الأشاعرة وغيرهم، حول العقيدة الواسطية التي كتبها لعموم المسلمين، ولذلك راعى فيها السهولة والشمول، مع الحرص الشديد على استعمال الألفاظ والمصطلحات الواردة في الكتاب والسنة، فلما ناظروه حولها بين منهجه وأسلوبه فيها، ولما ذكر شيخ الإسلام مسألة المعجزات ذكر أن تسميتها بآيات الأنبياء أولى وأدل على المقصود (1) .
هـ - خبر الآحاد وإفادته للعلم إذا تلقته الأمة بالقبول، وحجيته في مسائل العقيدة، ومذهب جمهور الأشاعرة في هذه المسألة مشهور، ويتلخص في أن أخبار الآحاد - وهي ما عدا المتواتر - إنما تفيد الظن دون العلم، ومن ثم فلا يحتج بها في العقائد إذا عارضها الدليل العقلي (2) ، والأشاعرة كثيراً ما ينسبون إلى جمهور العلماء القول بأن أخبار الآحاد لا تفيد إلا الظن، ويذكرون هذا عندما يتطرقون إلى هذا الموضوع في مباحث أصول الفقه (3) ، ويلاحظ هنا أمور:
الأول: أن الأشاعرة مع قولهم بأن أخبار الآحاد لا تفيد العلم إلا أنهم يحتجون بها في المسائل العملية التي هي مسائل الأحكام والفروع واهتمامهم بالحديث والفقه وأصوله مشهور ومعروف.
الثاني: أنهم يحتجون بأخبار الآحاد ويقررون بها بعض مسائل العقيدة، مثل المعجزات الثابتة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم غير القرآن، والرؤية، والشفاعة وعذاب القبر، والحساب والميزان والصراط، والإمامة، والتفضيل وغيرها، وهو وإن قالوا إن هذه من قبيل المستفيض المشهور، إلا أنهم يعترفون بأنها دون المتواتر.--------------------------------------------
(1) انظر: الجواب الصحيح (4/67) .
(2) انظر مثلاً: مشكل الحديث وبيانه لابن فورك (ص: 22) ، والتمهيد للباقلاني (ص: 381-386) ، ت مكارثي، وأصول الدين للبغدادي (ص: 12، 18) ، والإرشاد للجويني (ص: 161، 359، 416) ، والشامل (ص: 100، 557) ، وأساس التقديس للرازي (ص:168) ، وغيرها.
(3) انظر مثلاً: البرهان للجويني (1/606) ، والمستصفى للغزالي (ص: 170) ، ط الجندي، والتبصرة للشيرازي (ص: 298) ، والعدة للقاضي أبي يعلى (3/898) ، والمحصول للرازي (ج- 2 ق 1 ص:632) ، والأحكام للآمدي (2/32) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 738)
لذلك فهم يتناقضون حين يقولون: إن أخبار الآحاد لا تفيد العلم، أو إنها لا يحتج بها في العقيدة، وهو إنما يلجأؤن إلى هذا حين تورد عليهم الأحاديث الواردة في إثبات الصفات لله تعالى مما يظنون أنها تقضي تشبيهاً أو تجسيماً.
الثالث: أن علماء مصطلح الحديث بحثوا هذه المسألة عند تقسيمهم الحديث إلى متواتر وآحاد، وعند كلامهم عن صحيحي البخاري ومسلم وتلقى الأمة لها بالقبول:
1- فابن الصلاح رحمه الله يقول عن المتفق عليه بين البخاري ومسلم: " وهذا القسم جميعه مقطوع بصحته، والعلم اليقيني النظري واقع به، خلافاً لقول من نفي ذلك محتجاً بأنه لا يفيد في أصله إلا الظن وإنما تلقته الأمة بالقبول لأنه يجب عليهم العمل بالظن، والظن قد يخطئ، وقد كنت أميل إلى هذا وأحسبه قوياً، ثم بان لي أن المذهب الذي اخترناه أولاً هو الصحيح.." (1) ، ثم بين أن حكمة هذا يشمل أيضاً ما انفرد به أحدهما (2) .
2- تعقب النووي ابن الصلاح فقال في التقريب: " وذكر الشيخ تقي الدين [أي ابن الصلاح] أن ما روياه أو أحدهما فهو مقطوع بصحته، والعلم القطعي حاصل فيه، وخالفه المحققون الأكثرون، فقالوا يفيد الظن ما لم يتواتر" (3) ، كما وافق النووي وخالف ابن الصلاح عزُّ الدين بن عبد السلام (4) .
وكثير من العلماء الذين جاءوا بعد النووي أيدوا ابن الصلاح، ومنهم الحافظ ابن كثير (5) ، وسراج الدين البلقيني (6) ، وابن حجر (7) ، وغيرهم.--------------------------------------------
(1) علوم الحديث لابن الصلاح (ص: 24) ، وانظر: صيانة صحيح مسلم (ص:85-86-115) .
(2) انظر: علوم الحديث (ص: 25) .
(3) التقريب للنووي (ص: 40) ، وانظر: شرحه لصحيح مسلم (1/20) .
(4) انظر: التقييد والإيضاح للعراقي (ص:41) .
(5) انظر: الباعث الحثيث (ص: 33) ، وانظر: تعليق أحمد شاكر في الحاشية.
(6) انظر: محاسن الاصطلاح (ص: 101) .
(7) انظر: النكت على ابن الصلاح (1/371) ، وما بعدها، ونزهة النظر (ص: 39) ، مع لقط الدرر.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 739)
فهذا الخلاف إنما ورد على ما في الصحيحين من الأحاديث، وهذا منسحب على ما ورد في غيرهما من الأحاديث الثابتة التي تلقتها الأمة بالقبول.
وقد جاءت مناقشة شيخ الإسلام ابن تيمية لهذه المسألة كما يلي:
1 - التحقيق في المقصود من خبر الواحد حيث يقال: إنه يفيد العلم، لأن البعض يظن أن من قال بهذا القول فإنه يقول بإفادته العلم في كل خبر، وهذا غير صحيح يقول شيخ الإسلام، " إن أحداً من العقلاء لم يقل إن خبر كل واحد يفيد العلم، وبحث كثير من الناس إنما هو في رد هذا القول " (1) ، ويقول أيضاً: " ولا يقول عاقل من العقلاء: إن مجرد خبر الواحد أو خبر كل أحد يفيد العلم " (2) ،
وهذا بيان وتحقيق لموطن الخلاف، لأن الذين يقولون إنه يفيد الظن بنوا قولهم على أن خبر الواحد قد يصدق وقد يكذب فكيف يقال: إنه بمجرده يفيد العلم؟ وهذا صحيح بعمومه، ولكن الذين قالوا إنه قد يفيد العلم قيدوه بقيود معلومة كأن تحفة القرائن المؤيدة، أم تتلقاه الأمة بالقبول، أو يرويه الحفاظ الذي عرف عنهم الضبط والإتقان، وغيرها، وهذا الغلظ على العلماء الذي بينه شيخ الإسلام ابن تيمية أغضب شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله فقال وهو يعرض لهذا الموضوع بعد تفصيل وافٍ مشبعٍ بلغ قرابة المائة صفحة: " المقام التاسع والعاشر: وهو أن قولهم خبر الواحد لا يفيد العلم قضية كاذبة باتفاق العقلاء إن أخذت كلية عامة، وقضية لا تفيد إن أخذت جزئية أو مهملة، فإن عاقلاً لا يقول: كل خبر لا يفيد العلم حتى تنتصبوا للرد عليه كأنكم في شيء وكأنكم قد كسرتم عدو الإسلام فسودتم الأوراق بغير فائدة، حتى كذب بعض الأصوليين كذباً صريحاً لم يقله أحد قط فقال: مذهب أحمد ابن حنبل في إحدى الروايتين عنه: أن خبر الواحد يفيد العلم من غير قرينة، وهو مطرد عنده في خبر كل واحد، فيالله العجب، كيف لا يستحي العاقل من المجاهرة بالكذب على أئمة الإسلام، لكن عذر هذا وأمثاله أنهم يستجيزون نقل--------------------------------------------
(1) المسودة (ص:244) .
(2) شرح الأصفهانية (ص:92) ..
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 740)
المذاهب عن الناس بلازم أقوالهم، ويجعلون لازم المذهب في ظنهم مذهباً " (1) .
2- يعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية من أبرز العلماء الذين نبهوا إلى خطأ وقع فيه كثير من المتأخرين - قبل ابن تيمية - وذلك حين نسبوا إلى جمهور العلماء القول بأن أخبار الآحاد المتلقاة بالقبول لا تفيد إلا الظن، وأن القول بإفادته العلم لم يقل به إلا فئة قليلة من الحنابلة وغيرهم، يقول رحمه الله: " الصحيح أن خبر الواحد قد يفيد العلم إذا احتفت به قرائن تفيد العلم، وعلى هذا فكثير من متون الصحيحين متواتر اللفظ عند أهل العلم بالحديث، وإن لم يعرف غيرهم أنه متواتر، ولهذا كان أكثر متون الصحيحين مما يعلم علماء الحديث علماً قطعياً أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله: تارة لتواتره، وتارة لتلقي الأمة له بالقبول. وخبر الواحد المتلقى بالقبول يوجب العلم عند جمهور العلماء من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، وهو قول أكثر أصحاب الأشعري كالاسفراييني وابن فورك " (2) ، ويقول أيضاً: " الخبر الذي تلقاه الأئمة بالقبول تصديقاً له أو عملاً بموجبه يفيد العلم عند جماهير الخلف والسلف، وهذا في معنى التواتر (3) ، لكن من الناس من يسميه المشهور والمستفيض، ويقسمون الخبر إلى متواتر ومشهور وخبر واحد، وإذا كان كذلك فأكثر متون الصحيحين معلومة متقنة تلقاها أهل العلم بالحديث بالقبول والتصديق وأجمعوا على صحتها، وإجماعهم معصوم من الخطأ " (4) ،
وقد أعاد هذا الكلام مرة أخرى، وذكر أن أكثر متون الصحيحين مما يعلم صحته عند علماء الطوائف وعد منه الأشعرية (5) .--------------------------------------------
(1) مختصر الصواعق (2/445) ، وكأن ابن القيم يقصد بكلامه الآمدي، لأن ما نقله هو كلامه بحروفه في الأحكام (2/32) ، مع تقديم وتأخير.
(2) مجموع الفتاوي (18/40-41) .
(3) يرد شيخ الإسلام على الذين يقولون، إن التواتر يحصل بالعدد فقط فيقول: " من الناس من لا يسمى متواتراً إلا ما رواه عدد كثير يكون العلم حاصلاً بكثرة عددهم فقط، ويقولون: إن كل عدد أفاد العلم في قضية أفاد مثل ذلك العدد العلم في كل قضية، وهذا ضعيف.." ثم رد عليهم، انظر: مجموع الفتاوي (18/48) ، وانظر مناقشة أو في المسودة (ص: 236-237) .
(4) مجموع الفتاوي (18/48-49) ..
(5) انظر المصدر السابق (18/70) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 741)
بل إن شيخ الإسلام يذكر أن هذا لقول جمهور علماء أصول الفقه، فيقول: " ولهذا كان جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أن خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول، تصديقاً له، أو عملاً به، أنه يوجب العلم، وهذا هو الذي ذكره المصنفون في أصول الفقه من أصحاب أبي حنيفة، ومالك والشافعي وأحمد، إلا فرقة قليلة من المتأخرين اتبعوا في ذلك طائفة من أهل الكلام أنكروا ذلك، ولكن كثيراً من أهل الكلام أو أكثرهم يوافقون الفقهاء وأهل الحديث والسلف في ذلك، وهو قول أكثر الأشعرية كأبي إسحاق وابن فورك.
وأما ابن الباقلاني فهو الذي أنكر ذلك، واتبعه مثل أبي المعالي، وأبي حامد، وابن عقيل، وابن الجوزي، وابن الخطيب، والآمدي، ونحو هؤلاء، والأول هو الذي ذكره الشيخ أبو حامد، وأبو الطيب، وأبو إسحاق، وأمثاله من أئمة الشافعية، وهو الذي ذكره القاضي عبد الوهاب وأمثاله، وهو الذي ذكره أبو يعلى وأبو الخطاب وأبو الحسن بن الزاغوني، وأمثالهم من الحنابلة، وإذا كان الإجماع على تصديق الخبر موجباً للقطع به، فالاعتبار في ذلك بإجماع أهل العلم بالحديث، كما أن الاعتبار في الاجتماع على الأحكام بإجماع أهل العلم بالأمر والنهي والإباحة " (1) .
ويذكر شيخ الإسلام رأي ابن الصلاح واعتراض المعترضين فيقول بعد ذكره لنماذج عديدة من أحاديث الآحاد مما تلقته الأمة بالقبول عملا به أو تصديقا له، يقول:" فهذا يفيد العلم اليقيني عند جماهير أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الأولين والآخرين، أما السلف فلم يكن بينهم في ذلك نزاع، وأما الخلف فهذا مذهب الفقهاء الكبار من أصحاب الأئمة الأربعة، والمسألة منقولة في كتب الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية، مثل السرخسي وأبي بكر الرازي من الحنفية، وابن خواز منداد وغيره من المالكية، ومثل القاضي أبي يعلي وابن أبي موسى وأبي الخطاب وغيرهم من الحنبلية، ومثل أبي إسحاق الأسفراييني وابن فورك--------------------------------------------
(1) مقدمة في أصول التفسير (ص: 67-68) ، ت زرزور، وممن صرح بأنه قد يفيد خبر الآحاد العلم ممن ذكرهم ابن تيمية أبو إسحاق الأسفراييني كما في النكت لابن حجر (1/377) ، والشيرازي في اللمع الذي ألفه بعد التبصرة (ص: 40) ، والسرخسي في أصوله (1/291-293) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 742)
وأبي إسحاق النظام من المتكلمين، وإنما نازع في ذلك طائفة كابن الباقلاني ومن تبعه مثل أبي المعالي والغزالي وابن عقيل، وقد ذكر أبو عمرو بن الصلاح القول الأول وصححه واختاره، ولكنه لم يعلم كثرة القائلين به ليتقوى بهم، وإنما قاله بموجب الحجة الصحيحة، وظن من اعتراض عليه من المشايخ (1) الذي لهم علم ودين، وليس لهم بهذا الباب خبرة تامة أن هذا الذي قاله الشيخ أبو عمرو انفرد به عن الجمهور، وعذرهم أنهم يرجعون في هذه المسائل إلى ما يجدونه من كلام ابن الحاجب، وإن ارتفعوا درجة صعدوا إلى السيف الآمدى، وإلى ابن الخطيب، فإن علا سندهم صعدوا إلى الغزالي والجويني والباقلاني" (2) ، ثم ذكر ابن تيمية دليل الجمهور وهو الإجماع (3) .
والدليل على أن شيخ الإسلام من أبرز العلماء الذين حققوا هذه المسألة وبينوا خطأ المتكلمين من الأشاعرة الذين حكوا الخلاف زاعمين أن قول الجمهور: أنها تفيد الظن، أن علماء أصول الحديث المحققين لما حققوا في الأمر استشهدوا ونقلوا كلام شيخ الإسلام في تحقيق ذلك، فابن كثير يقول بعد سياق الخلاف بين ابن الصلاح والنووي: " قلت: وأنا مع ابن الصلاح فيما عول عليه وأرشد إليه، والله أعلم" (4) ، ثم يقول: " -حاشية - ثم وقفت بعد هذا على كلام لشيخنا العلامة ابن تيمية مضمونه أنه نقل القطع بالحديث الذي تلقته الأمة بالقبول عن جماعات من الأئمة [وذكرهم ثم قال بعد نهاية كلام شيخ الإسلام] : " وهو معنى ما ذكره ابن الصلاح استنباطا، فوافق فيه هؤلاء الأئمة" (5) ، ومثله البلقيني في شرحه لمقدمة ابن الصلاح، فإنه قال بعد ذكر الخلاف: " وما قاله ابن عبد السلام والنووي ومن تبعهما ممنوع، فقد نقل بعض الحفاظ المتأخرين- رحمهم الله[وساق أسماءهم بما يقارب ما في الباعث--------------------------------------------
(1) كالنووي والعز بن عبد السلام - كما تقدم تقريباً -.
(2) نقله ابن القيم مختصر الصواعق (2/373-374) .
(3) انظر: المصدر السابق (2/374-377) ، وهو بحث مهم جداً.
(4) الباعث الحثيث (ص: 33) .
(5) المصدر السابق (ص: 34) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 743)
الحثيث] أنهم يقطعون بالحديث الذي تلقته الأمة بالقبول" (1) ، والبلقيني يقصد ابن تيمية، والكلام الذي نقله هو كلام شيخ الإسلام، وممن نبه إلى هذا ابن حجر حيث قال بعد تلخيص كلام البلقيني: " قلت وكأنه عنى بهذا الشيخ تقي الدين ابن تيمية" (2) ، ثم ساق الحافظ ابن حجر كلاما أطول عن شيخ الإسلام ابن تيمية- نقله عن بعض ثقات أصحابه (3) - ثم رد ابن حجر على النووي من عدة وجوه (4) ، وكذا الفتوحي في شرح الكوكب المنير نقل عن ابن تيمية (5) ، فهؤلاء العلماء اعتمدوا في بيان حقيقة الخلاف في هذه المسألة على ما حققه وبينه ابن تيمية رحمه الله تعالى.
3- بقيت مسألة حجية خبر الآحاد في العقيدة، وأصرح من يمثل اعتقاد جمهور الأشاعرة في ذلك الرازي الذي يقول: " أما التمسك بخبر الواحد في معرفة الله تعالى فغير جائز يدل عليه وجوه: الأول: أن أخبار الآحاد مظنونة، فلم يجز التمسك بها في معرفة الله تعالى وصفاته، وإنما قلنا إنها مظنونة لأنا أجمعنا على أن الرواة ليسوا معصومين … " ثم ساق أدلة منكري حجية خبر الآحاد التي ذكرها علماء أصول الفقه، ثم قال عن الصحابة في الوجه الثاني " إلا أنا قلنا إن الله تعالى أثنى على الصحابة رضي الله عنهم في القرآن على سبيل العموم، وذلك يفيد ظن الصدق، فلهذا الترجيح قبلنا روايتهم في فروع الشريعة، أما الكلام في ذات الله تعالى وصفاته فكيف يمكن بناؤه على هذه الرواية الضعيفة؟ (6) " ثم ذكر الرازي من الأسباب الوصع في الحديث وطعن في رواة الحديث بأن الملاحدة قد يروجون عليهم بعض الأحاديث الموضوعة، كما طعن في ضبط الرواة مستشهدا بنقلهم الحديث بالمعنى (7) .--------------------------------------------
(1) محاسن الاصطلاح للبلقيني (ص:101) .
(2) النكت على كتاب ابن صلاح (1/374) .
(3) لعله يقصد ابن القيم، لأنه ذكر في مختصر الصواعق (2/372-374) ، ما هو قريب مما ذكره ابن حجر.
(4) انظر: النكت (1/377-379) .
(5) انظر: شرح الكوكب المنير (2/249) ، المحققة..
(6) أساس التقديس للرازي (ص: 167-170) ، وانظر حول مذهب الأشاعرة في هذا: التسعينة لابن تيمية (ص: 242) .
(7) انظر: المصدر السابق (ص: 170-171) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 744)
والأدلة التي ذكرها الرازي هي نفسها أدلة الذين لا يوجبون العمل بخبر الآحاد في الأحكام، وما يجيبهم به الرازي في كتبه الأصولية يجاب به هنا، وكلامه عن أهل الحديث وروايتهم كلام من ليس خبيرا بأحوالهم ومناهجهم.
ولاشك أن شيخ الإسلام ابن تيمية قد ناقش الرازي في أقواله هذه في نقض التأسيس كما يدل عليه منهجه فيما وصل إلينا من هذا الكتاب الذي تتبع في كلام الرازي كلمة كلمة وجملة جملة، وللأسف لم يصل إلينا على حد علمي- الجزء الخاص بهذه المسألة-، علما بأنه قد وصل جزء من رده على كلام الرازي بعد كلامه في خبر الآحاد، وهو القسم الثالث من أساس التقديس، ورد عليه شيخ الإسلام في الجزء الثاني من نقضه المخطوط (1) . وليس في كتب شيخ الإسلام كلام مطول حول هذا الموضوع، وإنما فيها إشارات سبق نقل بعضها، ولعل ابن القيم- كعادتهـ لخص كلام شيخ الإسلام مع إضافات وتحقيقات فيما كتبه مطولا حول أخبار الآحاد (2) .
والأدلة التي أوردها شيخ الإسلام ردا على الرازي وغيره هي كما يلي:
أ- نقل ابن تيمية عن ابن عبد البر الخلاف في خبر الآحاد هل يوجب العمل دون العلم أو العلم والعمل جميعا، وبعد ذكر أقوال العلماء في ذلك قال: " وكلهم يروى خبر الواحد العدل في الاعتقادات، ويعادى ويوالي عليها، ويجعلها شرعا وحكما ودينا في معتقده، على ذلك جماعة أهل السنة، ولهم في الأحكام ما ذكرنا". قال ابن تيمية معلقا على هذا: " قلت: هذا الإجماع الذي ذكره في خبر الواحد العدل في الاعتقادات يؤيد قول من يقول: إنه يوجب العلم، وإلا فما لا يفيد علما ولا عملا كيف يجعل شرعا ودينا يوالي عليه ويعادي؟ " (3) ، والعجيب أن ابن عبد البر نفسه رجح أنه يوجب العمل دون--------------------------------------------
(1) سبقت الإشارة إلى الجزء الثاني من مخطوط نقض التأسيس حقه أن يكون هو الثالث وأن يقدم عليه الثالث ليصبح الثاني، قارن بين أساس الرازي (ص: 173) ، ونقضه المخطوط (2/199) .
(2) انظر: مختصر الصواعق (2/332-446) .
(3) المسودة (ص: 245) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 745)
العلم، فكيف يحتج به في العقائد ولا يوجب علما؟. ويقول شيخ الإسلام أيضا: " مذهب أصحابنا أن أخبار الآحاد المتلقاة بالقبول تصلح لإثبات أصول الديانات" (1) ، ونقل شيخ الإسلام عن ابن عقيل الحنبلي حكاية الخلاف في أحاديث الآحاد الدالة على الصفات هل يقال بظاهرها، أو ترد، أو تقبل وتؤول، ثم رجح القول الثالث وقال: " هذا هو اعتقادنا"، قال ابن تيمية معلقا: " قلت هذا خلاف ما قرره في انتصاره لأصحاب الحديث، وإن كان كلامه في هذا الباب كثير الاختلاف، وخلاف ما عليه عامة أهل السنة المتقدمين من السلف" (2) .
ب- أن الاعتبار في إفادة أخبار الآحاد العلم إجماع أهل الحديث دون من عداهم، وقد سبقت نقول من كلام شيخ الإسلام في ذلك، وقد أشار شيخ الإسلام إلى إعتراض أوردة ابن الباقلاني ونصه: " فإن قيل: أما الجزم بصدقة فلا يمكن منهم، وأما العمل به [فهو (3) ] الواجب عليهم وإن لم يكن صحيحا في الباطن، وهذا سؤال ابن الباقلاني ". أجاب شيخ الإسلام بقوله: " وأما الجزم بصدقه فإنه يحتف به من القرائن ما يوجب العلم إذ القرائن المجردة قد تفيد العلم بمضمونها، فكيف إذا احتفت بالخبر، والمنازع بنى على هذا أصله الواهي: أن العلم بمجرد الأخبار لا يحصل إلا من جهة العدد، فلزمه أن يقول: ما دون العدد لا يفيد أصلا. وهذا غلط خالفه فيه حذاق أتباعه. وأما العمل به فلو جاز أن يكون في الباطن كذبا وقد وجب علينا العمل به لا نعقد (4) الإجماع على ما هو كذب وخطأ في نفس الأمر، وهذا باطل، فإذا كان تلقي الأمة له بالقبول يدل على صدقه لأنه إجماع منهم على أنه صدق مقبول فإجماع (5) السلف والصحابة أولى أن يدل على صدقه، فإنه لا يمكن--------------------------------------------
(1) المسودة (ص: 248) .
(2) المصدر السابق (ص: 249) .
(3) في مختصر الصواعق - مصورة الطبعة الأولى [وهو] وكذا في طبعتي زكريا يوسف - الأولى عام 1380هـ (2/483) ، والثانية عام 1400هـ (2/583) ، ولعل الصواب ما أثبته.
(4) في مصورة الطبعة الأولى (ولا نعقد) والتصويب من طبعتي زكريا يوسف.
(5) في المصورة بإجماع والتصويب من طبعتي زكريا يوسف.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 746)
أحدا أن يدعي إجماع الأمة إلا فيما أجمع عليه سلفها من الصحابة والتابعين، وأما بعد ذلك فقد انتشرت انتشارا لا تضبط جميعها" (1) ،
ثم ذكر تلقي العلماء لجمهور أحاديث الصحيحين بالقبول ثم قال: " فإن ما تلقاه أهل الحديث وعلماؤه بالقبول والتصديق فهو محصل للعلم، مفيد لليقين، ولا عبرة بمن عداهم من المتكلمين والأصوليين، فإن الاعتبار في الإجماع على كل أمر من الأمور الدينية بأهل العلم به دون غيرهم، كما لم يعتبر في الإجماع على الأحكام الشرعية إلا العلماء بها دون المتكلمين والنجاة والأطباء، كذلك لا يعتبر في الإجماع على صدق الحديث وعدم صدقه إلا أهل العلم بالحديث وطرقه وعلله، وهم علماء أهل الحديث العالمون بأحوال نبيهم الضابطون لأقواله وأفعاله، المعتنون بها أشد من عناية المقلدين بأقوال متبوعيهم، فكما أن العلم بالتواتر يتقسم إلى عام وخاص، فيتواتر عند الخاصة ما لايكون معلوما لغيرهم، فضلا أن يتواتر عندهم، فأهل الحديث لشدة عنايتهم بسنة نبيهم، وضبطهم لأقواله وأفعالع وأحواله، يعلمون نت ذلك علما لا يشكون فيه، مما لا شعور لغيرهم به البتة، فخبر أبي بكر وعمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وابن مسعود ونحوهم يفيد العلم الجازم الذي يلتحق عندهم بقسم الضروريات. وعند الجهمية والمعتزلة وغيرهم من أهل الكلام لا يفيد علما، وكذلك يعلمون بالضرورة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، وعند الجهمية: رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر عن خروج قوم من النار بالشفاعة وعند المعتزلة والخوارج لم يقل ذلك، وبالجملة فهم جازمون بأكثر الأحاديث الصحيحة، قاطعون بصحتها عنه، وغيرهم لا علم عنده بذلك" (2) .
فشيخ الإسلام من خلال هذا النص يناقش أهل الكلام ببيان المنهج الصحيح في طريقة طرح الموضوع، لأن هؤلاء المتكلمين يعاملون أنفسهم وكأنهم مثل- بل أفضل- من علماء الحديث الذين هيأهم الله تعالى لحفظ دينه وتبليغ شريعة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فأفنوا أعمارهم في دراسة السنة وتمحيص أسانيدهم ومتونها،--------------------------------------------
(1) عن مختصر الصواعق (2/374-375) ، مصورة الطبعة الأولى 1348هـ..
(2) المصدر السابق (2/375-376) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 747)
والغوص في عللها ودقائق رواياتها، فيأتي الواحد من هؤلاء المتكلمين ومبلغ علمه ما في كتب ابن سينا والفارابي وابن رشد، أو كتب أهل الكلام من الجهمية والمعتزلة، وغيرهم، فيقول: خبر الآحاد لا يفيد العلم، ويحتج بأن هذا قول أمثالهـ من أهل الكلام - بل ويقلب الموضوع ليدعي أن قوله هو قول الجمهور، وأن القول بأنه يفيد العلم هو قول فئة قليلة ممن يسميهم حشوية أهل الحديث وبعض الحنابلة، فشيخ الإسلام يقرر أن المنهج الحق أن يرجع في كل فن إلى أهله، فكما أن الطب يرجع فيه إلى أهل الطب، فكذلك في المسألة المطروحة يرجع فيها إلى أهل الحديث فينظر في أقوالهم ورأيهم هل يفيد عندهم خبر الآحاد العلم أم لا؟ فإذا أجمعوا على أنه يفيد العلم إذا تلقته الأمة بالقبول فلا يلتفت إلى خلاف من سواهم ممن هم كالعوام في علم الحديث.
وهذا منهج تأصيلي مهم لمن أراد أن يدرس هذا الموضوع، لأن هناك جوانب ينبغي الانطلاق منها، وهو ما فعله ابن القيم رحمه الله مما وصل إلينا من مختصر الصواعق.
جـ - ومن المنهج التأصيلي الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ما نقله عنه ابن القيم، في تحقيق مذهب السلف في هذا الباب وبيان المداخل المهمة فيه، يقول شيخ الإسلام:" وأهل الحديث لا يجعلون حصول العلم بمخبر هذه الأخبار الثابتة من جهة العادة المطردة في حق سائر المخبرين " (1) ، وهذا رد لدعوى أهل الكلام الذين يقولون عن السلف إنهم يرون حصول العلم في خبر كل مخبر، وهذا غلط شنيع عليهم، وقد شرح شيخ الإسلام قولهم بقوله:" بل يقولون ذلك:
- لأمر يرجع إلى المخبر.
- وأمر يرجع إلى المخبر عنه.
- وأمر يرجع إلى المخبر به.
- وأمر يرجع إلى المخبر المبلغ.--------------------------------------------
(1) مختصر الصواعق (2/377) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 748)
- فأما ما يرجع إلى المخبر فإن الصحابة الذين بلغوا الأمة سنة نبيهم كانوا أصدق لهجة، وأعظمهم أمانة، وأحفظهم لما يسمعونه، وخصهم الله من ذلك بما لم يخص به غيرهم، فكانت طبيعتهم قبل الإسلام الصدق والأمانة، ثم ازدادوا بالإسلام قوة في الصدق والأمانة، وكان صدقهم عند الأمة وعدالتهم وضبطهم وحفظهم عن نبيهم، أمراً معلوماً لهم بالاضطرار، كما يعلمون إسلامهم وإيمانهم وجهادهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل من له أدنى علم بحال القوم يعلم أن خبر الصديق وأصحابه لا يقاس بخبر من عداهم، وحصول الثقة واليقين بخبرهم فوق الثقة واليقين بخبر من سواهم من سائر الخلق بعد الأنبياء، فقياس خبر الصديق على خبر آحاد المخبرين من أفسد قياس في العالم، وكذلك الثقات العدول الذين رووا عنهم هم أصدق الناس لهجة وأشدهم تحرياً للصدق والضبط، حتى لا تعرف في جميع طوائف بني آدم أصدق لهجة ولا أعظم تحرياً للصدق منهم، وإنما المتكلمون أهل ظلم وجهل يقيسون خبر الصديق والفاروق وأبي بن كعب بأخبار آحاد الناس، مع ظهور الفرق المبين بين المخبرين، فمن أظلم ممن سوى بين خبر الواحد من الصحابة وخبر الواحد من الناس في عدم إفادة العلم، وهذا بمنزلة من سوى بينهم في العلم والدين والفضل ".
- " وأما ما يرجع إلى المخبر عنه: فإن الله سبحانه تكفل لرسوله صلى الله عليه وسلم، بأن يظهر دينه على الدين كله، وأن يحفظه حتى يبلغه الأول لمن بعده، فلابد أن يحفظ الله سبحانه حججه وبيناته على خلقه لئلا تبطل حججه وبيناته، ولهذا فضح الله من كذب على رسوله في حياته وبعد مماته وبين حاله للناس..".
- " وأما ما يرجع إلى المخبر به: فإنه الحق المحض، وهو كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كلامه وحي، فهو أصدق الصدق، وأحق الحق بعد كلام الله فلا يشتبه بالكذب والباطل على ذي عقل صحيح، بل عليه من النور والجلالة والبرهان ما يشهد بصدقه، والحق عليه نور ساطع يبصره ذو البصيرة السليمة، فبين المخبر الصادق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المخبر الكاذب عنه من الفرق كما بين الليل والنهاء والضوء والظلام، وكلام النبوة متميز بنفسه عن غيره من الكلام
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 749)
الصدق، فكيف نسبته (1) ، ولكن هذا إنما يعرفه من له عناية بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخباره وسنته، ومن سواهم في عمى عن ذلك، فإذا قالوا أخباره وأحاديثه الصحيحة لا تفيد العلم فهم مخبرون عن أنفسهم إنهم لم يستفيدوا بها العلم، فهم صادقون فيما يخبرون به عن أنفسهم، كاذبون في أخبارهم أنها لا تفيد العلم لأهل الحديث والسنة"..
- " وأما ما يرجع إلى المُخبر [المُبلغ] فالمخبر نوعان: نوع له علم ومعرفة بأحوال الصحابة وعدالتهم، وتحريهم للصدق والضبط، وكونهم أبعد خلق الله عن الكذب وعن الغلط والخطأ فيما نقلوه إلى الأمة، وتلقاه بعضهم عن بعض بالقبول وتلقته الأمة عنهم كذلك، وقامت شواهد صدقهم فيه، فهذا المخبر يقطع بصدق المخبر ويفيده خبر العلم واليقين لمعرفته بحاله وسيرته، ونوع لا علم لهم بذلك وليس عندهم من المعرفة بحال المخبرين ما عند أولئك، فهؤلاء قد لا يفيدهم خبرهم اليقين".
ثم يعقب شيخ الإسلام بقوله: " فإذا انضم عمل المخبر وعلمه بحال المخبر وإنصاف إلى ذلك معرفة المخبر عنه ونسبة ذلك الخبر إليه أفاد ذلك علماً ضرورياً بصحة تلك النسبة، وهذا في إفادة العلم أقوى من خبر رجل معدم فقير ما يغنيه فأعطاه ذلك، وظهرت شواهد تلك العطية على الفقير، فكيف إذا تعدد المخبرون عنه وكثرت رواياتهم وأحادثيهم بطرق مختلفة، وعطايا متنوعة في أوقات متعددة؟ " (2) .
وحينما تفيد أخبار الآحاد العلم فإنه يحتج بها في العقائد، ومع ذلك فالتفريق بين الأحكام والعقائد أمر استجد في وقت متأخر، أما السلف من الصحابة--------------------------------------------
(1) كذا في المختصر (2/379) ، وطبعة زكريا يوسف الأولى (2/486) ، والثانية (2/586) ، ولعل الصواب (يشتبه) .
(2) مختصر الصواعق (2/377-380) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 750)
والتابعين فكانوا يتلقون الأحاديث كلها دون تفريق، ويؤمنون بما جاءت به ويصدقون، ويعملون بما فيها من أحكام، والإسناد الصحيح الذين يروون به حكماً من أحكام الصلاة أو الزكاة أو الحدود أو النكاح فيعملون بمقتضاه هو نفسه الإسناد الذي يروون بطريقه حديثاً في الصفات أو الرؤية أو القدر أو غيره.
دون أن يفرقوا بين هذه الأحاديث المروية التي جاءت بهذا الإسناد.
وحجية خبر الآحاد في العقيدة وإفادته العلم إذا تلقى بالقبول من المسائل التي اهتم بها العلماء، ولابن تيمية إشارات سريعة في بعض كتبه (1) ، وقد أفردت فيه بعض الرسائل والكتب (2) .
و ولابن تيمية لمحات ووقفات حول السنة والاستدلال بالأحاديث الواردة، وما وقع فيه بعض الناس من أخطاء سواء في الرواية أو الدراية، ويمكن أن نشير إلى الأمثلة التالية:
1- حرص شيخ الإسلام مع احتجاجه بالسنة في العقائد (3) على تمييز الضعيف والموضوع منها، والتنبيه إلى غلط من احتج بها، ومن ذلك قوله: " وآخرون من الزنادقة والملاحدة كذبوا أحاديث مخالفة لصريح العقل لينهجوا بها الإسلام ويجعلوها قادحة فيه، مثل حديث عرق الخيل الذي فيه أنه خلق خيلاً فأجراها فعرقت، فخلق نفسه من ذلك العرق (4) ، فإن هذا وأمثاله لا يكذبه--------------------------------------------
(1) انظر مثلاً: نقض التأسيس المخطوط (2/311-312) ، والرد على المنطقيين (ص:37-38) ، ومجموع الفتاوي (18/16) ، ورفع الملام - مجموع الفتاوي (20/257) .
(2) من أجمعها كتاب أخبار الآحاد في الحديث النبوي للشيخ عبد الله بن جبرين، ورسالة: الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام للشيخ ناصر الدين الألباني، وأصل الاعتقاد للدكتور عمر الأشقر، والأدلة والشواهد على وجوب الأخذ بخبر الواحد في الأحكام والعقائد تأليف سليم الهلالي وغيرها.
(3) انظر مثلاً: الواسطية، مجموع الفتاوي (3/138-140) ، وانظر: المناظرة حولها (3/168) .
(4) حديث موضوع كما نبه إليه شيخ الإسلام، وانظر: الموضوعات لابن الجوزي (1/105) ، واللآلئ المصنوعة للسيوطي (1/3) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 751)
من يعتقد صدقه لظهور كذبه، وإنما كذبه من مقصوده إظهار الكذب بين الناس، كما يقولون: إنه وضعه بعض أهل الأهواء ليقول: إن أهل الحديث يروون مثل هذا، ومع هذا فكل أهل الحديث، متفقون على لعنة من وضعه، ومما يشبه هذا حديث الجمل الأورق وأنه ينزل عشية عرفة على جمل أورق، فيصافح المشاة ويعانق الركبان. (1) ." (2) ، فشيخ الإسلام يثبت حديث النزول الصحيح، وله كتاب مشهور في شرحه، أما مثل هذه الأحاديث الموضوعة فإنه يبين حالهم ويحذر الناس منها (3) .
2- يعتبر شيخ الإسلام من أوائل العلماء الذين ألفوا في الرسائل المتعلقة بأحاديث القصاص الموضوعة والضعيفة (4) ، وقد وصلت إلينا رسالة في ذلك ذكر فيها مجموعة من الأحاديث الموضوعة المشتهرة بين الناس في العقائد والعبادات والفضائل وغيرها. كما أنه في كتبه ورسائله كثيراً ما يبين حال بعض الأحاديث التي يتناقلها أهل الكلام والتصوف، ومن أمثلة ذلك:
أ - حديث العقل: " إن الله عزوجل لما خلق العقل قال له أقبل، فأقبل ثم قال له: أدبر، فأدبر، فقال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أشرف منك، فبك آخذ وبك أعطي (5) "،قال شيخ الإسلام" " هذا الحديث كذب--------------------------------------------
(1) هو حديث موضوع، وانظر: الموضوعات لابن الجوزي (1/124) ،وأحاديث مختارة من موضوعات الجوزقاني وابن الجوزي للذهبي (ص:40) ، واللآلئ المصنوعة (1/27/28) ، والفوائد المجموعة (ص:447) ، وتنزيه الشريعة المرفوعة (1/138-139) .
(2) درء التعارض (7/92-93) ، وانظر أيضاً (1/148-149) ، ومناهج السنة (2/422) ، المحققة.
(3) انظر: منهاج السنة (2/508-510) ، المحققة، ودرء التعارض (1/106-108) ،وانظر: ابن تيمية وموقفه من التأويل للجلنيد (ص: 330-333) .
(4) انظر: مقدمة تحقيق أحاديث القصاص (ص:15) .
(5) موضوع كما حكم عليه شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد أورده الغزالي في مواضع من كتبه منها: المعارف العقلية (ص: 28) ، وفيصل التفرقة (ص: 182) ، وميزان العمل (ص: 331) ، وإحياء علوم الدين (1/83) ، وحديث العقل رواه الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة بلفظ لما خلق الله العقل، المعجم الأوسط (2/503) ، ورقمه (1866) ، وأبو نعيم في الحلية (7/318) ، عن عائشة بلفظ أول ما خلق الله العقل، والديلمي في الفردوس رقم (4) (1/46) ، وأسانيده ضعيفة جداً، وانظر: المقاصد الحسنة (ص: 198) ، ت الخشت رقم (233) ، وكشف الخفاء (1/236) ، والمنار المنيف (ص: 66) ، وتسديد القوص لابن حجر، حاشية الفردوس (1/46) ، وانظر: الفوائد الموضوعة لمرعي الكرمي الحنبلي (ص: 88) ، وتخريج أحاديث إحياء علوم الدين (1/231) ، جمع محمود بن الحداد.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 752)
موضوع باتفاق أهل العلم، والذين يروونه ذكروه في فضل عقل الإنسان، وأما ما يظن بعض الناس المراد به العقل الفعال فهذا قول من يقول من المعتزلة والملاحدة الذين يقولون بأن العقل الفعال هو المبدع لهذا العالم، وهذا مما هو مخالف لما اتفقت [عليه الرسل] (1) ، وقد بسط شيخ الإسلام الكلام حول هذا الحديث وتكلم في معناه، ورد على الذين يحتجو به من وجوه عديدة (2) .
ب - وحديث: " إن من العلم كهيئة المكنون لا يعرفه إلا أهل العلم بالله، فإذا ذكريوه لم ينكره إلا أهل الغرة بالله تعالى " (3) ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " وهذا الحديث وإن لم يكن له إسناد صحيح، فقد ذكره شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي، وأبو حامد الغزالي (4) وغيرهما، لكن ذكر شيخ الإسلام عن شيخ الهروي يحيى بن عمار أن من هذا أحاديث الصفات الموافقة لقول أهل الإثبات، وأبو حامد قد يحمل هذا - إذا تفلسف - على ما يوافق أقوال الفلاسفة النفاة " (5) .
فحكم عليه شيخ الإسلام بأن ليس له إسناد صحيح.--------------------------------------------
(1) أحاديث القصاص (ص: 57-58) ، ط الثانية، وانظر أيضاً: جامع الرسائل (1/168) ، والرد على المنطقيين (ص: 196-275) ، والجواب الصحيح (3/118) ، ودرء التعارض (5/224-386) ، ومجموع الفتاوي (18/336-338) .
(2) السبعينية (ص: 5-44) ، والصفدية (1/237-241) .
(3) رواه الديلمي في مسند الفردوس (1/258) ، ورقمه (799) ، قال ابن حجر في تسديد القوس - حاشية الفردوس - " أسنده عن أبي هريرة وهو من أربعين السملى في التصوف، وسنده ضعيف"، وانظر: الترغيب والترهيب (1/111) ، وتخريج أحاديث إحياء علوم الدين (1/102) رقم (83) ، وكنز العمال (10/181) .
(4) انظر: الأحياء (1/21) .
(5) انظر: درء التعارض (5/85-86) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 753)
جـ - ومن ذلك ما يرويه الصوفية عن عمر رضي الله عنه أنه قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تكلم مع أبي بكر كنت بينهما كالزنجي الذي لا يفهم " (1) ، قال شيخ الإسلام، " هذا كذب ظاهر لم ينقله أحد من أهل العلم بالحديث ولا يرويه إلا جاهل أو ملحد " (2) .
وغيرها من الأحاديث (3) .
3- رد شيخ الإسلام على أهل الكلام من الأشاعرة وغيرهم في فهمهم لبعض الأحاديث وما فيها من توجيه وبيان حول الإيمان بالله تعالى، ومن ذلك أحاديث الوسوسة كحديث أبي هريرة رض الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا خلق الله الخلق، فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئاً فليقل آمنت بالله "، وفي لفظ " يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا وكذا؟ حتى يقول له: من خلق ربك، فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته " (4) ، وكحديث أنس بن مالك يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لن يبرح الناس يتساءلون حتى يقولوا: هذا الله خالق كل شيء، فمن خلق الله؟ " (5) ،
فإن الرازي ونحوه ظنوا أن هذه الأحاديث ليس فيها برهان وإنما فيها طلب الاستعاذة بالله تعالى، ومثل لذلك بمثال، وهذا جواب من الرازي لسؤال ورد عليه فقيل له: لمَ لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم عند هذا الوسواس بالبرهان--------------------------------------------
(1) ذكره في تنزيه الشريعة (1/407) ، والأسرار المرفوعة (476) ، والفوائد المجموعة (ص:335) ، ونقلوا عن ابن تيمية أنه موضوع.
(2) أحاديث القصاص (ص:61) ، وانظر أيضاً: درء التعارض (5/27) ، والسبعينية (ص: 56) ، ومجموع الفتاوي (11/77،109، 168، 13/253) .
(3) انظر مثلاً: السبعينية (ص: 62-63) ، حيث رد على رواية لحديث الافتراق وأن فيها " كلهم في الجنة إلا الزنادقة وقد ذكر هذا الحديث الغزالي في فيصل التفرقة (ص: 193) ، وقال فيه شيخ الإسلام إنه كذب موضوع.
(4) رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان، ورقمه (134) وما بعده.
(5) رواه البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من كثرة السؤال ورقمه (1296) ، (فتح الباري 13/265) ، ورواه مسلم في الإيمان باب بيان الوسوسة ورقمه (136) ، لكن بلفظ " قال الله عزوجل إن أمتك لا يزالون يقولون ما كذا وما كذا حتى يقولوا: هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله؟ "..
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 754)
المبين لفساد التسلسل والدور، بل أمر بالاستعاذة؟ وقد رد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: " وهذا خطأ من وجوه، بل النبي صلى الله عليه وسلم أمر بطريقة البرهان حيث يؤمر بها، ودل على مجاميع البراهين التي يرجع إليها غاية نظر النظار، ودل من البراهين على ماهو فوق استنباط النظار، والذي أمر به في دفع هذا الوسواس ليس هو الاستعاذة فقط، بل أمر بالإيمان، وأمر بالاستعاذة، وأمر بالانتهاء، ولا طريق إلى نيل المطلوب من النجاة والسعادة إلا بما أمر به لا طريق غير ذلك، وبيان ذلك من وجوه.. " (1) ، وقدبين في هذه الوجوه كيف أن السنة جاءت بأكمل الحجج وأوضحها.
ومما سبق يتبين كيف كان شيخ الإسلام واثقاً من منهج القرآن والسنة وأن فيهما ما يغني ويكفي، وأن الهداية التامة والسير على الصراط المستقيم والأمن من الانحراف لا يحصل ببراهين الفلاسفة والمتكلمين القاصرة والناقصة وإنما يحصل باتباع الوحي والسير على المنهاج النبوي.--------------------------------------------
(1) درء التعارض (3/308-309) ، وانظر ما بعدها إلى (ص: 318) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 755)
ثالثاً: مذهب السلف أسلم وأعلم وأحكم.
وهذا من الأصول العامة في منهج شيخ الإسلام في رده على الأشاعرة، الذين ابتدعوا أموراً لم تكن عند السلف، بل خالفت مذهبهم وعقيدتهم، فانحرفوا عن المنهج الحق، ووقعوا في كثير من الباطل، والتزموا لوازم كثير من بدع المعتزلة والمتفلسفة، فبين شيخ الإسلام أن مذهب السلف هو الحق والموافق للكتاب والسنة، وأنهم أعرف الناس وأحسنهم فهما للنصوص، وأن كل ما خالف عقيدتهم، أو عارض ما كانوا عليه أو ما فهموه من الكتاب والسنة فهو باطل يجب رده وتحذير أمة الإسلام منه. كما بين أنه إذا كان في الكتاب والسنة ما يغني ويكفي، فالمرجع في تمييز هذه القاعدة المسلمة وتحقيقها هو ما أجمع عليه السلف أو قالوه بياناً وتفسيراً وشرحاً.
ولما كان أهل الكلام - وفيهم الأشاعرة - قد ابتدعوا بعض الأصول والقواعد العقلية المخالفة لمذهب السلف - اضطروا وهم يواجهون معارضة علماء أهل السنة والجماعة إلى أن يبرروا مخالفتهم لمذهب السلف، فجاءت لهم بعض المقالات الغريبة، مثل ما حكاه ابن تيمية عن بعض النفاة أنه قال: " إن طريقة الخلف أعلمن وأحكم، وطريقة السلف أسلم (1) ، لأن طريقة الخلف فيها معرفة النفي، الذي هو عنده الحق، وفيها طلب التأويل لمعاني نصوص الإثبات، فكان في هذه عندهم علم بمعقول، وتأويل لمنقول، ليس في الطريقة التي ظنها السلف، وكان فيه أيضاً رد على من يتمسك بمدلول النصوص، وهذا عنده من إحكام تلك الطريق، ومذهب السلف عنده عدم النظر في فهم النصوص، لتعارض الاحتمالات، وهذا عنده أسلم، لأنه إذا كان اللفظ يحتمل عدة معانٍ، فتفسيره ببعضها دون بعض فيه مخاطرة، وفي الإعراض عن ذلك سلامة من هذه المخاطرة" (2) .
فهذا ظن أن مذهب السلف هو الإيمان المجرد بألفاظ النصوص، دون فهم لمعانيها ومدلولاتها، ولذلك علّق شيخ الإسلام على هذا بقوله: " فلو كان قد--------------------------------------------
(1) انظر: حول هذه المقولة إتحاف السادة المتقين (2/112) .
(2) درء التعارض (5/378) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 756)
بين وتبين لهذا وأمثاله أن طريقة السلف إنما هي إثبات ما دلت عليه النصوص من الصفات، وفهم ما دلت عليه، وتدبره وعقله، وإبطال طريقة النفاة، وبيان مخالفتها لصريح المعقول وصحيح المنقول، علم أن طريقة السلف أعلم وأحكم وأسلم، وأهدى إلى الطريق الأقوم، وأنها تتضمن تصديق الرسول فيما أخبر به، وفهم ذلك ومعرفته، وأن ذلك هو الذي هو الذي يدل عليه صريح المعقول، ولا يناقض ذلك إلا ما هو باطل وكذب، وأن طريقة النفاة المنافية لما أخبر به الرسول طريقة باطلة شرعاً وعقلاً، وأن من جعل طريقة السلف عدم العلم بمعاني الآيات، وعدم إثبات ما تضمنته من الصفات فقد قال غير الحق، إما عمداً، وإما خطأ، كما أن من قال على الرسول أنه لم يبعث بإثبات الصفات، بل بعث بقول النفاة كان مفترياً عليه " (1) ، فشيخ الإسلام يبين أول سبب أدى إلى مثل هذه المقالة وهو جهل هؤلاء بحقيقة مذهب السلف، وأنهم لو عرفوه حق معرفته على الوجه الحق لعلموا أن مذهب السلف أعلم وأحكم وأسلم وأهدى، ولكن لما جهلوا حقيقة مذهبهم ظنوا أن الخلف جاءوا بالحقائق العقلية المقنعة، وأن السلف كان مذهبهم مجرد التسليم.
ثم هناك مسألة أخرى هي أن الصحابة رضي الله عنهم ما عرف عنهم تلك المقدمات العقلية التي يوردها أهل الكلام في كتبهم، وقد حكى شيخ الإسلام عن الجويني أنه علل ذلك بأمور فيها نوع تجهيل للصحابة وإنقاص من منزلتهم في الإيمان والعلم، يقول شيخ الإسلام: " وقد رأيت أبا المعالي في ضمن كلامه يذكر ما ظاهره الاعتذار عن الصحابو، وباطنه جهل بحالهم مستلزم - إذا طرد - الزندقة والنفاق، فإنه أخذ يعتذر عن كون الصحابة لم يمهدوا أصول الدين، ولم يقرروا قواعده، فقال لأنهم كانوا مشغولين بالجهاد والقتال عن ذلك، هذا مما في كلامه " (2) ،
وقد بين شيخ الإسلام الدافع لهؤلاء أن يقولوا مثل هذا الكلام، فيقول: " وهذا إنما قالوه لأن هذه الأصول والقواعد التي يزعمون--------------------------------------------
(1) درء التعارض (5/378-379) .
(2) لم أجد هذا الكلام فيما هو مطبوع من كتب الجويني، ولعله في كتاب الشامل الذي لم يطبع إلا جزء منه، أو في أحد كتبه الأخرى المخطوطة أو المفقودة، وقد سبق عند الحديث عن الجويني وعقيدته ومنهجه نقل نص قريب من هذا. انظر (ص:619) ..
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 757)