نفاة الصفات بأنواع من الأدلة والخطاب، وصار ما ذكره معونة ونصيرا وتخليصا من شبههم لكثير من أولي الألباب، حتى صار قدوة وإماما لمن جاء بعده من هذا الصنف الذين أثبتوا الصفات، وناقضوا نفاتها، وإن كانوا قد شاركوهم في بعض أصولهما الفاسدة، التي أوجبت فساد بعض ما قالوه من جهة المعقول ومخالفته لسنة الرسول ".
" وكان ممن اتبعه الحارث المحاسبي وأبو العباس القلانسي، ثم أبو الحسن الأشعري، وأبو الحسن بن مهدي الطبري، وأبو العباس الصبغي، وأبو سليمان الدمشقي، وأبو حاتم البستي، وغير هؤلاء، المثبتين للصفات المنتسبين إلى السنة والحديث، المتلقبين بنظار أهل الحديث ".
" وسلك طريقة ابن كلاب - في الفرق بين الصفات اللازمة كالحياة، والصفات الاختيارية، وإن الرب يقوم به الأول دون الثاني - كثير من المتأخرين، من أصحاب مالك، والشافعي، وأحمد، كالتيميين أبي الحسن التيمي، وابنه أبي الفضل التيمي، وابن ابنه رزق الله التيمي، وعلى عقيدة الفضل التي ذكر أنها عقيدة أحمد اعتمد أبو بكر البيهقي فيما ذكره من مناقب أحمد بن الاعتقاد".
" وكذلك سلك طريقة ابن كلاب هذه أبو الحسن بن سالم وأتباعه " السالمية" والقاضي أبو يعلي وأتباعه كابن عقيل وأبي الحسن بن الزاغوني، وهي طريقة أبي المعالي الجويني، وأبي الوليد الباجي، والقاضي أبي بكر بن العربي، وغيرهم، لكنهم افترقوا في القرآن، وفي بعض المسائل على قولين - بعد اشتراكهم في الفرق الذي قرره ابن كلاب -" (1) .
فالأصل الذي قرره ابن كلاب قال به هؤلاء كلهم، وفيه الأشاعرة وغيرهم ممن لا ينسب إليهم كالسالمية وبعض الحنابلة.
ومع مرور الزمن بدأت تنقرض النسبة إلى ابن كلاب لتحل محلها النسبة--------------------------------------------
(1) الكيلانية: مجموع الفتاوي (12/366-368) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 494)
إلى الأشعري، والسؤال الذي يطرح هنا هو: إذا كان قول ابن كلاب هو الأصل فلماذا لم ينسب إليه مذهب الأشاعرة وإنما نسب إلى أبي الحسن الأشعري؟
ويمكن الجواب عن هذا السؤال من خلال الأمور التالية:
1- إن أبا الحسن الأشعري لم يكن صورة طبق الأصل لابن كلاب ومدرسته، وأتباعه له في أصل معين لا يعني أنه في جميع آرائه وأقواله كان متابعا له، فمثلا مع أن الأشعري قال بنفي حلول الحوادث بذات الله وهو ما يسمى بالصفات الاختيارية القائمة بالله، وهذا هو الأصل الذي قال به ابن كلاب ومدرسته، إلا أن الأشعري خالف ابن كلاب في جوانب من مسألة الكلام التي هي أهم المسائل، فإنه قال بأزلية الأمر والنهي، أما ابن كلاب فقال بحدوث ذلك، وعدم التطابق بين آراء الرجلين له دلالته في تحديد نسبة المذهب إلى أحدهما، خاصة وأن مسألة الكلام من أهم المسائل التي تميز المذهب الأشعري لأن غيرها من المسائل قد شارك غير الأشاعرة القول فيها.
2- إن ابن كلاب جاء في وقت محنة أهل السنة من جانب المعتزلة، ولما زالت المحنة برز في مجتمع الإسلام كعلم من أعلام أهل السنة الإمام أحمد ابن حنبل، أما بان كلاب ومن اتبعه فردودهم على المعتزلة والجهمية وإن كانت قوية إلا أنهم شابوها بشيء من البدع، فإذا أضيف إلى ذلك تحذير أئمة أهل السنة كالإمام أحمد وغيره من هؤلاء، فلا شك أن قدرة ابن كلاب في التأثير على الناس ستكون محصورة في نطاق معين لا تتعداه، وهذا ما حدث (1) .
أما أبو الحسن الأشعري فقد جاء بعد هدوء العاصفة، وركون الناس إلى أن مذهب أهل السنة هو الغالب المسيطر، لذلك لما قام الأشعري في الرد على المعتزلة كانت الأوضاع مهيأة لاشتهاره وتبني مجموعة من الأعلام لمذهبه.--------------------------------------------
(1) انظر: دراسات في الفرق والعقائد الإسلامية: عرفان عبد الحميد (ص: 147-148) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 495)
3- من الأمور المهمة قصة انتقال الأشعري عن الاعتزال إلى مذهب السلف فمن المعلوم أنه قد بلغ مكانة ومنزلة في مذهب المعتزلة حتى صار صنوا لأحد أعلامها، ينوب عنه في الدروس والمناقشات الاعتزالية، وحتى صار يؤلف الكتب لدعم مذهبهم، وهي كتب صارت معتمدة في مذهبهم حتى قال الأشعري عن أحدها بعد بعد أن نقضه ورد عليه: " إنه لم يؤلف لهم كتاب مثله" (1) ، وفي ظل هذه الأوضاع التي تنبي عن وجود نهضة اعتزالية - تعيد إليها سابق عزها - إذا بالعالم الإسلامي يفاجأ بهذا القرار الخطير يتخذه أشهر أعلام المعتزلة معلنا رجوعه التام عن جميع أقوال المعتزلة، ويتبع ذلك بكشف ضلالاتهم، والرد عليهم بأسلوب كلامي قوي يوازي ما عند المعتزلة من قدرة وأساليب.
والمفاجأة إذا وقعت بهذا المستوى ينسي الناس معها تفاصيل الأمور، من مثل أن الأشعري لم يكن رجوعه إلى مذهب السلف كاملا، وأن لديه بعض البقايا من أصول المعتزلة - وتنحصر القضية في رد العدو الأكبر " المعتزلة " ولا شك أن الرد عليهم وكشف ضلالاتهم في ذلك الوقت جهاد وأي جهاد، يقول ابن عساكر - فيما رواه عن ابن عذرة - في قصة رجوع الأشعري وصعوده المنبر وإعلان ذلك على الملأ: " ودفع الكتب إلى الناس فمنها كتاب اللمع وكتاب أظهر فيها عوار المعتزلة سماه بكتاب " كشف الأسرار وهتك الأستار " وغيرها، فلما قرأ تلك الكتب أهل الحديث والفقه من أهل السنة والجماعة أخذوا بما فيها، وانتحلوه، واعتقدوا تقدمه، واتخذوه إماما، حتى نسب مذهبهم إليه، قال لي أبو بكر - أي ابن عذرة - فصار عند المعتزلة ككتابي أسلم وأظهر عوار ما تركه فهو أعدي الخلق إلى أهل الذمة، وكذلك الأشعري أعدي الخلق إلى المعتزلة، فهم يشنعون عليه من الأشانيع ونيسبون إليه الأباطيل" (2) .
4- ومن أسباب نسبة المذهب إلى الأشعري كثرة مؤلفاته، ورسائله، فمؤلفاته قد تزيد على ثلاثمائة كتاب، كما أن الأسئلة كانت تأتيه من الآفاق ويكتب--------------------------------------------
(1) تبيين كذب المفتري (ص:131) .
(2) المصدر السابق (ص: 39-40) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 496)
في ذلك رسائل مختلفة، وسرعان ما تشتهر وتنتشر بين الناس، وهذا بخلاف ابن كلاب الذي كانت مؤلفاته قليلة، ولم تكن تلقى قبولا بسبب موقف أئمة أهل السنة منه، بل وصل الأمر إلى أن يتستر الكلابية بما عندهم كما حدث لتلامذة ابن خزيمة الموافقين لابن كلاب، لم يستطيعوا أن يظهروا ما عندهم فضلا عن أن ينشروه أو يدرسوه.
5- وأخيرا يأتي دور تلاميذ الأشعري، ومن جاء بعدهم من تلامذتهم في ترسيخ نسبة المذهب إليه في دروسهم وكتبهم، إضافة إلى دورهم في نشره والدفاع عنه، يقول القاضي عياض عن الأشعري: " فلما كثرت تواليفه، وانتفع بقوله، وظهر لأهل الحديث والفقه ذبه عن السنن والدين، تعلق بكتبه أهل السنة وأخذوا عنه، وتفقهوا في طريقه (1) ، وكثر طلبته وأتباعه لتعلم تلك الطرق في الذب عن السنة، وبسط الحجج والأدلة في نصر الملة، فسموا باسمه، وتلاهم أتباعهم وطلبتهم فعرفوا بذلك، وإنما كانوا يعرفون قبل ذلك بالمثبتة، سمة عرفتهم بها المعتزلة؛ إذا أثبتوا من السنة والشرع ما نفوه، فبهذه السمة أولا كان يصرف أئمة الذب عن السنة من أهل الحديث كالمحاسبي، وابن كلاب، وعبد العزيز بن عبد الملك المكي، والكراسي، إلا أن جاء أبو الحسن، وأشهر نفسه، فنسب طلبته والمتفقهة عليه في علمه ونسبه، كما نسب أصحاب الشافعي إلى نسبة وأصحاب مالك وأبي حنيفة وغيرهم من الأئمة إلى أسماء أئمتهم الذين فكذلك أبو الحسن، وتفقهوا بطرقهم في الشريعة، - وهم لم يحدثوا فيها ما ليس منها - فكذلك أبو الحسن، فأهل السنة من أهل المشرق والمغرب بحججه يحتجون، وعلى منهاجه يذهبون، وقد أثني عليه غير واحد منهم، وأثنوا على مذهبه وطريقة (2) .
- أسباب انتشار المذهب الأشعري:
لاشك أن مذهب الأشاعرة انتشر في أنحاء العالم الإسلامي، حتى كاد يستقر في بعض الأزمنة أن مذهبهم هو مذهب أهل السنة والجماعة، ومع--------------------------------------------
(1) هكذا في ترتيب المدارك.
(2) ترتيب المدارك (5/25) -ط مغربية -.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 497)
أن هناك مواقف لكثير من العلماء من المذهب الأشعري إلا أن هذه المواقف كثيرا ما تأخذ شكل صراع مذهبي تنتقل بسببه القضية إلى إطار آخر، ومن ثم يكثر الخصام وتتعدد الاتهامات، ويحمل كل فريق على الآخر، ثم قد يصاحب البعض الهوي والتعصب المذهبي، فيزاد في الكلام وينقص، ويحمل على غير محامله، ويسيء كل طرف الظن بالطرف الآخر، ولذلك قلما تنتهي مناقشة من هذه المناقشات إلى اتفاق على رأي واحد يكون مبنيا على أسس سلمية من مذهب ومنهج أهل السنة والجماعة حيث يدعي الطرفان أنهم لا يخالفونه.
وهذا تفسير لما حدث، وإلا فالواجب أن يكون رائد كل مسلم الوصول إلى الحق بالأدلة الصحيحة. ومذهب أهل السنة والجماعة إنما هو ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون لهم بإحسان، ومن ثم فعلى كل عالم أن لا يجعل الانتساب إلى طائفة أو جماعة - غير أهل السنة - شعارا له يفاصل عليه ويوالي ويعادي من أجله.
وقد يقول قائل: إذا كان مذهب الأشاعرة فيه ما فيه من هنات وعليه ما عليه من ملاحظات فلماذا انتشر في العالم الإسلامي؟ ولماذا تبناه جمهرة من جلة العلماء من أهل الفقه والحديث؟ يجيب على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية من وجوه:
" أحدهما: كثرة الحق الذي يقولونه، وظهور الإثارة النبوية عندهم.
الثاني: لبسهم ذلك بمقاييس عقلية، بعضها موروث عن الصابئة، وبعضها مما ابتدع في الإسلام، واستيلاء ما في ذلك من الشبهات عليهم، وظنهم أنه لم يمكن التمسك بالإثارة النبوية من أهل العقل والعلم إلا على هذا الوجه.
الثالث: ضعف الإثارة النبوية الدافعة لهذه الشبهات، والموضحة لسبيل الهدي عندهم.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 498)
الرابع: العجز والتفريط الواقع في المنتسبين إلى السنة والحديث، تارة يروون مالا يعلمون صحته، وتارة يكونون كالأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، ويعرضون عن بيان دلالة الكتاب والسنة على حقائق الأمور" (1) .
أما أهم أسباب انتشار مذهب الأشاعرة في العالم الإسلامي فيمكن تلخيصها في الأمور التالية:
1- أفول نجم المعتزلة، مع ظهور المذهب الأشعري كخصم لمذهبهم (2) .
2- نشأة المذهب في حاضرة الخلافة العباسية " بغداد "، ولا شك أن أنظار الناس في شتى الأقطار تتجه في الغالب إلى دار الخلافة، ففيها الفقهاء والمحدثون والمقرئون، كما أنها من أهم البلدان التي يرحل إليها العلماء ليسمعوا الروايات أو يحدثوا فيها بمروياتهم، فلما نشأ المذهب الأشعري في بغداد وهي على هذه الحالة كثر المتلقون لهذا المذهب، الناقلون له إلى كل مكان، وهذا - مثلا - بخلاف مذهب الماتريدي الذي نشأ في زمن الأشعري لكنه كان في بلاد ما وراء النهر فلم ينتشر كانتشار المذهب الأشعري (3) .
3- تبني بعض الأمراء والوزراء لمذهب الأشاعرة واحتضان رجالهم له، ومن أبرز هؤلاء:
- الوزير نظام الملك (4) ، الذي تولى الوزارة لسلاطين السلاجقة، فتولى الوزارة لالب أرسلان وملكشاة مدة ثلاثين سنة، من سنة 455-485هـ،--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوي (12/33) .
(2) انظر علم الكلام: الأشاعرة (ص: 68) .
(3) انظر علم الكلام: الأشاعرة (ص: 28) .
(4) اسمه الحسن بن علي بن إسحاق بن العباس الطوسي، أبو علي، ولد سنة 408هـ، وقتل سنة 585هـ، انظر: الروضتين (1/25) ، والمنتظم (9/64-68) ، وطبقات السبكي (4/309-328) ،
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 499)
والسلاجقة جاءوا على أثر البويهيين الشيعة الذين كانوا يوالون الدولة الفاطمية الباطنية، ولما استولى السلاجقة على بغداد وقضوا عليهم سنة 447هـ لم تمض سنوات قليلة حتى حدثت فتنة البساسيري - أحد القواد الأتراك الموالين لبني بويه - وكان ذلك سنة 450 هـ، وكان من آثارها أن احتل بغداد وأعلن الخطبة للخليفة المستنصر بالله العلوي العبيدي، وأمر بأن يؤذن بحي على خير العمل، وعزل الخليفة العباسي القائم بأمر الله وكتب عليه عهدا أن لا حق له في الخلافة ولا لبني العباس وأرسل العهد إلى الخليفة الفاطمي في القاهرة، وقد استمرت فتنة البسايري سنة كاملة حتى قضي عليها السلاجقة وأعيد الخليفة العباسي. لذلك جاءت دولة السلاجقة لتنصر أهل السنة ضد أهل الرفض والبدعة، والوزير نظام الملك من اعظم وزرائهم أثرا وخطرا وكانت له جهود عظيمة في حرب الحركات الباطنية والإسماعلية وتحدث عنها طويلا في كتابه المشهور سياست تامة أو سير الملوك (1) ،
ومن أهم آثاره المدارس النظامية التي أنشئت في مدن عديدة منها: البصرة، أصفهان، وبلخ، وهراة، ومرو، والموصل، وأهمها وأكبرها المدرسة النظامية في نيسابور وفي بغداد، وقد جعلهما مع أوقافهما وقفا على أصحاب الشافعي أصلا وفرعا (2) ، وكان نظام الملك معظما للصوفية وللقشيري والجويني وغيرهما من أعلام الأشعرية، وقد كان هؤلاء يلقون دروسهم في هذه المدارس على المذهب الشافعي، ويدرسون أصول العقيدة الأشعرية، فكان لذلك دور عظيم في نشرها (3) .
- المهدي بن تومرت، مهدي الموحدين، توفي سنة 524 هـ، فقد دعا إلى المذهب الأشعري وتبناه وكان له دور عظيم في نشره (4) .--------------------------------------------
(1) (ص: 234) - وما بعدها - وانظر عن فتنة البساسيري: الكامل (9/640-650) ، والتاريخ الفارقي (ص: 152) ، وتاريخ دولة آل سلجوق (ص: 16-20) ، وزبدة التواريخ للحسيني (ص: 59-63) ، وسياسة الفاطميين الخارجية (ص: 179) ..
(2) انظر: المنتظم (9/65-66) ، وتاريخ الفكر الفلسفي -أبو ريان: (ص: 213) ، والتاريخ السياسي والفكري للمذهب السني (ص: 211-234) .
(3) انظر: المنتظم (9/65) ، وطبقات السبكي (4/316) .
(4) انظر: المعجب (ص: 275) ، والخطط للمقريزي (2/358) ، وظهر الإسلام (4/97-98) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 500)
ج-- نور الدين محمود بن زنكي، الذي جاهد الصلبيين، وقد ولد سنة 511 هـ وتوفي سنة 569هـ (1) ، وكان من آثاره أنه بنى أكبر دار للحديث في دمشق ووكل مشيختها إلى ابن عساكر صاحب " تبيين كذب المفتري" (2) ، كذلك أنشأ في حلب سنة 544هـ المدرسة النفرية النورية، وكانت للشافعية، وتولى التدريس فيها قطب الدين مسعود بن محمد النيسابوري (3) ، وكان أحد أساتذة المدرسة النظامية في نيسابور، وكان أحد أعلام أهل الكلام على المذهب الأشعري، وفي عهد نور الدين بدأت صلة قطب الدين مسعود بصلاح الدين الأيوبي، وتوثقت فيما بعد - كما سيأتي -.
ولا شك أن لهذه المدارس، والمدارس النظامية (4) ، متمثلة بأولئك العلماء الذين درسوا فيها أثرا عظيما في مقاومة التيار الباطني الإسماعيلي، ومعلوم أن من أعظم آثار نور الدين وصلاح الدين القضاء على الدولة الفاطمية الباطنية في مصر، حيث حلت محلها دولة سنية حكمها صلاح الدين الأيوبي نائبا لنور الدين ثم مستقلا بعد وفاته رحمهم الله.
د- صلاح الدين الأيوبي: يقول المقريزي: " وأما العقائد فإن السلطان صلاح الدين حمل الكافة على عقيدة أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري تلميذ أبي علي الجبائي، وشرط ذلك في أوقافه التي بديار مصر كالمدرسة الناصرية بجوار قبر الإمام الشافعي من القرافة، والمدرسة الناصرية التي عرفت بالشريفية" (5) ،ثم يقول عن المذهب الأشعري: " فلما ملك السلطان الملك الناصر صلاح--------------------------------------------
(1) انظر: في ترجمته: الكواكب الدرية في السيرة النووية لابن قاضي شهبة (ص: 15) ، وما بعدها، والروضتين (1/28) وما بعدها، والتاريخ الباهر (ص: 95) وما بعدها.
(2) انظر: التاريخ السياسي والفكري (ص: 261) .
(3) انظر: المصدر السابق (ص: 252) ، وقطب الدين مسعود سبقا ترجمته.
(4) لكن المدارس النظامية كانت خاصة بالشافعية فولد ذلك أنواعا من التعصب بينهم وبين الحنفية والحنابلة، أما المدارس التي أنشأها نور الدين وصلاح الدين فكانت متنوعة.
(5) الخطط للمقريزي (2/343) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 501)
الدين يوسف بن أيوب ديار مصر كان هو وقاضيه صدر الدين عبد الملك بن عيسى بن درباس الماراني (1) ، على هذا المذهب قد نشأ عليه منذ كانا في خدمة السلطان الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي بدمشق، وحفظ صلاح الدين في صباه عقيدة ألفها له قطب الدين أبو المعالي مسعود بن محمد بن مسعود النيسابوري، وصار يحفظها صغار أولاده، فلذلك عقدوا الخناصر وشدوا البنان على مذهب الأشعري، وحملوا في أيام دولتهم كافة الناس على التزامه، فتمادى الحال على ذلك جميع أيام الملوك من بني أيوب، ثم في أيام مواليهم الملوك من الأتراك (2) ، وإذا كان قطب الدين مسعود قد ألف لصلاح الدين عقيدة (3) ، فإن الفخر الرازي قد ألف كتابه المشهور " أساس التقديس " - الذي نقضه شيخ الإسلام ابن تيمية- للملك العادل محمد بن أيوب بن شادي أخو صلاح الدين. المتوفى سنة 615 هـ (4) ،
أما ابنه الأشرف بن العادل فقد مال إلى الحنابلة وأهل السنة في العقيدة، وجرت بينه وبي العز بن عبد السلام- وهو أشعري - مناقشة ومحنة طويلة (5) .
4- ومن أسباب انتشار المذهب الأشعري أن جمهرة من العلماء اعتمدوه ونصروه، وخاصة فقهاء الشافعية والمالكية المتأخيرن (6) ، والأعلام الذين تبنوه: الباقلاني، وابن فورك، والبيهقي، والإسفراييني، والشيرازي،--------------------------------------------
(1) وهو: مؤلف رسالة في الذب عن أبي الحسن الأشعري - سبقت الإشارة إليها.
(2) الخطط (2/358) ، وانظر خبيئة الأكوان (ص: 48) ، ونظريات شيخ الإسلام، لاوست (1/141-142) ، وابن تيمية لأبي زهرة (ص: 25) .
(3) انظزر سيرة صلاح الدين لابن شداد (ص:7) ، وطبقات السبكي (7/297) .
(4) انظر أساس التقديس (ص: 3) ، وسير أعلام النبلاء (22/120) ..
(5) انظر طبقات السبكي (8/218) ، والتاريخ السياسي والديني (ص: 298) .
(6) ومن المعلوم أن أبا الحسن الأشعري تجاذبه أصحاب المذاهب الأربعة، ولذلك ترجم له في طبقات الشافعية والمالكية والحنفية، أما الحنابلة فقد صرح هو في مقدمة الإبانة بانتسابه إلى إمام أحمد في الأصول.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 502)
والجويني، والقشيري، والبغدادي، والغزالي، والرازي، والآمدي، والعز ابن عبد السلام، وبدر الدين ابن جماعة، والسبكي، وغيرهم كثير، ولم يكن هؤلاء أشاعرة فقط، بل كانوا مؤلفين ودعاة إلى هذا المذهب، ولذلك ألفوا الكتب العديدة، وتخرج على أيديهم عدد كبير من التلاميذ.
كما انتشر في أنحاء عديدة بواسطة هؤلاء، ففي الحجاز انتقل إليه المذهب الأشعري بواسطة أبي ذر الهروي (1) ، كما انتقل عن طريقه إلى المغرب عن طريق المغاربة الذين كانوا يأتون إلى الحج، وكان ممن له أثر في نشره في المغرب بين المالكية أبو بكر الأبهري، والباقلاني وتلامذته (2) ، والباجي وابن العربي (3) ، وغيرهم، كما دافع كل من ابن أبي زيد القيرواني، وأبي الحسن القابس عن الأشعري (4) .
ويذكر المقريزي أنه قد انتشر في العراق نحو سنة 380هـ وانتقل منه إلى الشام (5) ، وممن انتشر على يديه في الشام أبو الحسن عبد العزيز بن محمد الطبري المعروف بالدمل (6) .
وفي العصور المتأخرة كان لتبني كثير من دور العلم والجامعات عقيدة ومذهب الأشاعرة دور في نشره، ومن أهمها الجامع الأزهر في مصر مع ماله من مكانة علمية في العالم الإسلامي.--------------------------------------------
(1) انظر: صون المنطق (1/122) ، ودرء التعارض (1/271، 2/101) .
(2) انظر: تبيين كذب المفتري (ص: 120، 121، 410) ، والتطور المذهبي بالمغرب (ص: 28-30) .
(3) انظر: نشأة الفكر الفلسفي- النشار (1/284) .
(4) انظر: تبيين كذب المفتري (ص: 123-124) ، ولأبي نصر السجزي في رسالة من أنكر الحرف والصوت تعليق معهم على ذلك (ص: 298-304) .
(5) انظر: الخطط (2/358) .
(6) انظر: التبيين (ص: 195) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 503)
هذه أهم أسباب انتشار المذهب الأشعري، وهي تدل على مدى تغلغل هذا المذهب بين الناس، وإن كانت الجمهرة الغالبة للمسلمين تؤمن بهذا الدين وعقيدته بإجمال وتعظم السلف ومنهجهم، لأنه لا تعرف المداخل الكلامية والقضايا العقلية التي يعتمدها أهل الكلام.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 504)
المبحث الرابع: عقيدة الأشعرية
بعد عرض نشأة الأشعرية، وأسلاف الأشاعرة، وأسباب انتشار مذهبهم، لابد لاستكمال الموضوع من عرض عقيدة الأشاعرة، ولما كان المذهب الأشعري قد مر بعدة أطوار حتى في حياة مؤسسة فضلا عن التطورات الأخرى الكبيرة التي مر بها هذا المذهب عبر القرون، فإن هناك صعوبة في تحديد العقيدة الأشعرية والصعوبة تأتي من خلال مايلي:
1- هل المعتبر في تحديد المذهب ما يقوله مؤسسة فقط، أم لابد أن يدخل في ذلك ما قاله الأتباع؟ وفي مذهب الأشاعرة كثيرا ما يعرض المتأخرون مذهب الأشاعرة كما طوروه، ثم إذا رد عليهم أو هوجموا ورموا بالابتداع رجعوا يحتجون بأقوال شيخهم الأشعري التي تخالف في كثير منها أقوالهم ومنهجهم.
2- هل المعتبر في المذهب: الأقوال أو الأشخاص؟ أي أن أحد الأعلام إذا عرف عنه أنه أحد أئمة الأشاعرة المنافحين عن مذهبهم، هل تصبح جميع أقواله في إطار التزامه لأصول المذهب مذهبا وعقيدة أشعرية؟ أم أن المعتبر الأقوال الموافقة للمذهب الأشعري فقط؟ وإذا كان فما المقياس في تحديد هذه الأقوال؟ ومن الأمثلة على ذلك أن الفخر الرازي يعتبر من أهم أعلام وأئمة الأشعرية وله في ذلك جهود ومؤلفات كبرى، ومع ذلك فقد دخل في الفلسفة وألف فيها أحيانا كتبا مستقلة، ففي هذه الحالة هل يؤخذ الرازي وكتبه على أنه أشعري أراد موج عقيدة الأشاعرة بالفلسفة، أو تفصل الفلسفة عنده عن العقيدة الأشعرية وتعتمد أقواله الموافقة لها فقط؟
3- الرجوع عن المذهب، كثيرا ما وقع لأعلام الأشاعرة، ومع انتشار الكتب التي تمثل المرحلتين لعلم ما، تصبح نسبة الأقوال إليه غير مستقرة على
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 505)
وضع معين، فالأشعري نفسه هل تعرض أقواله من خلال الإبانة فقط، وما عداها لا قيمة له لأن المفترض أن يكون قد رجع عنه، أو لابد من اعتماد كتبه الأخرى التي شاعت وتلقفها الناس واعتمدوها … وهكذا بقية أعلامن الأشاعرة.
4- التطور الذي وقع في المذهب الأشعري - كما سبق - هل يعتبر الطور الأول أو الثاني أو الثالث، إذا قيل يعتمد ما استقر عليه مذهب الأشاعرة، فما المصدر في ذلك؟
هذه أهم الصعوبات في تحديد عقيدة الأشعرية، ومن ثم فقد ترجح أن يكون العرض لها كما يلي:
أ - بالنسبة للأشعري، فقد سبق عرض عقيدته عند ترجمته، وأبرز سمات عقيدته:
1- إثبات أن الله موجود واحد، أزلي، وأن العالم حادث.
2- إثبات صفات الله تعالى، دون تفريق بين الخبرية والعقلية، ومن ذلك إثبات صفات السمع والبصر، والحياة، والإرادة، والكلام، والقدرة، والعلم، واليدين والوجه، والعين، والاستواء والنزول، والعلو والمجيء، وغيرها مما هو ثابت في الكتاب أو السنة.
3- أما الصفات الإختيارية فلا يثبتها صفات قائمة بالله تتعلق بمشيئته واختياره، بل إما أن يؤولها أو يثبتها أزلية وذلك خوفا من حلول الحوادث بذات الله.
4- الإيمان بكلام الله، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، لكن الكلام -عنده - أزلي، لا يتعلق بمشيئته وإرادته.
5- إثبات الرؤية، وأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة.
6- الإيمان بالقدر، مع القول بالكسب، وأن الاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 506)
7- الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ومرتكب الكبيرة مؤمن فاسق.
8- وفي الإمامة، والصحابة، وأمور المعاد، وغيرها يقول كما قال أهل السنة.
ب - أما بالنسبة لعقيدة الأشاعرة بعد الأشعري فلا يتم هذا إلا بعد عرض التطور الذي حدث لمذهبهم، وهذا ما سيتم توضيحه في الفصل التالي - إن شاء الله -.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 507)
الفصل الخامس: تطور مذهب الأشاعرة وأشهر رجالهم إلى عهد ابن تيمية
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 509)
الفصل الخامس: تطور مذهب الأشاعرة
من الأمور المسملة لدى الأشاعرة وغيرهم أن أقوال الأشاعرة تعددت واختلفت في مسائل عديدة من مسائل العقيدة، وكل علم من أعلامهم حوت مؤلفاته ورسائله آراء توصل إليها إما باجتهاده أو تقليدا لأحد أعلام عصره أو مدرسته ممن تلقى على يديه العلوم والمعارف، فأصبح ذا منهج مستقل، ثم قد يرجع عن بعض أقواله في مؤلف أومؤلفات أخرى فتكثر الأقوال وتتعدد المناهج.
ويعتبر الأشاعرة مثل هذا الاختلاف أو التعدد في الأقوال اجتهادا داخل المذهب لا يؤثر عليه، ويجددون التفسير المناسب لمثل لذلك، فيقولون مثلا في بعض الصفات الخبرية، قال قدماء أصحابنا أو شيوخنا بإثباتها مع التفويض ونفي التشبيه، ثمن يذكرون القول الثاني بالتأويل تنزيها لله عن مشابهة المخلوقات، والقولان - عندهم - صحيحان ولا تعارض بينهما، والعجيب أن يتلقى الأشاعرة بعضهم عن بعض مثل هذا، لا يتوقفون عنده، ولا يثيرهم ما فيه من تناقض.
والحق أن التطور في المذهب الأشعري لم يكن في مسألة من المسائل بحيث لا يؤبه له، ولا يلفت النظر، بل كان تطورا في الأصول والمناهج، ويتعدى ذلك إلى مسائل عديدة في العقيدة، وقد كان أبرز مظاهر التطور في المذهب الأشعري ما يلي:
أ - القرب من أهل الكلام والاعتزال.
ب - الدخول في التصوف، والتصاق المذهب الأشعري به.
ج-- الدخول في الفلسفة، وجعلها جزءا من المذهب.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 511)
هذه أهم الخطوط العامة لما وقع من التطور فيه، وقد تكون هناك تطورات جزئية، لكنها تدخل ضمن أحد هذه الأمور، وهناك بعض الظواهر في المذهب الأشعري قد تلفت نظر المطلع، وذلك مثل ظاهرة ارتباط المذهب الشافعي الفقهي بالمذهب الأشعري، ومثله المالكي، ولكن هذه لا تعدو أن تكون دعوى يدعيها بعض المتحمسين للمذهب الأشعري، وأقرب الأمثلة على ذلك السبكي في طبقات الشافعية، فقد حاول أن يجعل من كتابه هذا ما يمكن أن يسمي بطبقات الأشعرية، ويلاحظ ذلك من يطلع على التراجم في هذا الكتاب وأسلوبه في عرض كل ترجمة، ولا شك أن المدارس النظامية وبعض أعلام الشافعية كان لهم أثر فيما يلمس من تبني جمهرة كبيرة من فقهاء الشافعية للمذهب الأشعري، ولكن ليس بهذه الصورة التي يدعيها هؤلاء، كما أنه ليس كل الحنابلة مثبتة على وفق مذهب السلف، بل فيهم أعداد مالت إلى مذهب الأشاعرة أو إلى ما هو أشد غلوا منه.
والجزم في مثل هذه الأمور - التي لا يمكن أن يحصر من لهم علاقة بها من الأعلام، على مختلف الأزمنة والأمكنة- نوع من المجازفة يأباها النظر الفاحص والتتبع الدقيق، ومع ذلك فظاهرة تبني بعض أعلام الشافعية للمذهب الأشعري مما لا ينكر.
وقد يرد في الذهن تساؤل عن أسباب حدوث هذا التطور في مذهب الأشاعرة، وهل كان المذهب يحمل في داخله دواعي مثل ذلك؟ ثم لماذا كان التطور في هذه الاتجاهات المنحرفة ولم يكن في الرجوع إلى مذهب السلف، والتخلي عن البقايا الكلامية والاعتزالية؟.
لعل في عرض النقاط التالية شيئا من التحليل والتعليل، والأمر قبل كل شيء بيد الله تعالى، فهو الذي يصرف قلوب عباده كما يشاء، ولو شاء لجمعهم على الهدى:
1- إن الانحراف يبدأ في الغالب صغيرا، ثم يكبر، والمتتبع لأغلب المقالات، يجدها تبدأ صغيرة ثم يزداد انحرافها وغلوها مع الزمن، والمذهب الأشعري لما أن حوى منذ البداية انحرافا معينا سواء كان بالدخول في علم الكلام، أو تبني بعض آراء المعتزلة - وهذا كله مما يخالف مذهب السلف ومنهجهم -
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 512)
أصبح قابلا للزيادة في هذا الانحراف من خلال التمادي في علم الكلام والتزام لوازم الأقوال الفاسدة، والاستسلام لبعض شبهات أهل الضلال، وعدم القدرة على رد باطلهم إلا بالتزام بعض الأقوال الفاسدة.
2- كثرة مؤلفات مؤسسة أبي الحسن الأشعري، مع ما صاحب ذلك من كونه نشأ وعاش زمنا طويلا في ظل مذهب المعتزلة، وكان من آثار ذلك عدم استطاعته التخلص من المنهج الكلامي في عرض العقيدة، بل زاد على ذلك بأن التزم بعض أصولهم، وهذا كله بعد رجوعه، وقد كان من المفترض أن يكون رجوعه كاملا عن منهجهم وعقيدتهم إلى منهج وعقيدة السلف، لكن الذي وقع أنه ترك الاعتزال وتبني مذهب الكلابية، فإذا أَضيف إلى ذلك كثرة مؤلفاته ورسائله التي ألفتها بعد رجوعه واستخدامه في غالبها الاسلوب العقلي الكلامي، كما هو واضح في مثل كتابه " اللمع " وفي ما حواه كتاب ابن فورك " مجرد مقالات أبي الحسن الأشعري "، مع تأخر كتابه الإبانة، وكونه كتابا واحدا في مقابل عشرات الكتب المنتشرة، فهذا يفسر ما وقع من تطور في مذهب الأشاعرة، مع قناعة أعلامهم بأنهم لم يخالفوا أقوال شيخهم الأشعري مخالفة أصولية (1) .
3- إن المذهب لم يبن منذ البداية على منهج مؤصل؛ حيث لم يحدد له أصول واضحة في الاعتقاد أو كيفية التعامل مع النصوص، والأشعري في الإبانة كان صاحب منهج يختلف عن منهجه في كثير من كتبه، لذلك فالمذهب منذ البداية نشأ على التذبذب بين موافقة مذهب السلف، والرد على المعتزلة، وتأييد العقيدة بعلم الكلام، ولو نشأ المذهب واضح المعالم في الاستدلال للعقيدة أو الرد على المخالفين لكان ذلك مانعا من اجتهاد يأتي فيما بعد يؤدي إلى الانحراف، وهذا ما حدث بالنسبة لما كتبه أعلام السلف في ردودهم على الجهمية--------------------------------------------
(1) سبقت الإشارة إلى ذلك عند الحديث عن كتاب "المجرد" في آخر الكلام عن مؤلفات الأشعري، ويرى ابن بدران أن أتباع الشعري التقطوا مسائل كتبه التي رد بها على المعتزلة وجعلوها مذهبا له، وتركوا الإبانة التي صرح فيها بعقيدته، انظر: المدخل إلى مذهب الإمام أزحمد (ص: 49-50) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 513)
والمعتزلة، فعلى الرغم من المناقشات العقلية، والالزامات القوية للخصوم، في مؤلفات الأئمة مثل الإمام أحمد، والكناني، والدرامي، وابن قتيبة، وغيرهم، لم تؤد هذه الردود- التي بقيت وحفظت - إلى شيئ من الانحراف، بل على العكس كان لها دور في دعم مذهب السلف وإسكات خصومهم.
4- رفض أهل السنة للمذهب الأشعري منذ البداية مما كان سببا في جعله مذهبا منعزلا عنهم، ولكا كان رفض أئمة الحديث والسنة له الأثر النفسي والواقعي في حياة الناس، حرص المتأخرون على الدفاع عن مذهبهم وعقيدتهم الأشعرية ودعمها بالأدلة، وبيان بعدها عن التشبيه والتجسيم الذي قد يصمون به أهل الإثبات، والمعارضة القوية من جانب علماء السلف لمذهب الأشاعرة ورمي معتنقيه - أحيانا - بأنهم نفاة ومعتزلة، يؤدي إلى ردود فعل نفسية من جانب هؤلاء فيؤدي إلى اتساع دائرة البعد بين الفريقين.
5- ومن الأسباب أيضا فشو التقليد في أصول العقيدة وفروع الأحكام فقد يقلد شيخه في إحدى المسائل؛ ظنا منه أنه - وهو العالم المشهور- ما قال بها إلا هي حق، ثم يضطر في النهاية إلى التزام لوازم هذه المسألة، وقد تكون لوازم باطلة، لكنه التزمها التزاما لأصلها الذي أخذه تقليدا، وقد يكون شيخه قال بهذه المسألة بناء على وجه معين وهو يرفض لوازمها لو ألزمها.
6- وهناك أسباب أخرى مثل الهوى، والتعصب لطائفة أو لمذهب، وحرص أهل الباطل على التفريق بين المسلمين بإثارة الفتن بينهم، وغيرها.
* * *
بعد هذه المقدمة ننتقل إلى عرض مجمل لترجمة ومنهج أهم أعلام الأشاعرة إلى عصر بان تيمية مع ذكر جوانب التطور التي حدثت في المذهب الأشعري عن طريقهم، وسيتم هذا العرض على المنهج التالي:
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 514)
1- الاقتصار على ذكر أعلام الأشاعرة الذي كان لهم دور في المذهب، وذلك من خلال مؤلفاتهم وكتبهم التي ساعدت على دعم أو تطوير المذهب الأشعري.
2- لما كان كل علم من هؤلاء بحاجة إلى دراسة مستقلة- وكثير منهم كتبت عنهم مؤلفات ورسائل علمية - فسيقتصر العرض على مايلي:
- ترجمة موجزة للعلم، وأهم شيوخه وتلاميذه.
- آثاره العلمية المتعلقة بمذهب الأشاعرة.
3- مجمل منهجه وعقيدته، وبيان جوانب التطور عنده إن وجدت، مع التركيز على بعض شخصيات الأشاعرة المشهورة.
* * *
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 515)