Arabic source text

📘 মাওকিফু ইবনি তাইমিয়্যাহ মিনাল আশাইরাহ (আব্দুর রহমান বিন সালিহ আল-মাহমুদ)

📘 موقف ابن تيمية من الأشاعرة (عبد الرحمن بن صالح المحمود)

📘 মাওকিফু ইবনি তাইমিয়্যাহ মিনাল আশাইরাহ (আব্দুর রহমান বিন সালিহ আল-মাহমুদ)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
بي ما شاء "، " ومن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ". الحديث (1) . قال: وأجمع أهل النقل على قبول هذين الخبرين، وما هذا وصفه كان موجبا للعمل ومقبولا في مسائل القطع، هذا ما ذكره الأستاذ في هذا الكتاب" (2) ، وهكذا فالاسفراييني وابن فورك يردان على الجويني في زعمه أن أخبار الآحاد -الثابتة- لا يحتج بها في العقائد لأنها لا تفيد العلم. وقد تقدم بيان هذه المسألة.
هذه بعض النماذج وهناك نماذج أخرى كثيرة (3) .
ب - ومن الأمثلة على الجانب الثاني، وهو ردود بعض الأشاعرة على بعض:
1- ذكر شيخ الإسلام أن كل طائفة تقول عن الأخرى إن مذهبها متناقض ومن هؤلاء الأشاعرة، فمثلا " نفاة الجهة منهم يقولون: إن أدلتهم (4) وأئمتهم الذين يقولون: إن الله تعالى فوق العرش وإنه ليس بجسم متناقضون، وكذلك نفاة الصفات الخبرية منهم يقولون: إن مثبتيها مع نفي الجسم متناقضون، حيث أثبتوا ما هو عرض في المخلوقات كالعلم والقدرة والحياة، وليس هو بعرض في حق الخالق، ولم يثبتوا ما هو جسم في حق المخلوق كاليد والوجه، ويقولون ليس بجسم في حق الخالق " (5) . وليس المقصود الإشارة إلى التناقض في مذهب الأشاعرة - لأن هذا سيأتي في الفقرة القادمة - وإنما المقصود أن كل طائفة ترد على الأخرى وتقول: إن قولها متناقض، وكلهم ينسبون أقوالهم إلى المذهب الأشعري.--------------------------------------------
(1) متفق عليه: البخاري كتاب التوحيد، باب ويحذركم الله نفسه، ورقمه 7405، الفتح (13/384) ، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب الحث على ذكر الله، ورقمه 2675.
(2) عن نقض التأسيس المطبوع (1/82-83) .
(3) انظر مثلا: درء التعارض (4/111-115، 215-216، 7/245-247) .
(4) كذا في المطبوع.
(5) نقض التأسيس المطبوع (1/93-94) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 878)

2- وفي مسألة دليل حدوث الأجسام، ذكر شيخ الإسلام براهين الرازي على حدوث الأجسام وحدوث العالم، ثم ذكر اعتراضات الآمدي على كل واحدة منها وقال: " وكان المقصود ما ذكروه في تناهي الحوادث، ولهذا لم يعتمد الآمدي في مسألة حدوث العالم على شيء من هذه الطرق، بل بين ضعفها، واحتج بما هو مثلها أو دونها في الضعف … والوجوه التي ضعف بها الآمدي ما احتج به من قبله على حدوث الأجسام يوافق كثير منها ما ذكره الأرموي، وهو [أي الآمدي] متقدم على الأرموي، فإما أن يكون الأرموي رأى كلامه وأنه صحيح فوافقه، وإما أن يكون وافق الخاطر الخاطر كما يوافق الحافر الحافر، أو يكون الأرموي والآمدي أخذا ذلك أو بعضه من كلام الرازي أو غيره، وهذا الإحتمال أرجح … وبكل حال فهما - مع الرازي ونحوه - من أفضل بني جنسهم من المتأخرين، فاتفاقهما دليل على قوة هذه المعارضات، لا سيما إذا كان الناظر فيها ممن له بصيرة من نفسه، يعرف بها الحق من الباطل في ذلك، بل يكون تعظيمه لهذه البراهين لأن كثيرا من المتكلمين من هؤلاء وغيرهم اعتمد عليها في حدوث الأجسام، فإذا رأى هؤلاء وغيرهم من النظار قدح فيها وبين فسادها علم أن نفس النظار مختلفون في هذه المسألة، وأن هؤلاء الذين يحتجون بها هم بعينهم يقدحون فيها وعلى القدح فيها استقر أمرهم، وكذلك غيرهم قدح فيها كأبي حامد الغزالي وغيره " (1) . وقد نقل شيخ الإسلام أقوال كل من الرازي والآمدي والأرموي، وقدح هذين في أدلة حدوث الأجسام التي ذكرها الرازي، نقل كل ذلك من كتبهم، وهو يدل على الاستقصاء الممتاز الذي يتميز به منهج شيخ الإسلام، وهذا الاستقصاء والمتابعة تفيد كثيرا في بيان كيف يرد بعض هؤلاء على بعض، مما يبين فساد الحجج التي يقوم عليها مذهبهم.
3- ومن المسائل المشهورة عند الأشاعرة قولهم: إن الأعراض لا تبقى زمانين ليقولوا: إنها حادثة وإن الجسم لا يخلو منها فيكون الجسم حادثا، وبنوا على ذلك دليل حدوث العالم، كما أن من المسائل المشهورة قولهم: إن الأفعال--------------------------------------------
(1) انظر درء التعارض (3/30-31) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 879)

يجب تناهيها على امتناع حوادث لا أول لها. يقول شيخ الإسلام معلقا على هذه المقدمات العقلية مبينا كيف طعن فيها علماؤهم: "وغاية هؤلاء أن الأعراض لا تبقى زمانين، وجمهور العقلاء يخالفون في ذلك. وأن الأفعال يجب تناهيها، وقد علم نزاع العقلاء فيها، وجمهورهم يمنعون امتناع تناهيها من الطرفين (1) .
وقد ذكرنا اعتراض الأرموي وغيره على شيوخه في هذه المقدمات، وقد سبقه إلى ذلك الرازي وغيره، وقدحوا فيها قدحا بينوا به فسادها على وجه لم يتعرضوا عليه وإن كان الرازي يعتمدها في مواضع أخر، فنظره استقر على القدح فيها.
وكذلك الأثير الأبهري في كتابه المعروف "بتحرير الدلائل في تقرير المسائل " هو وغيره قدحوا في تلك الطرق وبينوا فساد عمدة الدليل، وهو بطلان حوادث لا أول لها " (2) .
وإذا كان الأمر كذلك فإن الأدلة العقلية التي هي عماد المذهب الأشعري طعن فيها بعض أعلامهم. وبذلك لم يأت رد المذهب ونقضه من خارج رجاله حتى يقال: إن هذه حال جميع الطوائف يرد بعضها على بعض، بل جاء الرد والنقض من داخل المذهب ومن رجال يعتبرون من العمد التي يرتكز عليها أتباع المذهب كل في زمنه وعصره.
وهناك أمثلة أخرى (3) . وهي تدل مع ما سبق على أن شيخ الإسلام كان صاحب منهج متميز، تأتي ردوده مركزة ومقصودة وموثقة، ولم تكن ردودا عفوية يأتي بها من خلال المناقشة، خاصة في مثل هذه الطريقة التي تقتضي جمع الأقوال من المصادر المختلفة، وبيان كيف ينقض بعضها بعضا، ويرد بعضهم على بعض.--------------------------------------------
(1) أي الماضي والمستقبل، فيقولون: إنها تتناهى في الماضي، ولا تتناهى في المستقبل لأن نعيم الجنة لا ينفد.
(2) درء التعارض (6/185) ، وانظر (8/157) .
(3) انظر مثلا: درء التعارض (5/290) حيث إن كلام الرازي يرد على الجويني في مسألة أول واجب على المكلف، وانظر أيضا: شرح الأصفهانية (ص: 35-36) ، وكيف كان أبو حامد الأسفراييني يرد على الباقلاني في مسألة كلام الله.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 880)

‌‌تاسعا: تناقض الأشاعرة:
وهذا من أبرز السمات العامة لمنهج شيخ الإسلام في ردوده على الأشاعرة، وقد استخدمه كثيرا وهو يناقش المسائل الكثيرة التي خالفوا فيها مذهب السلف.
والسؤال الذي يرد هنا هو: هل كان هذا المذهب يحمل في طياته منذ نشأته مبدأ التناقض؟ وبعبارة أخرى هل المنهج التلفيقي الذي أراده مؤسسوه، أن يبنوا عليه هذا المذهب أدى إلى الوقوع في التناقض؟
إن كلام شيخ الإسلام يدل على أنه يجيب بالإيجاب، فهو يقول عن أبي الحسن الأشعري بعد دفاعه عنه: " لكن كانت خبرته بالكلام خبرة مفصلة، وخبرته بالسنة خبرة مجملة، فلذلك وافق المعتزلة في بعض أصولهم التي التزموا لأجلها خلاف السنة، وأعتقد أنه يمكنه الجمع بين تلك الأصول وبين الانتصار للسنة، كما فعل في مسألة الرؤية والكلام والصفات الخبرية وغير ذلك. والمخالفون له من أهل السنة والحديث، ومن المعتزلة والفلاسفة، يقولون: إنه متناقض، وإن ما وافق فيه المعتزلة يناقض ما وافق فيه أهل السنة " (1) ، ويقول أيضا عن ابن كلاب والقلانسي والأشعري: " لكن في أقوالهم شيء من أصول الجهمية، وما يقول الناس: إنه يلزمهم بسببه التناقض، وأنهم جمعوا بين الضدين، وأنهم قالوا ما لا يعقل، ويجعلونهم مذبذبين، لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء فهذا وجه من يجعل في قولهم شيئا من أقوال الجهمية " (2) . وهنا جمع شيخ الإسلام بين الأشعري وشيوخه من الكلابية في وقوعهم في التناقض.
ولا شك أن الأشعري أراد أن يجمع بين الإيمان ببعض أصول المعتزلة والجهمية مع اتباع مذهب السلف، ولما كانت خبرته بمذهب السلف قليلة أراد أن يجمع بين تلك الأصول ومذهب السلف الذي حكاه بإجمال، حكى بعضه كما يعتقده، لا كما هو في واقع الأمر. يقول شيخ الإسلام عن الأشعري: " وأقرب--------------------------------------------
(1) المسألة المصرية في القرآن، مجموع الفتاوى (12/204-205) .
(2) المصدر السابق (12/206) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 881)

الأقوال إليه قول ابن كلاب، فأما ابن كلاب فقوله مشوب بقول الجهمية، وهو مركب من قول أهل السنة وقول الجهمية. وكذلك الأشعري في الصفات.
وأما في القدر والإيمان فقوله قول الجهم. وأما ما حكاه عن أهل السنة والحديث وقال: " وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول إليه نذهب " (1) ، فهو أقرب ما ذكره، وبعضه ذكره عنهم على وجهه، وبعضه تصرف فيه وخلطه بما هو من أقوال جهم في الصفات والقدر؛ إذ كان هو نفسه يعتقد صحة تلك الأصول. وهو يحب الانتصار لأهل السنة والحديث، وموافقتهم، فأراد أن يجمع بين ما رآه من رأى أولئك، وبين ما نقله عن هؤلاء، ولهذا يقول فيه طائفة: إنه خرج من التصريح إلى التمويه، كما يقوله طائفة: إنهم الجهمية الأناث، وأولئك الجهمية الذكور " (2) .
والتناقض الذي وقع فيه متقدمو الأشعرية، موجود في مذهبهم في الصفات، وكلام الله، والقدر، وغير ذلك من المسائل التي خالفوا فيها أهل السنة.
والشيء الملفت هنا - أن المتأخرين من الأشاعرة، وهم أكثر تناقضا - اتهموا المتقدمين من أئمتهم بالتناقض، يقول شيخ الإسلام عن ابن كلاب والأشعري وبعض الصفاتية: إنهم يقولون: إن الله تعالى فوق العرش، وإنه مع ذلك ليس بجسم ولا متحيز قال شيخ الإسلام: " والمنازعون لهم في كونه فوق العرش كالرازي ومتأخري الأشعرية وكالمعتزلة يدعون أن هذا تناقض مخالف للضرورة العقلية "، ثم يقول في المفاضلة بين الأولين - أي متأخري الأشعرية كالرازي والجويني - وهؤلاء - أي متقدمي الأشعرية -: " تبين أن الأولين أعظم مخالفة للضرورة العقلية، وأعظم تناقضا من هؤلاء، وأن هؤلاء [أي الجويني وابن كلاب] لا يسع أحدهم في نظره ولا مناظراته أن يوافق أولئك على ما سلكوه من النفي فرارا مما ألزموه إياه من التناقض؛ لأنه يكون كالمستجير من الرمضاء بالنار، فيكون الذي وقع فيه من التناقض ومخالفة الفطرة الضرورية العقلية أعظم مما فر منه، مع ما في ذلك من مخالفة القرآن والسنة وما اتفق عليه سلف الأمة،--------------------------------------------
(1) المقالات للأشعري (ص: 297) - ت ريتر (1/325) ط عبد الحميد.
(2) مجموع الفتاوى (16/308-309) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 882)

وإن كان قد يضطر إلى نوع باطل في الأول، فإنه بمنزلة قول الواقف في الرمضاء: إنا أجد حرارتها وألمها، فيقال له: النار التي فررت إليها أعظم حرارة وألما، وإن كنت لا تجدها حين وقوفك على الرمضاء، بل تجدها حين تباشرها - فيكون قد فر من نوع تناقض وخلاف بعض الضرورة، فوقع في أنواع من التناقضات ومخالفة الضرورات، وبقي ما امتاز به الأول في كلامه من الزندقة والإلحاد، ومشاقة الرسول من بعد ما تبين له الهدى، واتباع سبيل المؤمنين: زيادة على ذلك " (1) .
وهؤلاء المتأخرون إنما رموا أئمتهم المتقدمين بالتناقض لأنهم كانوا عارفين بالأصول العقلية التي اعتمدها هؤلاء، وأنها تقتضي أن يلتزموا لوازمها وأن لا يهابوا أهل الحديث بل يصرحوا بما تقتضيه هذه الأصول ولوازمها. وهذا هو ما فعله المتأخرون وطبقوه (2) .
واتهام المتأخرين للمتقدمين بالتناقض يدل عليه ما حوته كتبهم التي صرحوا فيها بمخالفة السلف ومخالفة أئمتهم، وما يذكرونه من الأدلة والمناقشات لعقائدهم - وخاصة في مسائل العلو والاستواء، والصفات الخبرية، والرؤية - تحمل في ثناياها الاتهام لشيوخهم وأئمتهم بالتناقض، وهم قد لا يصرحون بذلك لأن هؤلاء هم أئمة المذهب، وبهم يقتدون في المسائل الأخرى التي وافقوهم فيها.
ومع ذلك فأحيانا يصرحون: ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره أبو المعالي الجويني في مسألة الصفات الخبرية كالوجه واليدين، التي أثبتها متقدمو الأشعرية الذين ينفون الصفات الاختيارية عن الله تعالى، ولذلك يؤولون الاستواء والنزول والمجيء، إما بتأويلات صريحة كما فعل المتأخرون، وإما بجعلها من صفات الذات لا من صفات الفعل، وأن الاستواء - مثلا - فعل فعله الله في العرش سماه استواء، كما هو قول الأشعري - فالجويني يقول لهؤلاء إذا كنتم--------------------------------------------
(1) نقض التأسيس المطبوع (2/110-111) ، وقد بين فيما بعد تناقض المتقدمين والمتأخرين من الأشعرية وأن كلا منهم اتهم الآخر بالتناقض [ومعلوم أن اتهام المتقدمين للمتأخرين إنما هو بواقع الحال لا بالمقال] ، انظر: نقض التأسيس المخطوط (3/200-202) .
(2) انظر: مجموع الفتاوى (16/309) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 883)

أثبتم الصفات الخبرية بظواهر الآيات فيلزمكم أن تثبتوا بقية الصفات كالاستواء والنزول والجنب بظواهر النصوص أيضا، أما إذا سوغتم تأويل هذه فلا يبعد تأويل الصفات الخبرية: يقول الجويني عن الصفات الخبرية، " ومن سلك من أصحابنا سبيل إثبات هذه الصفات بظواهر هذه الآيات ألزمه سوق كلامه أن يجعل الاستواء والمجيء والنزول والجنب من الصفات تمكسا بالظاهر، فإن ساغ تأويلها فيما يتفق عليه، لم يبعد أيضا طريق التأويل فيما ذكرناه " (1) .
فهو يقول: إن تأويل هذه والمنع من تأويل تلك تناقض. فإما إثبات الجميع، أو تأويل الجميع. ويلاحظ أن هذا يقال للجويني أيضا.
والنماذج التي ذكرها شيخ الإسلام لتناقض الأشاعرة كثيرة، ومن أمثلتها:
1- ذكر شيخ الإسلام - في أثناء رده على الجويني - الذي سمى أصحابه أهل الحق وذكر ما يتميزون به عن المعتزلة، وتكلم بكلام عجيب حول أخبار الصفات حتى إن الإمام القرطبي انتقد كلامه في ذلك (2) - أنواعا كثيرة من التناقضات في المذهب الأشعري، فقال - بعد رده على الجويني من وجوه عديدة -: " الوجه الرابع عشر أن يقال له: هؤلاء الذي سميتم أهل الحق، وجعلتهم قاموا من تحقيق أصول الدين بما لم يقم به الصحابة، هم متناقضون في الشرعيات والعقليات:
أما الشرعيات: فإنهم تارة يتأولون نصوص الكتاب والسنة، وتارة يبطلون التأويل، فإذا ناظروا الفلاسفة والمعتزلة - الذين يتأولون نصوص الصفات مطلقا، ردوا عليهم، وأثبتوا لله الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر ونحو ذلك من الصفات - وإذا ناظروا من يثبت صفات أخرى دل عليها الكتاب والسنة كالمحبة والرضا والغضب والمقت والفرح والضحك ونحو ذلك تأولوها، وليس لهم فرق مضبوط بين ما يتأول وما لا يتأول، بل منهم من يحيل على العقل،--------------------------------------------
(1) الإرشاد للجويني (ص: 157-158) .
(2) انظر: كلام الجويني وتعليق القرطبي في التسعينية (ص: 244-245) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 884)

ومنهم من يحيل على الكشف، فأكثر متكلميهم يقولون: ما علم الله ثبوته بالعقل لا يتأول، وما لم يعلم ثبوته بالعقل يتأول، ومنهم من يقول: ما علم ثبوته بالكشف والنور الإلهي لا يتأول، وما لم يعلم ثبوته بالعقل يتأول، وكلا الطريقين ضلال وخطأ من وجوه … (1) "، ثم قال: " وأما تناقضهم في العقليات فلا يحصى:
" مثل قولهم: إن الباري لا يقوم به الأعراض، ولكن تقوم به الصفات والأعراض في المخلوق هو عندهم صفة وهو عندهم عرض، ثم قالوا في الحياة ونحوها هي في حق الخالق صفات وليست بأعراض، إذ العرض هو ما لا يبقى زمانين، والصفة القديمة باقية … ".
" وكذلك قولهم: إن الله يرى كما ترى الشمس والقمر من غير مواجهة ولا معاينة وأن كل موجود يرى حتى الطعم واللون ".
" وأن المعنى الواحد القائم بذات المتكلم يكون أمرا بكل ما أمر به ونهيا عن كل ما نهى عنه، وخبرا بكل ما أخبر به، وذلك المعنى إن عبر عنه بالعربية فهو القرآن، وإن عبر عنه بالعبرانية فهو التوراة، وإن عبر عنه بالسريانية فهو الإنجيل، وأن الأمر والنهي والخبر صفات للكلام لا أنواع له وأن هذا المعنى يسمع بالأذن - على قول بعضهم إن السمع عنده متعلق بكل موجود - وعلى قول بعضهم إنه لا يسمع بالأذن، لكن بلطيفة جعلت في قلبه، فجعلوا السمع من جنس الإلهام … ".
" ومثل قولهم: إن القديم لا يجوز عليه الحركة والسكون ونحو ذلك لأن هذه لا تقوم إلا بمتحيز، وقالوا: إن القدرة والحياة ونحوهما يقوم بقديم غير متحيز. وجمهور العقلاء يقولون: إن هذا فرق بين المتماثلين.
" وكذلك زعمهم أن قيام الأعراض التي هي صفات قائمة بالرب ولا تدل على حدوثه " (2) .--------------------------------------------
(1) التسعينية (257-258) .
(2) التسعينية (ص: 259-260) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 885)

ثم ذكر شيخ الإسلام نماذج أخرى (1) ، ويلاحظ هنا أن شيخ الإسلام اقتصر على ذكر وجه التناقض، ولم يكن هدفه أن يبين وجه الحق في في كل مسألة ذكرها، فمثلا في المسألة الأخيرة التي فرقوا فيها بين الصفات والأعراض فقالوا إن الأعراض إذا قامت بالمحل دلت على حدوثه، وأما الصفات فهي قائمة بالله ولا تدل على حدوثه، بين شيخ الإسلام أن هذا تناقض لأن قيام الأعراض إن دلت على الحدوث فالصفات كذلك، وقيام الصفات إن لم تدل على الحدوث فالأعراض كذلك، والمقصود أن لا يفهم من ظاهر عبارة الشيخ أنه ينكر قولهم: إن الصفات قائمة بالرب ولا تدل على حدوثه، بل هو ينكر ويبين تناقضهم، وإلا فالله تعالى تقوم به الصفات، كما أنه تعالى يتكلم إذا شاء متى شاء، وينزل ويجيء إذا شاء - وهذه وإن سموها أعراضا - فهي لا تدل على حدوث البارئ تعالى.
2- ومن الأمثلة على تناقض الأشاعرة أنهم في مسألة الترجيح بلا مرجح مرة يقولون: إن القادر المختار يرجح أحد طرفي الممكن بلا مرجح، ومرة يقولون بعكس ذلك وأن القادر لا يرجح أحد طرفي الممكن إلا بمرجح، وسبب التناقض اختلاف الحالة التي يستدلون لها: فإنهم إن كانوا في موقع مناظرة الفلاسفة الدهرية حول حدوث العالم، ردوا عليهم بقولهم " إن القادر يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح، وقالوا: إن ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر بغير مرجح يصح من القادر المختار ولا يصح من العلة الواجبة " (2) ، ويلاحظ أن هذا جواب للمعتزلة أيضا يجيبون به الفلاسفة. وإن كانوا في موقع الرد على القدرية المعتزلة في مسألة خلق أفعال العباد وأن الله هو الخالق لها ردوا عليهم بقولهم: " إنه لا يتصور ترجيح الممكن، لا من قادر ولا من غيره إلا بمرجح يجب عنده وجود الأثر " (3) ، يقول شيخ الإسلام معلقا على الأشاعرة: " فهؤلاء إذا ناظروا الفلاسفة في مسألة حدوث العالم لم يجيبوهم إلا بجواب المعتزلة، وهم دائما إذا ناظروا المعتزلة في مسائل القدر يحتجون عليهم بهذه الحجة التي احتجت بها--------------------------------------------
(1) انظر المصدر السابق (ص: 260 - 261) .
(2) انظر: درء التعارض (9/166) .
(3) المصدر السابق (1/326) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 886)

الفلاسفة، فإن كانت هذه الحجة صحيحة بطل احتجاجهم على المعتزلة، وإن كانت باطلة بطل جوابهم للفلاسفة. وهذا غالب على المتفلسفة والمتكلمين المخالفين للكتاب والسنة تجدهم دائماً يتناقضون، فيحتجون بالحجة التي يزعمون أنها برهان باهر، ثم في موضع آخر يقولون: إن بديهة العقل يعلم بها فساد هذه الحجة" (1) .
وهذا يشبه تناقض الأشاعرة في مسألة أصوات العباد، حيث إنهم حينما يردون على المعتزلة يقولون: إنها ليست فعلاً للعباد، فإذا جاءوا إلى مسألة القرآن قالوا: أصوات العباد فعل لهم وهذا تناقض (2) .
3- وفي موضوع النبوات وما يتعلق بها من المعجزات الدالة على صدق الأنبياء ذكر شيخ الإسلام جوانب كثيرة دالة على تناقضهم:
من ذلك أن بعضهم يقول: إن دلالة المعجزة على التصديق معلومة بالاضطرار، ثم يقولون: إن الله لا يفعل لحكمة، وليست أفعاله تعالى معللة. وهذا تناقض إذ كيف تدل المعجزة - التي هي من أفعال الله ومفعولاته - على صدق النبي، والله لا يفعل لحكمة أبداً؟ يقول شيخ الإسلام: "وأما الطريقة الثانية وهي أجود وهي التي اختارها أبو المعالي وأمثاله، فهو أن دلالة المعجز على التصديق معلوم بالاضطرار، وهذه طريقة صحيحة لمن اعتقد أن الله يفعل لحكمة، وأما إذا قيل: إنه لا يفعل لحكمة انتفى العلم الاضطراري. والأمثلة التي يذكرونها كالملك الذي جعل آية لرسوله خارجاً عن عادته، إنما دلت للعلم بأن الملك يفعل شيئاً لشيء، فإذا نفوا هذا بطلت الدلالة" (3) .
ومثل ذلك من علق صدق النبوة على القدرة، وأن الله قادر على أن يميز بين الصادق والكاذب، إنما صح ذلك مع إثبات الحكمة والتعليل، أما مع نفيها فهو متناقض (4) .--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (1/326) .
(2) انظر: الصفدية (1/154) .
(3) النبوات (ص: 361) ، وانظر (ص: 56) .
(4) انظر: المصدر السابق (ص: 361-362) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 887)

ومن تناقضهم في هذا الباب قولهم عن المعجزات: إن الله لا يمكن أن يخلقها على يد كاذب، ثم يقولون: إن الله لا ينزه عن فعل أي ممكن، وأنه لا يقبح منه فعل، وحينئذ فيقال لهم قولكم متناقض لأنه إذا جاز أن يفعل الله القبيح جاز أن يخلق المعجزة على يد كذاب، يقول شيخ الإسلام معلقاً على قولهم إن الله لا يمكن أن يخلق المعجزة على يد كاذب: "لكن المطالب يقول: كيف يستقيم على أصلكم أن يكون ذلك دليل الصدق، وهو أمر حادث مقدور، وكل مقدور يصح عندكم أن يفعله الله، ولو كان فيه من الفساد ما كان، فإنه عندكم لا ينزه عن فعل ممكن، ولا يقبح منه فعل، فحينئذ إذا خلق على يد الكاذب مثل هذه الخوارق لم يكن ممتنعاً على أصلكم، وهي لا تدل على الصدق البتة على أصلكم … فأنتم بين أمرين: إن قلتم لا يمكنه خلقها على يد الكاذب وكان ظهورها ممتنعاً فقد قلتم: إنه لا يقدر على إحداث حادث قد فعله مثله، وهذا تصريح بعجزه … وإن قلتم: يقدر، لكنه لا يفعل، فهذا حق وهو ينقض أصلكم" (1) . ومعلوم أن من أكثر ما تخبط فيه الأشاعرة مسألة المعجزات.
4- ومن الأمثلة على تناقضهم قولهم: إن أول الواجبات هو المعرفة أو النظر ثم يقولون لا واجب إلا بالشرع خلافاً للمعتزلة، وهذا تناقض بين (2) .
والأمثلة على تناقض الأشاعرة كثيرة، وماسبق كاف لإثبات ذلك، وهناك جوانب أخرى من تناقضهم ذكرها شيخ الإسلام (3) .
5- ويذكر شيخ الإسلام - إضافة إلى ما سبق - تناقض بعض أعلامهم:
آ- ومن ذلك تناقض الشهرستاني والرازي والآمدي الذين أثبتوا جواهر معقولة غير متحيزة موافقة للفلاسفة الدهرية: وقالوا: إنه لا دليل على نفيها: يقول شيخ الإسلام مخاطباً هؤلاء حول العلو ونفيهم له لالتزامه على زعمهم التحيز:--------------------------------------------
(1) انظر: المصدر السابق (ص: 154-155) .
(2) انظر: درء التعارض (8/12-16) .
(3) انظر مثلاً: نقض التأسيس المخطوط (3/167) ، ودرء التعارض) 1/357، 2/390، 3/206-207، 254-256، 5/238، 343-345) ومجموع الفتاوى (5/209-289) ، والتسعينية (ص: 168-169، 221) وشرح الأصفهانية (ص: 153،355) -ت العودة، وغيرها.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 888)

"أنتم إذا ناظرتم الملاحدة المكذبين للرسل فادعوا إثبات جواهر غير متحيزة عجزتم عن دفعهم أو فرطتم فقلتم: لا نعلم دليلاً على نفيها أو قلتم بإثباتها. وإذا ناظرتم إخوانكم المسلمين الذين قالوا بمقتضى النصوص الإلهية والطريقة السلفية وفطرة الله التي فطر عباده عليها، والدلائل العقلية السليمة عن المعارض وقالوا: إن الخالق تعالى فوق خلقه، سعيتم في نفي لوازم هذا القول وموجباته وقلتم: لا معنى للجوهر إلا المتحيز بذاته، فإن كان هذا القول حقاً فادفعوا به الفلاسفة الملاحدة، وإن كان باطلاً فلا تعارضوا به المسلمين، أما كونه يكون حقاً إذا دفعتم ما يقوله إخوانكم المسلمين، ويكون باطلاً إذا عجزتم عن دفع الملاحدة في الدين فهذا طريق من بخس حظه من العقل والدين وحسن النظر والمناظرة عقلاً وشرعاً" (1) . فهذا التناقض إنما هو لمن قال بالجواهر العقلية، أو قال إنه لا دليل على نفيها، وهؤلاء مع الغزالي لهم تناقضات أخرى في المنطق وما يتعلق به من مسألة تماثل الأجسام أشار شيخ الإسلام إلى جوانب منها (2) .
ب- تناقض الرازي، وقد أشار شيخ الإسلام إلى أمثلة عديدة من تناقضه ومن ذلك:
1- تناقضه في مسألة حدوث الأجسام، فمرة يثبته، ومرة يذكر فساد حجج من يثبته (3) .
2- وفي إثبات العلو قال في نفيه بالدليل العقلي: إنه يلزم منه النقص على الله تعالى، وفي نهاية العقول ذكر أن امتناع النقص على الله لم يعلم بالعقل (4) .
3- وسورة الإخلاص {قُلْ هو الله أحد * الله الصمد} [الإخلاص: 1-2] قال فيها مرة إنها من المحكمات. وفي موضع آخر جعلها من المتشابهات (5) .--------------------------------------------
(1) درء التعارض (4/163) .
(2) انظر: درء التعارض (4/173-182) . وهو من المباحث المهمة في بيان تناقض هؤلاء.
(3) انظر: درء التعارض (4/290) .
(4) انظر: نقض التأسيس المطبوع (2/292-297) .
(5) انظر: نقض التأسيس المخطوط (2/54-55) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 889)

4- والجوهر الفرد وما يتعلق به من كون الحركة لها وجود أو ليس لها وجود، مرة أثبت ذلك ومرة نفاه (1) .
5- وهل القدرة تستلزم وجود المراد، مرة أثبت ذلك ومرة نفاه (2) . وغير ذلك (3) .
ج-- تناقض الآمدي، ومن ذلك:
1- قوله إن العلة قد تتقدم المعلول، وفي موضع آخر نفي ذلك (4) .
2- قوله بأن الله ليس بجوهر لأنه يلزم منه أن يكون مثل الجواهر الأخرى فلا تبقى له مزية على غيرها، لأنهما يتساويان فيما يجب ويجوز ويمتنع، ولكنه في مسألة دليل حدوث الأجسام قال: "ولا يلزم من كون القديم مماثلاً للحوادث من وجه أن يكون مماثلاً للحادث من جهة كونه حادثاً، بل لا مانع من الاختلاف بينهما في صفة القدم والحدوث وإن تماثلا بأمر آخر" (5) ، وهذا يناقض ما ذكر في مسألة الجواهر (6) .
3- وفي موضوع "التركيب" تناقض قوله تناقضاً عظيماً، وذكر شيخ الإسلام نماذج له (7) .
4- وفي مسألة وجود الكلي المطلق هل يوجد مطلقاً أو لا يوجد إلا معيناً؟ مرة قال بهذا ومرة بهذا (8) .
هذه نماذج لتناقض الأشاعرة في مذهبهم، وفي أقوال أئمتهم، ولا شك أن وجود التناقض وكثرته يدل على ضعف المذهب، وضعف الأدلة التي بني عليها.--------------------------------------------
(1) انظر شرح الأصفهانية (ص: 306) ت العودة.
(2) انظر: المصدر السابق (ص: 351-352) ت العودة.
(3) انظر مثلاً: نقض التأسيس المطبوع (2/111) .
(4) انظر: درء التعارض (3/61-62) .
(5) انظر: المصدر السابق (4/167-168) .
(6) انظر: المصدر نفسه (4/165-168) .
(7) انظر: المصدر نفسه (232-246) .
(8) انظر: المصدر نفسه (5/109-110، 118-119، 120-124) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 890)

‌‌عاشراً: حيرة الأشاعرة وشكهم ورجوعهم:
لاشك أن هذا متولد عن الوجه السابق الذي هو التناقض، لأن وجود التناقض في المذهب وفي طرق الاستدلال له يؤدي إلى عدم الثقة فيه فإذا انضاف إلى ذلك تعظيم شيوخ المذهب وأنهم لا يمكن أن يقولوا إلا ما هو حق موافق للعقل؛ فإن الأمر يتطور إلى الشك والحيرة، والرجوع لمن هدى الله منهم.
وكل ذلك لأجل أنهم خاضوا في علم الكلام والفلسفة، وتركوا الاعتماد على الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح ولذلك صار لهم سمات خاصة بهم منها:
"إنك تجدهم أعظم الناس شكاً واضطراباً، وأضعف الناس علماً ويقيناً … " (1) .
ومنها: "إنك تجد أهل الكلام أكثر الناس انتقالاً من قول إلى قول وجزماً بالقول في موضع، وجزماً بنقيضه وتكفير قائله في موضع آخر وهذا دليل عدم اليقين" (2) .
ومنها: أن منتهى هؤلاء المعرضين عن الكتاب المعارضين له: "السفسطة في العقليات والقرمطة في السمعيات، يتأولون كلام الله وكلام رسوله بتأويلات يعلم بالاضطرار أن الله ورسوله لم يردها بكلامه، وينتهون في أدلتهم العقلية إلى ما يعلم فساده بالحس والضرورة العقلية، ثم إن فضلاءهم يتفطنون لما بهم من ذلك فيصيرون في الشك والحيرة والارتياب وهذا منتهى كل من عارض نصوص الكتاب" (3) .
فالشك والحيرة - خاصة في المسائل الكبار - من سمات أهل الكلام، وفي مقدمتهم أعلام الأشاعرة، وقد استخدم شيخ الإسلام في منهجه وردوده عليهم هذه الطريقة التي تبين أن كل من أعرض عن كتاب الله وسنة رسوله فهذا مآله ومنتهاه، كما أنها تدل على حقيقة هؤلاء الأعلام المشهورين الذين يقتدى بهم فئام وفئام من الناس.--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (4/27) - وقد شرح شيخ الإسلام ذلك وضرب له عدة أمثلة.
(2) المصدر السابق (4/50) .
(3) درء التعارض (5/256) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 891)

أما رجوع كثير منهم عما كان عليه وتعويله على الكتاب والسنة ففيه دلالة قوية على بطلان ما كانوا عليه، وهو حجة قاطعة على أن تعويل السلف على النصوص الواردة عن الله وعن رسوله - صلى الله عليه وسلم لم يكن عن جهل بما عداها مما هو موجود في عهدهم من مذاهب اليونان وغيرها، وإنما كان نابعاً من اعتقاد جازم وإيمان عميق أن الهدى والرشاد والطمأنينة القلبية لن تكون إلا باتباع الوحي المنزل.
وشيخ الإسلام وهو يذكر ما في رجوع أهل الكلام من الخير لهم ولغيرهم إلا أنه يثير مشكلة كتبهم التي انتشرت وتناقلها الناس فيقول: "وأما اعتراف المتكلمة من الإسلاميين فكثير، وقد جمع العلماء فيه شيئاً، وذكروا رجوع أكبارهم عما كانوا يقولونه، وتوبتهم، إما عند الموت، وإما قبل الموت، وهذا من أسباب الرحمة إن شاء الله في هذه الأمة، فإن الله يقبل التوبة من عباده، ويعفو عن السيئات، وهذا أصح القولين في قبول توبة الداعي، لكن بقاء كتبهم وآثارهم محنة عظيمة في الأمة، وفتنة عظيمة لمن نظر فيها، ولا حول ولا قوة إلا بالله" (1) .
إن شيخ الإسلام وهو يقول هذا الكلام الرقيق، بحيث يجعل رجوع هؤلاء من أسباب الرحمة في هذه الأمة لأن الله تعالى يقبل التوبة عن عباده، لا ينسى الجانب الآخر وهو أن هؤلاء تابوا ورجعوا ولكن كتبهم بقيت، يتناقلها الناس ويفتنون بها، وهذا يفسر ما قام به شيخ الإسلام من ردود طويلة على هؤلاء وعلى كتبهم، وإن كان قد أثر عنهم التوبة والرجوع.
وعلماء وفضلاء الأشعرية معترفون بما في مذهب الأشعري من إشكالات حتى إن العالم الفاضل المجاهد العز بن عبد السلام لما قيل له في مسألة القرآن: كيف يعقل شيء واحد هو أمر ونهي وخبر واستخبار؟ قال رحمه الله: "ما هذا بأول إشكال ورد على مذهب الأشعري" (2) .--------------------------------------------
(1) الاستقامة (1/79-80) .
(2) التسعينية (ص: 261) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 892)

وقد سبق في تراجم أعلام الأشاعرة ذكر نماذج لرجوع بعضهم، وللحيرة والشك عند كثير منهم، ولا يخلو كتاب من كتب شيخ الإسلام العقدية من التعرض لهذه المسألة حتى إنه قال: "ولو جمعت ما بلغني في هذا الباب عن أعيان هؤلاء كفلان وفلان لكان شيئاً كثيراً، وما لم يبلغني من حيرتهم وشكهم أكثر وأكثر" (1) .
وهذه المسألة واضحة ومعروفة، ولذلك نكتفي بذكر نماذج من أقواله ونقوله عنهم:
1- يقول شيخ الإسلام مبيناً اضطراب الأشاعرة وعلى رأسهم الأشعري: "وقد قيل: إن الأشعري - مع أنه من أقربهم إلى السنة والحديث وأعلمهم بذلك - صنف في آخر عمره كتاباً في تكافؤ الأدلة، يعني أدلة علم الكلام فإن ذلك هو صناعته التي يحسن الكلام فيها، وما زال أئمتهم يخبرون بعدم الأدلة والهدى في طريهم، كما ذكرناه عن أبي حامد وغيره حتى قال أبو حامد الغزالي: أكثر الناس شكاً عند الموت أهل الكلام"، وهذا أبو عبد الله الرازي من أعظم الناس في هذا الباب - باب الحيرة والشك والاضطراب - لكن هو مسرف في هذا الباب له تهمة في التشكيك دون التحقيق، بخلاف غيره فإنه يحقق شيئاً ويثبت على نوع من الحق.. " (2) . والقول بتكافؤ الأدلة سمة عامة لغالب أئمة الأشاعرة خاصة في مثل المسائل الكبار كمسألة دليل حدوث الأجسام (3) .
2- وكثيراً ما يؤدي خوض هؤلاء في علم الكلام إلى الشك والوقف والحيرة، وهذه من الحالات الخطيرة، والأمراض المزمنة، لأن تؤدي بهؤلاء إلى أنواع من الشكوك التي قد يكون من أثارها زيغ القلوب - ولا حول ولا قوة إلا بالله - وشيخ الإسلام يبين أنه لما كثرت عند هؤلاء الأدلة العقلية وتناقضت وتناقض أصحابها أدى بمن اعتمد عليها إلى الحيرة والوقف، يقول - بعد إلى تناقض الأدلة العقلية عند هؤلاء: "ثم من جمع منهم بين هذه الحجج أداه الأمر--------------------------------------------
(1) درء التارض (1/166) .
(2) نقض المنطق (ص: 25-26) ، وهو في مجموع الفتاوى (4/28) ، وانظر منهاج السنة (3/68) .
(3) انظر: التسعينية (ص: 201) ، والدرء (1/164) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 893)

إلى تكافؤ الأدلة، فيبقى في الحيرة والوقف أو إلى التناقض وهو أن يقول هنا قولاً، ويقول هنا قولاً يناقضه كما تجده من حال كثير من هؤلاء المتكلمين والمتفلسفة، بل تجد أحدهم يجمع بين النقيضين أو بين رفع النقيضين، والنقيضان اللذان هما الإثبات والنفي لا يجتمعان ولا يرتفعان، بل هذا يفيد صاحبه الشك والوقف فيتردد بين الاعتقادين المتناقضين الإثبات والنفي، كما يتردد بين الإرادتين المتناقضين وهذا هو حال حذاق هؤلاء كأبي المعالي وأبي حامد والشهرستاني والرازي والآمدي" (1) .
3- والأشاعرة توقفوا حتى في أهم المسائل كمسألة الصفات، يقول شيخ الإسلام: "ومثل هذا النظر - وهو تعارض الأدلة التي يظن صاحبها أنها أدلة عقلية - يوجب الحيرة والشك والتوقف، ولهذا صرح طائفة من هؤلاء بالتوقف والحيرة في مسائل الصفات، وهذا شأن الرازي والآمدي وغيرهما في مسائل لهم، وهو منتهى نظر أهل النظر والكلام المذموم في الشرع، فإنه ينتهي بهم الأمر إلى الحيرة والشك كما قال ابن عقيل وغيره من العلماء: آخر المتكلمين الخارجين عن الشرع هو الشك، وآخر الصوفية الخارجين عن الشرع هو الشطح. وهو كما قالوا: فإن من تدبر كلام كثير منهم الثابت عنهم وجد منتهى أمرهم إلى الشك والتوقف، كما يوجد في كلام الرازي وغيره؛ فإنه واقف في مسألة الجوهر الفرد، ومسألة الصفات والأفعال وغير ذلك، كما هو أخبر به عن نفسه وكما يوجد في كتبه، وكذلك أبو حامد الغزالي واقف في كثير من المسائل، وكذلك أبو المعالي حصل له التوقف قبل أن يموت في الصفات الخبرية كالاستواء وفي قيام الأمور الاختيارية به" (2) .
4- ومن أعظم الأشاعرة حيرة واضطراباً الرازي والآمدي، فالرازي كثيراً ما "يعترف بالحيرة في المواضع العظيمة: مسائل الصفات وحدوث العالم، ونحو ذلك" (3) ، وقد صرح في آخر كتبه وهو المطالب العالية بتكافؤ الأدلة (4) ،--------------------------------------------
(1) الصفدية (1/294) .
(2) شرح الأصفهانية (ص: 71-82) - ت العودة، وكل نص من هذا الكتاب أحلت فيه على هذا التحقيق - الذي لا يزال مطبوعاً على الآلة الكاتبة - فهو من الزيادات التي ليست في المطبوعة.
(3) درء التعارض (4/290) .
(4) انظر: التسعينية (ص: 201) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 894)

وهو كثيراً ما يصرح بالحيرة (1) ، وقد انتقل هذا إلى كبار تلاميذه حتى إن أبرزهم - وهو الخسروشاهي - دخل عليه ابن بادة فقال له: يا فلان ما تعتقد؟ - قال ابن بادة - قلت: أعتقد ما يعتقده المسلمون. قال: وأنت جازم بذلك وصدرك منشرح له، قلت: نعم. قال فبكى بكاء عظيماً، أظنه قال: لكني والله ما أدري ما أعتقد، لكني والله ما أدري ما أعتقد، لكني والله ما أدري ما أعتقد" (2) . وهكذا تكون حيرة الأستاذ والتلاميذ.
أما الآمدي فكثيراً ما يصرح في المسائل العظام عند عرض الأدلة والمناقشات بمثل قوله: هذا إشكال مشكل، ولعل عند غيري حله (3) ، وذكر شيخ الإسلام عن الثقة أنه حدثه عنه أنه قال: "أمعنت النظر في الكلام وما استفدت منه شيئاً إلا ما عليه العوام، أو كلاماً هذا معناه" (4) .
5- ورجوع الأشاعرة وكلامه في ذلك كثير ومشهور، وعلى رأسهم الجويني (5) ، والشهرستاني (6) ، والرازي (7) ، وغيرهم.
وقد وفق شيخ الإسلام في التركيز على هذه المسألة، لأنه وإن كانت كتب هؤلاء موجودة، ويعتمد عليها كثير من أتباعهم، إلا أن بيان هذه القضية وإيضاحها للناس يفيد الموافق والمخالف، أما الموافق فتزيده ثقة فيما عنده من الحق المعتمد على الكتاب والسنة، وأما المخالف فلابد أن تزرع في نفسه شيئاً من عدم الثقة فيما يقول هؤلاء في كتبهم الكثيرة التي أعلنوا رجوعهم عنها ورضاهم بطريقة القرآن.--------------------------------------------
(1) انظر مثلاً: درء التعارض (3/12،88، 9/188-190) ، التسعينية (224-225) وشرح الأصفهانية (ص: 162-164) - ت العودة وغيرها.
(2) التسعينية (ص: 201-202) .
(3) انظر مثلاً: درء التعارض (1/162، 164، 3/93، 95، 282، 4/119، 232 - 233) وغيرها.
(4) انظر: درء التعارض (3/262) .
(5) انظر: درء التعارض (1/158، 4/173، 8/47) ، والتسعينية (ص: 251-252) ، والفتوى الحموية - مجموع الفتاوى (5/11) .
(6) انظر: مجموع الفتاوى (4/73) .
(7) انظر: درء التعارض (1/159-160) ، والحموية - مجموع الفتاوى (5/10-11) ، ومجموع الفتاوى (4/72) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 895)

‌‌حادي عشر: تسلط الفلاسفة والباطنية على المتكلمين:
النقد الذي وجهه شيخ الإسلام للمتكلمين - وفيهم الأشاعرة - من خلال هذا الموضوع - نقد فريد من نوعه، وهو يعتبر من أشد وأقسى ما وجه لهم من نقد. وتفرد شيخ الإسلام - فيما أعلم - بالتركيز على هذه المسألة إنما جاء نتيجة خبرته الواسعة بأقوال أهل الكلام وبأقوال أهل الفلسفة والباطنية، الذين كانوا يمثلون خطراً سياسياً وعقدياً على المجتمعات الإسلامية، خاصة قبيل وأثناء حياة شيخ الإسلام.
والناظر في تاريخ الفلاسفة، وتاريخ الحركات الباطنية، كالإسماعيلية ودولة الفاطميين، والقرامطة، وغيرها، يرد عليه سؤال محير، خلاصته: أن هذه الحركات الفلسفية والباطنية إذا كانت تقوم على صريح الكفر والإلحاد وتعطيل الشرائع، فكيف وجدت لها موطأ قدم، بل وأتباعاً بين المسلمين؟ وكيف لا تمضي فترة على شهرة الفيلسوف إلا وقد صار له أتباع وتلاميذ؟ وكيف أرسلت الدولة الفاطمية الباطنية دعاتها في مختلف أقطار العالم الإسلامي ليدعوا إلى نحلتهم، ثم يجد كثير من هؤلاء من يستجيب لهم؟. صحيح أن هؤلاء كانوا يستخدمون أساليب ملتوية، ويتظاهرون بالتشيع والرفض، ويقصدون أنواعاً من المناطق لا تخلو من وجود من يتستر بالزندقة، ولكن لماذا لم يبعث اليهود أو النصارى - وأولئك أشد كفراً منهم - بمن يدعو إلى نحلهم ومللهم، ولا شك أنهم سيحاولون لو كانوا يجدون من يستجيب لهم؟.
إن جانباً كبيراً من مدلول هذه الأسئلة يفسره هذا التسلط من جانب هؤلاء الملاحدة على المتكلمين المنتسبين إلى الأسلام، حين تلاعبوا بنصوص الوحي من الكتاب والسنة وأعملوا فيها آراءهم وعقولهم تأويلاً وتحريفاً.
إن الفيلسوف أو القرمطي لن يجد المشقة في إقناع أتباعه بما عنده من سفسطة أو قرمطة، إذا أطلعهم على أقوال وتأويلات هؤلاء المتكلمين - وقد يكون فيهم من هو من فقهاء الأمة وأعلامها - لأنه سيجد عند هؤلاء مقالات عجيبة،

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 896)

مثل قول كثير منهم: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، ولا حال فيه ولا بائن منه، أو قول بعضهم: إن الله في كل مكان، من غير حلول، وسيجد أيضاً من يؤول أكثر من ألف دليل من الكتاب والسنة دالة على إثبات علو الله تعالى وفوقيته على خلقه، وسيجد من يقول بإثبات رؤية الله في الدار الآخرة، ولكن من غير مقابلة ولا مواجهة، وسيجد من يقول: إن كلام الله معنى واحد، لا فرق فيه بين ما هو أمر أو نهي أو خبر. وسيجد غيرها من الأقوال التي تصادم العقول والنصوص.
فهل بعد ذلك سيجد الفيلسوف أو القرمطي أو الصوفي الغالي مشقة في إقناع أتباعه بتأويل نصوص المعاد، أو أنها خطاب للجمهور لإصلاح أحوالهم في الدنيا، أو تأويل نصوص العبادات والأوامر والنواهي؟.
حقاً إن ما عمله هؤلاء المتكلمون - حين خالفوا منهج ومذهب السلف في تلقي النصوص - أن فتحوا الباب لكل ملحد وزنديق أن يتأول كلام الله كيف يشاء.
والكلام هنا إنما هو لتفسير ما حدث، وليس للمفاضلة بين هؤلاء؛ إذ لا شك ولا ريب أن هؤلاء المتكلمين أفضل من أولئك، وأقوالهم أقرب إلى العقل والنقل من أقوال الملاحدة الخارجين عن الإسلام.
ولما كان من منهج شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على خصومه، بيان كيف وقع التسلط من هؤلاء الملاحدة، حرص على ذكر أسباب ذلك، مع ذكر أنواع من هذا التسلط.
فقد ذكر شيخ الإسلام عدة أسباب لتسلط هؤلاء على المتكلمين:
1- منها: "عدم علمهم بما بعث الله به الرسول صلى الله عليه وسلم، وعدم تحقيقهم لقواعد المعقول، فإن الأقوال المبتدعة لابد أن تكون مناقضة للعقل والشرع" (1) .--------------------------------------------
(1) شرح الأصفهانية (ص: 331) - ت العودة.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 897)