وبمثل هذا السند لا يثبت هذا الخبر عن حماد بن زيد(1)، لكن يظهر أن [2/ 127] له أصلًا. فقد تقدم رواية سعيد بن أبي عروبة وأبان بن يزيد، عن يحيى، عن عمرة، عن عائشة مرفوعًا باللفظ الذي رواه الأثبات الذين رفعوا الحديث: «تُقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا». وروى مالك وابن عيينة، عن يحيى، عن عمرة أن عائشة قالت: «ما طال عليَّ ولا نسيتُ: القطعُ في ربع دينار». وقوله: «القطع في ربع دينار» هو اللفظ الذي رواه الواقفون، فهذا يدل أنه كان عند يحيى كلا الخبرين، فكان يحدِّث بالمرفوع، فأنكر عليه بعضُ من لم يسمعه وسمع الموقوف، فأعرض يحيى عن رواية المرفوع صونًا لنفسه عن أن يتهمه مَن لا يعلم حقيقة الحال بالإصرار على الخطأ.
هذا، وقد ذكر ابن عيينة رواية عبد الله بن أبي بكر وعبد ربه ورُزَيق ثم قال: «إلا أن في حديث يحيى ما قد دل على الرفع: ما نسيتُ ولا طال عليَّ، القطع في ربع دينار». اعترضه(2) الطحاوي بقوله: «قد يجوز أن يكون معناها في ذلك: ما طال عليَّ ولا نسيتُ ما قطع فيه الرسول صلى الله عليه وسلم مما كانت قيمته عندها ربع دينار».
أقول: قد مرَّ دفعُ الاحتمال، وبيانُ أنه لا يُعرف فيما قطع فيه النبي--------------------------------------------
(1) قلت: يعني لأن مؤمل بن إسماعيل سيئ الحفظ، كما سبق في ترجمته من الكتاب برقم (252). وهو بصري نزيل مكة. فالظاهر أن الذي عند الطحاوي (الرملي) صوابه: (المكي). والله أعلم. [ن].
(2) في (ط): «اعترف به». والمثبت من (خ). وقول الطحاوي في «معاني الآثار» (3/ 165).
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 213)
صلى الله عليه وآله وسلم ما هو قليل إلا المجن. وقد دل حديث «الصحيحين»(1) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة على أنها لم تكن تعرف المِجنَّ ولا قيمته. وبهذا يتبين أن رواية عبد الله بن أبي بكر وعبد ربه ورُزَيق تدل أيضًا على الرفع، فإن التقدير بربع دينار ليس مما يقال بالرأي، ولا يُعرف ما تأخذ عائشة منه ذلك إلا ما ثبت عنها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
ثم جعجع الطحاوي بما عُلِم ردُّه مما تقدَّم، ثم قال(2): «فلما اضطرب حديث الزهري على ما ذكرنا، واختُلِف على غيره عن عمرة كما وصفنا، ارتفع ذلك كله، فلم تجب الحجة بشيء منه إذ كان بعضه ينقض بعضًا». [2/ 128] كذا قال، وقد أقمنا الحجة الواضحة على أنه لا اضطراب ولا تناقض(3).--------------------------------------------
(1) سبق تخريجه.
(2) (3/ 167).
(3) قلت: ومما يُسهِّل على القارئ المنصف تبيّن سقوط كلام الطحاوي أنه لو سلمنا جدلًا بصحة ما ادعاه من الاضطراب في الحديث فهي محصورة في الطرق التي ساقها هو إلى الزهري، ومَن تابعه في روايته عن عمرة، ولكن الطحاوي لم يستوعب الطرق كلها أو جلَّها إليه وإليها، كما فعل المصنف جزاه الله خيرًا، فقد ذكر متابعة عشرة من الثقات للزهري عن عمرة عن عائشة. وكلهم اتفقوا على رفعه، إلا يحيى بن سعيد في إحدى الروايات عنه، وهي في حقيقتها لا تخالف الروايات الأخرى المرفوعة، وهَبْ أن الرواية عند يحيى مضطربة أيضًا. ففي الروايات التسع ما يكفي ويشفي، وكلها متفقة على الرفع، وبأقل من ذلك يثبت الرفع كما لا يخفى على المنصف، وهي وإن اختلفت في ضبط المتن، هل هو «تقطع اليد … » أو «لا تقطع … » والمؤلف رجح الأول، وقد يمكن ترجيح الآخر بقاعدة: «زيادة الثقة مقبولة»، وسواء كان هذا أو ذاك، فالحجة في الحديث قائمة على أن اليد تقطع في ربع دينار، وذلك ما لا يقوله الطحاوي تبعًا لمذهبه. والله المستعان. [ن].
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 214)
ثم قال: «ورجعنا إلى أن الله عز وجل قال في كتابه: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] فأجمعوا أن الله عز وجل لم يَعْنِ بذلك كل سارق، وإنما عنى به خاصًّا … فلا يدخل إلا ما قد أجمعوا أن الله تعالى عناه، وقد أجمعوا أن الله تعالى عنى سارق العشرة الدراهم».
أقول: عليه في هذا أمور:
الأول: دعواه الإجماعَ غير مقبولة. وفي «الفتح»(1) في تعداد المذاهب: «الأول: يُقطع في كل قليل وكثير، تافهًا كان أو غير تافه. نُقِل عن أهل الظاهر والخوارج، ونُقل عن الحسن البصري. وبه قال أبو عبد الرحمن ابن بنت الشافعي … الثالث: مثل الأول إلا إن كان المسروق شيئًا تافهًا، لحديث عروة الماضي: «لم يكن القطع في شيء من التافه»، ولأن عثمان قَطَع في فخارة خسيسة، وقال لمن يسرق السياط: لئن عُدْتم لأقطعنَّ فيه. وقطع ابن الزبير في نعلين. أخرجهما ابن أبي شيبة(2). وعن عمر بن عبد العزيز أنه قطع في مُدٍّ أو مُدَّين. الرابع: تُقطع في درهم فصاعدًا. وهو قول عثمان البتِّي … من فقهاء البصرة، وربيعة من فقهاء المدينة … ».
وأقول: لا أرى هذه المذاهب الثلاثة إلا متفقةً على إبقاء الآية على--------------------------------------------
(1) (12/ 106).
(2) «المصنف» (9/ 473).
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 215)
عمومها. وإنما المدار على تحقُّق اسمِ «السارق»، فإنه لا ريب أن عمومها إنما يتناول من يحقُّ عليه اسمُ «السارق»، ولا ريب أنَّ مَن أخذ لوزةً أو تمرةً أو نحو ذلك لا يتبيَّن أنه يحقُّ عليه اسمُ «السارق». وهذا لازم [2/ 129] للمذهب الأول، إذ يمتنع أن يقول عالم أن مَن أخذ حبةَ بُرٍّ مثلًا حقَّ عليه اسم «السارق». وأما المذهب الثالث، فلعل قائله نحا هذا المنحى أي أن الشيء التافه الذي لا يتبين أنه يحقُّ على آخذه اسمُ «السارق» = لا يتبيَّن دخولُه في الآية، والقطع إنما هو على من يتبيَّن دخولُه فيها. وأما المذهب الرابع، فالبتِّي وربيعة الرأي كانا ممن يتفقَّه ويتعانى الرأيَ والنظر، فكأنهما رأيا أن التفاهة التي لا يتبيَّن بها الدخول في الآية معنًى غيرُ منضبط، فرأيا ضبطَها بالدراهم.
الأمر الثاني: هَبْ أنه سلِمَ للطحاوي ما ادعاه من الإجماع، فقد علِمنا أن ظاهر القرآن وجوبُ القطع على كل سارق، وظاهر القرآن حجة قطعًا. ويوافقه حديث «الصحيحين»(1): «لعن الله السارقَ يسرق البيضةَ فتُقطَع يدُه، ويسرق الحبلَ فتُقطَع يدُه». وهذه الحجة لا يجوز الخروج عنها إلا بحجة. فإن لم يثبت من السنة ما يوجب إخراج شيء من ذاك العموم رجعنا إلى الإجماع، فإن كان هناك إجماع على خروج شيءٍ خَرجَ ذاك الشيء. فأما ما اختلُف فيه، فقيل بخروجه، وقيل ببقائه؛ فهو باقٍ على ظاهر القرآن؛ لأن القائلين بخروجه بعض الأمة، وليس في قول بعض الأمة حجةٌ يُترَك بها ظاهرُ القرآن.
فإن قيل: فقد اختلف النُّظَّارُ في العامِّ الذي قد خُصَّ، فقال بعضهم: إنه--------------------------------------------
(1) البخاري (6783، 6799) ومسلم (1687) من حديث أبي هريرة.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 216)
لا يبقى حجة في الباقي.
قلت: هذا قول مخالف لإجماع السلف، وقد رغب عنه الحنفية أنفسهم، وتمام الكلام في ردِّه في أصول الفقه.
الأمر الثالث: هَبْ أنه قويتْ دعوى الإجماع، وقوي ما يترتب على ذلك من دعوى أن الآية صارت مجملة؛ ففي السنة الثابتة ما يكفي. فقد صحَّ حديث ابن عمر، واندفع ما عورض به. وصحَّ حديث عائشة، وبطلت دعوى اضطرابه. فثبت القطعُ في ثلاثة دراهم، وفي ربع دينار. وبقي النظر فيما هو أقل من ذلك، وليس هذا موضع البحث فيه.
ثم ذكر الطحاوي(1) خبرَ المسعودي، عن القاسم، عن ابن مسعود: «لا تُقطَع اليد إلا في دينار أو عشرة دراهم». ورواه بعضهم(2)، عن المسعودي، عن القاسم، عن أبيه.
والمسعودي اختلط. ثم هو منقطع، لأن القاسم لم يدرك ابن مسعود. وكذلك أبوه عبد الرحمن، نفى جماعةٌ سماعَه من [2/ 130] ابن مسعود، وأثبت بعضهم سماعَه منه لأحرفٍ معدودة ذكرها ابن حجر في «طبقات المدلسين» (ص 13)، ثم قال: «فعلى هذا يكون الذي صرَّح فيه بالسماع من أبيه (ابن مسعود) أربعة، أحدها موقوف. وحديثه عنه كثير … معظمها بالعنعنة، وهذا هو التدليس».--------------------------------------------
(1) في «معاني الآثار» (3/ 167). وأخرجه أيضًا عبد الرزاق في «المصنف» (18950) وابن أبي شيبة (9/ 474) والطبراني في «الكبير» (9742).
(2) أخرجه الطبراني في «الأوسط» (7142) والدارقطني (3/ 193).
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 217)
أقول: وليس هذا الخبر من تلك الأربعة.
وروى الثوري(1) عن «حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم قال: قال عبد الله: لا تُقطَع اليدُ إلا في تُرْس أو حَجَفة. قلت لإبراهيم: كم قيمته؟ قال: دينار». والثوري يدلِّس. وحماد سيئ الحفظ، حتى قال حبيب بن أبي ثابت: «وكان حماد يقول: قال إبراهيم. فقلت: والله إنك لتكذب أو إن إبراهيم ليخطئ». وقد قال حماد نفسه لما قيل له: قد سمعتَ من إبراهيم؟ : «إن العهد قد طال بإبراهيم».
وإبراهيم عن عبد الله منقطع. وما روي عنه(2)
أنه قال: «إذا قلت: قال عبد الله، فهو عن غير واحد عن عبد الله» لا يدفع الانقطاع، لاحتمال أن--------------------------------------------
(1) أخرجه من طريقه ابن أبي شيبة (9/ 475).
(2) قلت: تصدير المصنف رحمه الله لقول إبراهيم المذكور بقوله: «روي» مما يشعر اصطلاحًا بأنه لم يثبت عنده، ولعل عذره في ذلك أنه لم يقف على إسناده، وإلا لجزم بصحته، فقد أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (6/ 190): أخبرنا عمرو بن الهيثم أبو قطن قال: حدثنا شعبة عن الأعمش قال: قلت لإبراهيم: إذا حدثتني عن عبد الله فأسند، قال: إذا قلت: قال عبد الله، فقد سمعته من غير واحد من أصحابه، وإذا قلت: حدثني فلان، فحدثني فلان». وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وقد أخرجه أبو زرعة الدمشقي في «تاريخ دمشق» (ق 131/ 2): حدثنا أحمد بن شبويه قال: حدثنا عمرو بن الهيثم به، إلا أنه قال: «فحدثني وحده».
أقول: وإذا تأمل الباحث في قول إبراهيم «من غير واحد من أصحابه» يتبين له ضعف بعض الاحتمالات التي أوردها المصنف على ثبوت رواية إبراهيم إذا قال: قال ابن مسعود، فإن قوله: «من أصحابه» يبطل قول المصنف: «أن يسمع إبراهيم من غير واحد ممن لم يلق عبد الله»، كما هو ظاهر. وعذره في ذلك أنه نقل قول إبراهيم هذا من «التهذيب»، ولم يقع فيه قوله: «من أصحابه» الذي هو نص في الاتصال. [ن].
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 218)
يسمع إبراهيم من(1) غير واحد ممن لم يلق عبد الله، أو ممن لقيه وليس بثقة(2)، واحتمالِ أن يغفُلَ [2/ 131] إبراهيم عن قاعدته، واحتمالِ أن تكون قاعدته خاصة بهذا اللفظ «قال عبد الله»، ثم يحكي عن عبد الله بغير هذا اللفظ ما سمعه من واحد ضعيف، فلا يتنبه مَن بعده للفرق، فيرويه عنه بلفظ «قال عبد الله»، ولاسيَّما إذا كان فيمن بعده مَن هو سيئ الحفظ كحماد.
وفي «معرفة علوم الحديث» للحاكم (ص 108) من طريق «خلف بن سالم قال: سمعت عدة من مشايخ أصحابنا تذاكروا كثرة التدليس والمدلِّسين، فأخذنا في تمييز أخبارهم، فاشتبه علينا تدليس الحسن بن أبي الحسن، وإبراهيم بن يزيد النخعي … وإبراهيم أيضًا يُدخل بينه وبين أصحاب عبد الله مثل هُنَيّ بن نويرة، وسهم بن مِنجاب، وخِزامة الطائي، وربما دلَّس عنهم».
وقد ذكر الأستاذ (ص 56) قول يحيى الحِمَّاني: «سمعت عشرة كلُّهم ثقات يقولون: سمعنا أبا حنيفة يقول: القرآن مخلوق». فقال الأستاذ: «قول الراوي: سمعت الثقة، يُعَدُّ كرواية عن مجهول، وكذا الثقات».
وما روي عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم: «لا تُقطَع اليدُ في أقل من ثمن الحَجَفة، وكان ثمنها عشرة دراهم» قولُ إبراهيم، وقد يكون إنما--------------------------------------------
(1) (ط): «عن». والمثبت من (خ).
(2) قلت: هذا فيه بُعد. فإننا لا نعلم في أصحاب ابن مسعود المعروفين مَن ليس بثقة، ثم إن عبارته المتقدمة مِنّا آنفًا صريحة في أنه لا يسقط الواسطة بينه وبين ابن مسعود إلا إذا كان الذي حدثه عنه أكثر من واحد من أصحابه. فكون الأكثر منهم ــ لا الواحد ــ غير ثقة بعيد جدًّا. لاسيَّما وإبراهيم إنما يروي كذلك مشيرًا إلى صحة الرواية عن ابن مسعود. والله أعلم. [ن].
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 219)
أخذ من عمرو بن شعيب، أو مما روي عن مجاهد وعطاء، وقد تقدَّم ما فيه.
وقد روى الثوري(1) أيضًا عن عيسى بن أبي عزة، عن الشعبي، عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع في مجنٍّ ثمنه خمسة دراهم. قال ابن التركماني(2): «فيه ثلاث علل: الثوري مدلِّس وقد عنعن. وابن أبي عزة ضعَّفه القطان، وذكره الذهبي في كتابه في «الضعفاء». والشعبي عن ابن مسعود منقطع».
أقول: أما الأولى فنعم، وأما الثانية فإنما حكى ذلك العُقَيلي(3)، وهو لم يدرك القطَّان(4)،
[2/ 132] ومع ذلك فهو جرح غير مفسَّر، وابن أبي عزة وثَّقه أحمد وابن معين وابن سعد. فأما الذهبي، فمعلوم أن قاعدته أن يذكر في «الميزان»(5) كلَّ مَن تُكُلِّم فيه، ولو كان الكلام يسيرًا لا يقدح. وأما--------------------------------------------
(1) أخرجه من طريقه ابن أبي شيبة في «المصنَّف» (9/ 469) وأبو داود في «المراسيل» (243) والنسائي (8/ 82).
(2) في «الجوهر النقي» (8/ 262).
(3) في «الضعفاء الكبير» (3/ 390).
(4) كذا قال المصنف رحمه الله، وعُمدتُه في ذلك قول الحافظ في «التهذيب»: «وذكره العقيلي في «الضعفاء» وقال: ضعَّف حديثه يحيى بن سعيد القطان»، فإن ظاهره أن العقيلي حكى التضعيف ولم يروه بسنده كما هو الغالب عليه وعلى أئمة الجرح والتعديل، ولكن الواقع خلاف ذلك، فقد قال العقيلي في كتابه المذكور: «حدثنا محمد بن عيسى، قال حدثنا صالح بن أحمد، قال: حدثنا علي، قال سألت يحيى عن حديث عيسى بن أبي عزة (قلت: فذكره وقال: ) فضعَّف الحديث». [ن].
وعلي هو ابن المديني الحافظ، وقد تقدمت ترجمته برقم (162).
(5) قلت: «الميزان» غير «الضعفاء»، وهذا هو الذي عزى إليه ابن التركماني تضعيف القطان. وجواب المصنف يشعر بأنه هو «الميزان» نفسه، وليس كذلك، فإنهما كتابان، قاعدته في الأول منهما كما ذكره المصنف، وقاعدته في الآخر كما نص عليه هو في مقدمته: «فهذا ديوان أسماء الضعفاء والمتروكين، وخلق من المجهولين، وأناس ثقات فيهم لين». وقد طبع أخيرًا بتحقيق الشيخ حماد الأنصاري، وطريقته فيه، إما أن يذكر رأيه في المترجم، كأن يقول فيه: «ضعيف» أو «متروك» أو «متهم» ونحوه، كما هو أسلوب الحافظ ابن حجر في «التقريب». وإما أن ينقل الجرح عن بعض الأئمة، كأن يقول: «ضعَّفه الدارقطني» أو «قال النسائي: ليس بقوي» أو «قال أبو حاتم: لا يحتج به» وهكذا، فكل من يورده فيه ضعيف إلا أفرادًا قليلين يصرح بتوثيقهم، إما تمييزًا وإما لدفع التهمة عنه، فمن الأول قوله: «إبراهيم بن نافع الحلاب البصري قال أبو حاتم: كان يكذب. أما إبراهيم بن نافع عن عطاء المكي فثقة». ومن الآخر قوله: «أحمد بن الحسن بن خيرون، ثقة حافظ تكلم فيه ابن طاهر بكلام بارد، وهو أوثق من ابن طاهر بكثير»، وقد لاحظنا أنه كثيرًا ما يختلف اجتهاده في هذا الكتاب، عنه في «الميزان»، ومن الأمثلة القريبة على ذلك، عيسى بن أبي عزة هذا، فإنه حكى فيه تضعيف القطان له، ثم توثيق جماعة من الأئمة له، ثم ختم ذلك برأيه فيه فقال: «حديثه صالح». وهذا معناه أنه مقبول عنده، ومع ذلك أورده في ديوانه «الضعفاء» وضعَّفه بقوله: «قال القطان: حديثه ضعيف». والظاهر أن المصنف لم يراجع «الميزان» حين كتب الجواب، وإلا لكان يجد فيه ردًّا أقوى في قول الذهبي: «حديثه صالح»، وذلك بيِّن لا يخفى. والمعصوم مَن عصمه الله. [ن].
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 220)
الثالثة فنعم، ولكن الشعبي جيِّد المرسَل، قال العجلي: «لا يكاد الشعبي يُرسل إلا صحيحًا». وقال الآجري عن أبي داود: «مرسل الشعبي أحبُّ إليَّ من مرسل النخعي».
والظاهر أنه إن صح عن ابن مسعود شيء، فهو في ذكر القطع في المجنِّ مطلقًا. وأما التقويم، [2/ 133] فممن بعده أخذًا من حديث أنس عن أبي بكر وسيأتي، أو يكون ابن مسعود إنما ذكر قطع أبي بكر.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 221)
وروى الشافعي(1) عن ابن عيينة عن حميد الطويل قال: «سمعت قتادة يسأل أنس بن مالك عن القطع. فقال: حضرتُ أبا بكر قَطَع سارقًا في شيء ما يسوَى ثلاثة دراهم. أو: ما يسرُّني أنه لي بثلاثة دراهم». وقد رواه أبو حاتم الرازي، عن الأنصاري، عن حميد. وفيه: «ما يسرُّني أنه لي بثلاثة دراهم» بدون شك. أخرجه البيهقي(2). ولا يلزم من قول أنس: «ما يسرني … » أن تكون القيمة أقل من ثلاثة دراهم؛ فإنَّ من لا يحتاج إلى سلعة لا يسرُّه أنها له بقيمة مثلها، وإنما يسرُّه أن تكون بأقل من قيمتها، ليبيعها فيربح فيها، أو يدَّخرها لوقت الحاجة.
وقد روى قتادة عن أنس قصة أخرى، وهي أنه قُطِع في مجنٍّ قيمته خمسة دراهم. رواه النسائي(3) والبيهقي في «السنن» (ج 8 ص 259) من طريق الثوري، عن شعبة، عن قتادة. ورواه النسائي(4) أيضًا من طريق أبي داود الطيالسي قال: «حدثنا شعبة عن قتادة قال: سمعت أنسًا يقول: سرق رجل مجنًّا على عهد أبي بكر، فقُوِّم خمسةَ دراهم، فقُطِع». ورواه أبو هلال محمد بن سليم عن قتادة فقال: «عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم … ». وأبو هلال ليس بعمدة، ولاسيَّما في قتادة. ورواه هشام عن قتادة فوافق أبا هلال. وسئل هشام مرةً فقال: «هو عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا فهو عن أبي بكر». ورواه عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس أن أبا بكر قطَع في--------------------------------------------
(1) في كتاب «الأم» (7/ 321، 373).
(2) في «الكبرى» (8/ 259).
(3) (8/ 77).
(4) (8/ 77).
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 222)
مجنٍّ قيمته خمسة دراهم، أو أربعة دراهم. شكَّ سعيد. وصوَّب النسائي وغيره رواية شعبة، وذلك واضح. ومن أحبَّ تتبُّعَ هذه الروايات، فليراجع «سنن النسائي»، و «سنن البيهقي»(1).
وفي «مصنف ابن أبي شيبة»(2) عن شريك، عن عطية بن مِقْسم، عن القاسم بن عبد الرحمن قال: «أُتيَ عمرُ بسارق، فأمر بقطعه. فقال عثمان: إن سرقته لا تساوي عشرة دراهم، قال: فأمرَ به عمرُ، فقُوِّمتْ ثمانيةَ دراهم، فلم يقطعه». القاسم لم يدرك عمر ولا كاد. وعطية مجهول الحال. وشريك سيئ الحفظ، ونسبه بعضهم إلى التدليس، كما مضى.
ورواه الثوري(3)، عن عطية بن عبد الرحمن الثقفي، عن القاسم قال: «أُتيَ عمرُ بن الخطاب بسارق قد سرَق ثوبًا، فقال لعثمان: [2/ 134] قوِّمه، فقوَّمه ثمانية دراهم، فلم يقطعه».
ويؤخذ من كلام البخاري وأبي حاتم(4) أن عطية هذا هو الذي روى عنه شريك. فإن صحَّ هذا، فهو مجهول الحال، وإلا فكلاهما مجهول. ولو صحت القصة، فلفظ الثوري أقرب، ويكون تركُ القطع لمانع آخر كشبهة ظهرت. وسيأتي عن عثمان أنه قطَع في أُتْرُجَّة قُوِّمَتْ ثلاثةَ دراهم، ومرَّ عنه أنه قطع في فخارة خسيسة، فكيف يقول ما وقع في لفظ شريك!--------------------------------------------
(1) انظر النسائي (8/ 77) والبيهقي (8/ 259، 260).
(2) (9/ 476). وفي بعض النسخ: «وكيع» بدل «شريك».
(3) أخرجه من طريقه عبد الرزاق في «المصنف» (18953) والبيهقي (8/ 260).
(4) انظر «التاريخ الكبير» (7/ 10) و «الجرح والتعديل» (6/ 383).
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 223)
وفي «نصب الراية» (ج 3 ص 363) أن في «مصنف عبد الرزاق»(1): «عن معمر، عن عطاء الخراساني أن عمر بن الخطاب قال: مَنْ أخذ من الثمر شيئًا، فليس عليه قطعٌ حتى يأويَ الجرين، فإن أخذ منه بعد ذلك ما يساوي ربعَ دينار قُطِع». عطاء الخراساني لم يدرك عمر، لكن هذا أقوى من رواية عطية.
وفي «الفتح»(2): «أخرجه ابن المنذر عن عمر بسند منقطع أنه قال: إذا أخذ السارق ربعَ دينار قُطِع». وفيه(3) أن ابن المنذر أخرج من طريق منصور، عن مجاهد، عن ابن المسيب، عن عمر: «لا تُقطَع الخمسُ إلا في خمس». ابن المسيب عن عمر منقطع، إلا أنه جيد، لكن لا نعلم كيف السند إلى منصور؟ وأخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف»(4) من طريق قتادة عن ابن المسيب، وقتادة مشهور بالتدليس.
وروى مالك في «الموطأ»(5)، وابن عيينة ــ كما في «مصنف ابن أبي شيبة»(6) ــ عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة أن سارقًا سرَقَ في زمن عثمان أترجَّةً، فأمر بها عثمان أن تُقوَّم، فقُوِّمت ثلاثَة دراهم من صرف اثني عشر درهمًا بدينار، فقطَع عثمان يدَه». وعمرة يقال: إنها ماتت سنة 98، وعمرها سبع وسبعون سنة. فعلى هذا يكون سنُّها لمقتل عثمان فوق أربع عشرة سنة.--------------------------------------------
(1) رقم (18918).
(2) (12/ 107).
(3) المصدر نفسه.
(4) (9/ 472).
(5) (2/ 832)، ومن طريقه الشافعي في «الأم» (7/ 320، 373) والبيهقي (8/ 262).
(6) (9/ 472).
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 224)
وقد جاء عن عثمان ما هو أشدُّ من هذا، كما تقدم.
وروى حاتم بن إسماعيل كما في «مصنف ابن أبي شيبة»(1)، وسليمان بن بلال كما في «سنن البيهقي»(2) عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن أبي طالب، عن أبيه، عن علي رضي الله عنه أنه قطَع يد سارق في بَيضة حديد ثمنُها ربع دينار.
وقال الشافعي في «الأم» (ج 6 ص 116)(3): «أخبرنا أصحاب جعفر، عن جعفر، عن أبيه أن عليًّا رضي الله عنه قال: القطع في ربع دينار». محمد بن علي لم يدرك عليًا، لكن لم يعارِض هذا عن علي ما هو أقوى منه.
وإنما ذكر البيهقي [2/ 135] في «السنن» (ج 8 ص 261) أثرًا عن علي فيه: «لا تقطع اليد إلا في عشرة دراهم». ثم قال: «هذا إسناد يجمع مجهولين وضعفاء»(4). فقال ابن التركماني(5): «قد جاء من وجه آخر--------------------------------------------
(1) (9/ 470).
(2) (8/ 260).
(3) (7/ 323) ط. دار الوفاء.
(4) قلت: بل هو ضعيف جدًا، فإن مِن رواته جويبرًا وهو ابن سعيد البلخي أورده الذهبي في «الضعفاء» وقال: «متروك الحديث». وقال الحافظ في «التقريب»: «ضعيف جدًّا».
قلت: ومع هذا فهو خير من الحسن بن عمارة الآتي روايته، فإنه لم يُنسب إلى كذب أو وضع، بخلاف ابن عمارة، فإنه أشد ضعفًا منه، قد نسبوه إلى الوضع كما يأتي في الكتاب، وقال الإمام أحمد: أحاديثه موضوعة. فهل خفي هذا على ابن التركماني حتى زعم أن روايته أجود من رواية جويبر، أم هو التعصب للمذهب؟ ! [ن].
(5) في «الجوهر النقي» (8/ 261).
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 225)
ضعيف، إلا أنه أجود من الرواية التي ذكرها البيهقي بلا شك. فروى عبد الرزاق(1) عن الحسن بن عمارة، عن الحكم بن عتيبة، عن يحيى بن الجزار، عن علي قال: لا تُقطع الكف(2) في أقلَّ من دينار أو عشرة دراهم. فعدلَ البيهقي عن هذه الرواية إلى تلك لزيادة التشنيع».
أقول: وهذه ليست مما يُفرَح به! الحسن بن عمارة طائح، قال شعبة: «أفادني الحسن بن عمارة سبعين حديثًا عن الحكم، فلم يكن لها أصل». ونصَّ شعبة على أمثلةٍ منها سئل الحكمُ عنها فلم يعرفها. قال شعبة: «قال الحسن بن عمارة: حدثني الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن علي ــ سبعة أحاديث، فسألتُ الحكم عنها فقال: ما سمعتُ منها شيئًا». وقال ابن المديني في الحسن بن عمارة: «كان يضع».
المسلك الثالث: لبعض مشاهير الحنفية في هذا العصر. كان الرجل مشهورًا بطول الباع وسعة الاطلاع والزهد والعبادة(3)، وكان يقرِّر أن--------------------------------------------
(1) في «المصنَّف» (18952).
(2) (ط): «اليد». والمثبت من (خ) والجوهر النقي، ولا يوجد في المصنف شيء منهما.
(3) هو العلّامة الشيخ محمد أنور الكشميري، وكلامه الذي أشار إليه المؤلف مذكور في كتابه «فيض الباري على صحيح البخاري» (4/ 446 - 447)، وهو بحق كما وصفه المصنف في سعة العلم، ولكنه مع الأسف لم يستفد كثيرًا من علمه، صده عن ذلك التقليد المتوارث مع أنه من أحق العلماء المتأخرين بالخلاص منه، والاستقلال في النظر والاختيار، فانظر إليه مثلًا في موقفه من مسألة رفع اليدين في الركوع التي لا يمكن للباحث في أدلتها إلا أن يقول بمشروعيتها واستحبابها، ولو كان حنفيًّا غير متعصب مثل العلامة اللكنوي رحمه الله فإنه لم يسعه إلا القول بالاستحباب في بحث له جيد في «التعليق الممجد»، أما الشيخ الكشميري فلم يستطع التصريح بالاستحباب، على الرغم من أن التحقيق الذي وصل إليه يُلزِمه ذلك، فهو يقول في الكتاب المذكور (2/ 257 - 259): فقد ثبت الأمران عندي (الرفع والترك) ثبوتًا لا مرد له، ولا خلاف إلا في الاختيار، وليس في الجواز». ثم نقل عبارة لأبي بكر الجصاص تؤيد ما ذكره من الجواز، ثم قال: «فاسترحت حيث تخلصت رقبتي من الأحاديث الثابتة في الرفع»! كذا قال، وفي عبارته من الركة ما لا يخفى، وإذا قال بجواز الرفع وأراد الجواز الذي يستوي فيه الفعل والترك، فلم يأت بشيء جديد بإثباته الرفع، لأن القائلين به لا يقولون بوجوبه، وإن أراد به جوازًا مع استحباب فهلا صرح به، وغالب الظن أنه هو الذي أراده، وإلا كان الرفع عبثًا لا يقول به فقيه مثله، وإنما لم يصرح به؛ لأنه لم يجد في مذهبه مَن سبقه إلى ذلك! ثم إذا صح ظننا به، فهل كان يرفع يديه كسبًا للثواب، بل وبيانًا للجواز ولو بالمعنى الأول؟ عِلْم ذلك عند أصحابه، وظني أنه لم يفعل، لغلبة العصبية المذهبية على مَن حوله. والله المستعان. [ن].
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 226)
أحاديث «الصحيحين» قطعية الثبوت. [2/ 136] وكان مع ذلك غايةً في الجمود على المذهب، والتفاني في الدفاع عنه. وفي مسلكه هذا ما يظهر منه علوُّ طبقته في ذلك. ذكر أن لأصحابه طرقًا في التملُّص من أحاديث «الصحيحين» في هذه المسألة، من ترجيح غيرها أو دعوى اضطرابها أو نسخها، وأنه لم يَرْتضِ شيئًا من ذلك، واختار طريقًا جديدًا يجمع بين الأدلة في زعمه.
وهو أن القطع أولًا كان في ثمن المجنّ، كما في حديث «الصحيحين» عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وكانت قيمة المجن أولًا قليلة، ثم أخذتْ تزيد بزيادة اتساع حال المسلمين حتى بلغت عشرة دراهم فأُقِرَّ الأمرُ عليها، وتُرِكَ اعتبارُ ثمن المجن. وذلك كما هو الحال عنده في الدية. قال: «وعلى نحو هذا حملتُ حدَّ الخمر ومقدارَ المهر».
أقول: لم أظفر بتطبيق الأخبار على هذا المسلك، لكن قد يقال: كان
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 227)
المعيار الشرعي لما يجب فيه القطع هو قيمة المجن، فكأنها كانت أولًا لا تزيد عن أقلِّ ما يحقُّ على آخذه اسم «السارق»، وحينئذ أنزل الله عز وجل: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]، ثم كأنها ترقَّتْ قليلًا فصارت كقيمة الحبل والبيضة، وحينئذ قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لعن الله السارقَ يسرق الحبلَ فتُقطعُ يده، ويسرق البيضة فتقطع يده» ثم ترقَّتْ فصارت ربع دينار، وهو عند الحنفية درهمان ونصف، وحينئذ قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «تقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا»، ثم ترقت فصارت ثلاثة دراهم، وحينئذ قطع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مجنٍّ قيمته ثلاثة [2/ 137] دراهم.
ثم كأنها بقيت كذلك إلى أن قطع أبو بكر في شيء يقول أنس: «ما يسرُّني أنه لي بثلاثة دراهم». ثم كأنها ترقَّت، فصارت خمسة دراهم. وحينئذ قطَع أبو بكر في مجنٍّ قيمته خمسة دراهم. وكأنها بقيت على ذلك إلى أوائل عهد عمر، وحينئذ قال ــ لو صحَّ عنه ــ: لا تُقطَع الخمسُ إلا في خمسٍ. ثم كأنها نقصت إلى درهمين ونصف، فحينئذ قال عمر ــ لو صحَّ عنه ــ: إذا أخذ السارقُ ربعَ دينار قُطِع. ثم كأنها ترقَّتْ، فصارت عشرة دراهم. وحينئذ امتنع ــ لو صحَّ عنه ــ من القطع في ما قيمته ثمانية دراهم.
ثم نقصت في عهد عثمان، وحينئذ قَطَع في أترجَّةٍ قيمتها ثلاثة دراهم، ثم ازدادت نقصًا، وحينئذ قَطَع في فخارة خسيسة. ثم تحسنت الحال قليلًا في زمن علي، وحينئذ قَطَع في بيضة حديدٍ قيمتها ربع دينار، وأفتت عائشةُ بالقطع في ربع دينار. ثم لا أدري متى عادت فترقَّتْ إلى عشرة دراهم، وحينئذ ــ بمقتضى هذا المسلك ــ نزل الوحيُ بإلغاء اعتبار قيمة المِجنّ، وأن يكون المعتبر هو العشرة الدراهم!
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 228)
ولعمري، لقد تكرَّر في الأخبار ذكرُ المِجنّ، وإنَّ بعضَ الألفاظ لَيُوهِم اعتبارَ المِجنّ، إلا أن الناس فهموا أن سبب التكرر هو أن أقلَّ ما قطع [فيه] النبي صلى الله عليه وآله وسلم مِجَنٌّ، وحملوا ما يُوهِم اعتبارَ المجن على ما تقدَّم مفصلًا. ولم يُعرِّجْ أحد منهم على هذا المسلك الطريف، ولكن:
لكل ساقطةٍ في الأرض لاقطةٌ … وكلُّ كاسدةٍ يومًا لها سوقُ(1)
ومن العجيب أنه لم يرتضِ دعوى بعض أسلافه النسخَ، ثم وقع فيها؛ وأنه يقول: إن أحاديث «الصحيحين» قطعية الثبوت، ثم يخالف صرائحها، ويتشبث بما لم يثبت مما فيه ذكر العشرة!
فأما حديث هشام عن أبيه عن عائشة فاختلف فيه الرواة عن هشام سندًا ومتنًا.
أما السند، فمنهم من ذكر عائشة، ومنهم من لم يذكرها وجعله مرسلًا من قول عروة. نبَّه على ذلك البخاري في «الصحيح»(2)، والصواب ذكر عائشة.
وأما المتن، فعلى ثلاثة أوجه:
[2/ 138] الأول: ما رواه البخاري(3) عن عثمان بن أبي شيبة، عن عبدة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة «أن يد السارق لم تُقطَع على عهد النبي صلى الله عليه وسلم--------------------------------------------
(1) لم أجد البيت في المصادر، والمثل «لكل ساقطة لاقطة» في «الحيوان» (1/ 201).
(2) عقب الحديث رقم (6793)، قال: «رواه وكيع وابن إدريس عن هشام عن أبيه مرسلًا».
(3) رقم (6792).
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 229)
إلا في مجنٍّ حَجَفةٍ أو تُرْسٍ». ثم روى البخاري(1) عن عثمان أيضًا، عن حميد «ثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة. مثله».
الثاني: ما رواه البخاري(2) عن محمد بن مقاتل، عن ابن المبارك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة «لم تكن تُقطَع يدُ السارق في أدنى من حَجَفة أو تُرْسٍ كلُّ واحدٍ منهما ذو ثمن».
الثالث: رواه البخاري(3) «حدثني يوسف بن موسى، ثنا أبو أسامة قال: هشام بن عروة أخبرنا عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: لم تُقطع يدُ سارقٍ على عهد النبي صلى الله عليه وسلم في أدنى من ثمن المِجنّ تُرْسٍ أو حَجَفةٍ، وكان كلٌّ منهما ذا ثمنٍ».
فالأول: مداره على عثمان بن أبي شيبة، عن عبدة وعن حميد، وقد خولف عن كل منهما. فرواه مسلم في «صحيحه»(4) عن محمد بن عبد الله بن نمير عن حميد بسنده: «لم تُقطع يدُ سارق في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في أقلَّ من ثمن المِجنّ حَجَفةٍ أو تُرْسٍ، وكلاهما ذو ثمن». وهذا على الوجه الثالث كما ترى.
ورواه البيهقي في «السنن» (ج 8 ص 256) من طريق هارون بن إسحاق عن عبدة بسنده «لم تكن يد تُقطَع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في أدنى من ثمن مِجنٍّ حَجَفة أو تُرْسٍ». وهذا على الوجه الثاني كما ترى.--------------------------------------------
(1) عقب الحديث السابق.
(2) رقم (6793).
(3) رقم (6794).
(4) رقم (1685).
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 230)
وبهذا بان ضعفُ الوجه الأول، بل ظاهره باطل؛ لأنه يعطي أن القطعَ لم يقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلا مرة واحدة في ذاك المجن. وقد ثبت قطعُ سارق رداء صفوان الذي كانت قيمته ثلاثين درهمًا. وثبت قطعُ يد المخزومية التي كانت تستعير الحلي ثم تجحده.
وأما الوجه الثاني، فقد اختُلِف على عبدة كما رأيت. وكذلك اختُلِف على ابن المبارك. رواه النسائي(1)، عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: «لم تُقطَع يدُ سارقٍ في أدنى من حَجَفةٍ أو تُرْسٍ، وكلُّ واحد منهما ذو ثمن».
وهذا على الوجه الثالث كما ترى. فبان رجحان الوجه الثالث، لأنه رواه عن هشام [2/ 139] أبو أسامة، ولم يُختلَف عليه فيه. ورواه ابن نمير، عن حميد، عن هشام؛ وابنُ نمير أثبتُ من عثمان بن أبي شيبة. ورواه سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن هشام.
وقد رجَّح الشيخان والنسائي الوجه الثالث.
أما البخاري، فساقها على هذا الترتيب، ثم عقَّب بحديث ابن عمر، فأشار ــ والله أعلم ــ بالترتيب إلى ترتيبها في القوة. فالثاني أقوى من الأول، والثالث أرجح منهما. أو قل: أشار إلى أن الثاني يُفسِّر الأول من وجه، والثالث(2) يُفسِّرهما جميعًا. وأشار بالتعقيب بحديث ابن عمر إلى أن هذا--------------------------------------------
(1) (8/ 82).
(2) في (ط): «والثاني». وذكر الشيخ الألباني في تعليقه أنه كذا في الأصل، والظاهر أن الصواب: والثالث. وهو في مسودتنا على الصواب كما قال الشيخ.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 231)
الحديث وحديث ابن عمر عن واقعة واحدة. فعائشةُ حفظت أنَّ أقلَّ ما قطَع فيه النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم هو ذاك المجن ولم تذكر قيمته، وابنُ عمر حفظ قيمتَه ولم يذكر أنه أقلُّ ما قطع النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم فيه.
وأما مسلم، فصدَّر بحديثه عن محمد بن عبد الله بن نمير وساقه بتمامه، وهو على الوجه الثالث كما مرَّ، ثم قال(1): «حدثنا عثمان بن أبي شيبة، أخبرنا عبدة بن سليمان وحميد بن عبد الرحمن ح وثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا عبد الرحيم بن سليمان ح وثنا أبو كريب، ثنا أبو أسامة= كلُّهم عن هشام بهذا الإسناد نحو حديث ابن نمير عن حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي(2). وفي حديث عبد الرحيم وأبي أسامة: «وهو يومئذ ذو ثمن». فحمَلَ سائر الروايات على حديث ابن نمير، وهو على الوجه الثالث كما مرَّ، ولم يعتدَّ بمخالفة بعضها له في الأوجه المذكورة، مع اعتداده بالاختلاف في قول ابن نمير: «وكلاهما ذو ثمن»، وقول عبد الرحيم وأبي أسامة: «وهو يومئذ ذو(3) ثمن». ثم عقَّب مسلم ذلك بحديث ابن عمر.
وأما النسائي، فإنه مع تصدِّيه لجمع الروايات في ذكر المجنّ لم يسُقْ من طرقِ حديث هشام المذكورة إلا روايةَ سويد بن نصر عن ابن المبارك عن هشام، وهي على الوجه الثالث.
وصاحب هذا المسلك إنما يكون له متشبَّثٌ ما في الوجه الثاني، وقد--------------------------------------------
(1) رقم (1685).
(2) (ط): «الرواس». والتصويب من مسلم، وانظر «التقريب».
(3) كذا على الصواب في مسودتنا. وقد ذكر الشيخ الألباني في تعليقه على المطبوعة أن في الأصل «ذون».
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 232)