Arabic source text

📘 মাওকিফু ইবনি তাইমিয়্যাহ মিনাল আশাইরাহ (আব্দুর রহমান বিন সালিহ আল-মাহমুদ)

📘 موقف ابن تيمية من الأشاعرة (عبد الرحمن بن صالح المحمود)

📘 মাওকিফু ইবনি তাইমিয়্যাহ মিনাল আশাইরাহ (আব্দুর রহমান বিন সালিহ আল-মাহমুদ)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
وهنا نشير إلى طرائقهم في إثبات هذا التوحيد- توحيد الربوبية- لأنهم عنوا به كثيرا، وأطالوا بحثه في كتبهم، وقد ناقشهم شيخ الإسلام ابن تيمية وبين ما في أقوالهم وأدلتهم من الحق والباطل.
وشيخ الإسلام يبين دائما أن مسألة إثبات الربوبية من المسائل التي فطر عليها بنو آدم، ولذلك فهو حينما يذكر طرق هؤلاء الأشاعرة وغيرهم في إثبات الصانع، إنما يذكرها لأنهم يعارضون بها كلام الله وكلام رسوله، ويزعمون أن هذه الأدلة العقلية تعارض ما جاءت به الرسل. ويهدف من وراء مناقشتهم إلى بيان أمرين:
أحدهما: أن ما عارض النصوص من أقوالهم وأدلتهم لا يكون إلا باطلا.
والثاني: أن ما لم يعارض نصوص الوحي، قد يكون حقا وقد يكون باطلا وما كان منها حقا فقد يكون طويلا لا يحتاج إليه (1) .
كما أن شيخ الاسلام ينتقد هؤلاء المتكلمين حين يزعمون أن لا طريق إلى إثبات الصانع مثلا إلا هذا الطريق الذي ذكروه، ومن ثم يرمون من خالفه بالإلحاد والمروق. يقول: " ثم مما ينبغي أن يعرف أن الذين سلكوا الطرق المبتدعة في إثبات الصانع وتصديق رسله، إذا اعتقدوا أنه لا طريق إلا ذلك الطريق جعلوا
من خالفهم في صحة تلك الطريق ملحدا، أو دهريا، أو نحو ذلك، وهذا يذكرونه في مواضع:
منها: أنهم لما اعتقدوا أن إثبات الصانع تعالى موقوف على إثبات الجوهر الفرد (2) جعلوا إثبات ذلك من أقوال المسلمين، ونفي ذلك من أقوال الملحدين.--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (8/90-91) .
(2) الجوهر الفرد، ويسمى: الجزء الذي لا يتجزأ، أو الذرة، ويعرف بأنه: متحيز لا ينقسم لا بالفك والقطع، ولا بالوهم والغرض [الصحائف الإلهة: السمرقندي ص: 255] ، أو هو: جوهر لا يقبل الانقسام أصلا، ولا بحسب الحارج، لا بحسب الوهم أو الغرض العقلي [التعريفات ص: 41] ، وانظر: المعجم الفلسفي- مجمع اللغة- (ص: 88) ، والمعجم الفلسفي- صليبا (1/588،427،400) ، وانظر: مسألة في إثبات الجوهر الفرد للشهرستاني (ص: 505-511) - طبعت في ذيل نهاية الإقدام، وانظر أيضا مذهب الذرة عند المسلمين بينيس (ص: 1-16) .

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 983)

وكذلك قد يقولون: إن تماثل الجواهر والأجسام من أقوال المسلمين، ونفي ذلك من أقوال الملحدين.
وكذلك قد يقولون: إن تناهي الحوادث من أقوال المسلمين، والقول بعدم تناهيها من أقوال الدهرية الملحدين. ولهذا نظائر (1) .
وأهم المسائل المتعلقة بتوحيد الربوبية هي:
أ- دليل حدوث الأجسام على لإثبات وجود الله.
ب- مسألة التسلسل والرد الصحيح على الفلاسفة الدهرية.
ب- الأدلة الأخرى على إثبات الصانع التي ذكرها الأشاعرة.
د- لألبات وحدانية الله.
أ- دليل حدوث الأجسام:
سبقت الاشارة إلى هذا الدليل في انمهج العام في الرد على الأشاعرة، عند بيان عدم تعارض العقل والنقل، حيث جعل الأشاعرة دليل حدوث الأجسام من الأصول العقلية التي عارضت مدلول السمع، فوجب تقديمها عليه.
وهذا الدليل هو المسلك المشهور للمعتزلة، وأخذه عنهم جمهور الأشاعرة (2) ، والماتريدية، وخاصة الباقلاني، والجويني، والباجي، وأبا بكر ابن العربي، والآمدي، والماتريدي والصابوني. وهي الغالبة على كتب الأشاعرة قديما وحديثا، وإن كان بعض أعلامهم- كالرازي- يذكرها ويذكر غيرها، وربما ضعف هذا الدليل ونقده.
وخلاصة الدليل أن هؤلاء قالوا: لا يعرف صدق الرسول حتى يعرف إثبات الصانع، ولا يعرف إثبات الصانع حتى يعرف حدوث العالم، ولا يعلم حدوث العالم إلا بما به يعلم حدوث الأجسام، ثم استدلوا على حدوث الأجسام--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (8/93-94) .
(2) انظر: نقض التأسيس- مطبوع- (1/257-258) ، ودرء التعارض (9/132) .

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 984)

بأنها لا تخلو من الحوادث- أو بعبارة أخرى مستلزمة للأعراض أو بعضها- ثم قالوا وما لم يخل من الحوادث فهو حادث، ثم ان هؤلاء احتاجوا الى أن يقولوا: ما لم يسبق الحوادث فهو حادث، ثم منهم من تفطن الى أن هذا لا يكفي لإثبات الصانع فاضطر أن يقول بإبطال حوادث لا أول لها (1) .
فلما استقر الدليل عند هؤلاء قالت المعتزلة يجب نفي جميع الصفات عن الله تعالى لأن ما قامت به الصفات قامت به الأعراض، وما قامت به الأعراض فهو حادث، فجاءت الكلابية والأشعرية فقالوا بإثبات الصفات، وقالوا لا نسميها أعراضا. لكن الصفات الاختيارية حوادث فيجب نفيها طردا لهذا الدليل.
هذه خلاصة هذا الدليل، ولخطورته وأهميته، وتركيز شيخ الإسلام عليه في جميع كتبه تقريبا، وكونه يشير إليه أحيانا إشارات مجملة بناء على أنه فصل القول فيه في أماكن أخرى، ولأن هذا الدليل هو لب الكلام المذموم الذي ذمه السلف، وقد بين ذلك شيخ الإسلام مرارا ومن ذلك قوله: "إن هذه الطريقة
هي أصل الكلام الذي ذمه السلف والأئمة وتوسعوا في الكلام في ذلك من وجهين:
أحدما: أنهم [أي أهل الكلام] جعلوا ذلك أصل الدين، حتى قالوا:
إنه لا يمكن معرفة الله وتصديق رسوله إلا بهذه الطريق. فصارت هذه الطريق أصل الدين، وقاعدة المعرفة، وأساس الإيمان عندهم، لا يحصل إيمان ولا دين ولا علم بالصانع إلا بها، وصار المحافظة على لوازمها والذي فيها أهم الأمور عندهم …
الوجه الثاني: وهو الكلام بذلك في حق الله سبحانه وتعالى [فإنه (2) ] كان من لوازم هذه الطريقة نفي ما جعلوه من سمات الحدوث عن الرب تعالى،--------------------------------------------
(1) انظر: شرح الأصفهانية (ص: 264) - ت السعوي-، ودرء التعارض (1/302-303) .
(2) في المخطوطة فإن، ولعل الصواب ما أثبته.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 985)

فإن تنزيهه عن الحدوث (1) ودلائله أمر معلوم بالضرورة، متفق عليه بين جميع الخلق لامتناع أن يكون صانع العالم محدثا، لكن الشأن فيما هو من سمات الحدوث، فإن في كثير من ذلك نزاعا بين الناس … (2) .
لهذا كله لابد من شرح هذا الدليل وتوضيح بعض جزئياته، وبيان كيف أدى بهؤلاء الى هذه النتائج الباطلة التي خالفوا بها نصوص الكتاب والسنة وصار ذمهم يتردد على لسان كل علم من أعلام أهل السنة والجماعة، وهذا سيفيد أيضا في بيان بطلانه، لأن الباطل أحيانا لا يحتاج إلى ردود، بل تصوره يكفي في بيان أنه باطل.
وشرحه سيكون- في الفقرة الأولى- ضمن ردود شيخ الإسلام على أصحاب هذا الدليل، وهي كما يلي:
1- أن الأشاعرة وأهل الكلام القائلين بهذا الدليل، مختلفون في كثير من تفاصيله، وإذا كان الدليل مبنيا على مقدمات يترتب بعضها على بعض، ثم جاء من يعارض في بعض المقدمات، فهو في هذه الحال يرد على من سلم بها، وخصمه أيضا يرد عليه ما أتى به من مقدمات بديلة عنها، وهكذا.
وبيان ذلك أن هؤلاء بعد أن سلموا بأن إثبات الصانع لا يعلم إلا بحدوث العالم، وحدوث العالم لا يعلم إلا بما به يعلم حدوث الأجسام- اختلفوا في كيفية تقرير دليل حدوث الأجسام:
فطائفة: قالت: إن الجسم لا يخلو عن الحوادث، وما لم يخل من الحوادث فهو حادث.
وطائفة: قالت: إن الجسم لا يخلو من كل جنس من أجناس الأعراض وقالوا: إن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده، ثم قالوا والعرض لا يبقى زمانين، فتكون الأعراض كلها حادثة شيئا بعد شيء، والأجسام لا تخلو منها.--------------------------------------------
(1) في المخطوطة عن سمات الحدوث، وسياق الكلام يقتضى حذف كلمة [سمات] هنا. والله أعلم.
(2) نقض التأسيس- مخطوط- (1/122-123) .

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 986)

وهذا المسلك هو المسلك المشهور للأشاعرة وهو ما ارتضاه الآمدي ورد ما سواه.
ومنهم: من قال: إن أجزاء العالم مفتقرة إلى ما يخصها بما لها من الصفات الجائزة لها، وكل ما كان كذلك فهو محدث، فالعالم محدث.
ومنهم: من قال: كل جسم متناهي القدر، وكل متناهي القدر محدث.
ومنهم: من قال: لو كان الجسم أزليا لكان في الأزل مختصا بحيز معين، لأن كل موجود مشار إليه حسا بأنه هنا أو هناك يجب كونه كذلك، والأزلي يمتنع زواله، فامتنعت الحركة عليه، وقد ثبت جوازها.
ومنهم: من قال: كل ما سوى الواحد ممكن بذاته، وكل ممكن بذاته فهو مفتقر إلى الموثر، والموثر لا يوثر إلا في الحادث لا في الباقي.
ومنهم: من قال: لو كان الجسم قديما لكان قدمه، إما أن يكون عين كونه جسما، وإما مغايرا لكونه جسما، والقسمان باطلان، فبطل القول بكون الجسم قديما.
وقول الطائفة الأولى والثانية هو المشهور عند الأشاعرة، أما الأقوال الأخرى فقد حكاها بعض المتأخرين كالرازي والآمدي (1) .
والقائلون بقول الطائفة الأولى والثانية، تنازعوا في بعض مقدمات دليلهم:
* ففي المقدمة الأولى وهي: أن الجسم لا يخلو عن الحوادث، اختلفوا فيها:
ففريق: منهم قال: الجسم لا يخلو من الحركة والسكون، وهما حادثان.
وهذه طريقة المعتزلة، وذكرها الرازي (2) .--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (2/344،3/3، 4، 8، 18، 351، 448، 451) ، وأبكار الأفكار ج- 2 ل 95- ب- 104- ب وما بعدها، الأربعين للرازي (ص: 13- 41) .
(2) انظر: الأربعين (ص: 13) .

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 987)

وفريق: قال: إن الأجسام لا تخلو من الاجتماع والافتراق، وهما حادثان، وهذه طريقة الأشعري وغيره، وهذا القول مبني على القول بالجوهر الفرد الذي يقوم على أن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة- من جوهرين فأكثر- فالجواهر إما مجتمعة أو متفرقة. ومن لم يقل بالجوهر الفرد لا يلزمه هذا الدليل، والأشاعرة مختلفون في إثبات الجوهر الفرد، فأكثرهم يثبته، وفيهم من ينفيه.
والطائفة الثانية: قالت- موافقة على المقدمة الأولى-: إن الجسم لا يخلو من كل جنس من أجناس الأعراض، فخالفوا أقوال الطائفة الأولى لأن كل فريق ألزم الجسم أنواعا محددة من الأعراض، وكذا قولهم- وهي المقدمة الثانية للطائفة الثانية- إن العرض لا يبقى زمانين كثير من العقلاء قالوا: إن هذا باطل ضرورة.
* وفي المقدمة الثانية وهي قولهم: ما لم يخل من الحوادث فهو حادث.
فقد تنوعت عباراتهم فيها:
فتارة: يقولون: ما لم يخل من الحوادث لم يسبقها، وما لم يسبق الحوادث فهو حادث.
وتارة: يقولون: ما لم يسبق الحوادث- أو ما لم يخل منها- لا يكون الا معها أو بعدها، وما لا يكون الا مع الحوادث أو بعدها فهو حادث.
ثم بعض هؤلاء: لا يقرر هذه المقدمة بناء على ظهورها لأنهم يفهمون من "الحوادث" أن جملتها حادثة بعد أن لم تكن.
وفريق منهم: انتبه الى أن الدليل لم يستكمل بعد، لأن ما ذكروه من الدليل لم يدل إلا على أن الأجسام مقارنة لجنس الحوادث، لا تكون إلا ومعها حادث، فإذا قدر أن الحوادث دائمة، توجد شيئا بعد شيء دائما لم يلزم أن يكون ما لم يسبقها حادثا. فلهذا صار كثير منهم يحتاجون الى بيان امتناع حوادث لا أول لها (1) .--------------------------------------------
(1) انظر: فيما سبق شرح الأصفهانية (ص: 264-267) - ت السعوي- مطبوع على الآلة الكاتبة. ودرء التعارض (1/302-303) ، ونقض التأسيس- مطبوع- (1/141-144) .

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 988)

ومن هذا العرض المفصل لأقوال هؤلاء حول دليلهم الذي رأوا أنه لا يمكن إثبات الصانع إلا به، والتزموا لأجله لوازم باطلة خالفوا بها الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة- من هذا العرض يتبين أنهم لم يتفقوا على مقدمة واحدة من مقدمات دليلهم:
- فاختلفوا في الأعراض والحوادث هل تكون شاملة أو مخصوصة بأنواع منها.
- واختلفوا في الجوهر الفرد.
- واختلفوا هل الصفات أعراض فيجب نفيها، أو ليست بأعراض.
- واختلفرا هل العرض يبقى زمانين أم لا؟
2- كما أن بعض الأشاعرة صرحوا ببطلان مسالك أئمتهم وإخوانهم في تقرير دليل حدوث الأجسام، يقول شيخ الإسلام عن الآمدي والرازي: " والمقصود هنا ذكر ما قاله الآمدي، وذلك أنه لما ذكر مسالك الناس في إثبات حدوث الأجسام أبطل عامتها، واختار الطريقة المبنية على أن الجسم لا يخلو من الأعراض،
وأن العرض لا يبقى زمانين، فتكون الأعراض حادثة، ويمتنع حدوث ما لا نهاية له، وما لا يخلو من الحوادث التي لها أول فله أول. وذكر أن هذه الطريقة
هي المسلك المشهور للأشعرية وعليه اعتماده.
والرازي وأمثاله لم يعتمدوا هذا المسلك، لأنه مبني على أن الأعراض ممتنعة البقاء، وهذه مقدمة خالف فيها جمهور العقلاء، وقالوا: إن قائليها مخالفون للحس ولضرورة العقل، فرأى أن الاعتماد عليها في حدوث الأجسام في غاية الضعف (1) .
والآمدي قدح في الطرق التى اعتمد عليها الرازي كلها" (2) .--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (2/389- 390، 3/30، 451-453) ، ومجموع الفتاوى (5/215-216، 6/40-41، 16/275) .
(2) انظر: درء التعارض (4/267-275) ، وانظر: شرح الأصفهانية (ص: 88) - ت السعوي.- ومجموع الفتاوى (12/ 140-141) ، والنبوات (ص: 62) .

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 989)

والرازي والآمدي من المتأخرين الذين خبروا المذهب وعرفوه، ولذلك جمعوا في كتبهم أقوال سابقيهم في هذه المسألة (1) وفحصوها، وعرفوا ما فيها من فجوات، وإن كان هذا لم يؤد بهم إلى الرجوع إلى الحق في المسائل التفصيلية، وإنما زادوا المذهب غلوا وتطرفا حين أدخلوا فيه أدلة ومذاهب الفلاسفة والمعتزلة وغيرهم.
3- كما أن أئمة الأشعرية- غير الرازي والآمدي- قد ذموا هذه الطريقة لطولها وغموضها وكثرة مقدماتها، ولأن الأنبياء لم يدعوا اليها، ومن هؤلاء أبو الحسن الأشعري، والغزالي، والخطابي، والبيهقي، والحليمي، والقاضي أبو يعلى، وابن عقيل، وغيرهم.
ومما ينبغي ملاحظته أن الذين ذموا دليل الأعراض وحدوث الأجسام نوعان:
"منهم من يذمها لأنها بدعة في الإسلام، فإنا نعلم أن النبي-صلى الله عليه وسلم لم يدع الناس اليها، ولا الصحابة؛ لأنها طويلة، مخطرة، كثيرة الممانعات والمعارضات. فصار السالك فيها كراكب البحر عند هيجانه، وهذه طريقة الأشعري في ذمه لها، والخطالى، والغزالي، وغيرهم ممن لا يصرح ببطلانها.
ومنهم: من ذمها لأنها مشتملة على مقدمات باطلة، لا تحصل المقصود بل تناقضه، وهذا قول أئمة الحديث وجهور السلف" (2) .--------------------------------------------
(1) ذكر الرازي خمسة يراهين عل حدوث العالم، قدح الأرموي في كل واحد منها، انظرها مع قدح الأرموي فها في درء التعارض، البرهان الأول (2/344) وما بعدها، والثاني (3/3-4) ، والثالث (3/4-8) ، والرابع (8/3-18) ، والخامس (3/18/23) ، وقال شيخ الإسلام معقبا (3/23) : "والمقصود هنا أن هذه البراهين الخمسة التي احتج بها على حدوث الأجسام قد بين أصحابه المعظمون له ضعفها، بل هو نفسه أيضا بين ضعفها في كتب أخرى مثل: المطالب العالية، وهي آخر ما صنفه، وجمع فها غاية علومه، والمباحث الشرقية، وجعل منتهى نظره وبحثه تضعيفها".
أما الآمدي فقد ذكر سبعة مسالك، زيف ستة منها، واختار المسلك السابع الذي هو المسلك المشهور للأشاعرة، وهو دليل الأعراض وحدوث الأجسام. انظر: درء التعارض (1/302، 3/448-449، 4/267) .
(2) الصفدية (1/275) .

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 990)

وشيخ الإسلام كثيرا ما يؤكد على الفرق بين هؤلاء وهؤلاء (1) ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك (2) . كما سبق- في ترجمة الأشعري- نقل كلامه حول دليل الأعراض وقوله: إنه بدعة لم تدع إليه الرسل (3) .
أما الخطابي فكلامه الذي نقله شيخ الإسلام في هذا الموضوع طويل، خاصة من كتابيه الغنية وشعار الدين (4) .
فهذه نماذج من أقوال متقدمي الأشاعرة ومتأخريهم- ومنهم الرازي- تبين كيف أن هؤلاء الأعلام انتقدوا هذا الدليل الذي جعله كثير منهم الأساس
الذي يقوم عليه دين الإسلام.
4- وهذا الدليل يجب أن يكون باطلا لوجوه:
أ- أنه دليل طويل، كثير المقدمات التي لا يفهمها كثير من الناس.
ب- أنه دليل مبتدع في دين الله لم يدع إليه رسول اللهصلى الله عليه وسلم- ولا أصحابه من بعده، ولا أئمة السلف، وإنما هو قول مبتدع، حدث بعد المائة الأولى وانقراض عهد التابعين.
ب- أنه يلزم عليه لوازم فاسدة، من نفي صفات الله، ونفي قدرته على الفعل، والقول بأنه فعل بعد أن كان الفعل ممتنعا عليه، وأنهرجح أحد المقدورين على الآخر بلا مرجح، وكل هذا خلاف المعقول الصحيح، وخلاف الكتاب والسنة.--------------------------------------------
(1) انظر: شرح حديث النزول- مجموع الفتاوى- (5/543-544) ، ودرء التعارض (1/309) ، ونقض التأسيس- مطبوع- (1/248-249) .
(2) انظر: (ص: 859-860) .
(3) انظر: (ص: 416-417) . وانظر تعليقات ابن تيمية حول موقف الأشعري من هذا الدليل في: التسعينية (ص: 254-255) ، ونقض التأسيس- مطبوع- (1/117) ، والنبوات (ص: 62) ، ومجموع الفتاوى (3/303-304، 6/520) ودرء التعارض (4/289، 7/ 71، 223-224) .
(4) انظر: درء التعارض (7/278-312، 8/351 -355) حبث نقل نصوصا من كتاب الغنية للخطابي، حول ذمه لدليل حدوث الأجسام، وانظر أيضا: نقض التأسيس- مطبوع- (1/176-182) ، حيث نفل نصوصا من كتابه الآخر شعار الدين حول الموضوع نفسه.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 991)

د- أن هذا أوجب تسلط الفلاسفة على المتكلمين في مسألة حدوث العالم إلى غير ذلك من الوجوه (1) .
5- أما احتجاجهم على صحة دليل حدوث الأجسام بقصة الخليل، وأنه قال: "لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ" [الأنعام: 76] ، وقولهم: إن إبراهيم الخليل "استدل على حدوث الكواكب والشمس، والقمر بالأفول، والأفول هو الحركة، والحركة هي التغير، فلزم من ذلك أن كل متغير محدث، لأنه لا يسبق الحوادث، لامتناع حوادث لا أول لها، وكل ما قامت به الحوادث فهو متغير فيجب أن يكون محدثا، فهذه الطريق التي سلكناها هي طريقة إبراهيم الخليل" (2) .
فقد رد عليهم شيخ الإسلام من وجوه:
أ- "أن قول الخليل (هذا ربي) - سواء قاله على سبيل التقدير لتقريع قومه، أو على سبيل الاستدلال والترقي، أو غير ذلك- ليس المراد به: هذا رب العالمين القديم الأزلي، الواجب الوجود بنفسه، ولا كان قومه يقولون: إن الكواكب أو القمر أو الشمس رب العالمين الأزلي الواجب الوجود بنفسه، ولا قال هذا أحد من أهل المقالات المعروفة التي ذكرها الناس: لا من مقالات أهل التعطيل والشرك الذين يعبدون الشمس والقمر والكواكب، ولا من مقالات غيرهم، بل قوم إبراهيم صلى الله عليه وسلم كانوا يتخذونها أربابا يدعونها ويتقربون اليها بالبناء عليها والدعوة لها والسجود والقرابين، وغير ذلك، وهو دين المشركين" (3) ، فليس هناك أحد من العقلاء يقول: إن شيئا من الكواكب أو الشمس أو غيرها هو خالق هذا العالم (4) .--------------------------------------------
(1) انظر: فيما سبق شرح حديث النزول- مجموع الفتاوى (5/541-545) ، وشرح الأصفهانية (ص: 134-135) - ت السعوى-. ودرء التعارض (1/97-99، 105، 308 - 810، 7/ 71؛ 245،242، 9/170- 171، 10/135) ، ومنهاج السنة (2/199-212) - المحققة.
(2) درء التعارض (1/ 100- 101) ، وانظر في احتجاج الأشاعرة بهذا الدليل: ما سبق (ص: 534، 574-575) ، والاعتقاد للبيهقي (ص: 40) ، والشامل للجويني (ص: 246) ، وأساس التقديس للرازي (ص: 21-22) - ط الحلبي-، وتفسير الرازي (سورة الأنعام آية 76 وما بعدها) (13/46) وما بعدها.
(3) انظر: بغية المرتاد (المسمى بالسبعينية) (ص: 260) - ت الدويش-، ومنهاج السنة (2/142) - المحققة.
(4) درء التعارض (1/313) ، وانظر: منهاج السنة (144/2) - المحققة.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 992)

ب- ولو قالوا: إن إبراهيم عليه السلام أراد بقوله (هذا ربي) رب العالمين "لكانت قصة الخليل حجة على نقيض مطلوبهم؛ لأن الكوكب والقمر والشمس مازال متحركا من حين بزوغه إلى عند أفوله وغروبه، وهو جسم متحرك متحيز صغير، فلو كان مراده هذا للزم أن يقال: ان إبراهيم لم يجعل الحركة والانتقال مانعة من كون المتحرك المنتقل رب العالمين، بل ولا كونه صغيرا بقدر الكواكب والشمس والقمر. وهذا- مع كونه لا يظنه عاقل ممن هو دون إبراهيم صلوات الله وسلامه عليهـ فإن جوزوه عليه كان حجة عليهم لا لهم" (1) . "فتبين أن قصة الخليل إلى أن تكون حجة عليهم أقرب من أن تكون حجة لهم. ولا حجة لهم فيها بوجه من الوجوه، (2) .
ج-- أن مقصود إبراهيم عليه الصلاة لا إثبات التوحيد لله، لا إثبات الصانع. بخلاف ما ظنه هؤلاء (3) .
د- أن إبراهيم- عليه السلام "قال "لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ" فنفي محبته فقط ولم يتعرض لما ذكروه" (4) .
هـ- "أن الأفول هو المغيب والاحتجاب، ليس هو مجرد الحركة والانتقال، ولا يقول أحد- لا من أهل اللغة ولا من أهل التفسير- إن الشمس والقمر في حال مسيرهما لي السماء: إنهما آفلان، ولا يقول للكواكب المرئية في السماء، في حال ظهورها وجريانها: إنها آفلة، ولا يقول عاقل لكل من مشى وسافر وسار وطار: إنه آفل (5) "، "والأفول ليس هو الحركة، سواء كانت حركة مكانية وهي الانتقال، أو حركة في الكم كالنمو، أو في الكيف كالتسود والتبيض، ولا هو التغيير، فلا يسمى في اللغة كل متحرك أو متغير آفلا، ولا أنه أفل، ولا يقال للمصلي أو الماشي إنه آفل، ولا يقال للمتغير الذي هو استحالة كالمرض--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (1/313) ، وانظر: منهاج النة (2 / 144) - المحققة.
(2) انظر: درء التعارض (1/ 111) .
(3) انظر: شرح الأصفهانية (ص: 137) - ت السعوي-.
(4) بنية المرتاد (المسمى بالسبعينية) (ص: 360) .
(5) انظر: درء التعارض (1/313-314) .

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 993)

واصفرار الشمس: إنه أفول، لا يقال للشمس إذا اصفرت: إنها أفلت، وإنما يقال: أفلت إذا غابت واحتجبت وهذا من المتواتر المعلوم بالاضطرار من لغة العرب، أن آفلا بمعنى غائب وقد أفلت الشمس تأفل وتأفل أفولا: أي غابت … ومعلوم أنه لما بزغ القمر والشمس كان في بزوغه متحركا، وهو الذي يسمونه تغيرا، فلو كان قد استدل بالحركة المسماة تغييرا لكان قد قال ذلك من حين رآه بازغا (1) ".
وبالرجوع إلى كتب أهل اللغة وغريب القرآن نجد أنهم لا يفسرون الأفول إلا بالمغيب فقط (2) ، وكذلك كتب التفسير، إلا أن الزمخشري شرح الأفول وساق الدليل ليوافق دليل حدوث الأجسام، أما البيضاوي فقد فسر الأفول بالمغيب لكنه ألمح إلى دليل حدوث الأجسام (3) .
وقد اعترف العز بن عبد السلام بأن استدلال المتكلمين بهذه الآية مشكل غاية الإشكال، وبين ذلك بما ينقض استدلالهم (4) .
و "أن هذا القول الذي قالوه لم يقله أحد من علماء السلف، أهل التفسير، ولا من أهل اللغة، بل هو من التفسيرات المبتدعة في الإسلام كما ذكر ذلك عثمان بن سعيد الدارمي وغيره من علماء السنة، وبينوا أن هذا من التفسير المبتدع (5) ". وقد قال الدارمي في رده على المريسى: "واحتججت أيها المريسى في نفي التحرك عن الله والزوال بحجج الصبيان، فزعمت أن إبراهيم حين رأى كوكبا وشمسا وقمرا قال: "قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (1/09-11) .
(2) انظر في مادة أفل: الصحاح للجوهرى، وممجم مقاييس اللغة (1/119) ، ومجمل اللغة، ولسان العرب، وتاج العروس. والمعجم الكبير (مجمع اللغة العربية) . وانظر أيضا: تفسير المشكل عن غريب القرآن لمكي (ص: 77) ، وتحفة الأريب لأبي حبان (ص: 47) - أما كتب غريب الحديث فلم ترد فيها مادة "أفل" فيما اطلعت عليه منها. وفي مجمع البحرين (5/307) للطريحي- شيعي إمامي- فسر أفل بمعنى غاب فقط.
(3) انظر: تفسير الطبري (الأنعام آية: 76) . وانظر أيضا: الكشاف وأنوار التنزيل نفس الآية.
(4) انظر: فوائد في مشكل القرآن للعز بن عبد السلام (ص: 119) .
(5) انظر: درء التعارض (1/314) .

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 994)

الْآفِلِينَ" [الأنعام: 76] ثم قلت: فنفى إبراهيم المحبة عن إله زائل، يعني أن الله إذا نزل من سماء إلى سماء أو نزل يوم القيامة لمحاسبة العباد، فقد أفل وزال كما أفلت الشمس والقمر، فتنصل من ربوبيتهما إبراهيم، فلو قاس هذا القياس تركي طمطماني أو ذي أعجمية ما زاد على ما قست عليه قبحا وسماجة، ويلك، ومن قال من خلق الله: إن الله إذا نزل أو تحرك أو نزل ليوم الحساب أفل في شيء، كما تأفل الشمس في عين حمئة … " (1)
أما أقوال أهل اللغة والتفسير فقد سبقت الإشارة إليها قريبا.
وبهذا يتبين بطلان استدلالهم بقصة إبراهيم على ما يدعونه من دليل حدوث الأجسام (2) .كما يتبين أيضا بطلان من فسر الأفول بالإمكان كالرازي وابن سينا (3) ، ومن فسره بالعقول والنفوس كالغزالي (4) .
6- وشيخ الإسلام وهو يبطل دليلهم على حدوث العالم الذي هو دليل حدوث الأجسام، يذكر البديل عن ذلك، ويسوق أمثلة على الدليل الصحيح مبينا أن هؤلاء الدهرية الفلاسفة ليس معهم دليل صحيح على إثبات قدم شيء من العالم أصلا " بل غاية ما يستدلون عليه دوام نوع الفعل، وذلك لا يدل على قدم شيء معين للفرق بين العين والنوع الذي يعترفون بصحته، وإن لم يعترفوا بصحته لزم فساد مذهبهم من أصله (5) ".
وهذا ما سيرد في الفقرة التالية:--------------------------------------------
(1) رد الإمام الدارمي عثمان بن سعيد على المريسي العنيد (ص: 412-413) - ضمن عقائد السلف.
(2) انظر أيضا: في مناقشة استدلالهم هذا الرد عل المنطقيين (ص: 304-307) ، ودرء التعارض (8/355-356، 9/82-84) .
(3) انظر في: مناقشتهما درء التعارض (1/314-315) ، ومنهاج السنة (1/144- 145) - المحققة، وأيضا (2/141-143) - المحققة. وكلام ابن سينا في الإشارات والتنبيهات (3/531-532) . ت سليمان دنيا وكلام الرازي في تفسيره (13/53-55) .
(4) انظر: الرد عليه في بغية المرتاد (ص: 360-374) ، ودرء التعارض (6/316 -318) .
(5) شرح الأصفهانية (ص: 141) - ت السعوي-.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 995)

ب- مسألة التسلسل والرد الصحيح على الفلاسفة الدهرية (ومسألة حوادث لا أول لها) :
وهذه المسألة من المسائل الطويلة التي ذكرها شيخ الاسلام مبينا فيها بطلان مذهب الفلاسفة وضعف أدلة المتكلمين حول إثبات الصانع وحدوث العالم، وهي مباحث عويصة قال عنها شيخ الإسلام: إنها من محارات العقول (1) ، بل قال عن بعض مسائلها وفروعها: إنها من الكلام المذموم (2) ، ولا شك أن شيخ الاسلام خاض فيها مضطرا ليبين خطأ وضلال أولئك الذين خاضوا فيها مخالفين لمنهج الرسل- صلوات الله وصلامه عليهم- وإلا فمسألة إثبات الصانع وحدوث ما سواه من المسائل البدهية التي يعرفها عوام المسلمين.
وقد اشتهر عن ابن تيمية أنه يقول بجواز حوادث لا أول لها، وتلقفها مناوئوه وحساده من أعداء السلف فرموه صراحة بأنه يقول بقدم العالم كالفلاسفة، وهؤلاء- إذا أحسنا الظن بهم- غاية ما عندهم أنهم لم يعرفوا إلا مذهبين في هذا الباب، مذهب الفلاسفة القائلين بقدم العالم، ومذهب شيوخهم المتكلمين القائلين بحدوث العالم لأدلة خاصة جاءوا بها، فظنوا أنه إذا بطل مذهب الفلاسفة صح مذهب المتكلمين، ولم يعلموا أن هناك في بعض المسائل المتعلقة بهذا الباب قولا ثالثا قال به أئمة السلف وجمهور المسلمين.
وتلخيص المسألة (3) يمكن عرضه كما يلي:--------------------------------------------
(1) انظر: منهاج السنة (1/299) - ت رشاد سالم-، ط جامعة الامام.
(2) المصدر السابق (1/212) ، نفس الطبعة.
(3) الكلام حول هذه المسألة ومقدماتها طويل جدا، وتوضيح رأى شيخ الإسلام في ذلك لا يتم إلا من خلال مناقشات عديدة لابد من إيرادها، حتى يفهم حقيقة مذهبه في ذلك. والموضوع له شقان:
أ- شق يتعلق بأصل المسألة، وشيخ الإسلام مع جماهير المسلمين القائلين بحدوث العالم. وضد الفلاسفة الذين يقولون بقدم شيء من العالم، وهذه مسألة واضحة لا تحتاج إلى بيان. وإن كان شيخ الإسلام رد على المتكلمين ما أدى اليه استدلالهم هذا من نفي الصفات أو بعضها.
ب- وشق يتعلق بالدفاع عن ابن تيمية فيما وجه اليه من تهمة القول بحوادث لا أول لها وهذه ضمن مسائل أخرى تحتاج إلى تأليف مستقل، وقد حاول أحد الباحثين [انظر: ابن تيمية المفترى عليه،
تأليف سليم الهلالي، (ص: 68-98) ] الدفاع عن ابن تيمية في هذه المسألة فأصاب في بعض الأوجه، ولم يصب في الأوجه الأخرى.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 996)

أ- استدل المتكلمون- كما سبق- بدليل حدوث الأجسام، على حدوث العالم، وكان مساق دليلهم يقتضي:
أ- نفي حلول الحوادث بذات الله تعالى، ولذلك نفوا عن الله تعالى أن تقوم به صفات الأفعال، ولما قيل لهم إن تولكم إن الله خالق العالم بعد أن لم يكن العالم موجودا هو قول بحلول الحوادث به تعالى، فأجابوا بمذهبهم المشهور: إن الخلق هو المخلوق، ومعنى ذلك أن صفة الخلق لم تقم بهـ عند الخلق- وإنما وجد المخلوق منفصلا عنه. بينما جاهر المسلمين يقولون: إن الخلق غير المخلوق. فيفرقون بين ثلاثة أشياء: الخالق تعالى، وصفة الخلق التي قامت به تعالى كغيرها من الصفات، والمخلوق الموجد المنفصل عنه تعالى (1) . فيقال في الخلق مثل ما يقال في الكلام والاستواء والنزول من صفات الأفعال التي تقوم به تعالى، وهو سبحانه إذا شاء خلق وإذا شاء لم يخلق، وإذا شاء تكلم وإذا شاء لم يتكلم وهكذا فصفة الخلق قامت به، وعلى قول أولئك هو معطل عن هذه الصفة- وسيأتي إن شاء الله تعالى مزيد بيان في مبحث الصفات-. فالأشاعرة قالوا: الخلق هو المخلوق هربا من القول بحلول الحوادث بذاته تعالى.
ب- لما قالوا: ما قامت به الحوادث فهو حادث، قالوا أيضا: ما لم يسبق الحوادث فهو حادث أو ما لم يخل من الحوادث فهو حادث، ثم قالوا بامتناع حوادث لا أول لها بناء على أن التسلسل ممتنع، وقد احتجوا على ذلك بدليل لهم سموه: برهان التطبيق (2) وبناء على ذلك قالوا: إن الله تعالى لم يكن قادرا--------------------------------------------
(1) انظر: كلام البخاري في ذلك في خلق أفعال العباد (ص: 186-188) - ت البدر-.
(2) دليل التطبيق، والموازاة والمسامتة، خلاصته: "أن مالا يتناهى إذا فرض فيه حد كزمن الطوفان، وفرض حد آخر كزمن الهجرة، وقدر امتداد هذين إلى مالا نهاية له، فإن تساويا لزم كون الزائد مثل الناقص وإن تفاضلا لزم وقوع التفاضل فيما لا يتناهى" درء التعارض (ص: 304) ، وانظر: الأربعين للرازي (ص: 15) .
وقد رد على هذا الدليل بأن مثل هذا التفاضل جائز، مثل المستقبل، لأن من الطوفان إلى مالا نهاية له في المستقبل أعظم من الهجرة إلى مالا نهاية له في المستقبل، وهو جائز، ووجود التفاضل من الجانب المتناهي لا من الجانب الذي لايتناهى لامحذور فيه. ورد عليهم أيضا أن التطبيق إنما يمكن في الموجود لا في المعدوم فإن تضعيف الواحد أقل من عدد تضعيف العشرة، وعدد تضعيف العشرة أقل من عدد تضعيف المئة والجميع لايتناهى.
انظر: درء التعارض (1/304-305، 2/365-369، 3/40-47، 9/177-197-202) -منهاج السنة (1/432) - ط جامعة الإمام-.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 997)

على الفعل في الأزل ثم صار قادرا (1) ، أو بمعنى آخر قالوا: إن الفعل كان ممتنعا عليه تعالى ثم صار ممكنا، والذى ألجأهم إلى هذا أن يسلم لهم القول بحدوث العالم لأنه لو قيل بجواز أن يكون قادرا على الخلق قبل ذلك لأدى ذلك إلى صحة القول بقدم العالم، لأنه ما من زمن يفترض فيه خلق العالم إلا وجائز أن يقع
قبله، لأن الله أزلي. وهذا ممتنع.
2- بناء على قول المتكلمين في منع التسلسل في الماضي، صارت الأقوال في التسلسل في الآثار ثلاثة:
أ- منعه في الماضي والمستقبل، وهذا قول جهم والعلاف، وحجة هؤلاء أنه اذا كان ممتنعا في الماضي فيجب أن يكون ممتنعا في المستقبل، فقال
الجهم بفناء الجنة والنار، وقال العلاف بفناء حركات أهلهما.
ب- منعه في الماضي وتجويزه في المستقبل، وهذا قول أكثر أهل الكلام الذين يقولون بدوام نعيم الجنة.
ب- جوازه فيهما، وهو قول أهل السنة والحديث (2) .
ويلاحظ أن المقصود التسلسل في الآثار لا في الفاعلين لأن هذا مقطوع بامتناعه وأنه لابد أن ينتهي إلى الخالق تعالى.
وقد اعترض على المتكلمين في قولهم بجواز دوام الحوادث في المستقبل دون الماضي، بأنه لا دليل لهم على التفريق بينهما، وقد ذكر الجويني فرقا ضرب--------------------------------------------
(1) وقول بعضهم إن الله كان قادرا في الأزل على ما لم يزل، متناقض، لأنه يقال لهم: حين كان قادرا هل كان الفعل ممكنا، فلابد أن يقولوا: لا، فيقال لهم: كيف وصف بالقدرة مع امتناع المقدور؟. انظر: درء التعارض (9/185) ، ومجموع الفتاوى (16/238) .
(2) انظر: منهاج السنة (1/99، 122، 221-222، 2/307) - المحققة. ط دار العروبة. وأيضا (2/23-25) - مكتبة الرياض الحديثة- والصفدية (1/10-11، 22-27) ، ودرء التعارض (1/363، 4/ 292-293، 9/ 180-185، 238- 241) ، ومسألة الأحرف- مجموع الفتاوى. (12/45) .

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 998)

له مثالا، لكن مثاله لم يكن مطابقا، ولذلك نوقش فيه (1) .
3- لما رأى الفلاسفة أن هذا مذهب المتكلمين اعترضوا على دليلهم في إثبات حدوث العالم باعتراضين:
أحدهما: أن في قولكم- لم يكن قادرا ثم صار قادرا- ترجيحا لأحد طرفي الممكن بلا مرجح، والترجيح لابد له من مرجح تام يجب به، ثم قالوا والقول بوجود سبب بقتضي الترجيح يحتاج إلى سبب آخر وهكذا إلى غير نهاية فيلزم التسلسل وهو ممتنع عندكم.
الثالي: أن الموثر التام يستلزم أثره، والعلة التامة تستلزم معلولها، ومن ثم قال هؤلاء الفلاسفة بقدم العالم لأن العلة التامة الأزلية يجب أن يقارنها معلولها.
4- أجاب المتكلمون عن اعتراض الفلاسفة الأول بأن المرجح عندهم:
الإرادة القديمة أو القدرة، أو العلم القديم، أو إمكان الحدوث، أو غير ذلك.
لكن الفلاسفة قالوا: إن هذه الأجوبة غير مفيدة، لأن هذه الأمور إن لم يحدث بسببها حادث لزم الترجيح بلا مرجح، وإن حدث سبب حادث فالكلام في حدوثه كالكلام في حدوث ما حدث به (2) .
وبعضهم أجاب بتجويز ترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح، وانتفاء هذا وبطلانه متفق عليه بين العقلاء، حتى إن الرازي جعل ذلك- أي أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه الا بمرجح- مقدمة ضرورية (2) .
وبعض الأشاعرة- كالرازي- عدل إلى الإلزام في هذه المسألة وهو أن هذا يقتضي أن لا يحدث في العالم حادث، والحس يكذبه، وقد أجاب الفلاسفة بأن هذا يلزم إذا كان التسلسل باطلا- وأنتم تقولون بإبطالهـ وأما نحن فلا نقول--------------------------------------------
(1) انظر: الإرشاد (ص: 26-27) ، ودرء التعارض (2/358-359، 9/186) .
(2) انظر: درء التعارض (1/322) .
(2) انظر: المصدر السابق (8/291) .

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 999)

بإبطاله، ولذلك فإذا كان الحدوث موقوفا على حوادث متجددة زال هذا المحذور (1) .
وبهذا يتبين أن المتكلمين- أشاعرة ومعتزلة- لم يستطيعوا التخلص من هذا المأزق الذي وقعوا فيه، يقول شيخ الإسلام: "وهذا قول أكثر المعتزلة والأشعرية وغيرهم: يقرون بالصانع المحدث من غير تجدد سبب حادث، ولهذا قامت عليهم الشناعات في هذا الموضع وقال لهم الناس: هذا ينقض الأصل الذي أثبتم به الصانع، وهو أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح؛ فإذا كانت الأوقات متماثلة، والفاعل على حال واحدة لم يتجدد فيه شيء أزلا وأبدا، ثم اختص أحد الأوقات بالحدوث فيه، كان ذلك ترجيحا بلا مرجح " (2) ، ثم بين شيخ الإسلام أن قول ملاحدة الدهرية والفلاسفة ينزع إلى هذا الأصل وهو إثبات حدوث حادث بلا سبب حادث (2) .
5- كما أجاب المتكلمون عن اعتراض الفلاسفة الثاني وهو دليل العلة التامة بأن قالوا "المؤثر التام يجوز بل قد يجب أن يتراخى عنه أثره، فقالوا:
البارى كان في الأزل مؤثرا تاما وتراخى عنه أثره" (4) ، ولكن رد عليهم بأن هذا باطل لأنه يلزم منه " أن يصير المؤثر مؤثرا تاما بعد أن لم يكن موثرا تاما بدون سبب حادث، أو أن الحوادث تحدث بدون مؤثر تام، وأن الممكن يرجح وجوده على عدمه بدون المرجح التام" (5) ، وهذا كله باطل.
6- أما موقف ورأي ابن تيمية فيما جرى بين الفلاسفة والمتكلمين حول حدوث العالم فيتلخص بما يلي:--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (1/322) .
(2) المصدر السابق (8/107) .
(3) المصدر نفسهـ نفس الجزء والصفحة- وانظر أيضا: حول الترجيح بلا مرجح: الصفدية (1/144) ، وشرح حديث النزول- مجموع الفتاوى (5/559- 560) ، والمسألة المصرية في القرآن - الفتاوى (12/214) ، ومنهاج السنة (1/145-146) - المحققة- ط مكتبة دار العروبة، ودرء التعارض (3/63، 8/291-295، 9/161- 166) .
(4) درء التعارض (8/270) .
(5) المصدر السابق (3/63) .

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1000)

أ- أن دليل المتكلمين- معتزلة وأشاعرة- على حدوث العالم أدى بهم إلى نفي صفات الله تعالى، وأن الله ليس له علم ولا قدرة ولا كلام يقوم به، بلا كلامه مخلوق منفصل عنه، وأن الله لا يرى في الآخرة، هذا عند المعتزلة.
أما الأشاعرة فقد التزموا نفي الصفات الفعلية عن الله تعالى بناء على أنها حوادث، وما حلت به الحوادث فهو حادث. كما التزم متأخروهم- مع المعتزلة- نفي علو الله تعالى على خلقه واستوائه على عرشه، وهذا كله من أعظم الباطل المخالف لدين الرسل عليهم الصلاة والسلام.
ب- أن إجابات المتكلمين عن اعتراضات الفلاسفة كانت ضعيفة ولذلك تسلط هؤلاء عليهم، حيث ظنوا أن هذا الذي يقوله المتكلمون هو دين الرسل، يقول شيخ الإسلام: " وكان ذلك مما سلط الدهرية القائلين بقدم العالم، لما علموا حقيقة قولهم وأدلتهم ونسوا فساده، ثم لما ظنوا أن هذا قول الرسول صلى الله عليه وسلم واعتقدوا أنه باطل قالوا: إن الرسول لم يبين الحقائق، سواء علمها أو لم يعلمها، وإنما خاطب الجمهور بما يخيل لهم ما ينتفعون به. فصار أولئك المتكلمون النفاة مخطين في السمعيات والعقليات، وصار خطؤهم من أكبر أسباب تسلط الفلاسفة، لما ظن أولئك الفلاسفة الدهرية أنه ليس في هذا المطلوب إلا قولان: قول أولئك المتكلمين، وقولهم. وقد رأوا أن قول أولئك باطل. فجعلوا ذلك حجة في تصحيح قولهم، مع أنه ليس للفلاسفة الدهرية على قولهم بقدم الأفلاك حجة عقلية أصلا، وكان من أعظم أسباب هذا أنهم لم يحققوا معرفة ما بعث الله به رسولهصلى الله عليه وسلم- " (1) .
وذلك أن جواب المتكلمين حول الترجيح بلا مرجح، والعلة التامة كان جوابا ضعيفا.
فمثلا قول جمهور الأشاعرة: إن المرجح هو الإرادة القديمة (2) ، قول ضعيف لأنهم " ذكروا لها ثلاثة لوازم، والثلاثة تناقض الإرادة:--------------------------------------------
(1) شرح حديث عمران بن حصين- مجموع الفتاوى (18/224-225) .
(2) وهو الجواب الذي ذكره الغزالي في رده على الفلاسفة، انظر: التهافت (ص: 96) وما بعدها.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1001)

الأول: قالوا: إنها تكون ولا مراد لها، بل لم يزل كذلك، ثم حدث مرادها من غير تحول حالها. وهذا معلوم الفساد ببديهة العقل، فإن الفاعل إذا أراد أن يفعل فالمتقدم كان عزما على الفعل وقصدا له في الزمن المستقبل لم يكن إرادة للفعل في الحال، بل إذا فعل فلابد من إرادة الفعل في الحال … .
الثاني: قولهم: إن الإرادة ترجح مثلا على مثل. فهذا مكابرة، بل لا تكون الإرادة إلا لما ترجح وجوده على عدمه عند الفعل، إما لعلمه بأنه أفضل، أو لكون محبته له أقوى … .
الثالث: قولهم: إن الإرادة الجازمة يتخلف عنها مرادها مع القدرة. فهذا أيضا باطل، بل متى حصلت القدرة التامة والإرادة الجازمة وجب وجود المقدور وحيث لا يجب فإنما هو لنقص القدرة أو لعدم الإرادة التامة، والرب تعالى ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن … " (1) .
وكذا جوابهم عن شبهة العلة التامة وقولهم: إنه يجب أن يتراخى عنها معلولها، فإنه جواب غير صحيح، كما أن قول الفلاسفة إنه يجب أن يقارنها معلولها بالزمان قول باطل. والصحيح قول ثالث: "وهو أن التأثير التام من المؤثر يستلزم الأثر، فيكون عقبه، لامقارنا له، ولامتراخيا عنه، كما يقال: كسرت الإناء
فانكسر، وقطعت الحبل فانقطع، وطلقت المرأة فطلقت، وأعتقت العبد فعتق، قال تعالى:"إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" [يس: 82] ، فإذا كون شيئا كان عقب تكوين الرب له، لا يكون مع تكوينه ولامتراخيا عنه. وقد يقال: يكون مع تكوينه، بمعنى: إنه يتعقبه لا يتراخى عنه.
وهو سبحانه ما شاء كان ووجب بمشيئته وقدرته، وما لم يشأ لم يكن لعدم مشيئته له، وعلى هذا فكل ما سوى الله تعالى لا يكون إلا حادثا مسبوقا بالعدم، فإنه يجب أن يكون عقب تكوينه له فهو مسبوق بغيره سبقا زمانيا، وما كان كذلك لا يكون إلا محدثا، والمؤثر التام يستلزم وجود أثره عقب كمال--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (16/458-459) ، وانظر أيضا (16/305) .

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1002)