وقد ناقش شيخ الإسلام حجة الفلاسفة في مسألة التسلسل وبين ضعف المتكلمين في جوابها، وذكر حججهم - ممثلة في أقوال الرازي - وناقشها بالتفصيل (1) ، ثم عاد شيخ الإسلام يناقش مسألة حلول الحوادث كما سبق (2) .
وفي النهاية ذكر شيخ الإسلام الخلاصة، وكيف اضطرب المتكلمون في هذه المسائل مع أنهم جعلوها من الأصول التي تقدم على الشرع قال شيخ الإسلام: " وسبب ذلك أنهم يقولون أقوالاً تستلزم الجمع بين النقيضين تارة، ورفع النقيضين تارة، بل تستلزم كليهما، والأصل العظيم الذي هو من أعظم أصول العلم والدين لا يذكرون فيه إلا أقوالاً ضعيفة، والقوال الصواب الموافق للميزان والكتاب لا يعرفونه" (3) ، وذكر من الأمثلة على ذلك مما سبق:
أ - مسألة حدوث العالم، فإنهم لا يذكرون إلا قولين:
- قول من يقول بقدم الأفلاك، وهم الفلاسفة الدهرية.
- وقول من يقول: بل تراخي المفعول عن المؤثر التام، وأنه يمتنع أن يكون الله لم يزل متكلماً إذا شاء ويفعل إذا شاء.
- والقول الصواب الذي هو قول السلف والأئمة لا يعرفونه، وهو القول بأن الأثر يتعقب التأثير التام، فهو سبحانه إذا كوّن شيئاً كان، وهذا هو المعقول كما يكون الطلاق والانكسار عقب التطليق والكسر.
ب - وفي كونه موجباً بذاته فاعلاً بمشيئته وقدرته يذكرون قولين:
- قول الفلاسفة: هو موجب بذاته في الأزل، وأن علّته تامة في الأزل فيجب أن يستلزم معلوله، فتكون مخلوقاته أزلية معه. وهذا باطل.
- وقول من يقول: إنه فاعل مختار، لكنه يفعل بوصف الجواز فيرجح أحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح، إما بمجرد كونه قادراً، أو لمجرد كونه قادراً--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (2/344-399، 3/3-389) .
(2) انظر: المصدر السابق (4/3) ، وما بعدها.
(3) انظر: المصدر نفسه (4/290) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 858)
عالماً، أو لمجرد إرادته القديمة، فيقولون بتراخي الأثر عن المؤثر، وهذا قول أهل الكلام وهو قول فاسد، وإن كان أقل فساداً من الذي قبله.
- أما القول الثالث وهو الصواب وإن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فما شاء الله وجب بمشيئته وقدرته، وما لم يشأه امتنع لعدم مشيئته له فهو موجب بمشيئته وقدرته، لا بذات خالية عن الصفات. فهذا لا يذكرونه (1) .
فتبين أن هذه الأصول العقلية التي قدموها على السمع هي أصول فاسدة وأن كونهم أرادوا بها إثبات حدوث العالم والرد على الدهرية الفلاسفة، جاء على نقيض مقصدوهمن حيث لم يستطيعوا الرد عليهم، وطعن بعضهم في أدلة بعض، ولو سلكوا الطريق الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة وقال به أئمة أهل السنة والحديث، لوافقوا مدلول السمع أولاً، ولنقضوا أقوال الفلاسفة الدهرية ثانياً ولما وقعوا في الارتباك والتناقض، وتسلط أعداء الإسلام عليهم.
حادي عشر: أن العقل موافق للنقل:
في الوجه السابق بين شيخ الإسلام فساد الأصول التي اعتمدوا عليها في تقديم العقل على الشرع، وهنا يبين أن هؤلاء يزعمون أن الأدلة الشرعية لا تفيد اليقين، وأن ما ناقضها من الأدلة العقلية تفيد اليقين، فيجب تقديم هذه على تلك. فيرد عليهم ببيان أن الأدلة العقلية موافقة للأدلة النقلية لا معارضة لها، وطبق ذلك على مثال مشهور يذكرون عنده قانونهم الفاسد وهو إثبات العلو والفوقية لله تعالى.
والفرق بينهما أنه في الوجه السابق رد على من يزعم أن صدق الرسول موقوف على إثبات دليل حدوث الأجسام، وهنا يرد على من يقول: إن العقل يعارض ظواهر النصوص فيجب تقديمه من غير أن يقول: إن صدق الرسول مبني على هذا.--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (4/290) ، إلى نهاية الجزء.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 859)
ولأهمية هذه المسألة يحسن إيراد ما ذكره شيخ الإسلام في هذا الموضوع، حيث قسم هؤلاء إلى طائفتين:
الأولى: " من يقول: إن تصديق الرسول لا يمكن إلا بقضايا عقلية تناقض مفهوم ما أخبر به، وهذا يلزم من قال ذلك من الجهمية والمعتزلة أو أتباعهم من الأشعرية، ومن دخل معهم من الفقهاء من أصحاب الأئمة الأربعة والصوفية: [الذين يقولون (1) ] : إن تصديق الرسول لا يمكن إلا بأن يستدل على حدوث العالم بحدوث الأجسام وأنه يستدل على ذلك بحدوث ما قام بها من الأعراض مطلقاً أو الحركات، وأن ذلك مبني على امتناع حوادث لا أول لها، وذلك يستلزم نفي الأفعال القائمة بذات الله تعالى، المتعلقة بمشيئته واختياره، بل نفي صفاته، وأن يكون القرآن مخلوقاً، وأن الله لا يرى في الآخرة ولا يكون فوق العالم " (2) ، ثم ناقش شيخ الإسلام هذه الطائفة باختصار مبيناً أن قول هؤلاء معلوم الفساد بالاضطرار من دين الإسلام (3) .
الطائفة الثانية: " من قال: إن هذه المعقولات تعارض المفهوم الظاهر من الآيات والأحاديث، من غير أن يقول: إن العلم بصدق الرسول موقوف عليها، كما يقوله من يعتقد صحة هذا الطريق، طريقة الاستدلال على الصانع بحدوث الأعراض وتركيب الأجسام، وإن قال: إنه يمكن تصديق الرسول بدونها، كما يقوله الأشعري نفسه، وكثير من أصحابه، والرازي وأمثاله، وكثير من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية.. فإن هؤلاء وجمهور المسلمين يقولون: إنه يمكن تصديق الرسول بدون طريقة حدوث الأعراض وتركيب الأجسام " (4) ، ثم بين شيخ الإسلام حال هاتين الطائفتين حيال دليل الأعراض فقال:
" لكن هؤلاء وغيرهم يعتقدون صحة تلك الطريق، وإن قالوا: إن تصديق الرسول لا يتوقف عليها:--------------------------------------------
(1) زيادة مني ليستقيم الكلام.
(2) انظر: درء التعارض (7/73-74) .
(3) انظر: المصدر السابق (7/71-73) .
(4) انظر: المصدر السابق (7/73-74) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 860)
ثم منهم من يقول: إنها لا تعارض النصوص، بل يمكن الجمع بينهما، وهذه طريقة الأشعري وأئمة أصحابه: يثبتون الصفات الخبرية التي جاء بها القرآن، مع اعتقادهم صحة طريق الاستدلال بحدوث الأعراض وتركيب الأجسام، وهذه طريقة أبي حاتم البستي، وأبي سليمان الخطابي، والتميميين، كأبي حسن التميمي وغيره من أهل بيته، وأبي علي بن أبي موسى، والقاضي أبي يعلى، وأبي بكر البيهقي وابن فورك وابن الزاغوني، وخلق كثير من طوائف المسلمين من الحنيفة والمالكية والشافعية والحنبلية.
ومن هؤلاء: من يدعي التعارض بينهما كالرازي وأمثاله، كما يقول ذلك من يوجب الاستدلال بطريقة حدوث الأعراض كالمعتزلة وأبي المعالي وأتباعه.
فهؤلاء مشتركون في أن هذه الطريقة المعقولة لهم مناقضة لما يفهم من الآيات والأحاديث، سواء قالوا: إن تصديق الرسول موقوف عليها كما يقوله من يقوله من المعتزلة وأتباع صاحب الإرشاد، أو لم يقولوا ذلك كما يقوله من يوافق الأشعري والرازي، وجمهور المسلمين على أن تصديق الرسول ليس موقوفاً عليها " (1) .
والخلاصة أن الأشاعرة طائفتان:
طائفة: ترى صحة دليل الأعراض، لكنها لا تعارض به النصوص، ولذلك أثبتوا الصفات الخبرية، والعلو.
وطائفة: ترى وجوب دليل الأعراض، أو صحته فقط، وسواء قال هؤلاء إن تصديق الرسول متوقف عليه أو غير متوقف فإنهم جميعاً يرون أنه يعارض النصوص ولذلك نفوا لأجله الصفات الخبرية والعلو.
أما الصفات الاختيارية لكل من قال بصحة دليل الأعراض -ولو لم يوجبه -التزم نفيها.--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (7/74-75) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 861)
بعد هذه المقدمة نعود إلى المثال الذي ذكره شيخ الإسلام هنا وهو إثبات العلو، الذي نفاه متأخرو الأشاعرة لأدلة عقلية يذكرونها، وحين يرد عليهم بالنصوص الكثيرة الدالة على إثباته يذكرون هذا القانون كما فعل الرازي في الأربعين (1) .
وقد رد عليهم شيخ الإسلامن وناقش الموضوع طويلاً بحيث استغرق الجزء السادس بكامله، وثلث الجزء السابع تقريباً (2) ، وقد بين أن نفاة العلو ليس معهم من الأدلة النقلية إلا حديث واحد مكذوب، وما ورد في القرآن أن الله " أحد " واحتجاجهم بذلك فاسد (3) .
ثم ذكر ما أجاب به النفاة - وعلى رأسهم الرازي - على أدلة مثبتي العلو من العقل والفطرة، وناقشها بالتفصيل مبيناً أن العقل والفطرة يوافقان ما دلت عليه النصوص، وقد بين شيخ الإسلام أن هؤلاء اعتمدوا على ما ذكره ابن سينا في الإشارات، ثم نقل كلامه وناقشه التفصيل (4) .
ثم ناقش شيخ الإسلام ادعاء الرازي في الوجه الأول من ردوده على من يثبت العلو بأنه لو كان بديهياً لامتنع اتفاق الجمع العظيم على إنكاره وهم ما سوى الحنابلة والكرامية (5) .
كما ناقش بقية الأوجه التي ذكرها الرازي رداً على دليل المثبتة من العقل والفطرة (6) .--------------------------------------------
(1) انظر: الأربعين (ص: 115) ، وانظر: لباب الأربعين كما نقله عنه شيخ الإسلام في درء التعارض (7/26) .
(2) إلى (ص: 140) منه.
(3) انظر: درء التعارض (6/6) .
(4) انظر: المصدر السابق (6/18-112) .
(5) رد عليه من وجوه، الوجه الأول (6/113) ، والثاني: وما بعده (6/267) ، وقد نقل أقوال الطوائف قبل الحنابلة والكرامية وقولهم في إثبات العلو، انظر: (6/114) ، وما بعدها. كما بين عجز النفاة العلو عن الرد على الحلولية، انظر: (6/115) ، وما بعدها.
(6) انظر: درء التعارض (6/272-287) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 862)
ثم ساق أدلة الرازي العقلية على نفي العلو وناقشها (1) .
وأخيراً ساق شيخ الإسلام قانون الرازي الفاسد الذي أتى به هنا في العلو ليرد به النصوص الشرعية المثبتة للعلو، وناقشه بالتفصيل (2) .
والخلاصة أن هؤلاء الذين ظنوا أن الدليل العقلي يعارض السمع مخطئون لأنه قد ثبت أن ما ذكروه معارضاً للسمع إنما هي أوهام توهموها، وأن العقل والفطرة يؤيدان ما دلت عليه النصوص فبطل قانونهم الذي ذكروه.
ثاني عشر: أن العقليات التي يقال: إنها أصل السمع، وأنها معارضة له، ليست مما يتوقف العلم بصحة السمع عليها.
وهذا هو الوجه الثالث والأربعون الذي بدأ في أثناء الجزء السابع (3) واستغرق أغلبه مع الأجزاء الثامن والتاسع والعاشر الذي هو آخر الكتاب.
يقول شيخ الإسلام في أول هذا الوجه: " يقال: العقليات التي يقال: إنها أصل للسمع وإنها معارضة له ليست مما يتوقف العلم بصحة السمع عليها، فامتنع أن تكون أصلاً له، بل هي أيضاً باطلة، وقد اعترف بذلك أئمة أهل النظر من أهل الكلام والفلسفة، فإن إجماع هذه الطرق هي طريقان أو ثلاثة:
- طريقة الأعراض، والاستدلال بها على حدوث الموصوف بها أو ببعضها كالحركة والسكون.
- وطريقة التركيب، والاستدلال بها على أن التصوف بها ممكن أو محدث، فهاتان الطريقتان هي جماع ما يذكر في هذا الباب.
- والثالثة: الاستدلال بالاختصاص على إمكان المختص أو حدوثه.--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (6/287-إلى-7/24) .
(2) انظر: المصدر السابق (7/25-140) .
(3) (ص: 141) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 863)
قد يقال إنها طريقة أخرى، وقد تدخل في الأولى..
" ثم الطريقة الأولى مبنية على امتناع وجود مالا يتناهى من الحوادث، والثانية: مبنية على أن ما اجتمعت فيه معانٍ لزم أن يكون ممكناً أو حادثاً، والثالثة: مبنية على أن المختص لابد له من مخصص منفصل عنه.
وهذه المقدمات الثلاث قد نازع فيها جمهور العقلاء، وكل من هذه الطرق تسلكه الجهمية والمعتزلة نفاة الصفات والأفعال، ويسلكه أيضاً نفاة الأفعال القائمة به دون الصفات " (1) وهم الأشعرية.
وكما في الوجهين السابقين أطال شيخ الإسلام في تقرير هذا الوجه، ودعم أقواله بالاستشهاد بأقوال أهل الكلام والفلسفة التي تبين أن ما زعمه هؤلاء من أن العلم بالصانع وإثبات حدوث العالم لا يمكن إلا بهذه الطرق العقلية التي ذكروها غير صحيح، ويعتبر هذا الوجه -على طوله - من أهم الأوجه التي أوردها في هذا الكتاب وأكثرها إفادة لمن خاض في علم الكلام أو حسن الظن به، أو قلد شيوخه فيه.
وإذا ثبت أن هذه العقليات ليست مما يتوقف صحة السمع عليها، وأن العلم بوجود الله ووحدانيته وحدوث ما سواه يمكن أن يعلم بطرق أخرى كثيرة - تبين فساد القانون العقلي الذي ردوا به نصوص الشرع.
ويمكن تلخيص ما ذكره شيخ الإسلام في تقرير هذا الوجه كما يلي:
أ - أن السلف أجمعوا على ذم علم الكلام، وعلم الكلام الذي ذموه ليس المصطلحات الحادثة - كما ظن بعض أهل الكلام - بل ذموا علم الكلام القائم على هذه الطرق المبتدعة كطريقة حدوث الأجسام وغيرها -وقد سبق شرح ذلك ضمن هذا الفصل - والذين نقلوا ذم السلف لعلم الكلام هم أئمة الأشاعرة، كالغزالي (2) وأبي الحسن الأشعري الذي ذكر في رسائله إلى أهل الثغر--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (7/141-142) .
(2) انظر: المصدر السابق (7/144) ، وما بعدها.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 864)
أن الرسل لم يدعوا إلى هذا الدليل المبتدع، دليل الأعراض وحدوث الأجسام (1) .
وكذلك نقل ذلك الشهرستاني (2) والرازي (3) والخطابي (4) .
ولما كانت طريقة الأعراض من الطرق التي جعلها الأشاعرة أصلاً في الدلالة على صدق الرسول، وأن السلف ذموها قال شيخ الإسلام معلقاً: " وإذا كان كذلك تبين أن العلم بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم ليس موقوفاً على شيء من المقدمات المتناقضة لإثبات الصفات الخبريةن والرؤية، والعلو على العرش، ونحو ذلك مما دل عليه السمع وهو المطلوب (5) "، ويقول بعد نقل كلام ابن عساكر والبيهقي ومناقشته: " قلت: وهذا اتفاق علماء الأشعرية مع غيرهم من الطوائف المعظمين للسلف على أن الكلام المذموم عند السلف: كلام من يترك الكتاب والسنة، ويعول في الأصول على عقله، فكيف بمن يعارض الكتاب والسنة بعقله؟ وهذا هو الذي قصدنا إبطاله " (6) ، وبهذا تتضح حقيقتان:
إحدهما: اتفاق السلف وإجماعهم على ذم هذا الكلام المبتدع المبني على الأصول العقلية المخالفة للشرع.
والثانية: أن علماء الكلام أنفسهم - وفيهم الأشاعرة - قد شهدوا على اتفاق السلف على ذم الكلام، وإذا كانت هذه الطرق المبتدعة من علم الكلام المذموم فكيف يقال: إنها أصل الشرع؟
ب - أن الفلاسفة بينوا فساد طرق هؤلاء المتكلمين، يقول شيخ الإسلام، " ومما يوضح ذلك أن هذه الطرق المبتدعة في الإسلام في إثبات الصانع التي أحدثتها المعتزلة والجهمية، وتبعهم عليها من وافقهم من الأشعرية وغيرهم من أصحاب--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (7/186) وما بعدها.
(2) انظر: المصدر السابق (7/227) .
(3) انظر: المصدر نفسه (7/228) .
(4) انظر: المصدر نفسه (7/279) ،وما بعدها، وقد نقل عنه نصوصاً طويلة.
(5) انظر: درء التعارض (7/242) .
(6) المصدر السابق (7/274-275) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 865)
الأئمة الأربعة وغيرهم، قد طعن فيها جمهور العقلاء، فكما طعن فيها السلف والأئمة وأتباعهم، وذموا أهل الكلام بها، كذلك طعن فيها حذاق الفلاسفة وبينوا أن الطرق التي دل عليها القرآن العزيز أصح منها، وإن كان أولئك المعتزلة والأشعرية أقرب إلى الإسلام من هؤلاء الفلاسفة من وجه آخر " (1) ، وقد نقل ش شيخ الإسلام كلام أبي الوليد بن رشد وعلق عليه (2) ، وقال بعد إتمام النقول الطويلة عنه ونقده لطرق الأشاعرة العقلية: " قلت: فهذا الرجل مع أنه من أعيان الفلاسفة المعظمين المعتنين بطريقة الفلاسفة المشائين كأرسطو وأتباعه، يبين أن الأدلة العقلية الدالة على إثبات الصانع مستغنية عما أحدثه المعتزلة، ومن وافقهم من الأشعرية وغيرهم، من طريقة الأعراض ونحوها، وأن الطرق الشرعية التي جاء بها القرآن هي طرق برهانية تفيد العلمن للعامة والخاصة، والخاصة عنده يدخل فيهم الفلاسفة، والطرق التي لأولئك هي مع طولها وصعوبتها لا تفيد العلم لا للعامة ولا للخاصة، هذا مع أنه لم يقدر القرآن قدره، ولم يستوعب الطرق التي في القرآن، فإن القرآن قد اشتمل على بيان المطالب الإلهية بأنواع من الطرق وأكمل الطرق.." ثم قال شيخ الإسلام: " ولنا مقصودان:
أحدهما: أن ما به يعلم ثبوت الصانع وصدق رسوله، لا يتوقف على هذه الطرق المعتزلية الجهمية، وهذه الطرق هي التي يقال: إنها عارضت الأدلة الشرعية، ويقال: إن القدح فيها قدح في أصل الشرع، فإذا تبين أنها ليست أصلاً للعلم بالشرع كما أنها ليست أصلاً لثبوته في نفسه بالاتفاق، بطل قول من يزعم أن القدح في هذه العقليات قدح في أصل الشرع، وهو المطلوب.
والمقصود الثاني: أن هذه العقليات المعارضات للشرع باطلة في نفسها، وإن لم نقل: إنها أصل للعلم به " (3) .
والخلاصة: أن هذه الطرق العقلية ذمها السلف، وعلماء الأشاعرة والفلاسفة فكيف يعارض بها السمع؟--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (7/242) .
(2) انظر: المصدر السابق (7/345-352، 9/68-333) .
(3) انظر: المصدر نفسه (9/333-334) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 866)
جـ - أن قول هؤلاء: إن معرفة الصانع ليس لها دليل إلا دليل حدوث الأجسام قول مردود لأن العلماء اختلفوا في معرفة الله، هل تحصل ضرورة أم لا، وقد ساق شيخ الإسلام الخلاف في ذلك (1) ، ونقل أقوال الأشاعرة، وإقرارهم أنها قد تقع ضرورة (2) - ثم قال معلقاً: " فقد تبين أن جمهور النظار من جميع الطوائف يجوزون أن تحصل المعرفة بالصانع بطريق الضرورة، كما هو قول الكلابية والأشعرية، وهو مقتضى قول الكرامية والضرارية، والنجارية والجهمية وغيرهم، وهو قول طوائف أهل السنة من أهل الحديث والفقهاء وغيرهم" (3) . وقال بعد نقل إقرار الشهرستاني بأن معرفة الله تقع ضرورة: " قلت: فهذا كله كلام الشهرستاني، وهو من أئمة المتأخرين من النظار وأخبرهم بالمقالات، وأن الفطرة تشهد بضرورتها وبديهة فكرتها بالصانع الحكيم، إلى آخر ما ذكره، وأن ما تنتهي إليه مقدمات الاستدلال بإمكان الممكنات أو حدوثها من القضايا الضرورية، دون ما شهدت به الفطرة الإنسانية من احتياج الإنسان في ذاته إلى مدبر " (4) .
ولتكملة هذا الموضوع وأهميته في نقض هذا القانون الفاسد الذي زعموه ذكر شيخ الإسلام أن الخلاف وقع في وجوب النظر المؤدي إلى المعرفة، والذي زعم هؤلاء أنه النظر في دليل الأعراض (5) ، وأيضاً اختلف قوم في النظر هل هو فرض على الأعيان أو على الكفاية (6) ، ثم هل المعرفة تحصل بالسمع أو بالعقل (7) .--------------------------------------------
(1) منهم من يقول: إنها لا تحصل إلا بالنظر، وهذا قول أهل الكلام من المعتزلة، والأشاعرة، ومنهم من قال: إن المعرفة يخترعها الله في القلوب من غير نظر ولا بحث وهذا قول الصوفية والشيعة، والجمهور من طوائف المسلمين قالوا: يمكن أن تقع ضرورة ويمكن أن تقع بالنظر، انظر: درء التعارض (7/352-354) .
(2) انظر: درء التعارض (7/352-395) .
(3) انظر: المصدر السابق (7/395) .
(4) انظر: المصدر نفسه (7/403) .
(5) انظر: المصدر نفسه (7/405) .
(6) انظر: المصدر نفسه (7/440) وما بعدها.
(7) انظر: المصدر نفسه (8/24) وما بعدها.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 867)
وهذا كله يدل على أن كلام العلماء قائم على بيان تنوع الطرق المؤدية إلى المعارف، يقول شيخ الإسلام، معلقاً: " فطرق المعارف متنوعة في نفسها، والمعرفة بالله أعظم المعارف، وطرقها أوسع وأعظم من غيرها، فمن حصرها في طريق معين بغير دليل يوجب نفياً عاماً لما سوى تلك الطريق لم يقبل منه، فإن النافي عليه الدليل، كما أن المثبت عليه الدليل " (1) .
د - أن كثيراً ممن يوجب هذه الطريقة ويصححها - أي طريقة حدوث الأجسام - قد رجع عن ذلك، وتبين لهم ذم هذا الكلام، وذلك مثل الجويني والغزالي والرازي وغيرهم (2) ، وقد استشهد شيخ الإسلام بكلام الجويني (3) ، وبكلام الأشعري في اللمع حيث عول على دليل حدوث صفات الأجسام (4) ، وبين شيخ الإسلام أن دليله - وإن لم يكن هو دليل القرآن القائم على إثبات حدوث الأجسام نفسها وإيجادها من عدم - إلا أنها أحسن وأكمل من دليل الأعراض الذي يوجبه كثير من هؤلاء، ثم نقل كلام الباقلاني في شرح اللمع ورد عليه تحوير كلام الأشعري بأنه يقصد دليل الأعراض، وقد أطال شيخ الإسلام النقول عن الباقلاني وعلق عليها كثيراً (5) ، وأشار إلى ذلك مبيناً أن طريقة الأشعري خير من طريقة الباقلاني، وطريقة الباقلاني خير من طريقة المعتزلة (6) .
هـ - ركز على بيان دليل الفطرة، والأحاديث الواردة فيها، ثم نقل أقوال--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (8/46) .
(2) انظر: درء التعارض (8/47-348) .
(3) انظر: المصدر نفسه (8/47-51)
(4) انظر: المصدر نفسه (8/70-73) ، وانظر تعليقات شيخ الإسلام في (8/100،335-336) .
(5) انظر كلام الباقلاني في درء التعارض (8/81،103-106) ، وقد رد عليه شيخ الإسلام من وجهين: أحدهما: (8/106) ، والثاني (8/310) ، وذكر بينهما كلاماً طويلاً تضمن مناقشات بين الفلاسفة والمتكلمين حول ترجيح الممكن بلا مرجح، وبين تناقضهم جميعاً.
(6) انظر: درء التعارض (8/303-304) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 868)
العلماء في المراد بها (1) ، ورجح أن المقصود بها فطرة الإسلام (2) ، وذكر أن الأدلة العقلية تدل على صدق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من أن كل مولود يولد على الفطرة (3) ، ثم استشهد بقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (الذريات:56) ، وذكر الخلاف في الآية حول المقصود بالعبادة، وهل وقعت منهم جميعاً أو من بعضهم (4) ، ثم بين أنه على جميع الأقوال فالآية دالة على " أن جميع الإنس والجن مقرون بالخالق معترفون به، مقرون بعبوديته طوعاً وكرها، وذلك يقتضي أن هذه المعرفة من لوازم نشأتهم، وأنه لم ينفك عنها أحد منهم، مع العلم أن النظر المعين الذي يوجبه الجهمية والمعتزلة لا يعرفه أكثرهم، فعلم بذلك ثبوت المعرفة والإقرار بدون هذا النظر" (5) .
وبعد أن ربط بين موضوع الفطرة وما يقوله كثير من أهل الكلام وغيرهم من أن المعرفة قد تحصل بغير العقل (6) ، قال شيخ الإسلام: " قد ذكرنا ماتيسر من طرق الناس في المعرفة، ليعرف أن الأمر في ذلك واسع وأن ما يحتاج الناس إلى معرفته، مثل الإيمان بالله ورسوله، فإن الله يوسع طرقها وييسرها، وإن كان الناس متفاضلين في ذلك تفاضلاً عظيماً، وليس الأمر كما يظنه كثير من أهل الكلام من أن الإيمان بالله ورسوله لا يحصل إلا بطريق يعينونها " (7) .
والطرق التي سلكها هؤلاء في إثبات حدوث العالم جمعت وصفين: " أن الجمهور ليس في طباعهم قبولها، ولا هي مع هذا برهانية، فليست تصلح لا للعلماء ولا للجمهور " (8) ، وقد سبقت الإشارة إلى نقد ابن رشد--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (8/359) ، إلى نهاية الجزء، وقد اعتمد في نقل الأقوال فيها على ما ذكره ابن عبد البر في التمهيد، انظر: درء التعارض (8/366-444) ، وقارن النصوص بما في التمهيد في الجزء المطبوع أخيراً (18/57-93) ، مع ملاحظة أن النقول فيها تقديم وتأخير.
(2) انظر: درء التعارض (8/371-410) .
(3) انظر: المصدر السابق (8/456) وما بعدها.
(4) انظر: المصدر نفسه (8/468-479) .
(5) درء التعارض (8/479-480) ، وانظر أيضاً (8/482) .
(6) انظر: المصدر السابق (9/3-66) .
(7) المصدر نفسه (9/66) .
(8) المصدر نفسه (9/75) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 869)
الفيلسوف لطرق المتكلمين (1) ، وطرق الفلاسفة والمتكلمين كلها باطلة، ومنشأ ضلالهم أنهم نفوا صفات الله وأفعاله القائمة بنفسه (2) .
و ذكر مسألة صفات الله ضمن ما نقله عن ابن رشد، فذكر صفة العلم، وأطال حولها الكلام راداً على الفلاسفة نفاة علم الله بالجزئيات (3) ، كما ذكر صفة الإرادة (4) ، والكلام (5) ، والسمع والبصر (6) ، ثم ذكر مسألة التنزيه، وما يتعلق به من مسألة التجسيم (7) . ثم قال معلقاً: " وهذه الطرق التي يسلكها نفاة الجسم وأمثالهم أحسن أحوالها أن تكون عوجاً طويلة قد تهلك، وقد توصل؛ إذ لو كانت مستقيمة موصلة لم يعدل عنها السلف، فكيف إذا تيقن أنها مهلكة؟ ولا ريب أن الذين يعارضون الكتاب والسنة إنما يعارضونها بطرق هؤلاء، فهم يعرضون عن كتاب الله في أول سلوكهم ويعارضونه في منتهى سلوكهم وقد قال تعالى:) {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى* وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} (طه:123-124) ، فقد بين أن حذاق الفلاسفة أيضاً يثبتون أن التصديق بما جاء به الشارح لا يتوقف على شيء من الطرق الكلامية المحدثة، ولا شيء من طرقهم الفلسفية" (8) .
فالصفات ثابتة لله تعالى، والأدلة العقلية توافق الأدلة النقلية في إثباتها، والفلاسفة أقروا بهذه الصفات على وجه الإجمال، فدل ذلك على أن من زعم أن شبهة التركيب أو التجسيم قاطعة في وجوب نفي صفات الله أو بعضها؛ فقوله من أعظم البهتان والباطل.--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (9/68-379) .
(2) انظر: المصدر السابق (9/252) .
(3) انظر: المصدر نفسه (9/379-434، 10/3-196) .
(4) انظر: المصدر نفسه (10/197-199) .
(5) انظر: المصدر نفسه (10/199-224) .
(6) انظر: المصدر نفسه (224-225) .
(7) انظر: المصدر نفسه (10/225) إلى نهاية الكتاب.
(8) درء التعارض (10/316-317) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 870)
وبهذه الأدلة والمناقشات يتبين أن هذه العقليات التي ذكرها أصحاب هذا القانون ليست مما يتوقف صحة السمع عليها، بل هي باطلة، ومعرفة الله ومعرفة حدوث العالم تعلم بطرق عديدة منها الضرورة والفطرة التي تحصل عند العبد، وإذا كان كذلك فما ادعاه هؤلاء من أن معرفة الله ومعرفة حدوث العالم لا يعلم إلا بهذا الطريق الذي ذكروه غير صحيح، فبطل قانونهم، والحمد لله رب العالمين.
* … * … *
هذا ملخص منهج شيخ الإسلام في بيان عدم تعارض العقل والنقل، والرد على الأشاعرة - وغيرهم- في قانونهم الفاسد الذي ردوا به كثيراً من النصوص وتأولوها تأويلات باطلة، ولاشك أن المسألة خطيرة وذات جذور عميقة - ضل بسببها كثير من الناس - ومن ثم أفرد لها شيخ الإسلام هذا الكتاب الفريد.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 871)
ثامناً: الرد على متأخري الأشاعرة بأقوال شيوخهم، وردود بعضه على بعض.
وأساس الرد التطور الذي حدث للمذهب الأشعري الذي سبق تفصيل القول فيه، وشيخ الإسلام كثيراً ما يشير إليه ويبين أنهم طبقات - حسب القرب والبعد عن أهل السنة ومذهبهم الصحيح - فابن كلام أقرب من الجويني وطبقته، والجويني أقرب من الرازي وطبقته (1) ، بل إن شيخ الإسلام يقرر من خلال تتبع دقيق أن أئمة الأشعرية الذين كانوا في العراق كأبي الحسن الأشعري والباهلي، وابن مجاهد، والباقلاني، وغيرهم، أقرب إلى السلف من أشعرية خراسان كأبي بكر بن فورك ونحوه (2) .
وانحراف متأخري الأشاعرة عن متقدميهم أمر مشتهر حتى إن أبا العباس أحمد بن ثابت الطرقي (3) الحافظ صاحب كتاب اللوامع في الجمع بين الصحاح والجوامع، والمتوفى سنة 521هـ، قال في مسألة الاستواء من تأليفه: " ورأيت هؤلاء الجهمية ينتمون في نفي العرش وتعطيل الاستواء إلى أبي الحسن الأشعري، وما هذا بأول باطل ادعو، وكذب تعاطوه، فقد قرأت في كتابه الموسوم بالإبانة عن أصول الديانة أدلة من جملة ما ذكر على إثبات الاستواء، وقال في جملة ذلك: ومن دعاء أهل الإسلام جميعاً إذا رغبوا إلى الله في الأمر النازل بهم، يقولون جميعاً: يا ساكن العرش، ثم قال: ومن سلفهم جميعاً قولهم: لا والذي احتجب--------------------------------------------
(1) سبقت الإشارة إلى ذلك عند الحديث عن جوانبهم الإيجابية، وانظر أيضاً منهاج السنة (2/77) ، ط مكتبة الرياض الحديثة، وأيضاً (3/69) ، والمسألة المصرية في القرآن، مجموع الفتاوي (12/202-203) ، ونقض التأسيس المطبوع (2/348) ، ودرء التعارض (8/91) .
(2) انظر: التأسيس المطبوع (2/344-345) .
(3) "الطرقي" بفتح الطاء وسكون الراء، وطرق: قرية من أصبهان، وأبو العباس الطرقي كان عارفاً بالفقه والأصول، يحكى عنه أنه كان يقول إن الروح قديمة، وهذه من زلاته رحمه الله توفي سنة 521هـ، انظر: الأنساب (8/235) ، - ط لبنان، وميزان الاعتدال (1/86) ، لسان الميزان (1/143) ، والوافي (6/282) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 872)
بسبع سموات " (1) ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - بعد نقله النص السابق: " وكذلك الشيخ نصر المقدسي له تأليف في الأصول نقل فيه فصولاً من كتاب الإمانة " (2) .
وهذا يدل على أن هذا المنهج - وهو الرد على متأخري الأشاعرة بأقوال متقدميهم وأئمتهم الذين ينتسبون إليهم - قد استخدمه العلماء قبل شيخ الإسلام ابن تيمية.
وقد استخدم شيخ الإسلام هذا المنهج في كتبه المختلفة وركز عليه كثيراً، لأنه رأى فيه فوائد عملية، ومن ذلك ما جرى في المناظرة حول الواسطية، وهي المناظرة الثانية التي حضرها صفي الدين الهندي، حيث إن شيخ الإسلام ذكر أنه قبل هذا المجلس اجتمع به بعض أكابر الشافعية من الأشعرية وعبروا له عن خوفهم من أن تظهر حجته على خصومه دون أن يكون من أئمة أصحابهم الأشعرية من يوافقها، يقول شيخ الإسلام: " وكان مقصودي تقرير ما ذكرته على قول جميع الطوائف، وأن ابين اتفاق السلف ومن تبعهم على ما ذكرت، وأن أعيان المذاهب الأربعة، والأشعري، وأكابر أصحابه، على ما ذكرته؛ فإنه قبل المجلس الثاني اجتمع بي من أكابر علماء الشافعية والمنتسبين إلى الأشعرية، والحنفية، وغيرهم ممن عظم خوفهم من هذا المجلس، وخافوا انتصار الخصوم فيه، وخافوا على نفوسهم أيضاً من تفرق الكلمة، فلو أظهرت الحجة التي ينتصر بها ما ذكرته و (3) لم يكن من أئمة أصحابهم من يوافقها لصارت فرقة، ولصعب عليهم، أن يظهروا في المجالس العامة الخروج عن أقوال طوائفهم، بما في ذلك من تمكن أعدائهم من أغراضهم، فإذا كان من أئمة مذاهبهم من يقول ذلك، وقامت عليه الحجة، وبان أن مذهب السلف: أمكنهم إظهار القول به، مع ما يعتقدونه في الباطن من أنه الحق..
وقلت لمن خاطبني من أكابر--------------------------------------------
(1) نقض التأسيس المخطوط (1/85) .
(2) المصدر السابق، نفس الصفحة.
(3) في المطبوعة من مجموع الفتاوي [أو] وكذا في العقود الدرية (ص: 241) ، وسياق الكلام يقتضي أنها بالواو فقط.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 873)
الشافعية: لأبين أن ما ذكرته من قول السلف وقول أئمة أصحاب الشافعي، وأذكر قول الأشعري، وأئمة أصحابه التي ترد على هؤلاء الخصوم، ولينتصر كل شافعي، وكل من قال بقول الأشعري الموافق لمذهب السلف، وأبين أن القول المحكى عنه في تأويل الصفات الخبرية قول لا أصل له في كلامه، وإنما هو قول طائفة من أصحابه، فللأشعرية قولان ليس للأشعري قولان " (1) .
والأشاعرة المتأخرون في أوقات محنهم يلجأو إلى أقوال أئمتهم، ينقلونها ويستشهدون بها ليبينوا سلامة معتقدهم وصحة مذهبهم، وهذا ما فعله القشيري في الشكاية المشهورة، وابن عساكر في تبيين كذب المفتري.
ولاشك أن المنهج الذي سلكه شيخ الإسلام في الرد على أقوال المتأخرين: بأقوال شيوخهمن الذي يعتزون بالانتساب إليهم له قيمته الكبرى وأثره البالغ لأمرين:
أحدهما: أن هذه النقول أتى بها شيخ الإسلام موثقة، ومنقولة بحروفها من كتبهم المشهورة التي تناقلها المتأخرون واعتزوا بها، ونقلوا عنها ما يوافق أقوالهم من المسائل التي لم يختلف فيه قول متقدمي الأشاعرة عن قول متأخريهم، ولذلك لم يستطع أحد منهم الطعن فيما نقله شيخ الإسلام، ولم يقل: إن هذا منسوب إلى أئمتهم، أو إنه حكاية لمذهبهم - كما تحكي بعض كتب الفرق أقوال الطوائف، وقد يكون في الحكاية زيادة أو نقص، وتقديم أو تأخير يخل المعنى - ولاشك أن الأمانة والمنهج العلمي الذي وفق إليه شيخ الإسلام، جعل أعداءه ومعارضيه يرضحون له في ذلك مع حرصهم الشديد على النيل منه ومن أقواله وكتبه، ولتوضيح ذلك يمكن ذكر هذين المثالين:
المثال الأول: قال بعض متأخري الأشعرية: إن للأشعري في الصفات الخبرية قولين: قول بالتأويل، وقول بالإثبات، فلما جاء شيخ الإسلام - وهو المطلع على كتب الفرق - أوضح مراراً أنه ليس للأشعري فيها إلا قول واحد هو الإثبات، وأتى بالدلالة على ذلك من كتبه، أما الذين يزعمون أن له قولاً آخر فحتى الآن لم ينقل أحد منهم نصاً من كتب الأشعري يدل على ذلك.--------------------------------------------
(1) مناظرة حول الواسطية، مجموع الفتاوي (3/188-190) ، والعقود الدرية (ص: 241-242) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 874)
والمثال الثاني: لما نقل شيخ الإسلام عن الباقلاني في كتابه التمهيد نصاً يثبت فيه الاستواء والعلو ويمنع من تأويله، قال الكوثري وبعض الباحثين - المائلين إلى المذهب الأشعري - وهم بصدد تحقيق التمهيد عن نسخة خطية ناقصة - قالوا: إن ابن تيمية وابن القيم - الذي نقل النص أيضاً في اجتماع الجيوش - قد كذبا أو وهما على الباقلاني، ولما حقق التمهيد مرة أخرى - على يد نصراني - تبين صدق شيخي الإسلام، وخطأ الكوثري وأصحابه (1) .
والثاني: أن هذه النقول نص صريح في مخالفتها لأقوال متأخري الأشعرية، وليست مما يقبل التأويل أو اختلاف المفاهيم حولها، فمثلاً جين يؤول المتأخرون الاستواء بالاستيلاء ويمنعون من إثباته وإثبات الاستواء، ودلالته على العلو، تورد عليهم أقوال الأشعري وغيره التي نصول فيها على إثبات الاستواء، ودلالته على العلو، وقولهم: إن تأويله بالاستيلاء هو قول خصومهم المعتزلة، وليس للمتأخرين -المنتسبين إلى الأشعري - هنا إلا الاعتراف والفرار إلى التفويض وأن هذا هو حقيقة مذهب الأشعري، ولكن ماذا يصنعون بقوله: إن تأويل الاستواء بالاستيلاء هو قول المعتزلة؟ وبنصوصه الأخرى في إثبات علو الله على خلقه؟
ولأهمية هذا في إقناع الخصوم - وأتباعهم -ركز عليه شيخ الإسلام وأضاف إليه جانباً آخر وهو ردود بعض الأشاعرة على بعض سواء كانوا متقدمين أو متأخرين، لأن هذا أيضاً يفيد في بيان ضعف المذهب وضعف الأدلة التي اعتمدوا عليها، فهذان جانبان رئيسيان ركز عليهما شيخ الإسلام.
أ - فمن الأمثلة على الجانب الأول:
1 - في مسألة العلو والاستواء التي أنكرها متأخرو الأشعرية، رد شيخ الإسلام على زعيمهم الرازي بأن نقل نصوصاً من كلام شيوخه من الأشاعرة يثبتون فيها العلو لله تعالى (2) ، وفي موضع آخر من نفس الكتاب رد على الرازي--------------------------------------------
(1) سبق بيان ذلك بالتفصيل في ترجمة الباقلاني عند الكلام على تطور المذهب الأشعري.
(2) انظر: نقض التأسيس المخطوط (1/32-33) - نص كلام الرازي، (ص: 33-63) الرد عليه من كلام شيوخه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 875)
في هذا الموضوع وفي موضوع الصفات الخبرية التي أوّلها الرازي وأصحابه، فنقل شيخ الإسلام كلام الأشعري في الإبانة والمقالات، وكلام الباقلاني (1) ، ثم قال: " فإذا كان قول ابن كلاب والأشعري وأئمة أصحابه، وهو الذي ذكروا أنه اتفق عليه سلف الأمة وأهل السنة أن الله فوق العرش وأن له وجهاً ويدين، وتقرير ما ورد في النصوص الدالة على أنه فوق العرش، وأن تأويل استوى بمعنى استولى هو تأويل المبطلين، ونحو ذلك، علم أن هذا الرازي ونحوه هم مخالفون لأئمتهم في ذلك، وأن الذي نصره ليس هو قول ابن كلاب والأشعري وأئمة أصحابه، وإنما هو صريح قول الجهمية والمعتزلة ونحوهم، وإن كان قد قاله بعض متأخري الأشعرية كأبي المعالي ونحوه " (2) ، ثم اتبع ذلك بنقل مذهب جمهرة كبيرة من أئمة السلف (3) ، تؤيد ما ذهب إليه الأشعري وأئمة أصحابه في هذا الباب.
2 - وفي معرض رده على دليل حدوث الأجسام الذي أوجبه كثير من متأخري الأشعرية كالجويني يقول شيخ الإسلام عنه: " وبالجملة فإنه وإن كان أبو المعالي ونحوه يوجبون هذه الطريقة، فكثير من أئمة الأشعرية - أو أكثرهم - يخالفونه في ذلك ولا يوجبونها، بل إما أن يحرموها، أو يكرهوها، أو يبيحوها، وغيرها، ويصرحون بأن معرفة الله تعالى لا تتوقف على هذه الطريقة ولا يجب سلوكها، ثم هم قسمان: قسم يسوقها، ويسوق غيرها، ويعدها طريقاً من الطرق، فعلى هذا إذا فسدت لم يضرهم، والقسم الثاني: يذمونها، ويعيبونها، ويعيبون سلكوها وينهون عنها، إما نهي تنزيه وإما نهي تحريم " (4) ،ثم نقل عن الخطابي في شعار الدين والغنية ما يدعم قوله (5) ، وأشار إلى رسائل الأشعري إلى أهل الثغر (6) ، وأنها توافق ما قاله الخطابي، وقد نقل كلام--------------------------------------------
(1) انظر: نقض التأسيس المطبوع (2/15-35) .
(2) انظر: المصدر السابق (2/35) .
(3) انظر: المصدر نفسه (2/35-44) .
(4) انظر: المصدر نفسه (2/249) .
(5) انظر: المصدر نفسه (2/249-255) .
(6) انظر: المصدر نفسه (2/255) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 876)
الأشعري فيها كاملاً في كتاب آخر (1) .
3 - وعند ذكر الصفات الخبرية وغيرها مما يتأوله الجويني وأصحابه، قال شيخ الإسلام راداً عليه: " فدعواه أن دلالة القرآن والأخبار على ذلك ليست قطعية يخالفه في هذه الدعوى أئمة السلف وأهل الحديث والفقه والتصوف، وطوائف من أهل الكلام من أصحابه وغيرهم، فإن عندهم دلالة النصوص على ذلك قطعية، وأما الأخبار فأكثر أصحابه أنها إذا تلقيت بالقبول أفادت العلم، كما تقدم ذكرهم لذلك عن الأستاذ أبي إسحاق، وهذا الذي ذكره أبو بكر ابن فورك هو معنى ما ذكره الأشعري في كتبه عن أهل السنة والحديث، وذكر أن قوله، وإن الإيمان بموجب هذه الأخبار واجب " (2) ، والذي أشار إليه شيخ الإسلام بأنه تقدم ما نقله عن أبي القاسم النيسابوري الأنصاري (3) - شارح الإرشاد للجويني - فإنه قال في كتابه هذا حين نقل منع الجويني إثبات الصفات بظواهر الآيات: " هذا ما قاله الإمام، وقد رأيت في كتب الأستاذ أبي إسحاق (4)
قال: ومما ثبت من الصفات بالشرع الاستواء على العرش، والمجيء يوم القيامة بقوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} (طه:5) ، وقوله: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً} (الفجر:22) ، ومما ثبت بالأخبار الصحيحة النزول إلى السماء الدنيا كل ليلة (5) ، وقوله: " أنا عند ظن عبدي بي، فليظن--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (7/186-219) ، وانظر: النبوات (ص:62) .
(2) نقض التأسيس المطبوع (2/86-87) .
(3) هو أبو القاسم سلمان بن ناصر بن عمران النيسابوري، الصوفي، الشافعي، تتلمذ على الجويني وخدم القشيري، وتتلمذ عليه الشهرستاني، اشتهر بالتصوف والتبحر في علم الكلام من أشهر كتبه شرح الإرشاد للجويني، توفي سنة 511هـ، وقيل 512هـ، انظر: تهذيب ابن عساكر (6/213) ، وطبقات السبكي (7/96) ، وطبقات الأسنوي (1/64) ، والوافي (15/314) ، وسير أعلام النبلاء (19-412) .
(4) الأسفراييني. تقدمت ترجمته (ص: 239) ..
(5) أحاديث النزول مشهورة، مروية في كافة كتب السنة، رويت عن جمهرة من الصحابة - رض الله عنهم - البخاري - كتاب التجهد، باب الدعاء في الصلاة آخر الليل، رقمه (1145) ، (فتح الباري 3/29) ، الدعوات برقم (632) ، وفي التوحيد برقم (7494) ، ومسلم كتاب صلاة المسافرين -باب الترغيب في الدعاء والذكر برقم (758) ، وللدارقطني كتاب النزول، مطبوع.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 877)