Arabic source text

📘 মাওকিফু ইবনি তাইমিয়্যাহ মিনাল আশাইরাহ (আব্দুর রহমান বিন সালিহ আল-মাহমুদ)

📘 موقف ابن تيمية من الأشاعرة (عبد الرحمن بن صالح المحمود)

📘 মাওকিফু ইবনি তাইমিয়্যাহ মিনাল আশাইরাহ (আব্দুর রহমান বিন সালিহ আল-মাহমুদ)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
جـ - أن الله أرسل رسوله بالهدى والبينات ليخرج الناس من الظلمات إلى النور - ودلائل هذا من القرآن كثيرة لا تحصى - وقول هؤلاء مناقض لهذه الحقيقة مناقضة تامة لأنهم يزعمون أن ما جاء به الرسول من إثبات الصفات لله معارض بالعقول فيجب تأويله، وأن النصوص بعد تأويلها تأويلات من عندهم لم يذكرها رسول الله تكون واضحة مفهومة صحيحة المعنى، ونتيجة هذا أن النصوص التي بلغتنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس فيها الهدى والبيان، وهذا محادة لله ولرسوله ومناقضة لدعوة الرسول (1) .
د- " إنّا نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن الرجل لو قال للرسول: هذا القرآن أو الحكمة الذي بلغته إلينا قد تضمن أشياء كثيرة تناقض ما علمنا بعقولنا، ونحن إنما علمنا صدقك بعقولنا، فلو قبلنا جميع ما تقوله - مع أن عقولنا تناقض ذلك لكان ذلك قدحاً فيما علمنا به صدقك، فنحن نعتقد موجب الأقوال المناقضة لما ظهر من كلامك، وكلامك نعرض عنهن لا نتلقى منه هدى ولا علم (2) - لم يكن مثل هذا الرجل مؤمناً بما جاء به الرسول لم يرضَ الرسول منه بهذا " (3) ، ولاشك أن هذا القانون الفاسد متضمن لمثل مقالة هذا الرجل فحكمهما واحد.
هـ - أن معارضة الأنبياء بمثل هذه الأمور هو من فعل الشياطين المعادين للأنبياء، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً} (الأنعام:112) ، وهذا منطبق على هؤلاء الذين ابتدعوا كلاماً محدثاً صدوا به عن كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا قال أحد زعماء الجهمية: " ليس شيء أنقض لقولنا من القرآن، فأقروا به في الظاهر، ثم صرفوه بالتأويل، ويقال: إنه قال: إذا احتجوا عليكم بالحديث فغالطوهم بالتكذيب، وإذا احتجوا بالآيات فغالطوهم بالتأويل" (4) ، فهذا مما يوحي به هؤلاء لغيرهم زخرف القول غروراً.--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (5/211-214) ، وانظر أيضاً (5/357-358) .
(2) كذا ولعل الصواب ولا علما.
(3) درء التعارض (5/214-215) .
(4) المصدر السابق (5/218) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 838)

و - أن الله تعالى ذم أهل الكتاب على ما فعلوه من عدة وجوه:
- كتمانهم ما أنزل الله.
- والكذب فيه.
- وتحريفه.
- وعدم فهمه.
وأهل الكلام مشابهون لهم في هذه الوجوه:
- فهم تارة يعرضون عن كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعارضونهما بآرائهم وأهوائهم فيكتمون الأحاديث المخالفة لأقوالهم.
- وأحياناً يضعون بعض الأحاديث التي توافق بدعهم.
- وهم أيضاً يحرفون النصوص بأنواع التأويلات الفاسدة.
- وهم أيضاً لا يفهمون النصوص لأنهم إما أن يؤولوها إلى معانٍ أخرى، أو يفوضونها فيصيرون مثل أهل الكتاب الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني (1) .
وهذا واضح من التطبيق العملي لأحوال أهل الكلام فهم معرضون عن الكتاب، أما السنة فهم أجهل الناس بها - كما سبق بيانه -.
ز- أن من المقطوع به أن الرسول أوجب على الخلق تصديقه فيما أخبر به ومن لم يكن كذلك لم يكن مؤمناً به، وإذا كان كذلك كانت أقوال هؤلاء التي يعارضون بها أقواله معلومة الفساد بالضرورة (2) .
ح - أن الله ذكر في كتابه أنه ضمن الهدى والفلاح لمن اتبعه، قال تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ} (البقرة:2) ، وقال تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى* وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (5/223-227) .
(2) انظر: المصدر السابق (5/338-339) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 839)

وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى} (طه:123-127) ، والآيات في ذلك كثيرة جداً دالة على أن ما جاء به القرآن فيه الهداية التامة وأن من اتبعه وصدقه فقد اهتدى إلى الصراط المستقيم، ومن أعرض عنه فقد ضل وغوى فكيف بمن قال بنقيض ما جاء به؟
ومعلوم أن " للضلال تشابهاً في شيئين:
أحدهما: الإعراض عما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم.
والثاني: معارضته بما يناقضه " (1) .
وأهل الكلام لهن نصيب وافر من هذين (2) .
سادساً: النتائج الفاسدة التي تنتج عن هذا القانون الذي أتى به هؤلاء، وقد بين شيخ الإسلام أن هذا القانون فتح أبواباً عديدة من الشر، وكانت له آثاره السيئة في الأمة الإسلامية، وهذه الآثار أدت إما إلى ضعف ثقة المسلمين بكتاب ربهم وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم حيث أصبحت عند كثير من أتباع هؤلاء لا يستفاد منها علم يقيني بل هي ظواهر يجب تأويلها أو تفويضها، وإما إلى تسلط أهل الباطل من أهل الفلسفة والباطنية على المسلمين حين سوغوا لأنفسهم تأويل النصوص التي لم يخالف فيها أحد حتى من أهل الكلام؛ احتجاجاً بتأويل أهل الكلام لنصوص أخرى مشابهة لتلك في الدلالة.
أ - فقد بين شيخ الإسلام أن غاية ما ينتهي إليه هؤلاء إما إلى التأويل وإما إلى التفويض، وهذا من أعظم الضلال والقدح في الكتاب والسنة، وقد شرح ذلك شيخ الإسلام (3) .
ب - أن منهج هؤلاء في رد نصوص الصفات وغيرها، هو نفسه الذي سلكه ملاحدة الفلاسفة والباطنية الذين أنكروا ما أخبر الله به من أمور الآخرة--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (5/376) .
(2) انظر: المصدر السابق (5/378-379) .
(3) انظر: المصدر نفسه (1/201-208) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 840)

فأولوها تأويلات أخرى، وكذلك فعلوا فيما يتعلق بأركان العبادات كالصلاة والزكاة والحج والصيام حيث جعلوها للعامة دون الخاصة، أوأولوها تأويلات أخرى كما فعلت الباطنية.
وهذه الاستطالة من هؤلاء الملاحدة على المتكلمين من أخطر الأمور التي كانت من آثار سلوك المتكلمين هذا القانون الفاسد. وقد اهتم شيخ الإسلام بهذه القضية وأطال فيها الكلام (1) ، ولأهمية ذلك في منهج شيخ الإسلام العام في الرد على الأشاعرة فسنفرده إن شاء الله في فقرة مستقلة ضمن هذه الخطوط العامة في منهجه في الرد على الأشاعرة.
ج - ومن الآثار السيئة أن مآل هؤلاء الذين يعارضون كلام الله وكلام رسوله بعقولهم إلى أحد حالين:
1- إن كانوا من ملاحدة الفلاسفة والقرامطة، فمآل كلامهم إلى إبطال الشرائع وذلك بإسقاط الواجبات واستحلال المحرمات.
2- وإما إن كانوا من أهل الكلام فلابد لهم من التأويل الفاسد، وهؤلاء قد أدى بهم هذا إلى التناقض، إما بفهم فاسد حيث ظنوا أنه لابد من تأويل مثل قوله: الحجر الأسود يمين الله في الأرض (2) ، وعبدي جعت فلم تطعمني (3) ، حيث يظنون أن المعنى الفاسد هو الظاهر لهذه النصوص، وهذا فهم فاسد، وإما بتأويلهم لنصوص صريحة واضحة في الصفات أو غيرها فيتأولونها على وجوه أخرى فاسدة، ومعلوم أن نصوص الكتاب والسنة واضحة الدلالة مفهومة المعنى، ولكن هؤلاء بسبب قانونهم الفاسد لم يكن لهم قانون واضح مستقيم يفرقون به بين النصوص التي تحتاج إلى تأويل والنصوص التي لا تحتاج إلى تأويل (4) .--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (5/3-203) .
(2) سبق تخريجه (ص: 563-564) .
(3) رواه مسلم، كتاب البر والصلة، باب فضل عبادة المريض، ورقمه (2569) .
(4) انظر: درء التعارض (5/234-241) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 841)

د - ومن الآثار الفاسدة أن هؤلاء المتكلمين لم يبقَ معهم من الطرق التي يسلكونها إلا طريقان:
- إما طريق النظار وهي الطريق القياسية العقلية.
- وإما طريق الكشف والتصوف.
ومعلوم أن في هذين الطريقين من التناقض والمخالفة للكتاب والسنة ما هو معروف مشهور، ومن المعلوم أن النتيجة التي ينتهي إليها من سلك الطريق الأول: الحيرة والشك كما حدث لكثير من أهل الكلام، ومن سلك الطريق الثاني: انتهى به الأمر إلى الشطح المؤدي إلى الإلحاد (1) .
سابعاً: وهناك أيضاً لوازم فاسدة تلزم من قال بهذا القانون ومن ذلك:
أ - أن قول هؤلاء يؤدي إلى الاعتقاد بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبين للناس أصول دينهم، ولا عرفهم علماً يهتدون به، وإنما بين لهم الأمور العملية فقط كالعبادات والمعاملات وغيرها، فيلزم من هذا أن تكون عقولهم ومشايخهم الذين بينوا لهم أشرف العلوم وهي علوم أصول الدين، أفضل من الأنبياء الذين لم يبينوا إلا الأضعف وهو الأمور العملية، وفعلاً أدى هذا ببعض الملاحدة إلى أن يفضلوا الفيلسوف أو الولي على النبي، " ومن لم يصل إلى هذا الحد من ملاحدة المتكلمين والمتعبدين ونحوهم، فقد شاركهم في الأصل، وهو تفضيل أئمته وشيوخه على الأنبياء، ومن لم يقر منهم بتفضيل أئمته وشيوخه على الأنبياء لزمه ذلك لزوماً لا محيد عنه.. إذا جعل العلم بالله وملائكته وكتبه ورسله والمعاد لا يستفاد من خطاب الأنبياء وكلامهم وبيانهم وطريقهم التي بينوه، وإنما يستفاد من كلام شيوخه وأئمته" (2) .
ب - أنه يلزم -إذا كانوا يعتقدون أنه لا يستفاد من كلام الله ورسوله شيء في بيان أصول الدين - يلزم من هذا أن الأنبياء قد لبسوا على الناس ودلسوا،--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (5/245-246) ، وانظر مثلاً على ذلك من كلام الغزالي (5/346-357) .
(2) انظر: درء التعارض (5/363) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 842)

بل أصلوهم وجهلوهم، أو حيروهم وشككوهم وجعلوهم مذبذبين لا يعرفون الحق من الباطل، " فعند هؤلاء: كلام الأنبياء وخطابهم في أشرف المعارف وأعظم العلوم، يمرض ولا يشفى، ويضل ولا يهدي، ويضر ولا ينفع، ويفسد ولا يصلح، ولا يزكي النفوس ويعلمها الكتاب والحكمة، بل يدسي (1) النفوس ويوقعها في الضلال والشبهة، بل يكون كلام من يسفسط تارة ويبين أخرى، كما يوج في كلام كثير من أهل الكلام والفلسفة كابن الخطيب وابن سينا، وابن عربي، وأمثالهم، خيراً من كلام الله وكلام رسله، فلا يكون خير الكلام كلام الله، ولا أصدق الحديث حديثه.. " (2) ، يقول شيخ الإسلام: " وإنما ذكرنا هذا لأن كثيراً من الجهمية النفاة يقولون: فائدة إنزال هذه النصوص المثبته للصفات، وأمثالها من الأمور الخبرية التي يسمونها هم المشكل والمتشابه، فائدتها عندهم: اجتهاد أهل العلم في صرفها عن مقتضاها بالأدلة المعارضة لها، حتى تنال النفوس كد الاجتهاد، وحتى تنهض إلى التفكير والاستدلال بالأدلة العقلية المعارضة لها، الموصلة إلى الحق، فحقيقة الأمر عندهم أن الرسل خاطبوا الخلق بما لا يبين الحق، ولا يدل على العلم، ولا يفهمن منه الهدى، بل يدل على الباطل، ويفهم منه الضلال " (3) . ثم ضرب لذلك بمثال (4) .
ج - أنه يلزم أيضاً على قولهم أن يكون الرسل تكلموا في غاية الجهل والضلال أو في غاية الإفك والبهتان والإضلال، وذلك لأن هؤلاء يزعمون أن الرسل لما تكلموا في الأمور الإلهية كان كلامهم غير دال على الحق في الأمور الإلهية ولا أفاد علماً فيها: " بل دلالته الظاهرة نقيض الحق والعلم والعرفان مفهمّة لضد التوحيد والتحقيق الذي يرجع إليه ذووا الإيقان " (5) ، وهذا لازم قول هؤلاء. ومن المعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان من أعلم الخلق بربه وبأسمائه وصفاته وملائكته ومعاده.--------------------------------------------
(1) لعل التعبير جاء من قوله تعالى {وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [سورة الشمس] ، وانظر تهذيب اللغة للأزهري 12/280، وتفسير هذه الآية في الطبري وابن كثير وفتح البيان في مقاصد القرآن لصديق حسن خان وغيرها، وانظر حاشية محقق درء التعارض في هذا الموضع، وخلاصة معنى الآية، قد خسر من أخفاها وأخملها ولم يشهرها بالطاعة والعمل الصالح.
(2) درء التعارض (5/364) .
(3) درء التعارض (5/365) .
(4) المصدر نفسه (5/366-368) .
(5) المصدر السابق (5/370) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 843)

وأنه أحرص الناس على تعليم الخلق وبيان الحق لهم وأدلة ذلك كثيرة جداً (1) .
فهذه لوازم فاسدة وخطيرة تلزم على قول هؤلاء الذين جاءوا بهذا القانون الفاسد يقدمون فيه عقولهم على الكتاب والسنة.
ثامناً: أن حقيقة قول هؤلاء - الذين يعارضون النقل والعقل - " أن لا يحتج بالقرآن والحديث على شيء من المسائل العلمية، بل ولايستفاد التصديق بشيء من أخبار الله ورسوله، فإنه إذا جاز أن يكون فيما أخبر الله به ورسوله في الكتاب والسنة أخبار يعارضها صريح العقل، ويجب تقديمه عليها من غير بيان من الله ورسوله للحق الذي يطابق مدلول العقل، ولا لمعاني تلك الأخبار المناقضة لصريح العقل (2) ، لزم أن لا يستفاد من نصوص الوحي شيء.
ومعلوم أن العقول مختلفة ومتفاوتة، وأهل الطوائف كلٌ يدعي أن معقوله يعارض النصوص أو طائفة منها، فإذا كانت الطوائف متباينة في أقوالها ومذاهبها، فقد عورضت النصوص بمعقولات متباينة مختلفة، والنتيجة أن نصوص الوحي أصبحت لا حرمة لهان بل ولا حجة فيهان بل من جوز على خبر الله وخبر رسوله أن يناقضه المعقول لم يمكنه أن يصدق بشيء من أخبار الوحي عن الأمور الغائبة، وهذا إبطال للوحي وللرسالات.
وأهل الإيمان يعلمون أن خبر الله ورسوله حق وصدق " موافق لما الأمر عليه في نفسه، لا يجوز أن يكون شيء من أخباره باطلاً ولا مخالفاً لما هو الأمر عليه في نفسه، ويعلمن من حيث الجملة أن كل ما عارض شيئاً من أخباره وناقضه فإنه باطل من جنس حجج السوفسطائية، وإن كان العالمن بذلك قد لا يعلم وجه بطلان تلك الحجج المعارضة لأخباره، وهذه حال المؤمنين للرسول، الذين علموا أنه رسول الله الصادق فيما يخبر به، يعلمون من حيث الجملة أن ما ناقض خبره فهو باطل، وأنه لا يجوز أن يعارض خبره دليل صحيح، لا عقلي ولا سمعي " (3) . وقد شرح شيخ الإسلام هذا في موضع آخر (4) ، وذكر أن حذاق المتكلمين التزموا القول بهذه النتيجة الباطلة، ومنهم الرازي الذي قال بعد--------------------------------------------
(1) درء التعارض (5/371-374) .
(2) درء التعارض (5/242) .
(3) انظر: المصدر السابق (5/255) .
(4) انظر: المصدر نفسه (5/320) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 844)

أن ذكر في التمسك بالسمعيات أن المطالب ثلاثة أقسام: منها ما يستحيل حصول العلم بها بواسطة السمع، ومنها ما يستحيل العلم بها إلا بالسمع، ومنها ما يصح العلم بها من السمع تارة ومن العقل أخرى "،وبعد أن شرح الرازي ذلك قال: " إذا عرفت ذلك فنقول: أما أن الأدلة السمعية لا يجوز استعمالها في الأصول في القسم الأول فهو ظاهر..
وأما القسم الثالث ففي جواز استعمال الأدلة السمعية فيه إشكال: وذلك لأننا لو قدرنا قيام الدليل القاطع العقلي على خلاف ما أشعر به ظاهر الدليل السمعي، فلا خلاف بين أهل التحقيق بأنه يجب تأويل الدليل السمعي، لأنه إذا لم يمكن الجمع بين ظاهر النقل وبين مقتضى الدليل العقلي، فإما نكذب العقل، وإما نؤول النقل، فإن كذبنا العقل، مع أن النقل لا يمكن إثباته إلا بالعقل، فإن الطريق إلى إثبات الصانع ومعرفة النبوة ليس إلا العقل، فحينئذٍ تكون صحة النقل متفرعة على ما يجوز فساده وبطلانه، فإذن لا يكون النقل مقطوع الصحة، وما أدى ثبوته إلى انتفائه كان باطلاً، فتعين تأويل النقل " (1) .
- وهذا هو مضمون القانون الذي سبق نقله عن الرازي في أساس التقديس، والكلام الخطير قول الرازي بعد هذا مباشرة: " فإذن الدليل السمعي لا يفيد اليقين بوحود مدلوله إلا بشرط أن لا يوجد دليل عقلي على خلاف ظاهره، فحينئذٍ لا يكون الدليل النقلي مفيداً للمطلوب إلا إذا بينا أنه ليس في العقل ما يقتضي خلاف ظاهره، ولا طريق لنا إلى إثبات ذلك الأمر إلا من وجهين: إما أن نقيم دلالة عقلية على صحة ما أشعر به ظاهر الدليل النقلي - وحينئذٍ يصير الاستدلال بالنقل فضلاً غير محتاج إليه - وإما أن نزيف أدلة المنكرين لما دل عليه ظاهر النقل، وذلك ضعيف لما بينا من أنه لا يلزم من فساد ما ذكروه أن لا يكون هناك معارض أصلاً، اللهم إلا أن نقول: إنه لا دليل على هذه المعارضات فوجب نفيه، ولكنا زيفنا هذه الطريقة، أو نقيم دلالة قاطعة على أن المقدمة الفلانية غير معارضة لهذا النص، ولا المقدمة الفلانية الأخرى، وحينئذٍ يحتاج إلى إقامة الدلالة على أن كل واحدة من هذه المقدمات التي لا نهاية--------------------------------------------
(1) نهاية العقول - مخطوط - (14 -أ-ب) ، ونقله شيخ الإسلام في درء التعارض (5/330-331) ..

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 845)

لها غير معارضة لهذا الظاهر " - يقول الرازي -: " فثبت أنه لا يمكن حصول اليقين بعدم ما يقتضي خلاف الدليل النقلي، وثبت أن الدليل النقلي يتوقف إفادته اليقين على ذلك، فإذا الدليل النقلي تتوقف إفادته على مقدمة غير يقينية وهي عدم دليل عقلي، فوجب تأويل ذلك النقل.."، ثم قال: " فخرج مما ذكرناه أن الدلالة النقلية لا يجوز التمسك بها في المسائل العلمية.." (1) .
قال شيخ الإسلام معلقاً على كلام الرازي هذا " قلت فليتدبر المؤمن العاقل هذا الكلام، مع أنه قد ينزل فيه درجة، ولم يجعل عدم إفادته اليقين إلا لتجويز المعارض العقلي، وإلا فهو وغيره في موضع آخر -ينفون أن يكون الدليل السمعي مفيداً لليقين لكون موقوفاً على مقدمات ظنية كنقل اللغة والنحو التصريف، وعدم المجاز، والاشتراك، والنقل والإضمار، والتخصيص وعدم المعارض السمعي أيضاً مع العقلي (2) ، وبهذا دفع الآمدي (3) ، وغيره الاستدلال بالأدللة السمعية في هذا الباب.. والمقصود هنا أن نبين اعترافهم بما ألزمناهم به، وإذا كان كذلك فيقال: نحن نعلم بالاضطرار من دين الرسول أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أخبر أمته بما أخبرهم به من الغيب من أسماء الله وصفاته وغير ذلك، فإنه لم يرد منهم ألا يقروا بثبوت شيء مما أخبر به إلا بدليل منفصل غير خبره، فإذا كان القول مستلزماً لكون الرسول أراد أن لا يثبت شيء بمجرد خبره، وهذا مما يعلم بالاضطرار أنه كذب على الرسول، علم أن هذا القول معلوم الفساد بالاضطرار من دين الإسلام " (4) .
بقي إن يقال أن الرازي لما قسم المطالب إلى ثلاثة أقسام، جعل منها قسماً لا يعلم إلا بالسمع وهو ما ترجع فيه أحد طرفي الممكن على الآخر (5) ، فهل يتمشى هذا مع ما قاله سابقاً عن الظواهر النقلية أنها مظنونة وأنها لا تفيد اليقين؟--------------------------------------------
(1) نهاية العقول (14 - ب) ونقله في درء التعارض (331-333) .
(2) انظر: أساس التقديس للرازي (ص: 182) .
(3) انظر: أبكار الأفكار (41-ب) .
(4) انظر: درء التعارض (5/335-336) .
(5) انظر: نهاية العقول (14- أ) ، ودرء التعارض (5/329) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 846)

الحق أن هذا تناقض، يقول شيخ الإسلام: " ومعلوم أن ما ذكروه ينفي أن يكون الدليل السمعي حجة في هذا القسم أيضاً، وذلك لأن الشيء الذي يمكن وجوده وعدمه، إذا دل الدليل السمعي على أحد طرفيه، وجوزنا أن لا يكون مدلول الدليل السمعي ثابتاً، أمكن هنا أيضاً أن لا يكون ذلك المخبر به ثابتاً في نفس الأمر، وأن يكون الشارح لم يرد ما دل عليه قوله، ولا يحتاج ذلك إلى تجويز قيام دليل عقلي يعارض ذلك.. وحينئذٍ فلا يستدل بالسمع على مالا مجال للعقل فيه من الأمور الأخروية، وهذا نهاية الإلحاد " (1) .
ومن خلال ما سبق يتبين كيف أن هذا القانون مؤداه إبطال السمع والاقتصار على أدلة العقول، وهذا منتهى قانونهم الفاسد.
تاسعاً: أن المسائل التي يقولون -إنه تعارض فيها العقل والسمع - هي من المسائل المشتبهة، ولذلك فإن أهل الكلام حيالها مختلفون لأن كل طائفة منهم بنت أقوالهم في هذه الأمور المجملة المشتبهة على ما عندها من المعقولات التي تدعي أنها قطعية تفصل في الأمر المراد.
وبيان ذلك كما يلي:
أ - أن عامة موارد التعارض " هي من الأمور الخفية المشتبهة التي يحار فيها كثير من العقلاء، كمسائل أسماء الله وصفاته وأفعاله، وما بعد الموت من الثواب والعقاب والجنة والنار والعرش والكرسي، وعامة ذلك من أنباء الغيب التي تقصر عقول أكثر العقلاء عن تحقيق معرفتها بمجرد رأيهم، ولهذا كان عامة الخائضين فيها بمجرد رأيهم:
- إما متنازعين مختلفين.
- وإما حيارى متهوكين.--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (5/388) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 847)

وغالبهم يرى أن إمامة أحذق في ذلك منه، ولهذا تجدهم عند التحقيق مقلدين لأئمتهم فيما يقولون إنه من العقليات المعلومة بصريح العقل" (1) ، ويستشهد شيخ الإسلام لذلك بنماذج تبين أن هؤلاء يعتقدون أن أئمتهم أعلم وأحذق، ولذا فهم يحيلون عليهم في الأمور التي لا يفهمونها، وربما يرون أن عقولهم تعارضها لكنه يهاب مخالفة إمامه، يقول شيخ الإسلام: " تجد أتباع أرسطو ليس يتبعونه فيما ذكره من المنطقيات والطبيعيات والإليهات، مع أن كثيراً منهم قد يرى بعقله نقيض ما قاله أرسطو، وتجده لحسن ظنه به يتوقف في مخالفته، أو ينسب النقص في الفهم إلى نفسه. ز"، ثم يقول شيخ الإسلام: " بل هذا موجود في أتباع أئمة الفقهاء وأئمة شيوخ العبادة، كأصحاب أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد وغيرهم، تجد أحدهم دائماً يجد في كلامهم ما يراه هو باطلاً، وهو يتوقف في رد ذلك، لاعتقاده أن إمامه أكمل منه عقلاً وعلماً وديناً، هذا مع علم كل من هؤلاء أن متبوعه ليس بمعصوم، وأن الخطأ جائز عليه؟ " (2) .
والعجيب أن هؤلاء المقلدين لأئمتهم لا يقول أحدهم أبداً: إذا تعارض قولي مع قول إمامي قدمت قولي على قوله، فكيف يقول: إذا تعارض عقلي أو عقل فلان مع الكتاب والسنة وجب تقديم العقل عليه؟
ب - أن كل طائفة تدعي أن ما عندها معلوم بالأدلة العقلية القطعية ومن نظر في أقوال وأدلة الفلاسفة، والجهمية، والمعتزلة، والرافضة، وغيرهم فسيجد أن كل طائفة من هؤلاء تدعي أن قولها ومذهبها قائم على الأدلة العقلية أو السمعية الصحيحة، وأن من خالفها من سائر الطوائف متناقضون مخالفون لصريح العقل أو السمع، بل الأمر أشد من ذلك فإن الطائفة الواحدة يقع بين أئمتها وأصحابها من الاختلاف والتباين ما هو معلوم مشهور وكل واحد من هؤلاء يدعي أن ما عنده قائم على الأدلة الصحيحة، وكل ما كانت الطائفة أبعد عن السلف كان اختلاف أقوالها أكثر.--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (1/151) .
(2) انظر: المصدر السابق (1/151-155) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 848)

فمثلاً إذا نظرت إلى مسألة الصفات أو الرؤية، أو خلق أفعال العباد فستجد طائفة تقول: إن إثبات هذه الأمور معلوم بالأدلة العقلية القطعية، وتقابلها طائفة أخرى تقول: إن نفي هذه الأمور معلوم العقلية والقطعية، وهكذا بقية المسائل، وكل من الطائفتين فيهم من الذكاء والمعرفة ما هم متميزون به عن بقية الناس (1) ، فما هو المعقول الذي يرجع إليه ويحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه؟
ولقد كان من نتائج هذا القانون - مع تباين عقول الناس - أن انتهى الأمر بكثير من أهل الكلام إلى الشك والحيرة، كما حصل للجويني، والشهرستاني والرازي وغيرهم (2) - وسيرد تفصيل ذلك إن شاء الله - يقول شيخ الإسلام معقباً: " فإذا كان فحول النظر وأساطين الفلسفة الذين بلغوا في الذكاء والنظر إلى الغاية، وهم ليلهم ونهارهم يكدحون في معرفة هذه العقليات، ثم لم يصلوا فيها إلى معقول صريح يناقض الكتاب، بل إما إلى حيرة وارتياب، وإما إلى اختلاف بين الأحزاب، فكيف غير هؤلاء ممن لم يبلغ مبلغهم في الذهن والذكاء ومعرفة ما سلكوه من العقليات.
فهذا وأمثاله مما يبين أن من أعرض عن الكتاب وعارضه بما يناقضه لم يعارضه إلا بما هو جهل بسيط أو جهل مركب.." (3) ، ويفسر أهل الجهل البسيط بأنهم أهل الشك والحيرة، وأهل الجهل المركب بأنهم أرباب الاعتقادات الفاسدة (4) .
ج - أن دلالة السمع متفق عليها:
- أما عند أهل السنة والجماعة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان فهو أمر واضح متواتر.--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (1/156) .
(2) انظر: المصدر السابق (1/166) .
(3) انظر: المصدر نفسه (1/169) .
(4) انظر: المصدر نفسه (1/170) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 849)

- وأما عند أهل الكلام فإن هؤلاء لم يتنازعوا في أن السمع من الأدلة، وإنما اختلفوا هل عارضه العقل أم لا؟ وإلا فكلهم متفقون على أن الكتاب والسنة مثبتان للأسماء والصفات، والمعاد. وغيرها.
أما أدلة العقول - التي جاء بها هؤلاء يعارضون بها السمع - فهي أدلة مختلف فيها، غير متفق عليها، والدليل على ذلك ما سبق من أن كل طائفة تقول، إن أدلة خصومها باطلة.
وإذا كانت دلالة السمع متفقاً عليها، ودلالة العقول مختلفاً فيها فإنه يمتنع أن يقدم ما هو مختلف فيه على ما هو متفق عليه (1) .
د - أن ما جاء به هؤلاء مبني على الألفاظ المجملة، ولذلك فهو من البدع المحرمة في الدين " والبدعة لو كانت باطلة محضاً لظهرت وبانت، وما قبلت، ولو كانت حقاً محضاً، لاشوب فيه، لكانت موافقة للسنة، فإن السنة لا تناقض حقاً محضاً لا باطل فيه، ولكن البدعة تشتمل على حق وباطل " (2) ، ثم استشهد شيخ الإسلام بقوله تعالى لبني إسرائيل: {يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ* وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ* وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (البقرة: 40-42) ، وبين شبه المتكلمين بهؤلاء (3) ، وقد ضرب شيخ الإسلام للألفاظ المجملة التي لبسوا بها بين الحق والباطل، بعدة أمثلة منها:
1- لفظ " التوحيد " وكيف قصدوا به نفي الصفات عن الله (4) .
2- لفظ الجسم والتركيب، حيث نفوا لأجلهما الصفات (5) .--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (1/192-194) .
(2) انظر: المصدر السابق (1/209) .
(3) انظر: المصدر نفسه (1/209-211،219-220) .
(4) انظر: المصدر نفسه (1/224) .
(5) انظر: المصدر نفسه (1/238) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 850)

3- الرؤية (1) .
4- الجهة (2) .
5- الجبر (3) .
6- ومسألة اللفظ بالقرآن (4) .
وقد بين كيف وقع اللبس بهذه الألفاظ، وموقف أهل السنة من الأقوال المبتدعة التي لبس أصحابها بها بين الحق والباطل (5) .
عاشراً: بيان فساد العقليات التي يدعون أنها معارضة للأدلة الشرعية:
في الوجوه السابقة ناقش شيخ الإسلام هذا القانون الفاسد بطرق متعددة تبين تناقضهم، ومخالفتهم للكتاب والسنة، وتكشف ما في قانونهم من المحادة لله ولرسوله، وما لزم عليه من اللوازم الباطلة، وما انتهى إليه من النهايات الفاسدة.. الخ أما في هذا الوجه فقد انتقل فيه شيخ الإسلامن إلى مجال آخر وطريقة أخرى في نقض قولهم وبيان ما فيه من الباطل.
وقد سبق في المقدمات - قبل ذكر هذه الردود التي فيها التفصيل في مسألة تعارض العقل والنقل - نقل بعض النصوص لشيخ الإسلام تبين منهجه في ذلك، ونزيد هنا نصاً آخر يوضح المراد. يقول: رحمه الله:
" إن الكلام هنا أربعة أنواع:
أحدهما: أن نبين أن ما جاء به الكتابم والسنة فيه الهدى والبيان.
والثاني: أن نبين أن ما يقدر من الاحتمالات فهي باطلة، قد دل الدليل الذي به يعرف مراد المتكلم على أنه لم يردها.--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (1/250) .
(2) انظر: المصدر السابق (1/253) .
(3) المصدر نفسه (1/254) .
(4) انظر: المصدر نفسه (256-269) .
(5) انظر: المصدر نفسه (1/271) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 851)

والثالث: أن نبين أن ما يدعي أنه معارض لها من العقل فهو باطل.
والرابع: أن نبين أن العقل موافق لها معاضد، لا مناقض لها معارض" (1) .
أما الأول: فقد سبق في المقدمات بيان أن شيخ الإسلام أحال على كتابين من كتبه، كما أنه بين ذلك في ثنايا ردوده ومناقشاته في هذا الكتاب.
وأما الثاني: فتدخل فيه الوجوه السابقة، ومن ذلك بحوثه المتعددة حول الألفاظ المجملة.
وأما الثالث: فتفصيل القول فيه في هذا الوجه - وسيأتي بيانه بعد قليل -.
وأما الرابع: فسيأتي في الوجه الذي يلي هذا الوجه.
فإذا كان من الخطوط العامة لمنهج شيخ الإسلام هنا أن يبين بطلان هذه المعقولات التي صدوا بها عن الكتاب والسنة.
وهنا لا بد من وقفة قصيرة لأن شيخ الإسلام خاض في المناقشات العقلية والفلسفية والكلامية، ونقل أقوال الفلاسفة والمتكلمين، وأطال في النقول، وعلّق عليها وناقشها، حتى أن القارئ لكتابه هذا يمل من كثرة نقوله ومناقشاته، واستطراداته، وقد يتوقف عن الاستمرار في القراءة لهذا السبب، ويعتب على شيخ الإسلام بعض محبيه، ظناً منهم أنه خاض في علم الكلام والفلاسفة كما خاض أولئك لكن الفارق بينه وبينهم أنه لم يتلبس بشيء من أقوالهم الفاسدة، وأن نيته في ذلك كانت حسنة، وهذا - مع ما فيه من الاعتذار لشيخ الإسلام - إلا أنه مجانب لكامل الحقيقة لأمور:
الأول: أن شيخ الإسلام أجاب عن ذلك من خلال مناقشاته، ومن خلال أسئلة بعض محبيه كالحافظ البزار، وقد سبق ذكر عدة وجوه في ذلك عند الكلام على منهجه (2) .--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (1/279) .
(2) انظر: ما سبق في الباب الأول (ص: 226-231) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 852)

والثاني: أن شيخ الإسلام لم يخص فيها خوض الذين يظنون أن فيها فائدة، فضلاً عن أن يكون من المعجبين بها، فهو رحمه الله - لم تتغير قناعته لحظة واحدة في أن الكتاب والسنة فيهما ما يغني كل الغنى عن أقوال وترهات الفلاسفة والمتكلمين (1) ، ولذلك فإنه وهو يخوض غمار هذه المناقشات لبيان ما فيها من الباطل لا ينفك عن الإشارة إلى ما في القرآن والحديث من البيان والهدى التام.
الثالث: أن هذه الأقوال التي ينقلها ويناقشها لم تبقِ في دائرة ضيقة ككتب الفلاسفة وما شابهها حتى يقال: إن جماهير المسلمين ينكرون هذه الكتب وتأثرهم بها ضعيف، وإنما انتشرت وتناقلها وتبناها عدد كبير من أعيان الفقهاء الذين هم قدوة لكثير من الناس في الفقه وأصوله، والعقيدة والتفسير وغير ذلك من أنواع العلوم التي برزوا فيها، لذلك فكتبهم وأقوالهم وتحقيقاتهم معتمدة عند هؤلاء الأتباع الذين لا يفرقون في الاقتداء بشيوخهم بين أصول الدين وفروعه، ولذلك صار الضلال الناتج عن هذا كبيراً جداً، فرأى شيخ الإسلام أنه لا يمكن رد هذا الباطل وإقناع هؤلاء الأتباع إلا ببيان فساد أقوال شيوخهم وتهافتها، فنقل أقوال هؤلاء، كما نقل أقوال شيوخهم من أهل الاعتزال والفلسفة، وبين ما فيها من الضلال والانحراف.
وقد كان بيان شيخ الإسلام لفساد العقليات التي يزعمون أنها معارضة للشرع من خلال ثلاثة أوجه في كتابه هي: الوجه الثاني عشر (2) - وهو مختصر جداً - والثامن عشر (3) والتاسع عشر الذي أطال فيه بحيث شمل بقية المجلد الأول (4) ، والمجلد الثاني والثالث والرابع بكاملها.
وقد كانت مناقشته لذلك كما يلي:
أ - ذكر شيخ الإسلام أن الشبه التي يعارضون بها نصوص الشرع في الأسماء والصفات أهمها شبهتان:--------------------------------------------
(1) سبق شرح هذا ضمن هذا الفصل.
(2) درء التعارض (1/194) .
(3) المصدر السابق (1/280-320) .
(4) المصدر نفسه (1/320) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 853)

إحداهما: شبهة التركيب والتجسيم، وأنه يلزم من إثبات الصفات لله أو العلو التركيب أو أن يكون الله جسماً، وإذا كان كذلك كان مشاركاً لغيره في الوجود، وهذا ينافي ما يجب لله من التوحيد، قالوا والمركب مفتقر إلى جزئه، وهذه الشبهة في الأصل هي حجة الفلاسفة والجهمية الذين نفوا جميع الصفات والأفعال عن الله تعالى.
والشبهة الثانية: حجة الأعراض، حيث استدلوا بحدوث الأجسام على حدوث العالم، وعلى حدوث الأجسام بملازمتها للأعراض، وهذه في الأصل حجة المعتزلة، ولأجلها نفوا جميع الصفات عن الله، مع ملاحظة أن هؤلاء قد يحتجون بالحجة الأولى التي هي شبهة التركيب والتجسيم (1) .
وقد تلفق الأشاعرة هاتين الحجتين الداحضتين وبنوا عليهما ما نفوا من العلو والصفات.
ب - ثم بين شيخ الإسلام بطلان هاتين الشبهتين:
أما شبهة التركيب والتجسيم: فقد بين فيها تناقض الفلاسفة والمتكلمين، كما بين ما في مثل هذه الألفاظ من الاشتباه (2) ، وقال: " إن إثبات المعاني القائمة التي توصف بها الذات لا بد منه لكل عاقل، وإنه لا خروج عن ذلك إلا بجحد وجود الموجودات مطلقاً، وأما من يجعل وجود العلم هو وجود القدرة، ووجود القدرة هو وجود الإرادة، فقود هذه المقالة يستلزم أن يكون وجود كل شيء هو عين وجود الخالق تعالى، وهذا منتهى الإلحاد، وهو مما يعلم بالحس والعقل والشرع أنه في غاية الفساد، ولا مخلص من هذا إلا بإثبات الصفات، مع نفي مماثلة المخلوقات، وهو دين الذين آمنوا وعملوا الصالحات" (3) .
ثم رد على زعمهم أن نفي الصفات توحيد، وناقشهم في ذلك، وبين--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (1/301-302) .
(2) انظر: المصدر السابق (1/280-283) .
(3) انظر: المصدر نفسه (1/283) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 854)

أن مآل أقوالهم إلى أقوال المتصوفة أصحاب وحدة الوجود (1) .
وأما شبهة دليل الأعراض وحدوث الأجسام: فقد ناقشها طويلاً- وسيأتي إن شاء الله تعالى توضيح ردوده على هذه الشبهة - ولكن الذي يناسب المقام هنا الإشارة إلى الأمور التالية:
1- رد على هذه الشبهة بصورة مجملة، وبين أن السلف والصحابة لم يتوقف إيمانهم على هذا الطريق (2) .
2- لما كان الهدف الأساسي من هذا الدليل عندهم أن يثبتوا به حدوث العالم ليردوا على الفلاسفة القائلين بقدم العالم، ذكر شيخ الإسلام أن هؤلاء الملاحدة أوردوا على المتكلمين سؤالهم المشهور حول حدوث العالم، وأنهم ألزموهم بأحد أمرين:
- إما القول بالترجيح بلا مرجح تام.
- أو القول بالتسلسل والدور (3) .
وهما ممتنعان عند المتكلمين، وقد استقصى شيخ الإسلام أجوبة المتكلمين كما ذكرها الرازي، الذي ذكر أجوبة الناس عليها، ثم بين فسادها وعدل إلى الإلزام للفلاسفة وهو أن لا يحدث - على قولهم - في العالم حادث، والحس يكذبه، وقد أجابه الفلاسفة بأن هذا لا يصح إذا كان التسلسل باطلاً، أما إذا كان صحيحاً فنحن نقول به (4) .
3- تخبط المتكلمون في الجواب عن شبهة الفلاسفة، وناقشوها مناقشات--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (1/283-291) ، وحول شبهة التجسيم، انظر أيضاً: (4/134-290) ، وقد بين أن فحول النظار والفلاسفة بينوا فساد طرق من نفى الصفات أو العلو بناء على نفي التجسيم، انظر: (4/282) .
(2) انظر: درء التعارض (1/308-320) .
(3) انظر: شرح ذلك في درء التعارض (1/320-322) .
(4) انظر: المصدر السابق (1/322-323) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 855)

ضعيفة (1) ، يقول شيخ الإسلام - بعد أن عرضها - " قلت: المقصود هنا أن يعرف نهاية ما ذكره هؤلاء في جواب الدهرية عن المعضلة الزباء، والداهية الدهياء، ولا يخفى على العاقل الفاضل ما في هذه الأجوبة " (2) ، ثم ذكر أنه يمكن الرد على هؤلاء الفلاسفة من وجوه كثيرة، وأن كل طائفة من طوائف المسلمين تتمكن من قطعهم بجواب مركب من قولهم وقول طائفة أخرى من المسلمين، وذكر مثالاً للأجوبة التي يجاب بها هؤلاء الفلاسفة وينقض بها باطلهم (3) ، وبين في أثناء ذلك أن " كل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن أعطى الإسلام حقه، ولا وفي بموجب العلم والإيمان، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور وطمأنينة النفوس، ولا أفاد كلامه اليقين " (4) ، ويقصد شيخ الإسلام أجوبة المتكلمين الضعيفة.
4- بين شيخ الإسلام بشكل قاطع أن الرد على الفلاسفة إنما يتم على قول أهل السنة والجواعة الذين يثبتون لله الصفات ويثبتون له الأفعال، وأنه تبارك وتعالى متصف بالصفات الاختيارية التي نفاها الأشاعرة ومن قبلهم من المعتزلة وغيرهم، يقول شيخ الإسلام بعد ردوده ومناقشاته على الفلاسفة وإبطال حججهم: " وإذا تدبر العاقل الفاضل تبين له أن إثبات الصانع وإحداثه للمحدثات لا يمكن إلا بإثبات صفاته وأفعاله، ولا تنقطع الدهرية من الفلاسفة وغيرهم قطعاً تاماً عقلاً لا حيلة لهم فيه، إلا على طريقة السلف أهل الإثبات للأسماء والأفعال والصفات، وأما من نفى الأفعال أونفى الصفات فإن الفلاسفة الدهرية تأخذ بخناقه، ويبقى حائراً شاكاً، مرتاباً مذبذباً بين أهل الملل المؤمنين بالله ورسوله وبين هؤلاء الملاحدة كما قال تعالى في المنافقين: {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ} (النساء:143) (5) .--------------------------------------------
(1) انظرها في درء التعارض (1/320-350) .
(2) انظر: درء التعارض (1/350) .
(3) انظر: المصدر السابق (1/351) وما بعدها.
(4) انظر: المصدر نفسه (1/357) .
(5) انظر: المصدر نفسه (1/375) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 856)

5- ولما كان نقض أقوال الفلاسفة إنما يستقيم على مذهب أهل السنة والجماعة الذين يثبتون لله الصفات الاختيارية، أو ما يسمى بحلول الحوادث (1) ، لا على مذهب نفاتها، ذكر شيخ الإسلام أدلة السمع على أفعال الله وصفاته الاختيارية، ونقل الخلاف في هذه المسألة (2) ، ثم نقل أقوال علماء الإسلام في إثباتها (3) . ثم ذكر ذلك مفصلة من الكتاب والسنة (4) . والعقل (5) .
وقد أعقب الأدلة السمعية بذكر أدلة النفاة للصفات الاختيارية، وناقشها (6) . كما ربطها بمسألة كلام الله (7) .
وبهذا يتبين الرد على الفلاسفة في قولهم: إن الترجيح بلا مرجح ممتنع، وإن هذه إنما ترد على نفاة صفات الأفعال الاختيارية لله تعالى، أما على مذهب أهل السنة المثبتين لها فلا ترد.
6- أما شبهة التسلسل، فقد بين بطلان قول الفلاسفة فيها على كل تقدير (8) ، لكنه فرق بين نوعين من التسلسل:
أحدهما: التسلسل في الفاعلين، فهذا ممتنع بلا ريب لأن المخلوقات لو فرض التسلسل فيها لابد أن تنتهي إلى الخالق الواحد.
والثاني: التسلسل في الآثار، فهذا يفرق فيه بين النوع والعين، فالعين التسلسل فيه ممتنع، أما النوع فلا مانع منه وهو قول أهل السنة والحديث الذين يقولون: إن الله لم يزل فاعلاً وإنه يتكلم إذا شاء.--------------------------------------------
(1) ذكر شيخ الإسلام في درء التعارض (2/239) ، أن أهل السنة لا يطلقون عبارة: حلول الحوادث، ومعلوم أن المتكلمين يقصدون بها الصفات الاختيارية.
(2) انظر: درء التعارض (2/18-20) .
(3) انظر: درء التعارض (2/20-115) .
(4) انظر: المصدر السابق (2/115-147) .
(5) انظر: المصدر نفسه (2/220) ، وما بعدها.
(6) انظر: المصدر نفسه (2/156) ، وما بعدها (2/342) ، وما بعدها (4/3) ، وما بعدها.
(7) انظر: المصدر نفسه (2/244) .
(8) انظر: المصدر نفسه (1/339) ، وما بعدها (2/282-288) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 857)