Arabic source text

📘 মাওকিফু ইবনি তাইমিয়্যাহ মিনাল আশাইরাহ (আব্দুর রহমান বিন সালিহ আল-মাহমুদ)

📘 موقف ابن تيمية من الأشاعرة (عبد الرحمن بن صالح المحمود)

📘 মাওকিফু ইবনি তাইমিয়্যাহ মিনাল আশাইরাহ (আব্দুর রহমান বিন সালিহ আল-মাহমুদ)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
ولاشك أن هذا مدخل سهل ويسير لمن أراد أن يطعن في بقية النصوص، ويلزم هؤلاء فيها بما التزموه في نصوص الصفات والعلو التي جاءت نصاً صريحاً في مدلولاتها.
ولذلك لما رد شيخ الإسلام على هؤلاء في قانونهم الفاسد الذي قالوا فيه بتقديم العقل على النقل عند التعارض، جعل أحد الأوجه في الرد عليهم بيان استطالة الملاحدة على هؤلاء المتكلمين - وقد سبقت الإشارة إلى ذلك، مع الإحالة في تفصيله إلى هنا (1) -، يقول شيخ الإسلام: "الوجه العشرون أن تقول: ما سلكه هؤلاء نفاة الصفات من معارضة النصوص الإلهية بآرائهم هو بعينه الذي احتج به الملاحدة الدهرية عليهم في إنكار ما أخبر الله به عباده من أمور اليوم الآخر، حتى جعلوا ما أخبرت به الرسل عن الله وعن اليوم الآخر لا يستفاد منه علم، ثم نقلوا ذلك إلى ما أمروا به من الأعمال: كالصلوات الخمس، والزكاة، والصيام، والحج. فجعلوها للعامة دون الخاصة، فآل الأمر بهم إلى الإلحاد في الأصول الثلاثة التي اتفقت عليها الملل كما قال تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصائبين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [البقرة: 62] ، فأفضى الأمر بمن سلك سبيل هؤلاء إلى الإلحاد في الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح وسرى ذلك في كثير من الخائضين في الحقائق من أهل النظر والتأله من أهل الكلام والتصوف، حتى آل الأمر بملاحدة المتصوفة كابن عربي صاحب فصوص الحكم وأمثاله إلى أن جعلوا الوجود واحداً وجعلوا وجود الخالق هو وجود المخلوق وهذا تعطيل للخالق، وحقيقة قولهم فيه مضاهاة لقول الدهرية الطبيعية الذين لا يقرون بواجب أبدع الممكن، وهو قول فرعون، ولهذا كانوا معظمين لفرعون … وآخر تحقيقهم استحلال المحرمات وترك الواجبات، كما كان يفعل أبرع محققيهم التلمساني وأمثاله (2)
- ثم ذكر أحوال الصوفية، والقرامطة الباطنية والإسماعيلية ومن كان ينتسب إليهم كابن سينا وغيره (3) -، ثم قال:--------------------------------------------
(1) انظر: ما سبق في هذا الفصل في مبحث لا تعارض بين العقل والنقل، الفقرة السادسة.
(2) انظر: درء التعارض (5/3-4) ..
(3) انظر: المصدر السابق (5/4-10) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 918)

"والمقصود هنا أن هؤلاء الملاحدة يحتجون على النفاة بما وافقوهم عليه من نفي الصفات، والإعراض عن دلالة الآيات، كما ذكر ذلك ابن سينا في "الرسالة الأضحوية" التي صنفها في المعاد لبعض الرؤساء الذين طلب تقربه إليه ليعطوه مطلوبه منهم من الجاه والمال" (1) . ثم نقل شيخ الإسلام نصاً مطولاً من هذه الرسالة الأضحوية (2) .
وهؤلاء المتكلمون بمنهجهم الباطل كانوا سبباً في استطالة عدد كبير من طوائف الملاحدة، ومن أبرزها:
- طائفة الفلاسفة.
- طائفة الباطنية من القرامطة والإسماعيلية وغيرهم.
- وغلاة الصوفية الذين وصل بهم الأمر إلى وحدة الوجود وتعطيل الشرائع، وشيخ الإسلام وهو في موضع الرد على أولئك المتكلمين لا يجعل ذلك مبرراً للسكوت عن أقوال هؤلاء الملاحدة، بل يفضحهم ويرد عليهم، ويبين أن هؤلاء المتكلمين أفضل منهم بدرجات، ولذلك يقول بعدما نقل أقوال ابن سينا في الأضحوية التي استطال بها على المتكلمين.
"والكلام على هذا من فنين:
أحدهما: بيان لزوم ما ألزم لنفاة الصفات، الذين سموا نفيها توحيداً من الجهمية والمعتزلة ونحوهم.
والثاني: بيان بطلان كلامه، وكلامهم الذي وافقوهم عليه" (3) .
ثم شرح شيخ الإسلام هذين الأمرين شرحاً وافياً، بين فيه كيف استطال ابن سينا على المتكلمين، كما رد على ابن سينا وأغلظ عليه بما يستحقه (4) .--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (5/10) .
(2) انظر: المصدر السابق (5/10-18) .
(3) انظر: المصدر نفسه (5/18-19) .
(4) انظر: المصدر السابق (5/19) إلى نهاية هذا الوجه (ص: 203) ، وانظر: تعليقات شيخ الإسلام على أقوال ابن سينا في (5/63-73) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 919)

وفي موضوع يذكر نماذج من هذا التسلط فيقول:
" المتفلسفة الدهرية كالفارابي وابن سينا يزعمون أن العقل يحيل معاد الأبدان، فيجب تقديم العقليات على دلالة السمع، ويخاطبون من أقر بالمعاد من المعتزلة وموافقيهم في نفي ذلك بما تخاطب به المعتزلة المثبتة للصفات ويقولون لهم: قولنا في نصوص المعاد كقولكم في نصوص الصفات، وهكذا خاطبت القدرية من المعتزلة والشيعة وغيرهما متكملة الإثبات في مسألة القدر، وقالت: القول في النصوص المثبتة للقدر وأن الله خالق أفعال العباد، كالقول في نصوص الصفات " (1) .
ويشرح المأزق الذي وقع فيه هؤلاء المتكلمون فيقول: "إن هؤلاء النفاة للصفات المثبتين للمعاد هم بين المؤمنين بالجميع كالسلف والأئمة، وبين الملاحدة المنكرين للصفات والمعاد، فالملاحدة تقول لهم: قولنا في نفي كقولكم في نفي الصفات، فلا يستدل بالشرع على هذا ولا على هذا لمعارضة العقل له.
والمؤمنون بالله ورسوله يقولون لهم: قولنا لكم في الصفات كقولكم للملاحدة في المعاد، فإذا قلتم للملاحدة: إثبات المعاد معلوم بالاضطرار من دين الرسول قلنا لكم: وإثبات الصفات والعلو والأفعال معلوم بالاضطرار من دين الرسول" (2) .
ولما ناقش شيخ الإسلام نفاة العلو ورد عليهم طويلاً، كان من ضمن منهجه في الرد عليهم بيان هذه الاستطالة من جانب الملاحدة، وأنه لا يستطيع نقض أقوالهم ما دام موقفهم من نصوص العلو المتواترة بهذه الطريقة، وقد ساق شيخ الإسلام حواراً بين هؤلاء بين فيه كيف ينتهي الأمر إلى عجز المتكلمين عن مناقشة الملاحدة إلا بنوع من التناقض، يقول شيخ الإسلام في مقدمة هذا الحوار: "أن يقال لمن أجاب بهذا عن النصوص [وذلك حين قال: إنها معارضة بأدلة العقول] :--------------------------------------------
(1) درء التعارض (5/250-251) .
(2) المصدر السابق (5/301-302) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 920)

إذا احتججت على من ينفي ما تثبته بالنصوص، كإثبات القدر - إن كنت من المثبتين له - أو إثبات الجنة والنار وما فيهما من الأكل والشرب ونحو ذلك - إن كنت من المثبتين لهـ إذا قال لك منازعك: هذه الظواهر التي احتججت بها قد عارضشها دلائل عقلية وجب تقديمها عليها. فما كان جوابك لهؤلاء كان جواب أهل الإثبات لك.
فإن قلت: ما أثبته معلوم بالاضطرار من الدين.
قال لك: أهل الإثبات للعلو: وهذا معلوم لنا بالاضطرار من الدين.
فإن قلت: أنا لا أسلم هذا لكم.
قالوا لك: ومن نازعك من القرامطة أو الفلاسفة أو المعتزلة لا يسلم لك ما ادعيته من الضرورة " (1) .
ويستمر في هذا الحوار العديب الذي قال فيه شيخ الإسلام: " واعلم أنهل يلس من أهل الأرض إلا من يمكن مخاطبته بهذه الطريق " (2) .
وهذا الباب الذي أبدع شيخ الإسلام في أسلوب عرضه، واستخدامه في الرد على الأشاعرة وغيرهم يفسر - مع غيره من الأوجه - ذلك العداء الشديد والحقد المتراكم عليه في حياته وبعد مماته من جانب أعداد كبيرة من أهل الأهواء أو من أتباعهم المقلدين لهم.
لقك كان شيخ الإسلام رحمه الله علماً شامخاً وما استطاع معارضوه أن يجادلوا حجته بالحجة، وإنما لجأؤا إلى الأساليب الملتوية من التشهير وتحريف الكلام مما قد ينع العامة، ولكنه لا يثبت أمام الحجاج بالشرع والعقل.--------------------------------------------
(1) درء التعارض (7/ 134-135) .
(2) المصدر السابق (7/136) ، وانظر: بقية الحوار مع ردود ومناقشات أخرى إلى (ص: 140) ، من هذا الجزء، وانظر أيضاً: حول موضوع الاسطالة: الدرء (8/241-242) ، ومنهاج السنة (2/112) - المحققة - والتسعينية (ص: 261) وغيرها.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 921)

والخلاصة أنه ليس لهؤلاء المتكلمين نفاة الصفات أو بعضها مخلص لا مخرج من هذه المضايق التي وقعوا فيها إلا بالعودة إلى منهج السلف وإثبات ما أثبته الله ورسوله ونفي ما نفاه الله ورسوله.
* * *
وبعد: فهذه خطوط عامة في منهج شيخ الإسلام في الرد على الأشاعرة فيما خالفوا فيه أهل السنة، ومنها يتبين:
1- أن شيخ الإسلام وهو يرد على هؤلاء لم ينسً في أي موقف من المواقف الرد انيبين ما عندهم من أمور إيجابية وأقوال صائبة، وكيف يغفل هذا وهو يقول في معرض الرد على أحد ملاحدة الفلاسفة الإسماعيلية - وهو ابن سينا -: " وما ذكره من امتناع التحريف على كلية الكتاب العبري حق ما قال" (1) ، ثم يذكر أدلة على ذلك.
2- أن شيخ الإسلام يرجع المسائل الفرعية إلى أصولها، ويقرر الرد ببيان هذه الأصول:
- فبين أن الكتاب والسنة فيهما الكفاية والهداية التامة.
- كما يقرر أن ما وقع فيه هؤلاء من علم الكلام المذموم الذي اتفق السلف على ذمة.
- ويقرر أيضاً أن السلف أعلم وأحكم، ولا يجوز معارضة ما أجمعوا عليه. وبين أثناء ذلك جهل هؤلاء المتكلمين بحقيقة مذهب السلف.
- كما يقرر أنه لا يمكن أن يقع تعارض بين العقل الصريح والنقل الصريح.
3- ثم إن شيخ الإسلام يستخدم في الرد عليهم أساليب غير مباشرة لكنها عميقة الأثر:--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (5/78) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 922)

- فهو يرجع أقوال هؤلاء إلى أصولها الاعتزالية والفلسفية، وهم يصرحون في مخالفة هؤلاء والرد عليهم.
- ثم يرد على متأخيرهم بأقوال شيوخهم، ولقد كان هذا من أشد وأوجع ما لقي الأشاعرة، ولذلك امتحنوا شيخ الإسلام محنة عظيمة بسبب الفتوى الحموية لأنها مبنية على هذا الوجه.
- ولم يكتف ببيان مناقضتهم لشيوخهم بل أبرز تناقض أقوالهم أنفسهم، سواء في كتبهم المتعددة أو في الكتاب الموحد.
4- وأخيراً فإن شيخ الإسلام قد اهتم ببيان أمرين عظيمين بالنسبة لهؤلاء:
أحدهما: ما وقعوا فيه من الحيرة والشك والاضطراب، وهي حيرة أشبهت كثيراً حيرة ملاحدة الفلاسفة، ثم رجوع كثير منهم إلى المذهب الحشق وتبرمه مما كان عليه من علم الكلام، والسؤال الحاسم هنا: إذا كان الأمر بهذه المثابة، فهل الأولى بهؤلاء الأتباع الذين يناقشهم شيخ الإسلام ويبين الأمر لهم، هل الأولى بهم أن يبدأوا من حيث بدأ شيوخهم فيدخلوا في علم الكلام ويتعلموه ويستخدموه، حتى إذا غاصوا فيه وبلغوا الغاية أو ما يقاربها، قالوا مثل شيوخهم ياليتنا لم نتعلم علم الكلام، وياليتنا نموت على عقيدة العجائز. أم الأولى بهم أن يأخذوا من ذلك درساً ويبدأوا منحيث انتهى بالاعتماد على الكتاب والسنة اعتماداً كاملاً ونبذ ما عدا هما مما هو مخالف ومناقض لهما؟
والثاني: أن هؤلاء المتكلمين بمنهجهم فتحوا الباب لتسلط الملاحدة من الفلاسفة، والباطنية، وغلاة الصوفية، عليهم وعلى المسلمين، وكم في هذا من الخطر على عقيدة المسلمين وشريعتهم؟.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 923)

موقف ابن تيمية من الأشاعرة (عبد الرحمن بن صالح المحمود)القسم: العقيدة
الكتاب: موقف ابن تيمية من الأشاعرة
تأليف: عبد الرحمن بن صالح بن صالح المحمود
الناشر: مكتبة الرشد - الرياض
الطبعة: الأولى، 1415 هـ / 1995 م
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة: 8 ذو الحجة 1431

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 907)

‌‌الفصل الثالث: موقفه في الرد عليهم تفصيلا
وفيه مباحث:
المبحث الأول: في توحيد الألوهية والربوبية.
المبحث الثاني: في الأسماء والصفات.
المبحث الثالث: في القضاء والقدر.
المبحث الرابع: في الإيمان.
المبحث الخامس: في بقية أمور العقيدة التي خالفوا فيها أهل السنة والجماعة.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 929)

‌‌مقدمة:
في الفصلين السابقين كان تفصيل القول في منهجه العام في الرد على الأشاعرة سواء في بيان الأمور الإيجابية التي اعترف لهم بها، أو بيان الخطور العامة في الرد عليهم.
وفي هذا الفصل سيتم -إن شاء اللهـ عرض ردوده المفصلة على الأشاعرة في مسائل العقيدة المتعددة، وقبل الدخول في ذلك ينبغي أن يلاحظ ما يلي:
1- أن هذه المناقشات تشمل متقدمي الأشاعرة ومتأخريهم فيما اتفقوا عليه، أما ما خالف فيه متأخرو الأشعرية متقدميهم، فالمناقشة تختص بهؤلاء المتأخرين فقط، وشيخ الإسلام لم يغفل هذا، ولكن التنبيه هنا إنما هو من باب الأمانة في نسبة الأقوال إلى أصحابها، حتى لا يحمل أولئك الشيوخ المتقدمون الأقوال الفاسدة التي أتى بها أتباعهم المنتسبون إليهم.
وعلى المؤمن أن لا يأخذه الحماس في مثل هذه المواقف فيحيد عن العدل والقسط والله تبارك وتعالى يقول في كتابه العزيز: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8] ، والآية واضحة الدلالة في هذا الباب وغيره، خاصة وأنه ورد أنها نزلت في اليهود أو المشركين (1) .
2- أن شيخ الإسلام حينما يرد على المخالفين، ينقل أقوالهم بحروفها -وهذا من أسس منهجه وأمانته التي سبق توضيحها- ثم يرد عليها.--------------------------------------------
(1) انظر: تفسير هذه الآية وما ورد في أسباب نزولها في تفسير الطبري، وزاد المسير لابن الجوزي: سورة المائدة آية 8.
(2) انظر ما سبق (ص: 320) وما بعدها.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 931)

وهذا المنهج يفيد كثيرا فيما سيرد من مناقشات تفصيلية للأشاعرة، وخاصة في مسألة توثيق أقوال الأشاعرة من كتبهم؛ لأن الردود لابد أن تكون على أقوال ثبتت نسبتها إلى قائليها، وأن تكون هذه الأقوال قد فهمت فهما سليما كما قصدها أصحابها، ولا تكون أقوالا دخلها التحريف، أو أقوالا معترضة نقلها صاحب الكتاب مثلا عن غيره فهو ناقل لها، وقد يأتي بما ينقضها بعد قليل.
وشيخ الإسلام بأمانته في النقل يجعل ردوده كافية في تصور الأقوال المردود عليها، فكيف إذا أضاف إلى ذلك النقل الحرفي من كتب الذين يرد عليهم؟.
3- أن ردود شيخ الإسلام التفصيلية على الأشاعرة في كل مسألة من مسائل العقيدة جاءت طويلة جدا، كثيرة التفريعات، وقد تبين بعد جمع المادة العلمية مما كتبه شيخ الإسلام أن كل واحدة من هذه المسائل بحاجة إلى بحث أو رسائل مستقلة وخاصة مثل موضوع:
- توحيد الربوبية والألوهية
- والصفات عموما
- وكلام الله
- والعلو والاستواء
-والقدر
ولذلك فإن ضرورة البحث تقتضي الاكتفاء بالخطوط العامة في كل مسألة من هذه المسائل، ومحاولة بيان منهج شيخ الإسلام.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 932)

‌‌المبحث الأول: في توحيد الربوبية والألوهية
غالب كتب الأشاعرة الكلامية تبتدئ بتفصيل المقدمات العقلية والمنطقية والطبيعية، ثم تعرض بعد ذلك لما يسمى بالإلهيات، وأول ما تبتدئ به من ذلك إثبات وجود الله، وبيان أن ما سواه محدث مخلوق، وترد في أثناء ذلك على الدهرية والفلاسفة وغيرهم، ثم تعرض بعد ذلك لوحدانية الله الخالق وصفاته.
وفي أثناء ذلك تعرض لعدة مسائل كأول واجب على المكلف، ودليل حدوث الأجسام وغيره من الأدلة، ومعنى التوحيد، وغيرها من المسائل التفصيلية.
هذه سمة عامة لكتب الأشاعرة (1) ، وقد تتبع شيخ الإسلام هذه القضايا وناقشها، ورد على الأشاعرة في المسائل التي قصروا أو أخطأوا فيها، ويمكن عرض منهج شيخ الإسلام في مناقشة هذه القضايا حسب النقاط التالية:
1- أول واجب على المكلف.
2- التوحيد عند الأشاعرة، وحقيقة التوحيد الذي دعت إليه الرسل.
3- توحيد الربوبية ويشمل:
أ - أدلة إثبات الصانع، وحدوث العالم.
ب - إثبات وحدانية الله.--------------------------------------------
(1) انظر على سبيل المثال: التمهيد للباقلاني (ص: 22-25) - ت مكارثي، أصول الدين للبغدادي (ص: 68) وما بعدها، الاعتقاد للبيهقي (ص 38-48) ، الارشاد للجويني (ص: 3-29) و (ص: 52-59) ، والاقتصاد في الاعتقاد للغزالي (ص: 18-26، 48) ، ونهاية الإقدام للشهرستاني (ص: 5) وما بعدها، و (ص: 90) ، والأربعين للرازي (ص: 3) وما بعدها و (ص: 221) ، وغاية المرام للآمدي (ص: 9-23) ، وشرح المواقف (8/2) وما بعدها.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 933)

‌‌أولا: أول واجب على المكلف:
هذه المسألة مبنية على مسألة أخرى، وهي كيفية حصول المعرفة بالله عند الإنسان، حيث وقع الخلاف فيها على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن معرفة الله لا تحصل إلا بالنظر، وهذا قول كثير من المعتزلة والأشاعرة وأتباعهم من أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم.
القول الثاني: أن المعرفة يبتديها الله اختراعا في قلوب العباد من غير سبب يتقدم، ومن غير نظر ولا بحث، وهذا قول كثير من الصوفية والشيعة، ومعنى هذا القول أن المعرفة بالله تقع ضرورة فقط.
القول الثالث: أن المعرفة بالله يمكن أن تقع ضرورة، ويمكن أن تقع بالنظر، وهذا قول جماهير المسلمين (1) .
إذا تبين هذا فالذين قالوا بأن المعرفة لا تحصل إلا بالنظر اختلفوا في أول واجب على المكلف:
1- فقال بعضهم: أول واجب النظر الصحيح المفضي إلى العلم بحدوث العالم.
2- وقالت طائفة: أول واجب القصد إلى النظر الصحيح.
3- وقالت طائفة أخرى: أول واجب الشك.
4- وقالت طائفة رابعة: أول واجب المعرفة بالله (2) .
ويقابل هذه الأقوال من يرى أن أول واجب على المكلف الشهاداتان: شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدا رسول الله، وإفراد الله بالعبودية.--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (7/352-354، 8/24، 9/3،18-24) .
(2) انظر: الإرشاد (ص: 3) ، والمعتمد في أصول الدين للقاضي أبي يعلى (ص: 21) .
وانظر أيضا: النبوات (ص: 59، 62، 95) ، ومجموع الفتاوى (20/202) ، ودرء التعارض (7/353) ، والاستقامة (1/142) .

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 934)

وهذه المعرفة التي يوجبها الأشاعرة مباشرة أو بوسائلها من النظر أو القصد إلى النظر هي معرفة الله تعالى، أي الإقرار بوجوده تعالى وأنه خالق العالم وأن ما سواه مخلوق محدث.
وشيخ الإسلام يوضح في هذا الباب أمرين مهمين:
أحدهما: أن الخلاف الذي وقع بين الأشاعرة حول أول واجب: هل هو المعرفة أو النظر أو القصد إلى النظر أو الشك - خلاف لفظي -، "فإن النظر واجب وجوب الوسيلة، من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
والمعرفة واجبة وجوب المقاصد، فأول واجب وجوب الوسائل هو النظر، وأول واجب وجوب المقاصد هو المعرفة، ومن هؤلاء من يقول: أول واجب هو القصد إلى النظر، وهو أيضا نزاع لفظي، فإن العمل الاختياري مطلقا مشروط بالإرادة" (1) . فهذا تحليل لحقيقة الخلاف، وأن من قال: إن أول واجب النظر أو القصد، لم يقصد حقيقة ذلك، وإنما قصد أنهما مؤديان إلى المعرفة بالله فوجوبهما لذلك.
أما القول بأن أول واجب هو الشك - وهو قول منسوب إلى أبي هاشم الجبائي المعتزلي، وقد أخذ به الغزالي - كما مر (2) - ونسبه ابن حزم إلى الأشعرية (3) - فيرى شيخ الإسلام أنه مبني على أصلين: "أحدهما: أن أول الواجبات النظر، فلا يكون في حال النظر عالما" (4) ، أي أنه لو كان غير شاك لما احتاج إلى النظر.
الثاني: أن حكاية الأقوال - في كثير من مسائل العقيدة - إنما يحكيها هؤلاء وينسبوها إلى أئمة أهل السنة بحسب ما يعتقدون هم، لا بحسب المروي--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (7/353) .
(2) انظر: (ص: 667) ، وانظر: الجبائيان (ص: 333) .
(3) الفصل (4/74) - المحققة -.
(4) انظر: درء التعارض (7/419) .

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 935)

حقيقة عن هؤلاء الأئمة، يقول شيخ الإسلام: "ولما كان الكلام في هذه الأبواب المبتدعة مأخوذا في الأصل عن المعتزلة والجهمية ونحوهم، وقد تكلم هؤلاء في أول الواجبات: هل هو النظر، أو القصد، أو الشك، أو المعرفة؟. صار كثير من المنتسبين إلى السنة والمخالفين للمعتزلة في جمل أصولهم يوافقونهم على ذلك، ثم الواحد من هؤلاء إذا انتسب إلى إمام من أئمة العلم كمالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد، وصنف كتابا في هذا الباب يقول فيه: قال أصحابنا، واختلف أصحابنا، فإنما يعني بذلك أصحابه الخائضين في هذا الكلام، وليسوا من هذا الوجه من أصحاب ذلك الإمام؛ فإن أصحابه الذين شاركوه في مذهب ذلك الإمام إنما بينهم وبين أصحابه المشاركين له في ذلك الكلام عموم وخصوص، فقد يكون الرجل من هؤلاء، وبالعكس، وقد يجتمع فيه الوصفان (1) ".
ويضرب لذلك مثلا يقول أبي الفرج المقدسي الحنبلي في كتابه "التبصرة في أصول الدين": "فصل في أول ما أوجب الله على العبد معرفته، والثاني: أن أول ما أوجب الله على العبد النظر والاستدلال المؤديان إلأى معرفة الله تعالى" (2) .
يقول شيخ الإسلام معلقا: "قلت فهذا الكلام وأمثاله يقوله كثير من أصحاب الأئمة الأربعة، ومعلوم أن الأئمة الأربعة ما قالوا لا هذا القول، ولا هذا القول، وإنما قال ذلك من أتباعهم من سلك السبيل المتقدمة" (3) أي المبتدعة والتي سبق أن ذكرها شيخ الإسلام من دليل الأعراض وغيره.
والغرض من ذكر هذه الحقيقة هنا - مع أنها لا تختص في هذا الموضع - الإشارة إلى أمرين: أحدهما: أن هذا جزء من منهج شيخ الإسلام ابن تيمية،--------------------------------------------
(1) درء التعارض (8/3-4) .
(2) المصدر السابق (8/4-5) ، وانظر: النص في "التبصرة في أصول الدين" (ص: 6-7) - مطبوع على الآلة الكاتبة - تحقيق إبراهيم بن محمد الدوسري، وأبو الفرج المقدسي اسمه: عبد الواحد ابن محمد علي الشيرازي المقدسي الأنصاري الحنبلي. توفي سنة 486 هـ، كانت له وقعات مع الأشاعرة.
انظر في ترجمته طبقات الحنابلة (2/248) ، وذيلها (1/68) ، وسير أعلام النبلاء (19/51) .
(3) درء التعارض (8/6) .

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 936)

فهو دائما يركز على وجوب الاهتمام بصحة نسبة الأقوال إلى أصحابها، ولما كان البحث هنا في أول مسألة من المسائل التى خالف فيها الأشاعرة مذهب أهل السنة، ناسب ذكر هذه المسألة التى تدل على خطأ منهجي وعلمي يمارسه كثير من أهل الكلام، والأمر الثاني: أن شيخ الِإسلام ضرب مثالا برجل حنبلي، وخطأه فيما نسب إلى أئمة الحنابلة من أقوال حين شمل بتعميمه جميع الحنابلة من كان منهم سائرا على مذهب السلف ومن كان خائضا فيما خاض فيه أهل الكلام، وكأن شيخ الاسلام قصد أن هذا الأسلوب إذا كان قد وقع لبعض الحنابلة حين نسبوا إلى بعض أئمتهم ما لم يقولوه فلأن يقع في غيرهم من باب أولى، ومع ذلك فهو يدل على العدل والِإنصاف الذي تحلى به شيخ الإسلام في أحكامه وأقواله؛ إذ لم يمنعه ميله إلى الحنابلة ودفاعه عنهم بأنهم أقل الطوائف انحرافا- وإن كان قد يوجد فيهم من وافق أهل الأهواء- لم يمنعه ذلك من ضرب المثال بخطأ أحد أعلامهم.
وشيخ الاسلام يرى أن القول بأن أول واجب على المكلف هو النظر أو القصد إلى النظر أو معرفة الله أو الشك، قول باطل، وأن الصحيح أن أول واجب هو الشهادتان المتضمنتان لتوحيد الله وإفراده بالعبودية ويذكر لذلك عدة أدلة من الكتاب والسنة، ومنها:
1- حديث معاذ المشهور، يقول ابن تيمية: " والنبي- صلى الله عليه وسلم لم يدع أحدا من الخلق إلى النظر ابتداء، ولا إلى مجرد إثبات الصانع، بل أول ما
دعاهم إليه الشهادتان، وبذلك أمر أصحابه، كما قال في الحديث المتفق على صحته لمعاذ ابن جبل- رضي الله عنه لما بعثه إلى اليمن: إنك تأتي قوما أهل كتاب،
فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا اله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم
والليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم " (1) ، وكذلك سائر الأحاديث عن النبي- صلى الله عليه وسلم--------------------------------------------
(1) متفق عليه، البخارى: كتاب الزكاة، باب لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة ورقمه 1458 (الفتح 3 / 322) ، وباب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء، ورقمه 1496 (الفتح 3 / 357) . ومسلم: كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، ورقمه 19.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 937)

موافقة لهذا" (1) ، ويلاحظ التصريح بلفظ " أول " في الحديث حيث قال: " فليكن أول ما تدعوهم إليه " فهو نص في الموضوع، مع أن المتواتر من أحواله صلى الله عليه وسلم وسيرته أنه كان يدعو الناس إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله، وهذا منهج رسل الله جميعا حيث إنهم " يأمرون بالغايات المطلوبة من الِإيمان بالله ورسوله وتقواه، ويذكرون من طرق ذلك وأسبابه ما هو أقوى وأنفع، وأما أهل البدع المخالفون لهم فبالعكس يأمرون بالبدايات والأوائل (2) "، وإذا
كانت معرفة الله فطرية، والعباد مفطورون على الِإقرار بربهم وخالقهم فالأجدى والأنفع لهم أن يدعوا إلى إفراد هذا الرب بالعبادة والطاعة، لا أن يشغلوا بما هو بدهي وفطري، ومع ذلك فإن شيخ الإسلام يذكر أن بعض الناس قد يعرض له ما يفسد فطرته فيكون بحاجة إلى نظر حتى تحصل له المعرفة، والخطأ الذي وقع فيه أهل الكلام زعمهم أن معرفة الله لا تتم إلا بهذا الطريق، يقول شيخ الإسلام: "إن الإقرار والاعتراف بالخالق فطري ضروري في نفوس الناس، وإن كان بعض الناس قد يحصل له ما يفسد فطرته حتى يحتاج إلى نظر تحصل له به المعرفة وهذا قول جمهور الناس، وعليه حذاق النظار، أن المعرفة تارة تحصل بالضرورة وتارة بالنظر" (3) . وقد سبق في بداية هذه الفقرة ذكر الخلاف في ذلك.
2- ومن الأدلة على أن النظر ليس أول واجب قوله تعالى: "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ" [العلق: 1] ، يقول شيخ الاسلام: " وهذه الآية أيضا تدل على أنه ليس النظر أول واجب، بل أول واجب ما أوجب الله على نبيهـ صلى الله عليه وسلم "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ"، لم يقل انظر واستدل حتى تعرف الخالق، وكذلك هو أول ما بلغ هذه السورة، فكان المبلغون مخاطبين بهذه الآية قبل كل شىء، ولم يؤمروا فيها بالنظر والاستدلال " (4) ، ويجيب هنا عن--------------------------------------------
(1) درء التعارض (8/6-7) .
(2) المصدر السابق (8/21) .
(3) مجموع الفتاوى (16/328) .
(4) مجموع الفتاوى (16/328) ، وانظر أيضا (16/232) .

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 938)

الاعتراض الذى يورده الباقلاني ومضمونه: أن المعرفة لو حصلت بغير النظر لسقط التكليف بها، فيبين أن المعرفة نفسها لم يدل دليل على وجوبها، بل هي موجودة عند جميع الناس لأنهم مفطورون عليها، ولذلك فإن الرسل افتتحوا دعوتهم بالأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، كما في قصة نوح، وهود، وصالح، وشعيب، وغيرهم من الأنبياء، لأن أممهم كانوا مقرين بالخالق، لكنهم كانوا يعبدون معه غيره، كما هو حال مشركي العرب (1) ، ولذلك قالت الرسل "أَفِي اللَّهِ شَكٌّ" [إبراهيم: 10] وهذا نفي، " أي ليس في الله شك، وهو استفهام تقرير يتضمن تقرير الأمم على ما هم مقرون به من أنه ليس في الله شك، فهذا استفهام تقرير " (2) .
3- وبعد أن يفصل شيخ الإسلام القول في أحاديث الفطرة، وقوله تعالى: " وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" [الذاريات: 56] يقول: " والمقصود هنا أنه معروف عند السلف والخلف أن جميع الجن والإنس معترفون بالخالق مقرون به، مع أن جمهور الخلق لا يعرفون النظر الذي يذكره هؤلاء، فعلم أن أصل الإقرار بالصانع والاعتراف به مستقر في قلوب جميع الإنس والجن وأنه من لوازم خلقهم، ضروري لهم، وإن قدر أنه حصل بسبب، كما أن اغتذاءهم بالطعام والشراب هو من لوازم خلقهم وذلك ضروري منهم وهذا هو الإقرار بالشهادة المذكورة في قوله: " وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ . قَالُوا بَلَى … " [الأعراف: 172] .. " (3) .
4- ومن الأدلة أيضا الإجماع؛ فإن أئمة الدين وعلماء المسلمين " مجمعون على ما علم بالاضطرار من دين الرسول: أن كل كافر فإنه يدعى إلى الشهادتين سواء كان معطلا أو مشركا أو كتابيا، وبذلك يصير الكافر مسلما، ولا يصير--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (16/332) .
(2) المصدر السابق (16/339) .
(3) درء التعارض (8/482) .

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 939)

مسلما بدون ذلك" (1) ، ويستشهد بكلام ابن المنذر: "أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن الكافر إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وأن كل ما جاء به محمد حق، وأبرأ إلى الله من كل دين يخالف دين الإسلام- وهو بالغ صحيح يعقل- أنه مسلم. فإن رجع بعد ذلك فأظهر الكفر كان مرتدا، يجب عليه ما يجب على المرتد" (2) ، وهذا موافق لما دلت عليه النصوص، وما ابتدعه هؤلاء من وجوب النظر والمعرفة فليس عليه دليل، وإنما أخذوه من أهل الاعتزال والكلام.
ولا يكتفي شيخ الإسلام بهذه الردود المباشرة على قول هؤلاء، وإنما يرد عليهم من وجوه أخر، يبين فيها تناقض الأشاعرة وردود بعضهم على بعض، كما يربط المسألة بمسائل أخر توضح خطأهم فيها:
1- فإبراز التناقض عند الأشاعرة من منهج شيخ الإسلام العام في الرد على الأشاعرة- وقد سبق تفصيل القول فيهـ، ووجه تناقضهم هنا أنهم مع قولهم بأن أول الواجبات النظر أو المعرفة إلا أنهم يقولون لا واجب إلا بالشرع - خلافا للمعتزلة- وهذا يناقض ما أوجبوه من النظر، يقول شيخ الإسلام:
"ثم القول بأن أول الواجبات هو المعرفة أو النظر لا يمشي على قول من يقول: لا واجب إلا بالشرع، كما هو قول الأشعرية وكثير من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، فإنه على هذا التقدير لا وجوب إلا بعد البلوغ على المشهور وعلى قول من يوجب الصلاة على ابن عشر سنين أو سبع، لا وجوب على من لم يبلغ ذلك، وإذا بلغ هذا السن فإنما يخاطبه الشرع بالشهادتين إن (3) كان لم يتكلم بهما، وإن كان تكلم بهما خاطبه بالصلاة، وهذا هو المعنى الذي قصده من قال: أول الواجبات الطهارة والصلاة، فإن هذا أول ما يؤمر به المسلمون إذا بلغوا أو إذا ميزوا" (4) ، وفي موضع آخر يبين شيخ الإسلام جانبا--------------------------------------------
(1) درء التعارض (8/7) .
(2) المصدر السابق (8/7) وكلام ابن المنذر في الإجماع (ص: 154) - ط دار طيبة.
(3) في المطبوعة [وإن] ولعل الواو زأندة.
(4) درء التعارض (8/12-13) .

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 940)

آخر من غلطهم وتناقضهم في هذا، وهو أنه لو قدر أن المعرفة لا تحصل إلا بالنظر، فهل من شرط ذلك أن يتأخر إلى البلوغ، ولو فرض أنه نظر قبل البلوغ لحصل له ذلك وهو غير واجب عليه (1) .
2- ويطبق شيخ الاسلام جانبا آخر من منهجه العام في الرد على الأشاعرة، وهو ردود بعضهم على بعض- وقد سبق توضيح ذلك في الفصل السابق- وهو هنا ينقل كلام بعض الأشاعرة أو المائلين إلى طريقتهم:
أ- فالشهرستاني يصرح في نهاية الاقدام أن معرفة الله فطرية، ويقول: " إن الفطرة السليمة الإنسانية شهدت بضرورة فطرتها، وبديهة فكرتها على صانع حكيم، قادر عليم، "أَفِي اللَّهِ شَكٌّ" [إبراهيم: 10] (2) ، فأين وجوب النظر أو القصد أو الشك؟.
ب- والرازي صرح في نهاية العقول بقوله بعد كلام: " وبهذا يتبين خطأ قول من زعم أن أول الواجبات القصد إلى النظر الصحيح المفضي إلى العلم بحدوث العالم " (3) ، قال شيخ الإسلام معلقا: " قلت: هذا القول الذي خطأه الرازي هو الذي ذكره أبو المعالي في أول الإرشاد (4) ، كما ذكره طوائف من أهل الكلام المعتزلة وغيرهم " (5) ، والرازي يرى إن إثبات الصانع لا يتوقف على هذا الطريق بل هناك طرق أخرى، وقد صرح الرازي بأن هناك معارف يمكن أن تحصل بغير النظر وتكون ضرورية (6) ، وقصته مع نجم الدين الكبرى - أحمد الحيوقي- أحد شيوخ المعرفة، وكان من أجل شيوخ وقته في بلاده--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (7/421) ، ومن تناقضهم أيضا أن كثيرا منهم يقول مع ذلك: إن المعرفة لا تحصل الا بالشرع، انظر نصوصا من كلامهم في درء التعارض (9/16-38) .
(2) درء التعارض (7/97) ، والنص في نهاية الإقدام (ص: 124) .
(3) درء التعارض (5/290) ، والنص في نهاية الهقول (14-أ) .
(4) ص 3.
(5) درء التعارض (5/290) .
(6) انظر: المصدر السابق (7/355) .

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 941)

جرجان وخوارزم (1) - قال: " دخل على فخر الدين الرازي ورجل آخر من المعتزلة كبير فيهم، فقالا: يا شيخ، بلغنا أنك تعلم علم اليقين، فقلت: نعم أنا أعلم علم اليقين، فقالا لي: كيف تعلم علم اليقين، ونحن نتناظر من وقت كذا إلى وقت كذا، وكلما أقام حجة أبطلتها، وكلما أقمت حجة أبطلها؟
فقلت: ما أدري ما تقولان، ولكن أنا أعلم علم اليقين، فقالا: بين لنا ما هذا اليقين فقلت: واردات ترد على النفوس تعجز النفوس عن ردها فجعلا يرددان هذا الكلام، ويقولان: واردات ترد على النفوس تعجز النفوس عن ردها، وتعجبا من هذا الكلام؛ لأنه رحمه الله بين أن ذلك من العلوم الضرورية التي تلزم القلب لزوما لا يمكنه مع ذلك دفعها، ثم قالا له: كيف الطريق إلى هذه الواردات؟ فقال لهما: بأن تسلكا طريقتنا التي نأمركم بها، فاعتذر الرازي بما له من الموانع، وأما المعتزلي فقال: أنا محتاج إلى هذه الواردات فإن الشبهات قد أحرقت قلبي، فأمره الشيخ بما يفعله من العبادة والذكر، وما يتبع ذلك، ففتح الله عليه بهذه الواردات- والمعتزلة ينفون العلو والصفات، ويسمون من أثبت ذلك مجسما حشويا- فلما فتح الله تعالى عليه بذلك قال: والله ما الحق إلا فيما عليه هؤلاء الحشوية والمجسمة، أو كما قال " (2) . والرازي لم يسلك هذا الطريق لوجود الموانع لا لقناعته بأن هذا ليس طريقا للمعرفة.
ج-- وكذلد الآمدي صرح بأن المعرفة قد تحصل بطريق التصفية وأخبار الأنبياء أو بغير ذلك (3) ، وقال جوابا لاعتراض على وجوب النظر: " قولهم:
لا نسلم توقف المعرفة على النظر، قلنا: إنما نقول بوجوب النظر في حق من لم يحصل له، فالنظر في حقه غير واجب " (4) . وهذا تصريح منه بأن طرق المعرفة كثيرة فحصر أول واجب بالنظر المفضي إلى المعرفة غير صحيح.--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (7/432) .
(2) درء التعارض (7/431-432) ، وانظر القصة أيضا في مجموع الفتاوى (4/43-44) ،
ونقض التأسيس- المطبوع- (1/264-266) .
(3) انظر درء التعارض (7/356) . وانظر ما سبق في هذه الرسالة (ص: 713) عند الحديث عن الآمدي.
(4) درء التعارض (7/356-357) ، وكلام الآمدي في أبكار الأفكار (29-أ) .

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 942)