(ص 115) في الإمام ابن الإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم: "وقد ذكر في كتاب "الرد على الجهمية" ما يدلّ على ما أُصيب به عقله … وهو الذي اعترف أنه يجهل علم الكلام … ومع ذلك تراه يدخل في مضايق علم أصول الدين … ".
وقال (ص 151) في الإمام ابن الإمام عبد الله بن أحمد بن حنبل: "وعبد الله بن أحمد صاحب كتاب "السنة"، وما حواه كتابه هذا كافٍ في معرفة الرجل، ومثلُه لا يصدَّق في أبي حنيفة … ".
[2/ 209] وقوله (ص 16) في الإمام الجليل عثمان بن سعيد الدارمي: "وعثمان بن سعيد في السند هو صاحب "النقض" (كتابٌ في الرد على الجهمية) مُجَسِّم مكشوف الأمر، يعادي أئمة التنزيه … ومثلُه يكون جاهلًا بالله سبحانه".
وقوله (ص 19) في الإمام الشهير محمد بن إسحاق بن خزيمة: "واعتقاد ابن خزيمة يظهر من كتاب "التوحيد" … وعنه يقول صاحب "التفسير الكبير" … إنه كتاب الشرك. فلا حبَّ ولا كرامة".
ويتتبع أصحابَ الإمام أحمد طاعنًا في اعتقادهم، يُسِرُّ حَسْوًا في ارتغاء، يقصد الطعن في الإمام أحمد. بل رمز في بعض المواضع إلى الطعن في الإمام أحمد بما هو أصرح من هذا.
وطعن (ص 5) في رواة السنة وفي أئمتها الذين امتحنهم المأمون وآله، فقال: "وكانت فلَتاتٌ تصدر من شيوخهم في الله سبحانه وصفاته بما ينبذه الشرع (الفلسفي) والعقل (الجهمي) في آنٍ واحد، فرأى المأمونُ امتحانَ المحدِّثين والرواة في مسألة كان يراها من أجلى المسائل ليوقفهم موقف التروِّي فيما يرون ويروون. فأخذ يمتحنهم في مسألة القرآن، يدعوهم إلى القول بخلق القرآن … فمنهم من أجاب مرغَمًا من غير أن يعقِل المعنى، ومنهم من تورَّع من الخوض فيما لم يخُضْ فيه السلف".
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 335)
ولا ذنبَ لهؤلاء الأئمة إلا أنهم آمنوا بالله ورسوله، وصدَّقوا كتاب الله وسنة رسوله، ولم يلتفتوا إلى ما زعمه غيرُهم أنه لا يوثق بالفطرة والعقل إلا بعد إتقان علم الكلام والفلسفة، وأن النصوص الشرعية من كلام الله تعالى وكلام رسوله لا تصلح حجةً في العقائد؛ لأنها لا تفيد اليقين، كما في "المواقف" وشرحها(1) في أواخر الموقف الأول: "الدلائل النقلية هل تفيد اليقين؟ قيل: لا تفيد، وهو مذهب المعتزلة وجمهور الأشاعرة، .. وقد جزم الإمام الرازي بأنه لا يجوز التمسُّك بالأدلة النقلية".
فلو أنَّ الطاعنَ في أئمة السنة طعن فيهم من جهة العقل ساكتًا عن الدين لكان الخطبُ أيسرَ، إذ يقال: إنه لم يتناقض، بل غاية أمره أنه سكت عن الطعن في القرآن والنبي اكتفاءً بما يلزم منه ذلك. فأما الطاعن فيهم من جهة الدين، فينسبهم إلى الزيغ والبدعة والجهل بعقائد الإسلام، فلا يخفى كذبه على عارف. والله المستعان.
* * * *--------------------------------------------
(1) (2/ 51، 58).
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 336)
[2/ 210] فصل
وأما المأخذ الخَلَفي الأول، وهو النظر المتعمَّق فيه، أعنى الكلامي والفلسفي، فقد تقدَّم بعض ما فيه.
وقد يقال: إن من شأنه أن يشهد للمأخذ السلفي الأول فيما أصاب فيه، ويكشف عن خطائه فيما أخطأ فيه، ويتغلغل إلى ما قَصَر عنه، وأن يبيِّن المراد من المأخذ السلفي الثاني؛ فعلى هذا لا معنى لنفور أهل الدين الحق عنه.
فأقول: أما من جهة النظر الإسلامي، فما يُخشَى من خطأ المأخذ السلفي الأول قد تكفَّل الشرعُ بكشف الحال فيه، كما أبطل نسبةَ الولد إلى الله عز وجل، واستبعادَ الحشر، واستحقاقَ غير الله عز وجل للعبادة، وغيرَ ذلك.
وما يقصُر عنه المأخذُ السلفيُّ الأول في العقائد قد تكفَّل الشرعُ ببيانه، فإن بقي شيء فالخوض فيه بدعة. وما يُخْشَى من الخطأ في فهم النصوص، لابد أن يكون في المأخذَين السلفيَّين ما يكشف الحق فيه ضرورةَ أنهما كافيان مُغنيان بشهادة العقل والشرع القاطعة، كما تقدَّم.
فبقي النظر المتعمَّق فيه لا حاجة إليه في معرفة العقائد في الإسلام، وهو مثار للشُّبُهات والتشكيكات كما يأتي، لا جَرَمَ وجب التنفير عنه والتحذير منه، وقد تقدم من الحجة على ذلك ما فيه غنًى لطالب الحقّ. فأما النظر فيه لكشف شبهات أهله، فسيأتي ما فيه إن شاء الله تعالى.
ولنذفِّفْ على هذا المأخذ بسلاح أهله، لينكشفَ عُوارُه، وتنهتكَ(1)--------------------------------------------
(1) (ط): "وتنتهك" خطأ.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 337)
أستارُه، وتندفعَ شبهةُ المغترِّين به والمرعوبين منه:
علماء المعقول يقسّمون العلم إلى ضروري ونظري، ويقولون: إن النظر إنما يحصل به العلم إذا كانت المقدّمة من الضروريات أو لازمة لها لزومًا تُعْلم صحته بالضرورة. ثم قسّموا [2/ 211] الضروريات إلى أنواع ردَّها بعضهم إلى ثلاثة: الوجدانيات، والحسّيات، والبديهيات. قالوا: والوجدانيات قليلة الفائدة في إقامة الحجة على المخالف، لأنه قد ينكر أن يكون يجد من نفسه ما يزعم المدَّعي أنه يجده. قالوا: فالعمدة في العلم هي الحسيات والبديهيات.
ثم ذكروا أن جماعةً من الفلاسفة ــ منهم على ما حكاه الفخر الرازي إماما الفلسفة أفلاطون وأرسطو ــ قدحوا في الحِسّيات، وأن آخرين قدحوا في البديهيات، وآخرين في الجميع؛ وأن قومًا قدحوا في إفادة النظر للعلم مطلقًا، وآخرين قدحوا في إفادته العلم في الإلهيات.
فأما القادحون في الحِسّيات، فاحتجوا بأن الحواس كثيرًا ما تغلط، وذكروا من ذلك أمثلةً تراها في "المواقف"(1) وغيرها، ومن تدبّر وجد كثيرًا من أمثالها. ثم قالوا: فهذه المواضع تنبَّهنا لغلط الحواسِّ فيها لوجود أدلة نبَّهتْنا على ذلك، فيحتمل في كثير من المواضع التي نرى الحواس فيها مُصيبةً أن تكون غَلَطًا في نفس الأمر، ولكن لم يتفق أن نطلع على دليل ينبِّهنا على ذلك. ومن الأصول المقررة أن عدم وجدان الدليل لا يستلزم عدمَ المدلول.--------------------------------------------
(1) انظر "شرح المواقف" (1/ 127 وما بعدها).
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 338)
أجاب العَضُد(1) وغيره بأن المدار على جزم العقل، وهو لا يجزم بمجرّد الإحساس بل مع أمور تنضمُّ إليه، لا يُدْرَى ما هي؟ ولا كيف حصلت؟ ولا من أين جاءت؟
أشار بعضهم إلى القدح في هذا الجواب بأن الجزم مقدوح فيه كما يأتي، أي أن العقل قد يجزم ثم يتبين خطاؤه، وبأننا إذا تأملنا أمثلة الغلط وجدنا منها ما كانت عقولنا تجزم فيها بالصحة قبل أن تشعر بالدليل الدال على الغلط.
أُجِيب بأن ذاك الجزم ظن قوي، ليس هو بالجزم اليقيني المشروط، وهذا الجواب لا يُجدي لاشتباه الجزمين. غاية الأمر أنكم سمَّيتم ما تبيَّن غلطُه: ظنًّا، وما لم يتبين غلطه: يقينًا. ولو فُرِض أنه تبيَّن الغلط في بعض ما تسمُّون الجزم فيه يقينًا لعُدْتُم فسمَّيتموه ظنًّا.
[2/ 212] ومما يقوِّي ذلك القدح أنه لو تواطأ جماعةٌ على تشكيك إنسان في بعض ما يحسُّ به ويجزم، ولم يشعر بتواطئهم، لأمكنهم تشكيكه. بل ربما يكفي لتشكيكه واحد، بل يتشكّك بنفسه إذا كان يرى أن هناك ما يحتمل التغليط كالسحر.
هذا، وقد ردّ علماء الطبيعة المتأخرون عدة نظريات ذهب إليها الفلاسفة مسندين لها إلى الحسّ. ومن ذلك ما كانوا جازمين به، ويبنون عليه مقالات أخرى حتى في الإلهيات. فثبت بهذا أن عقول الفلاسفة قد تجزم ببعض ما تغلَط فيه الحواسّ، ثم تبني عليه في الإلهيّات، وتَعدُّ ذلك--------------------------------------------
(1) المصدر السابق (1/ 144، 145).
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 339)
من اليقينيات التي يوجب أسلافُ الكوثري ردَّ ما يخالفها من كلام الله تعالى وكلام رسوله.
فإن قيل: فماذا يقول السلفيون؟
قلت: من تدبَّر أمثلة الغلط وجدها على ضربين: ضرب يُخْشى أن يكون سببًا قريبًا لمضار ومفاسد، وضرب لا يُخْشى فيه ذلك، لكن يُخشى أن يَغْلَط فيه المتعمّقون فيبنُوا عليه نظريات تعظم مفاسدها. ووَجَد الضربَ الأول جميعَه مما ينكشف فيه الحال عن قرب. فمنه أن الإنسان إذا تحاوَلَ(1) رأى الشيء اثنين، ولو كان هذا مما يتكرر للإنسان بغير شعوره لأوجب ضررًا ومفاسد، فاقتضت عناية الله عز وجل أن لا يكون ذلك، بل اقتضت أن يرى الأحولُ الشيء واحدًا كغيره، مع أنه كان يجب أن يرى الشيء اثنين كالمتحاول. وهذا كما اقتضت العناية أن يكون لكل إنسان صورة يمتاز بها عن جميع الناس، فلا يلتبس بصاحبك الذي عرفتَه معرفةً محقَّقةً أحدٌ من أهل الأرض. وهكذا ترى العناية شاملة. والله عز وجل إنما خلق الناس لعبادته، فإذا كانت عنايته بهم في معاشهم على ما تقدَّم، وهو وسيلة فقط، فأولى من ذلك عنايته بهم في المقصد الذي لأجله خلقهم. وهذا يقتضي حفظ المأخذ السلفي الأول عن أن يستمر فيه غلطٌ حِسِّيٌّ يؤدي إلى ضلال في الاعتقاد. على أنه لو كان شيء من ذلك لكشفه المأخذ السلفي الثاني، وهو الشرع.--------------------------------------------
(1) أي: صرف إحدى عينيه عن الأخرى حتى ترى كلُّ واحدة منهما غير ما تراه الأخرى. [م ع].
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 340)
فأما المتعمِّقون، فإنهم هم الذين يجلبون الضرر على أنفسهم، فلا بِدْعَ أن يكِلَهم اللهُ عز وجل إلى أنفسهم، بل ويزيدهم ضلالًا إلى ضلالهم. ونظير ذلك: أن الله تبارك وتعالى إنما هيّأ [2/ 213] للناس ابتداءً من الأسلحة ما لا يصيب به الإنسان في مرة واحدة إلا شخصًا واحدًا، وبذلك يحصل التكافؤ بين الناس، ويخفُّ ضرر الفتن. ولا تكاد تصيب من لم يتعرض لها(1) من الصبيان والنساء والعَجَزة والبهائم. ولكن الإنسان أخذ يدقِّق في اصطناع الأسلحة حتى اصطنع القنابل التي تُهلِك الواحدة منها ناحيةً بما فيها، ويفكِّر في اصطناع ما هو أشدُّ من ذلك.
وأما القادحون في البديهيات فاعتلّوا بأمور:
الأول: أن أجلى البديهيات قولنا: الشيء إما أن يكون، وإما أن لا يكون. قالوا: وإنه غير يقيني، وأوردوا للقدح في يقينيَّته عدة شبهات ذكرها وأجاب عنها صاحب "المواقف". فراجعه مع شرحه وحواشيه(2)، لتعلم ما يتضمنه النظر المتعمَّق فيه من التشكيك في أوضح الأشياء وأجلاها، تشكيكًا يشتمل على شبهات يصعب على الماهر حلُّها، وعلى من دونه فهمُ الحلِّ. ولو أُورِد بعض تلك الشبهات على أمرٍ خفيّ جاء به الشرع لجزم المتعمّقون بأنها براهين قاطعة.
الأمر الثاني: أننا نجزم بالعادِيّات(3) كجزمنا بالأوليات. فنجزم أن هذا الشيخ لم يتولد دفعةً بلا أب ولا أم، بل تولد منهما ونشأ بالتدريج … ، وأن--------------------------------------------
(1) (ط): "لهما" خطأ.
(2) (1/ 151 وما بعدها).
(3) من العادة.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 341)
أواني البيت لم تنقلب بعد خروجي أناسًا فضلاء، ولا أحجاره جواهر، ولا البحر دهنًا وعسلًا، مع أنه من الجائز خلاف هذا. أما عند المتكلمين، فلاستناد الأشياء جميعها إلى القادر المختار، فلعلَّه أوجبَ شيئًا من ذلك. وأما عند الحكماء، فلاستناد الحوادث الأرضية إلى الأوضاع الفلكية، فلعلَّه حدثَ شكل غريب فلكي لم يقع مثله، أو وقع ولكنه لم يتكرر مثله إلا في ألوف من السنين.
أجاب العَضُد بأنّ الإمكان لا ينافي الجزم كما في بعض المحسوسات. قال السيد في "شرحه"(1): "فإنا نجزم بأن هذا الجسم شاغل لهذا الحَيّز في هذا الآن جزمًا لا يتطرق إليه شبهة، مع أن نقيضه ممكن في ذاته، فقد ظهر أن الجزم في العاديّات واقعٌ موقعَه".
كذا [2/ 214] قال الشارح. وفيه أن القادحين لم يستندوا إلى الإمكان الذاتي المشترك بين أمثلتهم ومثال الشارح، وإنما استندوا إلى احتمال الوقوع في نفس الأمر. فإن أحجار البيت كما يمكن بالإمكان الذاتي انقلابها جواهر، فإنه يحتمل وقوع الانقلاب بعد خروجك. وليس مثال الشارح هكذا، فإنه مفروض في الحاضر المشاهَد.
وقد قال تبارك وتعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ} إلى أن قال تعالى: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18) قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ--------------------------------------------
(1) "شرح المواقف" (1/ 173).
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 342)
تَسْعَى (20) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى} [طه: 9 - 21].
فلما كان موسى عليه السلام مع أهله كانوا يشاهدون عصاه، فيجزمون بأنها عصا لم تنقلب حية؛ فهذا جزم كالجزم في مثال الشارح. ثم لما فارقهم، وأُمر بإلقاء عصاه، وانقلبت حيةً؛ إذا كان أهله ــ وهو غائب عنهم ــ يجزمون في الوقت الذي انقلبت فيه حيةً، يجزمون بمقتضى العادة أنها لم تنقلب حية= فهذا جزمٌ كالجزم في أمثلة القادحين. ولا يخفى الفرق بين الجزمين، وأنه لا يلزم من صحة الأول صحة الثاني، ولا من القدح في الثاني القدح في الأول، وأن الثاني في قصة أهل موسى مخالف للواقع، وفي أمثلة القادحين محتمل لذلك= فكيف يقال: إنه جزم واقع موقعه؟
دعْ عنك خرقَ العادة، ويغني عنه النقض العادي الذي لم يُعْهَد، كالرجل يُمسي بالمغرب، ثم يُصبح في المشرق. فإن هذا كان من المحال العادي عند الناس، فانتقض بالطيارات، فلو بقي الآن أهلُ جهة لم يسمعوا بخبر الطيارات لكانوا يجزمون بامتناع ما هو واقع بدون خرق عادة.
وربما يقال: لا يمتنع أن يكون مراد الشارح أن الاحتمال البعيد جدًّا لا ينافي الجزم، ففي مثاله يحتمل نقيض ما جزم به لاحتمال خطأ الحسّ، فكذلك احتمال خرق العادة.
والظاهر أن مراد المتن والشرح: أنه كما أن الحسَّ يحتمل الغلط ومع ذلك يسلِّم القادحون [2/ 215] في البديهيات أن ذلك لا يقتضي القدح في الحسيات مطلقًا، فهكذا يلزمهم في العاديات أن لا يقتضي احتمالُ الخرق القدحَ فيها مطلقًا.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 343)
وكأن العَضُد يقول في الجزم بالعادة مثل ما قاله في الجزم بالحس: إن المدار على جزم العقل، وهو إنما يجزم بأمور تنضم إلى الحس أو إلى العادة، لا يُدرى ما هي؟ ولا كيف حصلت؟ ولا من أين جاءت؟ فإذا كان هذا مراده، فقد تقدم في الكلام على الحسِّيات ما علمت.
والحق الذي لا ريب فيه: أن العقل قد يجزم في الحسيات بمجرد الإحساس، وفي العاديات بمجرد العادة، وإنما يقف إذا عرض له ما يشكِّكه. فالذي يجوِّز السحر إذا قال له من يثق به: إن هنا ساحرًا، فأدخله عليه، فناوله تفاحةً، فإنه لا يجزم بأنها تفاحة أثمرتها شجرة، بل يجوِّز أن تكون روثةً ــ مثلًا ــ وأن حسَّه أخطأ لأجل السحر، أو أن تكون روثة انقلبت تفاحة بعمل السحر، فلا يجزم هنا بإحساس ولا عادة. ومع هذا فإن هذا الذي يجوِّز السحر تجده حيث لا مظنة للسحر يجزم بالإحساس والعادة كما يجزم غيره. وقد يجزم، ثم تشكِّكه، فيرجع عن جزمه.
فالحق أن النفس قد لا تعرف وجه الاحتمال فتجزم، وقد تعرفه ولكنها تجحده فتجزم، وقد تعرفه وتعترف به وتستحضره، ولكنها تستبعده جدًّا، فتجزم(1) ولا تبالي به. فاحتمال الجزم للخطأ لا محيصَ عنه. وسيأتي اعترافهم بذلك.
فإن قيل: فماذا يقول السلفيون؟
قلت: قد مرَّ في الكلام على الحسيات ما فيه كفاية، ويُعْلَم منه الجواب عنهم في شأن البديهيات، ويأتي إن شاء الله تعالى لذلك مزيد.--------------------------------------------
(1) (ط): "فيجزم" خطأ.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 344)
وأما العاديَّات، فهم يعترفون بجواز خرق العادة، وإنما يحتجُّون بها في مواطن:
الأول: حيث تكون من المأخذ السلفي الأول، بأن يعلم أن من شأنها أن تحمل الأميين على اعتقاد شيء في الدين، ولم يأتِ الشرعُ بما يخالفها. ووجهُ الاحتجاج هنا هو تقرير الشرع، مع القطع بأنها لو كانت مختلّة لكشف الشرعُ عن حالها.
الثاني: حيث تكون من المأخذ السلفي الثاني، كأن يتواتر أثر عن النبي صلى الله عليه [2/ 216] وآله وسلم في الدين. ووجهُ الاحتجاج هنا أن الخرق إنما يكون بفعل الله عز وجل، ومن الممتنع أن يقع الخرق هنا بأن يتواتر ما هو كذب على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الدين. فإن هذا تضليل يتنزَّه الله عز وجل عن مثله.
فإن قيل: فقد رُوي أنه يظهر على يد الدجال بعض الخوارق.
قلت: قد كشف الشرعُ حالها بالدلالات القاطعة من المأخذين السلفيين على كذب الدجال. ولم يكتف بذلك، بل نصَّ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم على خروج الدجال وكذبه وظهور ما يظهر على يده، وأن ذلك ابتلاء محض.
الثالث: حيث لو فُرِضَ خرقُها لكان الخرقُ حجةً أخرى تقوم مقام العادة، كما تقول: إن من الحجة على إعجاز القرآن أن العرب لم يأتوا بسورةٍ مِن مِثله مع تحدِّيه لهم وتوفُّر الدواعي أن يفعلوا لو أمكنهم. ففي هذا القول إن فُرِض الخرقُ بأن يقال: لعلهم كانوا قادرين، ولكن صرفهم الله عز وجل، فهذا الصرف حجة أخرى على الإعجاز.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 345)
الرابع: حيث يكون مع العادة حُجَج أخرى لو فُرِض أن بعضها كالعادة لا يفيد إلا الظن لم يضرَّ ذلك؛ لأن القطع حاصل بالمجموع.
الخامس: حيث يكفي الظن. والله الموفق.
الأمر الثالث: أن للأمزجة والعادات تأثيرًا في الاعتقادات. فقويُّ القلب يستحسن الإيلام، وضعيف القلب يستقبحه، ومن مارس مذهبًا من المذاهب بُرْهةً من الزمان ونشأ عليه فإنه يجزم بصحته وبطلان ما يخالفه ....
قال العضد(1): "والجواب: أنه لا يدل على كون الكل كذلك".
أقول: هذا حق، ولكن فيه اعتراف بأن ذلك واقع في كثير، وهذا كافٍ في القدح في جزم العقل في الجملة؛ لأنه إذا ثبت أن جزمه قد يكون خطأً لسبب لم يُؤمَن أن يكون خطأ في موضع آخر لذلك السبب أو لسبب آخر.
نعم، قد تتضح القضية جدًّا، فلا يُخْشى فيها ذلك، كقولنا: الثلاثة أقل من الستة. والقضايا التي يختصّ بها المتعمّقون ليست من هذا القبيل ولا قريبًا منه، ولا سيما قضاياهم التي [2/ 217] يناقضون بها المأخذين السلفيين، وكفى بمناقضتهما لها حجةً على اختلالها. فأما قضايا السلفيَّين فما لم يكن منها من ذاك القبيل فهو قريب منه، وقد أُمِنَ اختلالها بإقرار الشرع لها. فأما ما لم يقتصر الشرع على إقرارها، بل جاء على وَفْقها، فتلك الغاية.
الأمر الرابع: مزاولة العلوم العقلية دلّت على أنه يتعارض دليلان قاطعان بحسب الظاهر بحيث نعجز عن القدح فيهما، وما هو إلا للجزم بمقدماتهما مع أن أحدهما خطأ قطعًا.--------------------------------------------
(1) "المواقف" (ص 19).
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 346)
أجاب العضد(1): بأن البديهي ما يُجْزَم فيه بتصوُّر الطرفين، فيتوقف على تجريدهما، فلعل فيه خللًا.
أقول: هذا اعتراف بأن الجزم قد يكون خطأ، فقد يكون هناك خلل يخفى على الناظر الماهر، فيجزم بأنه لا خلل. غاية الأمر أنه عند تعارض الدليلين العقليين يتنبه، فيعرف أن هناك خللًا، فكيف بما يلوح للمتعمّق من الدلائل العقلية بدون أن يلوح له ما يعارضه؟ فأما النصوص الشرعية، فإنهم لا يعتدُّون بها، على أن المتعمّقين ربما يرجّحون الدليل الخفيّ المعقَّد الذي هو مَظِنّة الخلل على البديهي الواضح، ميلًا مع الهوى ورعبًا ممن يرونه أمهرَ في التعمق منهم، ولأنه يصعب عليهم معرفة الخلل في الخفي المعقّد، ويسهل عليهم أن يدفعوا البديهي الواضح، بأن يقولوا: هذه قضية وهمية.
الأمر الخامس: أنا نجزم بصحة دليل آونةً، وبما يلزمه من النتيجة، ثم يظهر خطاؤه؛ فجاز مثله في الكل.
أجاب الشارح(2) بقوله: "لا نسلِّم أن مقدّمات الدليل الذي نجزم بصحته آونةً بديهيةٌ، ولئن سُلِّم ذلك فالبديهي قد يتطرّق إليه الاشتباه لخلل في تجريد طرفيه وتعقُّلهما على الوجه الذي هو مناط الحكم بينهما، وذلك لا يعم البديهيات".
أقول: هذا اعتراف بأن الناظر الماهر قد يجزم بأن المقدمة بديهية، والواقع أنها غير بديهية، وقد يجزم بعد تدبره وإنعام نظره أنه لا خلل. وتمام--------------------------------------------
(1) المصدر نفسه (ص 19).
(2) "شرح المواقف" (1/ 183).
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 347)
الكلام كما مرَّ في "الأمر الرابع".
الأمر السادس: "أن في كل مذهب قضايا يدَّعي صاحبه فيها البداهة، ومخالفوه ينكرونها. وهو يوجب الاشتباه ورفع الأمان، فلنعدَّ عِدَّةً منها … ". فذكروا إحدى عشرة قضية، ثم [2/ 218] قالوا(1): "وقد أُجيب عنها بأن الجازم بها بديهة الوهم، وهي كاذبة، إذ تحكم بما ينتج نقائضها. قلنا: فيتوقَّف الجزم بها على هذا الدليل فيدور، وأيضًا فلا يحصل الجزم بما لا يتيقن(2) أنه لا ينتج نقيضه، ولا يتيقن، بل غايته عدم الوجدان".
لم يجب العضد عن هذا الأمر السادس ولا السيد، غير أنه قال(3) في الجواب عن تلك الأمور كلها: "وأُجيب عن ذلك بأنا لا نشتغل بالجواب عنها، لأن الأوليات مستغنية عن أن يُذَبّ عنها، وليس يتطرق إلينا شك فيها بتلك الشبه التي نعلم أنها فاسدة قطعًا، وإن لم يتيقن عندنا وجهُ فسادها".
أقول: لا ريبَ أن القدح في البديهيات بما يشمل الأوليات لا سبيل إليه، لأن هناك قضايا واضحة متفق عليها، وهؤلاء القادحون لم يدَّعوا ما يناقضها، وإنما حاولوا التشكيك فيها بما لا يُعتدّ به. وذلك كقولنا: "الثلاثة أقلُّ من الستة" و"الشيء أعظم من جزئه"، و"الشيء لا يكون موجودًا معدومًا معًا"، و"الجسم الواحد لا يكون في مكانين في وقت واحد بأن يكون كله في أحدهما وكله في الآخر". لكن الوثوق ببعض البديهيات لا يستلزم الوثوق بجميعها، وقد اعترف بذلك المحتجون بها، فبقي الكلامُ معهم في هذا.--------------------------------------------
(1) "المواقف" (ص 19، 20).
(2) كذا في (ط). وفي المواقف: "الجزم ما لم يتيقن … "، وهو المناسب للسياق.
(3) "شرح المواقف" (1/ 186).
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 348)
فيقال لهم: تلك القضايا المعدَّدة في الأمر السادس وهي إحدى عشرة، وما يشبهها اعترفتم جميعًا بأنها بديهية، ثم اختلفتم في الأخذ بها. وكلُّ فرقة منكم تزعم أن ما أخذت به من تلك القضايا بديهي عقلي يقيني، وأن ما ردّته منها بديهي وهمي. فإن كان مردُّ ذلك إلى التحكُّم، مَنْ هَوِيَ قضيةً قال: إنها بديهية عقلية تفيد اليقين، ومن خالفت هواه قال: بديهية وهمية= فهذا ليس من العلم في شيء.
وإن كان المردُّ إلى الجزم، فمن أحسَّ بأنه جازم بالقضية قال: عقلية يقينية، ومن أحسّ بأنه مرتاب فيها قال: وهمية= فهذا قريب من سابقه، إذ قد ثبت أن الجزم يخطئ ويغلط؛ وقد تقدَّم أدلةٌ على ذلك، وكفى بالاختلاف في هذه القضايا دليلًا.
وإن كان المردُّ إلى قوة المعارض، فمن لم يقوَ عنده معارض القضية سمَّاها: عقلية، وقطع بها. ومن قَوِي عنده المعارض سمَّاها وهمية، فردَّها= فهذا كسابقيه، إذ غايته الجزم بالقضية أو الجزم بمعارضها، وقد ثبت أن الجزم يخطئ ويغلط.
[2/ 219] وإن كان هناك معيار صحيح، فما هو؟ قالوا: المعيار أن تُعرض القضية البديهية المنظور فيها على البديهيات الأخرى، فإن وُجد فيها ما يُنتج نقيضَ هذه القضية علمنا أن هذه وهمية.
قلت: هَبُوا أني تمسّكتُ بقضية بديهية، وقلت: إنها عقلية يقينية، فخالفني مخالف وذكر بديهيةً أخرى زعم أنها عقلية يقينية، وأنها تُنتج نقيضَ قضيتي، فقد لا أُسَلّم أن القضية التي ذكرها عقلية يقينية، بل أحتجّ على أنها وهمية بإنتاجها نقيض قضيتي، وما أنتجَ نقيض الحق فهو باطل. وإن سلّمتُ
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 349)
أن قضيته عقلية، فقد لا تكون من القضايا المتفق عليها بين العقلاء، وإذا لم تكن منها لم يُؤمَن أن تكون في نفس الأمر وهميةً وتابعتُ صاحبي على الخطأ. وإن كانت من القضايا المتفق عليها بين العقلاء أو بيني وبين صاحبي فقد لا أسلِّم صحة استنتاجه، إذ غايته أن تكون صحته بديهية، فلعلّ بداهته وهمية، بدليل مناقضته لقضيتي، وما ناقض الحقَّ فهو باطل. فالمعيار الذي ذكرتم لا يفيد إلا حيث تكون القضية المعتبر بها من القضايا المتفقِ عليها بين العقلاء، وتكون صحة إنتاجها كذلك، وهذه فائدة ضئيلة لا تتأتى في شيء من القضايا التي اختلفتم فيها.
فإن قيل: فماذا يقول السلفيون؟
قلت: يقولون: القضية المحتاج إلى التثبُّت فيها(1) إما غير ماسَّة بالدين البتةَ، وإما ماسَّة به.
فالأولى لا شأن لهم بها، بل يدَعُونها لعلماء الطبيعة.
وأما الثانية، فإما أن لا تكون من المأخذ السَّلفي الأول، وإما أن تكون منه.
فالأولى لا يعتدُّون بها، إلا أن بعضهم قد يتعرّض لها إذا وافقت المأخذين السلفيَّين.
وأما الثانية، فيحكِّمون فيها الشرع، فإن وجدوه جاء بما يخالفها علموا أنها باطلة، وإن وجدوه أقرَّ الناسَ على اعتقادهم الديني بحسبها علموا أنها حق؛ لأن الشرع لا يُقرّ على مثل هذا إلا وهو حق. فأما إذا زاد الشرع فجاء على وَفْقها، فتلك الغاية.--------------------------------------------
(1) احتراس من القضايا الواضحة، ومنها ما لا يثبت أصل الشرع إلا به. [المؤلف].
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 350)
فهذا المعيار هو الذي ارتضاه الله عز وجل لعباده، وكره لهم ما عداه. فهو الصراط المستقيم، [2/ 220] وسبيل الله، وسبيل المؤمنين. وله مزايا لا تُحْصى.
منها: أنه أتمُّ وأعمُّ من معيار المتعمّقين الضئيل الفائدة.
ومنها: أنه لا يؤدِّي إلى ما وقعوا فيه من الخروج عن الشرع والعقل بنسبتهم الكذب إلى الله تعالى ورسله، كما يأتي شرحه.
ومنها: أنه لا يؤدي إلى الاختلاف في الدين وتفريقه، بدليل أن الصحابة والتابعين لهم بإحسان لم يختلفوا. فإن أدَّى إلى اختلافٍ مَّا فلا يكاد يكون إلا من قبيل الاختلاف في فروع الفقه، لا يلزم المخطئَ فيه كفر ولا ضلال. على أنه إن خيف اختلاف في الدين كان الواجب على الأكثر في زمن غَلَبة الخير عدم التدقيق، وعلى الأقل كتمان قولهم، كما جرى عليه السلف في مسألة القَدَر.
ومنها: أن المخطئ إذا لم يقصّر تقصيرًا بيِّنًا يرجى له العفو، لأنه لم ينشأ خطاؤه عن اتباع غير سبيل المؤمنين، والتماس الهدي من غير الصراط المستقيم.
ومنها: تيسُّر المعرفة بدون خروج عن الصراط المستقيم ولا اتباع السبل المفرقة عن سبيل الله عز وجل. إذ يكفي للمعرفة العلمُ بكتاب الله تعالى وسنة رسوله، بدون حاجة إلى التعمّق والمنطق والفلسفة.
ومنها: أن العامة لا يحتاجون معه إلى التقليد المريب المُوقِع للمسلمين في الاختلاف والتفرُّق والتنابذ والتنابز والفتن، لأن القضية إما أن يتفق عليها
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 351)
علماء الدين فتكون إجماعًا، وإما أن لا يظهر فيها مخالفة إلا ممن يشذّ، فيكون اتباع الجمهور المعلوم أنهم إنما يتبعون كتاب الله تعالى وسنة رسوله أخذًا بالراجح الواضح.
وهذا إنما يحتاج إليه في فروع العقائد التي لا يضرُّ عدم استيقانها. هذا مع أنه يسهل على العلماء أن يذكروا للعامة الحجة النقلية، فيفهمها العامة فيكونون متبعين للشرع، وبذلك تطمئن قلوبهم، ويزيد إيمانهم، ويعظم ثوابهم. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
وأما القادحون في الجميع، فهم السوفسطائية. وهم ثلاث فرق، أمثلها وأفضلها كما في "المواقف" و"شرحها"(1) اللاأدرية، يشكُّون في كل شيء.
الثانية: العنادية، يزعمون أن لا موجود أصلًا.
الثالثة: العندية، يقولون: حقائق الأشياء تابعة للاعتقاد، فمذهب كل طائفة حق بالنظر إليهم، وليس في نفس الأمر شيء بحق.
[2/ 221] قال السيد في "شرح المواقف"(2): "إنما نشأ هذا من الإشكالات المتعارضة … وبالجملة ما من قضية بديهية أو نظرية إلا ولها معارضة مثلها في القوة تقاومها".
أقول: فيعلم بهذا أن طريق المتعمّقين مشتبهة مُوقِعةٌ في كثرة الخطأ والغلط والاختلاف والارتياب والجنون، وحُقَّ لمن رغب عن سبيل الله عز وجل وابتغى الهدى في غيرها أن يقع في مثل هذا التيه.--------------------------------------------
(1) "المواقف" (ص 21) و"شرحها" (1/ 186).
(2) (1/ 187).
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 352)
وأما القادحون في إفادة النظرِ العلمَ مطلقًا فهم السُّمَنِيَّة، وتمسكوا بوجوه سأحاول حكاية بعضها، وما أجيب به عنها(1) بالمعنى تقريبًا للفهم.
الوجه الأول: إفادة النظر الصحيح للعلم لا تُعْلَم، إذ لو عُلِمتْ فإما بضرورة أو نظر، وكلاهما باطل. أما الضرورة فلاختلاف الناس في ذلك وللجزم بأنه دون قولنا: "الواحد نصف الاثنين" في القوة، وليس ذلك إلا لاحتمال النقيض ولو على أبعد وجه. وأما النظر فلاستلزامه إثبات الشيء بنفسه.
أجاب بعضهم باختيار الضرورة، وأن الضروريّ قد لا يكون تصوُّرُ طرفَيْه جليًّا، ولا تجريدهما سهلًا، ولا يكثر وروده على الذهن فيؤلَفَ ويُسْتأنسَ به؛ فمثلُ هذا قد يخالف فيه قليل من الناس، ويُدرِكُ أنه دون قولنا: "الواحد نصف الاثنين"؛ وذلك لا يُخرِجه عن كونه ضروريًّا. واختار بعضهم النظر، وأجابوا بما فيه طول وتعقيد، فراجعه في "المواقف" و"شرحها"(2)، لما قدّمناه في أول الكلام مع منكري البديهيات.
الوجه(3) الثاني: الاعتقاد الجازم عقب النظر لا يُعلَم أنه عِلْم، لأنه لا يُعْلَم إلا بضرورة أو نظر، وكلاهما باطل. أما الضرورة فلأنه "قد يظهر للناظر بعد مدة بطلانُ ما اعتقده وأنه لم يكن علمًا وحقًّا، وكذلك نقل المذاهب ودلائلها لما مرَّ من أنه قد يظهر صحة ما اعتقد بطلانه وبالعكس". كذا في--------------------------------------------
(1) انظر "المواقف" (ص 24 - 26) و"شرحها" (1/ 219 وما بعدها).
(2) (1/ 220، 221).
(3) الأصل: "الأمر" وكذا ما سيأتي، وقد سبق أنه يذكر الوجوه، ثم قال: "الوجه الأول"، فغيرناها لتتوافق.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 353)
"المواقف" و"شرحها"(1).
وأما النظر فلاحتياجه إلى نظر آخر، ويتسلسل.
[2/ 222] أجاب العضد(2) بقوله: "الذي يظهر خطاؤه لا يكون نظرًا صحيحًا والنزاع إنما وقع فيه".
الوجه الثالث: النظر لا يفيد العلم إلا إذا عُلِم عدمُ المعارض، إذ معه يحصل التوقف، "وعدمه ليس ضروريًّا وإلا لم يقع المعارض، أي لم ينكشف وجوده(3) بعد النظر، وكثيرًا ما ينكشف، فهو نظري ويحتاج إلى نظر آخر، وهو أيضًا محتمل لقيام المعارض، ويتسلسل". كذا في "المواقف" و"شرحها"(4).
أجاب العضد(5) بقوله: "النظر الصحيح(6) في المقدّمات القطعية كما يفيد العلم بحقية النتيجة يفيد العلم بعدم المعارض، فعدم المعارض في نفس الأمر ضروري".
الوجه الرابع: "الاعتقاد الجازم قد يكون علمًا لكونه مطابقًا مستندًا لموجب، وقد يكون جهلًا لكونه غير مطابق مستندًا إلى شُبهة أو تقليد، فلا يمكن التمييز بينهما. فإذًا ماذا يُؤمِننا أن يكون الحاصل عقيب النظر جهلًا؟ ".--------------------------------------------
(1) (1/ 220).
(2) "المواقف" (ص 24).
(3) (ط): "وجود".
(4) (1/ 224).
(5) "المواقف" (ص 24).
(6) (ط): "صحيح" خطأ.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 354)