاجة البشر إليه؛ بل لحاجة الكون وكل شيء في الحياة إليه؛ إذ لولاه - كما يفترون - لساخت الأرض، وماجت بأهلها (6) .--------------------------------------------
(1) أصل الشيعة: ص70
(2) الأنبياء، آية: 34
(3) آل عمران، آية: 185، الأنبياء، آية: 35، العنكبوت، آية: 57
(4) الواقعة، آية: 60
(5) رجال الكشي: ص458
(6) انظر: أصول الكافي: 1/179
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 870)
المهدي بعد عودته المزعومة
أ- شريعة مهديهم المنتظر:
يشير ابن بابويه في الاعتقادات التي تسمى دين الإمامية إلى أن المهدي إذا رجع من غيبته ينسخ شريعة الإسلام فيما يتعلق بأحكام الميراث، فيذكر عن الصادق أنه يقول: "إن الله آخى بين الأرواح في الأظلة قبل أن يخلق الأبدان بألفي عام، فلو قد قام قائمنا أهل البيت أورث الأخ الذي آخى بينهما في الأظلة ولم يرث الأخ من الولادة" (1) .
لعل هذه الرواية تكشف عما يختلج في نفوس أرباب تلك العصابة من رغبة في إحلال العلاقة الحزبية والتنظيمية بين أفرادها محل القرابة والولادة في الميراث، ونهب أموال الناس باسم هذه العلاقة والأخوة! وما تحلم به عند قيام دولتها الموعودة من تطبيق هذه التطلعات والتي أرادت إعطائها صيغة مقبولة بنسبها لآل البيت.
كما تفصح هذه الرواية عن موقف واضعي هذه الروايات من تطبيق الشريعة الإسلامية ورغبتهم في تعطيلها.. ثم هي تعكس مضمونًا إلحاديًا يسعى لهدم الشريعة، والخروج على عقيدة ختم النبوة.
وهذه الدعوى فضلاً عن أنها خروج عن شريعة الإسلام فهي مخالفة لمنطق العقل، فالتوارث منوط بالعلاقة الظاهرة من الولادة والقرابة، أما المؤاخاة الأزلية المزعومة فلا يدركها البشر، فكيف تكون أساسًا لقسمة الميراث؟.
وكذلك يغير منتظرهم شريعة الإسلام فيما يتعلق بأخذ الجزيرة من أهل--------------------------------------------
(1) الاعتقادات: ص83
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 871)
الكتاب، وتنص رواياتهم أن منتظرهم بهذا المنهج يخالف هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقول: "ولا يقبل صاحب هذا الأمر الجزية كما قبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم" (1) . ويكفي هذا الاعتراف في تأكيد خروجه عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبديله لها عمدًا.. فهل أراد واضع هذه الروايات أن يهون من شأن التشريع الإسلامي في نفوس الأتباع ويغري بالخروج عليه؟!
بل إن الحكم والقضاء في دولة المنتظر يقام على غير شريعة المصطفى صلى الله عليه وسلم. جاء في الكافي وغيره، قال أبو عبد الله: "إذا قام قائم آل محمد حكم بحكم داود وسليمان ولا يسأل بينة" (2) ، وفي لفظ آخر: "إذا قام قائم آل محمد حكم بين الناس بحكم داود عليه السلام ولا يحتاج إلى بينة" (3) .
وقد تبنى ثقة إسلامهم الكليني هذه العقيدة وبوب لها بابًا خاصًا بعنوان: "باب في الأئمة عليهم السلام أنهم إذا ظهر أمرهم حكموا بحكم داود وآل داود ولا يسألون البينة" (4) . ولا يخفى ما في هذا الاتجاه من عنصر يهودي. ولهذا علق بعضهم على هذا العنوان بقوله: "أي ينسخون الدين المحمدي ويرجعون إلى دين اليهود" (5) .
وانظر كيف يحلم واضعو هذه الروايات - الذين لبسوا ثوب التشيع زورًا وبهتانًا - بدولة تحكم بغير شريعة الإسلام.
وتشير بعض رواياتهم إلى أنه أيضًا يحكم بحكم آدم مرة، ومرة بحكم داود، ومرة بقضاء إبراهيم. ولكن يعارضه في هذا الاتجاه للحكم بغير شريعة الإسلام--------------------------------------------
(1) بحار الأنوار: 52/349
(2) أصول الكافي: 1/397
(3) المفيد/ الإرشاد: ص413، الطبرسي/ أعلام الورى: ص433
(4) أصول الكافي: 1/397
(5) محب الدين الخطيب/ في تعليقه على المنتقى: ص302 (هامش4)
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 872)
بعض أتباعه، إلا أنه يواجه هذه المعارضة بشدة حيث يأمر بهم فتضرب أعناقهم (1) .
وتقدم رواياتهم بعض أحكامه وأقضيته فتقول: إنه يحكم بثلاث لم يحكم بها أحد قبله؛ يقتل الشيخ الزاني، ويقتل مانع الزكاة، ويورث الأخ أخاه في الأظلة (2) ، وأنه يقتل من بلغ العشرين ولم يتفقه في الدين (3) . إلخ.
وتقوم دولة المنتظر على الحكم لأهل كل دين بكتابهم، مع أن الإسلام لم يجز لأحد أن يحكم بغير شريعة القرآن باتفاق المسلمين (4) .
جاء في أخبارهم "إذا قام القائم قسم بالسوية، وعدل في الرعية، واستخرج التوراة وسائر كتب الله تعالى من غار بأنطاكية، حتى يحكم بين أهل التوراة بالتوراة، وبين أهل الإنجيل بالإنجيل، وبين أهل الزبور بالزبور، وبين أهل القرآن بالقرآن" (5) .
وهذا القانون الذي يطمح إلى تطبيقه واضعو هذه الروايات ويعدون بتنفيذه على يد المنتظر هو شبيه - إلى حد كبير - بفكرة الديانة العالمية التي ترفع شعارها الماسونية.. وهي فكرة إلحادية تقوم أساسًا على إنكار الأديان السماوية تحت دعوى حرية الفكر والعقيدة.
وفي حومة هذه الأفكار التي تسعى لنسخ شريعة القرآن وابتداع أحكام جديدة لم يأذن بها الله، والرجوع إلى حكم داود لا شريعة محمد صلى الله عليه وسلم.. وتطبيق شرائع الأديان لا حكم القرآن - نلتقي بعد ذلك بفكرة مسمومة تعد نتيجة لهذه المقدمات والتغييرات التي سبقتها، وفحوى هذه الفكرة هو إلغاء المهدي الحكم--------------------------------------------
(1) انظر: بحار الأنوار: 52/389
(2) ابن بابويه/ الخصال: ص169، بحار الأنوار: 52/359، الكاظمي/ بشارة الإسلام: ص275
(3) الطبرسي/ أعلام الورى: ص431، بحار الأنوار: 52/152
(4) انظر: ابن تيمية/ منهاج السنة النبوية: 3/127، المنتقى: ص343
(5) الغيبة للنعماني: ص157، وانظر: بحار الأنوار: 52/351
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 873)