الرازي، وهو في آخر عهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة، وهو الوقت الذي يلين فيه كلُّ قاسٍ، ويتوجَّه إلى مولاه كلُّ آبق … إن الناس يقولون: الإنسان إذا مات انقطع تعلُّقه عن الخلق، وهذا العام مخصوص من وجهين:
الأول: أنه إن بقي منه عملٌ صالح صار ذلك سببًا للدعاء، والدعاء له أثر عند الله.
والثاني: ما يتعلق بمصالح الأطفال … .
أما الأول، فاعلموا أني كنت رجلًا محبًّا للعلم.
(أ) فكنتُ أكتب في كل شيء شيئًا، لا أقف على كمية وكيفية، سواء كان حقًّا أو باطلًا، غثًّا أو سمينًا!
(ب) إلا أن الذي نظَّرته (نصرته! ) في الكتب المعتبرة لي: أن هذا العالم المحسوس تحت تدبير مدبِّرٍ منزَّهٍ عن مماثلة المتحيِّزات والأعراض، وموصوف بكمال القدرة والعلم والرحمة.
(ج) ولقد اختبرتُ الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن العظيم؛ لأنه يسعى في تسليم العَظَمة والجلال بالكلية لله تعالى، ويمنع عن التعمُّق في إيراد المعارضات والمناقضات، وما ذاك إلا العلم بأن العقول البشرية تتلاشى وتضمحلُّ في تلك المضايق العميقة والمناهج الخفية.
(د) فلهذا أقول: كلُّ ما ثبت بالدلائل الظاهرة من وجوب وجوده، ووحدته، وبراءته عن الشركاء في القدم والأزلية، والتدبير والفعالية، فذاك هو الذي أقول به وألقى الله تعالى به. وأمَّا ما انتهى الأمر فيه إلى الدقة
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 375)
والغموض، فكلُّ ما ورد في القرآن والأخبار الصحيحة المتفق عليها بين الأئمة المتبعين للمعنى الواحد فهو كما هو، والذي لم يكن كذلك أقول: يا إله العالمين … وأقول: ديني متابعة محمد سيد المرسلين، وكتابي هو القرآن العظيم، وتعويلي في طلب الدين عليهما … ".
[2/ 237] فبيَّن في وصيته هذه أنه تدرَّج إلى أربع درجات:
الأولى: الجري مع خاطره حقًّا كان أو باطلًا.
الثانية: ما نصره في كتبه المعتبرة.
الثالثة: ارتيابه في المأخذ الخَلَفي وهو النظر الكلامي والفلسفي.
الرابعة: ما استقرَّ وثوقه به ورجع إليه، وهو ما أثبته المأخذ السلفي الأول وأكَّده الشرع.
ثم قسم الباقي إلى قسمين:
الأول: ما بيَّنه الكتاب والسنة، فهو كما بيَّناه.
الثاني: ما عدا ذلك، فبيَّن عدم وثوقه فيه بما سبق أن قاله في كتبه واعتذر عن ذلك بحُسْن النية.
فرجوع هؤلاء الأكابر وقضاؤهم على النظر المتعمَّق فيه بما سمعتَ، بعد أن أفنَوا فيه أعمارهم من أوضح الحُجَج على من دونهم.
هذا، والمشهورُ بعد الاعتراف بكفاية المأخذَين السلفيَّين والنهي عن الخوض في علم الكلام والفلسفة: الاعتذارُ عن الخائضين من المنتسبين إلى السنة بأنهم اضطُرُّوا إلى ذلك لدفع شبهات الكفار والزنادقة والملحدين
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 376)
والمبتدعة الذين يخوضون في دقائق المعقول، ثم يطعنون في الإسلام والسنة. قال المعتذرون: ولم يكن ذلك في عهد الصحابة والتابعين، وإنما حدث أخيرًا بعد ضعف الإيمان وتشوُّف الناس إلى دقائق المعقول وإعجابهم بأهله، فالخوضُ محدَث، لكن لحدوثِ داعٍ إليه وباعثٍ عليه ومقتضٍ له.
وأقول: أما من خاض وحافظ على العقائد الإسلامية كما تُعرَف من المأخذين السلفيين وكما كان عليه السلف، فعسى أن ينفعه ذاك العذر، وإن كنا نعلم أن في حجج الحق من المأخذين السلفيين ما يغني من يؤمن {وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} [يونس: 101].
وأما من خاض، فغيَّر وبدَّل، فهؤلاء هم المبتدعة وأتباعهم. فهَبْ أن منهم من يُعْذَر في خوضه، فما عذرُه في تغييره وتبديله؟ ولاسيّما من بلغ به التغيير والتبديل إلى القول بأن النصوص الشرعية لا تصلح حجةً في العقائد! حتى صرَّح بعضهم بزَعْم أن الله تبارك وتعالى أقرَّ الأممَ التي بعث [2/ 238] فيها أنبياءه على العقائد الباطلة، وقرَّرها في كتبه وعلى ألسنة رسله، وثبَّتها وأكَّدها وزادهم عليها أضعافها مما هو ــ في زعم هؤلاء ــ باطل!
فهل هذا هو الذبُّ عن الإسلام وعقائده الذي يمتنُّ به عليه أولئك الخائضون؟ !
* * * *
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 377)
فصل
وأما المأخذ الخَلَفي الثاني، وهو الكَشْف التصوفي، فقد مضى القرن الأول ولا يعرف المسلمون للتصوف اسمًا ولا رسمًا، خلا أنه كان منهم أفراد صادقو الحبِّ لله تعالى والخشيةِ له، يحافظون على التقوى والورع على حسب ما ثبت في الكتاب والسنة. فقد يبلغ أحدهم أن تظهر مزيته في استجابة الله عز وجل بعض دعائه أو عنايته به على ما يقلُّ في العادة، ويُلَقَّى الحكمةَ في الوعظ والنصيحة والترغيب في الخير. وإذا كان من أهل العلم ظهرت مزيته في فهم الكتاب والسنة، فقد يفهم من الآية أو الحديث معنىً صحيحًا، إذا سمعه العلماء وتدبروا وجدوه حقًّا، ولكنهم كانوا غافلين عنه حتى نبَّههم ذلك العبد الصالح.
ثم جاء القرن الثاني، فتوغَّل أفرادٌ في العبادة والعُزْلة، وكثرة الصوم والسهر، وقلة الأكل لعزة الحلال في نظرهم، فجاوزوا ما كان عليه الحالُ في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فوقعوا في طرف من الرياضة، فظهرت على بعضهم بعض آثارها الطبيعية كالإخبار بأن فلانًا الغائب قد مات أو سيقدم وقت كذا، وأن فلانًا يُضمِر في نفسه كذا، وما أشبه ذلك من الجزئيات القريبة، فكان الناس يظنون أن جميع [2/ 239] ذلك من الكرامات. والواقع أن كثيرًا منه كان من آثار الرياضة، وهي آثار طبيعية غريبة تحصل لكل من كان في طبعه استعداد، وتَعانَى الرياضة بشروطها، سواء أكان مسلمًا ــ صالحًا أو فاجرًا ــ أم كافرًا، فأما الكرامات الحقيقية فلا دخلَ فيها لقوى النفس. فلما وقعوا في ذلك وجد الشيطانُ مسلكًا للسلطان على بعض أولئك الأفراد بمقدار مخالفتهم للسنة، فمنهم من كان عنده من
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 378)
العلم ما دافع به عن دينه، كما نقل عن أبي سليمان الداراني أنه قال: "ربما تقع في قلبي النُّكتة من نُكَت القوم أيامًا، فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلَيْن: الكتاب والسنة". ذكرها ونحوَها من كلامهم أبو إسحاق الشاطبي في "الاعتصام" (106 - 121)(1).
[2/ 240] ومنهم من سَلِم لهم أصل الإيمان، لكن وقع في البدع العملية. ومنهم من كان سلطانُ الشيطان عليه أشدَّ، فأوقعه في أشدَّ من ذلك، كما ترى الإشارة إلى بعضه في ترجمة رياح بن عَمْرو القيسي من "لسان الميزان"(2). ثم صار كثيرٌ من الناس يتحرَّون العزلة والجوع والسهر لتحصيل تلك الآثار، فقوي سلطانُ الشيطان عليهم. ثم نُقِلتْ مقالات الأمم الأخرى، ومنها الرياضة وشرحُ ما تُثمِره من قوة الإدراك والتأثير، فضمَّها هُواتُها إلى ما سبق، مُلْصِقين لها بالعبادات الشرعية، وكثر تعاطيها من الخائضين في الكلام والفلسفة. فمنهم من تعاطاها ليروِّج مقالاته المنكرة بنسبتها إلى الكشف والإلهام والوحي، ويتدرَّع عن الإنكار عليه بزعم أنه من أولياء الله تعالى. ومنهم من تعاطاها على أمل أن يجد فيها حلًّا للشكوك والشبهات التي أوقعه فيها التعمّقُ في الكلام والفلسفة.
ومن أول من مزج التصوف بالكلام الحارثُ المحاسبي، ثم اشتدّ الأمر في الذين أخذوا عنه فمَن بعدهم. وكان من نتائج ذلك قضية الحلَّاج، ولعله كان في أقران الحلَّاج مَن هو موافق له في الجملة، بل لعل فيهم مَن هو أوغلُ--------------------------------------------
(1) وانظر "الاستقامة" (1/ 95 وما بعدها)، و"الرسالة القشيرية" (1/ 86).
(2) (3/ 488).
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 379)
منه إلا أنهم كانوا يتكتمون، ودعا الحلَّاجَ إلى إظهار ما أظهره حبُّ الرئاسة.
وكذلك مَزْجُ الفلسفة بالتصوف كان معروفًا عند بعض الفلاسفة الأقدمين، وتجد في كلام الفارابي وابن سينا نُتفًا من ذلك. وكذلك في كلام متفلسفي المغاربة كابن باجة وغيره.
وهكذا الباطنية كانوا ينتحلون التصوُّف، فلما جاء الغزالي نصب التصوفَ منصب الكلام والفلسفة الباطنية، وزعم أن الحقَّ لا يعدو هذه الأربع المقالات، وقضى ظاهرًا للتصوف مع ذكره كغيره أن طائفة من المتصوفة ذهبوا إلى الإباحة المحضة، وفي ذلك نَبْذُ الشرائع البتة. ثم لم يزل الأمر يشتدُّ حتى جاء ابن عربي وابن سبعين والتلمساني، ومقالاتهم معروفة.
ومن تتبع ما كان عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة وأئمة التابعين، وما يصرِّح به الكتاب والسنة وآثار السلف، وأنعمَ النظرَ في ذلك، ثم قارن ذلك بمقالات هؤلاء القوم= عَلِمَ يقينًا أنه لا يمكنه ــ إن لم يُغالطْ نفسه ــ[2/ 241] أن يصدِّق الشرعَ ويصدِّقهم معًا. وإن غالط نفسَه وغالطتْه، فالتكذيب ثابت في قرارها ولابدَّ.
هذا، والشرع يقضي بأنَّ الكَشْف ليس مما يصلح الاستناد إليه في الدين، ففي "صحيح البخاري"(1) من حديث أبي هريرة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "لم يبقَ من النبوة إلا المبشِّرات"، قالوا: وما المبشِّرات؟ قال: "الرؤيا الصالحة".--------------------------------------------
(1) رقم (6990).
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 380)
وورد نحوه من حديث جماعة من الصحابة ذُكِر في "فتح الباري"(1)، منها: حديث ابن عباس عند مسلم(2) وغيره، وحديث أمّ كُرْز عند أحمد وابن خزيمة وابن حبان(3)، وحديث حُذيفة بن أسيد عند أحمد والطبراني(4)، وحديث عائشة عند أحمد(5)، وحديث أنس عند أبي يعلى(6).
وفيه حجة على أنه لم يبق مما يناسب الوحي إلا الرؤيا، اللهم إلا أن يكون بقي ما هو دون الرؤيا فلم يُعتدَّ به. فدلّ ذلك أن التحديث والإلهام والفراسة والكهانة والكشف كلها دون الرؤيا، والسرُّ في ذلك أن الغيب على مراتب:
الأولى: ما لا يعلمه إلا الله، ولم يُعْلِم به أحدًا أو أَعْلَم به بعض ملائكته.
الثانية: ما قد علمه غير الملائكة من الخلق.--------------------------------------------
(1) (12/ 375).
(2) رقم (479). وأخرجه أيضًا أبو داود (876) والنسائي (2/ 189، 218)، والدارمي (1/ 304) وغيرهم.
(3) "مسند أحمد" (27141) وابن ماجه (3896) والدارمي (2/ 123) وابن حبان (6047).
(4) لم أجده في "المسند"، ولم يعزه إليه الهيثمي في "مجمع الزوائد" (7/ 173). وهو في "المعجم الكبير" للطبراني (3051) وإسناده حسن.
(5) "مسند أحمد" (24977). وإسناده حسن.
(6) في "مسنده" (3934). وأخرجه أيضًا أحمد (13824) وابن أبي شيبة (11/ 53)، والترمذي (2272) والحاكم في "المستدرك" (4/ 391). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه من حديث المختار بن فلفل.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 381)
الثالثة: ما عليه قرائن ودلائل، إذا تنبه لها الإنسان عرفه، كما ترى أمثلة ذلك فيما يحكى من زكن إياس والشافعي وغيرهما.
فالرؤيا قد تتعلق بما هو من المرتبة الأولى لكن الحديث يقضي أنه لم يبق منها إلا ما كان على وجه التبشير فقط، وفي معناه التحذير. والفراسة تتعلق بالمرتبة الثالثة، وبقية الأمور بالمرتبة الثانية. وإنما الفرق بينها ــ والله أعلم ــ أن التحديث والإلهام من إلقاء المَلَك في الخاطر، والكهانة من إلقاء الشيطان. والكشف قوة طبيعية غريبة، كما يسمى في هذا العصر: قراءة الأفكار.
نعم قد يقال: إن الرياضة قد تؤهِّل صاحبها لأن يقع له في يقظته ما يقع له في نومه، فيكون الكشف ضربًا من الرؤيا.
[2/ 242] وأقول: إن صحَّ هذا، فقد تقدَّم أن الرؤيا قصاراها التبشير والتحذير. وفي "الصحيح"(1): أن الرؤيا قد تكون حقًّا وهي المعدودة من النبوة، وقد تكون من الشيطان، وقد تكونُ من حديث النفس. والتمييز مشكل، ومع ذلك فالغالب أن تكون على خلاف الظاهر حتى في رؤيا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كما قصّ من ذلك في القرآن، وثبت في الأحاديث الصحيحة. ولهذه الأمور اتفق أهل العلم على أن الرؤيا لا تَصْلُح للحجة، وإنما هي تبشير وتنبيه، وتصلح للاستئناس بها إذا وافقت حجةً شرعية صحيحة، كما ثبت عن--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (7017) ومسلم (2263) من حديث ابن سيرين عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: "رؤيا المؤمن جزءٌ من ستَّةٍ وأربعين جزءًا من النبوة" ثم ذكر تقسيم الرؤيا إلى ثلاث: حديث النفس، وتخويف من الشيطان، وبشرى من الله. وهذا التقسيم موقوف على أبي هريرة من قوله، وقد رفعه بعض الرواة. انظر "الفتح" (12/ 407).
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 382)
ابن عباس أنه كان يقول بمتعة الحج لثبوتها عنده بالكتاب والسنة، فرأى بعضُ أصحابه رؤيا توافق ذلك، فاستبشر ابن عباس(1).
هذا حال الرؤيا، فقِسْ عليه حالَ الكشف إن كان في معناها. فأما إن كان دونها فالأمر أوضح. وتجد في كلام المتصوِّفة أن الكشف قد يكون حقًّا، وقد يكون من الشيطان، وقد يكون تخيُّلًا موافقًا لحديث النفس. وصرَّحوا بأنه كثيرًا ما يُكْشَف للرجل بما يوافق رأيه حقًّا كان أو باطلًا. ولهذا تجد في المتصوِّفة من ينتسب إلى قول أهل الحديث، ويزعم أنه يُكْشَف له بصحة مذهبه. وهكذا تجد فيهم الأشعري والمعتزلي والمتفلسف وغيرهم، وكلٌّ يزعم أنه يُكْشَف له بصحة مذهبه، ومخالفُه منهم لا يكذِّبه ولكنه يكذِّب كَشْفَه. وقد يُكْشَف لأحدهم بما يوافق مقالات الفرقة التي ينتسب إليها، وإن لم يكن قد عرف تلك المقالات من قبل، كأنه لحسن ظنه بهم وحرصه على موافقتهم إنما تتجه هِمَّته إليهم، فيقرأ أفكارهم، وترتسم في مخيلته أحوالُهم.
فالكشف إذن تبعٌ للهوى، فغايته أن يؤيّد الهوى، ويرسِّخه في النفس، ويحول بين صاحبه وبين الاعتبار والاستبصار. فكأنّ الساعي في أن يحصل له الكشف، إنما يسعى في أن [2/ 243] يُضِلَّه الله عز وجل، ولا ريب أن من--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (1567) ــ واللفظ له ــ ومسلم (1242) من طريق شعبة عن أبي جمرة الضبعي، قال: تمتعتُ، فنهاني ناسٌ، فسألتُ ابن عباس رضي الله عنهما، فأمرني، فرأيتُ في المنام كأن رجلًا يقول لي: حج مبرور وعمرة متقبَّلة، فأخبرتُ ابن عباس، فقال: سنة النبي صلى الله عليه وسلم . فقال لي: أقِمْ عندي فأجعل لك سهمًا من مالي. قال شعبة: فقلتُ: لِمَ؟ فقال: للرؤيا التي رأيتُ.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 383)
التمس الهدى من غير السراط المستقيم مستحقٌّ أن يُضِلَّه الله عز وجل. وما يزعمه بعضُ غلاتهم من أن لهم علاماتٍ يميزون بها بين ما هو حق من الكشف وما هو باطل= دعوى فارغة، إلا ما تقدم عن أبي سليمان الداراني، وهو أن الحق ما شهد له الكتاب والسنة. لكن المقصود الشهادة الصريحة التي يفهمها أهل العلم من الكتاب والسنة بالطريق التي كان يفهمها بها السلف الصالح.
فأما ما عُرِف عن المتصوفة من تحريف النصوص بما هو أشنع وأفظع من تحريف الباطنية، فهذا لا يشهد لكشفهم، بل يشهد عليه أوضحَ شهادة بأنه من أبطل الباطل.
أولًا: لأن النصوص بدلالتها المعروفة حجة، فإذا شهدت ببطلان قولهم عُلِم أنه باطل.
ثانيًا: لأنهم يعترفون أن الكشف محتاجٌ إلى شهادة الشرع، فإن قبلوا من الكشف تأويل الشرع، فالكشف شهد لنفسه، فمن يشهد له على تأويله؟
وأما التحديث والإلهام، ففي "صحيح البخاري"(1) وغيره من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لقد كان فيما قبلكم من الأمم مُحَدَّثون، فإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر". وأخرجه مسلم(2) من حديث أبي سلمة عن عائشة، وفيه: "فإن يكن في أمتي منهم أحد، فإن عمر بن الخطاب منهم". وجاء في عدة روايات تفسيرُ التحديث بالإلهام.--------------------------------------------
(1) رقم (3689).
(2) رقم (2398).
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 384)
وهذه سيرة عمر بين أيدينا، لم يُعْرَف عنه ولا عن أحد من أئمة الصحابة وعلمائهم استدلالٌ بالتحديث والإلهام في القضايا الدينية، بل كان يَخْفى عليهم الحكمُ، فيَسألون عنه، فيخبرهم إنسان بخبر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فيصيرون إليه. وكانوا يقولون القول، فيخبرهم إنسان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخلافه، فيرجعون إليه.
وأما الفراسة، فإن المتفرِّس يمكنه أن يشرح لغيره تلك الدلائل التي تنبَّه لها، فإذا شرحها عُرِفت، فإن كانت مما يُعتدُّ به عُمِل بها لا بالفراسة.
[2/ 244] فصل
مهما يكن في المأخذَين الخَلَفيين من الوهن، فإننا لا نمنع أن يُسْتند إليهما فيما ليس من الدين ولا يدفعه الدين، بل لا ندفع أن يكون فيهما ما يوصل في كثير من ذلك إلى اليقين، فإن الشرع لم يتكفَّل ببيان ما ليس من الدين.
وكذلك لا نرى كبيرَ حرجٍ في الاستئناس بما يوافق المأخذَين السلفيين بعد الاعتراف بأنهما كافيان شافيان، إذ لا يلزم من كفايتهما أن لا يبقى في غيرهما ما يمكن أن يُسْتَدل به على الحق، وإنما الممنوع الباطل هو زعم أنهما غير وافيينِ ببيان الحق في الدين.
ولم يقتصر المتعمّقون على هذا الزعم الباطل، بل صاروا إلى عزلهما عن بيان الحق في العقائد البتة، حتى آل بهم الضلال إلى نِسْبة الكذب إلى الرسل عليهم الصلاة والسلام، بل إلى رب العالمين سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 385)
[2/ 245] الباب الثاني
في تنزيه الله ورسله عن الكذب
المتعمّقون يردُّون كثيرًا من نصوص الكتاب والسنة في العقائد. فمنهم من ردَّها مع تصريحه بأن كثيرًا منها لا يَحمِلُ إلا المعاني التي يزعم أنها باطلة، ويزعم أن الشرع إنما أتى بها مجاراةً لعقول الجمهور ليمكن انقيادهم للشرع العملي.
ومنهم من زعم أنها غير صالحة للحجة في العقائد مطلقًا، زاعمًا أن ظهورَها في معنى اعتقادي، أو صراحتَها فيه، أو مبالغَتها في تأكيده= كلُّ ذلك لا يمكن أن يُعلم به أن ذاك المعنى هو مراد المتكلم، لدلالة النظر العقلي المتعمَّق فيه أو الكشف التصوفي على بطلان كثير من تلك المعاني في زعمه، واحتمال مثل ذلك في الباقي.
ومنهم من لم يصرِّح بما مضى، ولكنه قدَّم غيرَها عليها، وتعسَّف في تأويلها تعسُّفًا مُخرِجًا عن قانون الكلام، أو اقتصر ــ مع زعمه أن المعاني المفهومة منها باطلة ــ على زعم أن لها معاني أخرى صحيحة لا حاجة إلى معرفتها.
فتحصَّل من كلامهم حملُهم لتلك النصوص على الكذب. أما القول الأول فواضح، وأما الثاني فقريب منه كما يأتي، وأما الثالث فيلزمه ذلك.
* * * *
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 386)
تنزيه الله تبارك وتعالى عن الكذب
مما عُلِم من الدين بالضرورة، وشهدت به الفِطَر السليمة والعقول المستقيمة أن من المحال الممتنع أن يقع كذبٌ من رب العالمين. وكيف يُتصوَّر وقوعه منه، وهو عالم الغيب والشهادة، القادر على كل شيء، الغني عن كل شيء، الحكيم الحميد الذي له الحمد كله؟ وإنما تخبَّط في ذلك متأخرو الأشعرية. وكأن المُوقِعَ لهم في التخبط ما ألزمهم به المعتزلةُ في مسألة القدر. [2/ 246] والخوضُ في القدر أمُّ كلِّ بلية، ولأمرٍ ما ورد في الشرع النهيُ عن ذلك، وشدَّد فيه السلف.
وإيضاح هذا أن الأشعرية لما صار قولهم إلى أن العباد مجبورون على أفعالهم قال لهم المعتزلة: كيف يُجبِر الله تعالى خلقه على الكفر والفجور ثم يعاقبهم عليه، وهذا قبيح ومفسدة، والله تعالى منزَّه عن القبائح، وأفعاله مبنية على المصالح. فاضطرب الأشعرية في هذا، ثم لم يجدوا محيصًا إلا أن يجحدوا هذين الأصلين، فقالوا: الأفعال كلها سواء عند العقل لا يُدرِك منها حُسنًا ولا قبحًا، والله عز وجل لا يفعل لشيء، ولا لأجل شيء، إنما يفعل ما يريده، وإرادته لا تُعلَّل بشيء البتة. فقال المعتزلة: فيلزمكم أن يجوز عقلًا أن يكذب الله تعالى، فحاول بعض الأشعرية التملُّصَ من هذا الإلزام بوجهين:
الأول: أن الكذب نقص، والله سبحانه منزَّه عن النقص.
الثاني: أنه لو جاز لكان قديمًا، وما ثبت قِدَمُه استحال عَدَمُه، فيمتنع الصدق.
فلم ير بقية الأشعرية هذين الوجهين شيئًا.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 387)
أما الأول، فلأنه لم يقم برهان عندهم ــ زعموا ــ على براءته تعالى من النقص، ومن قال منهم بالبراءة، إنما يقول به في الصفات لا في الأفعال، فأما النقص في الأفعال فهو القبح العقلي الذي ينكرونه.
وأما الثاني، فلأنه لو تمَّ فإنه يختص بما يسمُّونه الكلام النفسي، والنزاع إنما هو في الكلام اللفظي.
فصار الأشعرية إلى التزام أنه يجوز عقلًا أن يقع الكذب من الله تبارك وتعالى. ثم حاولوا القول بأنه وإن جاز عقلًا فلا يقع، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبر بأن كلام الله تعالى كله صدق.
فقالت المعتزلة: إنما ثبتت نبوة النبي بإخبار الله عز وجل بأنه صادق، وذلك بإظهار المعجزة على يده إظهارًا مستلزمًا لذاك الإخبار؛ إذ هو بمنزلة أن يقول تعالى: صدَق في دعواه أنني أرسلته. قالوا: فإن كان العقل يجوِّز وقوعَ الكذب من الله تعالى جاز أن يكون هذا الخبر كذبًا، فلا يكون مدعي النبوة نبيًّا، فتجويزكم عقلًا أن يقع الكذب من الله تعالى [2/ 247] يلزمه أن لا تثبت نبوة محمد، فكيف يكون لكم أن تحتجوا على نفي وقوعه بخبره؟
أجاب الأشعرية بأن دلالة المعجزة على صدق مدعي النبوة عادية، وذلك أن الله تعالى أجرى العادة بخلق العلم بالصدق عقبها، قالوا(1): "فإن إظهار المعجز على يد الكاذب، وإن كان ممكنًا عقلًا، فمعلوم انتفاؤه عادة".
قال العضد(2): "وقد ضربوا لهذا مثلًا قالوا: إذا ادعى الرجل بمشهد--------------------------------------------
(1) انظر "المواقف" (ص 341).
(2) المصدر نفسه.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 388)
الجمِّ الغفير أني رسول هذا الملك إليكم، ثم قال للملك: إن كنتُ صادقًا فخالِفْ عادتك، وقم من الموضع المعتاد لك من السرير، واقعد بمكان لا تعتاده، ففعل= كان ذلك بمنزلة التصديق بصريح مقاله، ولم يشكَّ أحد في صدقه بقرينة الحال، وليس هذا من باب قياس الغائب على الشاهد، بل ندعي في إفادته العلم بالضرورة العادية، ونذكر هذا للتفهيم".
أقول: الذين شاهدوا المعجزات لم يوقنوا جميعًا، بل بقي كثيرون منهم مرتابين. وفي القرآن نصوص كثيرة تصرِّح بذلك، وهذا يدفع أن يكون الله عز وجل أجرى العادة بخلق العلم بالصدق عقب المعجزة.
فإن قيل: الذين بَقُوا مرتابين إنما ارتابوا لعدم علمهم بأن ذلك فعل الله عز وجل، بل جوَّزوا السحر.
قلت: فإذا لم يقع العلم بالصدق إلا لمن علم أن ذلك فعلُ الله عز وجل، فهذا نظير المثال الذي ذكروه. فلو فرضنا فيه أن ذلك الجم الغفير كانوا يعتقدون أن الملك لا يبالي أصدق أم كذب، ولا أَفَعَل ما تقتضيه الحكمة أم ما تأباه= لم يحصل لهم بقيامه وقعوده أدنى ظن، فضلًا عن الظن الغالب، فضلًا عن العلم. فأما إذا كانوا يعتقدون أنه لا يفعل شيئًا لأجل شيء، فالأمر أشدُّ. فثبت أن الذين يعلمون أن المعجزة من فعل الله عز وجل إنما يصدِّقون لاعتقادهم أن الله تعالى منزَّه عن أن يقع منه كذب أو فعل مناقض للحكمة، وهذا الاعتقاد هو مقتضى الفطر الزكية والعقول النقية، وهو اعتقاد كلِّ من يؤمن حق الإيمان بوجود الله تعالى وكمال علمه وقدرته حتى من الأشاعرة أنفسهم، يعتقدون ذلك بمقتضى فطرهم، وإن أنكروه بألسنتهم.
* * * *
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 389)
[2/ 248] تنزيه الأنبياء عن الكذب
من المعلوم من الدين بالضرورة أن الأنبياء صادقون في كل ما أخبروا به عن الله عز وجل، وأن من كذّب نبيًّا في خبر من ذلك فقد كفر. ومعلوم أن جميع ما أخبر به الأنبياء في شؤون الدين فهو إخبار عن الله عز وجل، وهذا من الوضوح عند المسلمين بحيث يستغني عن إيراد حججه.
فإن قيل: قد جوَّز بعضُ الناس أن يقول النبي في الدين باجتهاده، ومن هؤلاء من جوَّز أن يخطئ النبي، لكنه إن أخطأ نبَّهه الله عز وجل فورًا. ولعل مَن يجيز مِن هؤلاء تأخير البيان إلى وقت الحاجة يجيز تأخير التنبيه إلى وقت الحاجة.
قلت: إن جاز الخطأ، فإنما يخبر النبيُّ بأنه يظن، ومن قال: أظن كذا، إنما أخبر بأنه يظن، فإذا كان يظن ما ذكر فقد صدق. فإن بان خطأُ ظنه لم يُقَلْ له: كذبتَ، وإن قيل: كذب ظنك. فأما الأمور الدنيوية، فخبر الأنبياء عنها إن تضمن خبرًا عن الله عز وجل فكالأمور الدينية، وإلا فالمعروف بين أهل العلم من المسلمين أن الأنبياء معصومون عن تعمُّد الكذب فيها.
وأُورِد على ذلك كلمات إبراهيم عليه السلام. وفي "الصحيحين"(1) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات … "، فذكر تلك الكلمات. وفي "مسند أحمد"(2) من حديث ابن عباس نحوه. وفي "الصحيحين"(3) من حديث أنس مرفوعًا ذكر فزع الناس إلى الأنبياء--------------------------------------------
(1) البخاري (3357، 3358) ومسلم (2371).
(2) رقم (2546، 2692). وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان ضعيف.
(3) البخاري (7510) ومسلم (193/ 322).
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 390)
يوم القيامة يسألونهم الشفاعة، فيأتون آدم، فنوحًا، فإبراهيم، فموسى؛ فيعتذر كلٌّ من هؤلاء بتقصيرٍ كان منه في الدنيا. فيذكر آدم أكله من الشجرة، وموسى قتله النفس. وفيه في ذكر إبراهيم: "فيقول: لستُ هناكم. ويذكر خطيئته". زاد مسلم: "التي أصابَ فيستحيي ربَّه منها". وفي رواية للبخاري(1) في كتاب التوحيد: "فيقول: لست هناكم. ويذكر خطاياه التي أصابها". وفي أخرى(2): "ويذكر ثلاث كذبات كذبهن". وفي "الصحيحين"(3) من حديث أبي هريرة مرفوعًا، وفيه مِنْ قول إبراهيم في عذره: "إن ربي قد غضب اليوم … وإني قد كنت كذبتُ ثلاثَ كذبات" لفظ البخاري في تفسير سورة (الإسراء)، ولفظ مسلم: "إن ربي قد غضب اليوم … ، وذكر كذباته". وقد جاء [2/ 249] الحديث من رواية جماعة آخرين من الصحابة.
فإطلاق الخليلين إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام على تلك الكلمات "كذبات" يدفع أن تكون من المعاريض التي لا رائحة للكذب فيها. ويؤكده أن نبينا كان شديد التوقير لأبيه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام. صح عنه أنه قال: "نحن أولى بالشك من إبراهيم … "(4). وقال له رجل: يا خير البرية، فقال: "ذاك إبراهيم"(5). فكيف يُظَنُّ به أن يقول: "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات" وهو يعلم أنها ليست من الكذب في شيء، مع أنه تحرَّى--------------------------------------------
(1) رقم (7410).
(2) رقم (7440).
(3) البخاري (4712) ومسلم (194).
(4) أخرجه البخاري (4537) ومسلم (151) من حديث أبي هريرة.
(5) أخرجه مسلم (2369) من حديث أنس بن مالك.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 391)
في هذا الحديث الثناء على إبراهيم؟ فبيَّن أنه لم يقع منه كذب إلا تلك الثلاث، ثم قال: "ثنتين منهن في ذات الله عز وجل: قوله: {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 89] وقوله: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء: 63]، وقال: بينا هو ذات يوم وسارة (يعني امرأته) إذ أتى على جبَّار من الجبابرة … ".
فإن قيل: قد يكون الكلام من تأكيد المدح بما يشبه الذم، كقول النابغة(1):
ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهم … بهن فلولٌ من قِراع الكتائب
قلت: إنما يحسن مثل هذا حيث يكون المستثنى واضح الخروج من المستثنى منه، وليس الأمر هاهنا كذلك. وقد سمَّاها في الحديث الآخر "خطايا"، ونظَمها في سلك أكلِ آدم من الشجرة وقتلِ موسى للنفس. وحكَمَ إبراهيم بأنها تقصر به عن مقام الشفاعة، وتقتضي(2) استحياءَه من ربه لأجلها. وبالجملة فالجواب عن تلك الكلمات بأنها ليست بكذب كما ترى.
وثَمَّ جوابٌ آخر، وهو أن تلك الكلمات وقعت من إبراهيم عليه السلام قبل نبوته، كما أن قتل موسى للنفس كذلك، فقد قصَّ الله تعالى عنه أنه ذُكّر بتلك الفعلة فقال: {فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء: 20 - 21].
وقريب من ذلك حال آدم، فإنَّ أكلَه من الشجرة كان في الجنة قبل النبوة المعتادة.--------------------------------------------
(1) "ديوانه" (ص 44).
(2) ط: "وتتقضى". ولعله خطأ مطبعي.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 392)
وقد قال الله تعالى في القصة التي ذكر فيها قول إبراهيم: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء: 63]. وهي إحدى الكلمات: {قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء: 59 - 63].
[2/ 250] والكلمة الثانية وهي قوله: {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 89]، كانت قبل ذلك.
فأما الثالثة، وهي قوله: "هي أختي"، فالظاهر ــ والله أعلم ــ أنها بعد ذلك، لكن في سياق القصة ما قد يُشعر بأنها كانت قبل النبوة.
فإطلاقهم عليه "فتى" ظاهر في أنه يومئذ لم يبلغ أربعين سنة، فإن الفتى هو الشاب الحدث كما في "المصباح"(1)، وقد صرَّح كثير من أهل العلم أن الأنبياء إنما نُبِّئوا بعد بلوغ كلٍّ منهم أربعين سنة، كما وقع لنبينا عليه الصلاة والسلام. وجزم به القاضي أبو بكر ابن العربي وآخرون، وتأولوا ما في قصتي يحيى وعيسى، وقال قوم: إن ذلك هو الغالب.
فإن قيل: فإن اثنتين من تلك الكلمات وقعتا في صدد دعوته قومه إلى التوحيد، والثالثة يظهر أنها بعد ذلك، فكيف يدعو قبل النبوة؟
قلت: قد كان هداه الله تعالى من صباه بتوجيه نظره إلى الآيات الكونية، قال الله عز وجل: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} ثم ذكر القمر والشمس: {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا--------------------------------------------
(1) "المصباح المنير" (ص 462).
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 393)
رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ … } [الأنعام: 75 - 80]. فكان يُحاجُّ قومَه بما هداه الله إليه بنظره.
فإن قيل: لو كانت تلك الثلاث قبل النبوة لذكر معها قوله: هذا ربي، فإن هذه أشدّ.
قلت: قد ذُكِر في بعض الروايات، لكن قيل: إنه خطأ من الراوي(1). وعلى هذا فقد يقال: إنما لم تذكر تلك الكلمة لأنها كانت في الطفولة فيما قاله بعض أهل العلم، وتلك الثلاث كانت بعد البلوغ. وفي هذا نظر، فإن قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذباتٍ" يعمُّ الطفولة.
وقد يقال: إنما لم يذكرها لأن إبراهيم لم يُرِد بها الإخبار، وإنما أراد الاستفهام الإنكاري. وهذا القول حكاه ابن جرير عن بعض أهل النظر، وردَّه(2). وروى عن ابن عباس(3) ما ينص على أن الكلام على الإخبار، وأن إبراهيم فعل ما يوافق ذلك، ولم يذكر عن أحد من السلف خلافه. ومع هذا فمن مال إلى هذا التأويل من أهل النظر [2/ 251] وجَّهوه بأن إبراهيم أراد في نفسه الاستفهام، وأراد في الظاهر إيهام قومه أنه موافق لهم ليكون ذلك--------------------------------------------
(1) راجع "الفتح" (6/ 391).
(2) انظر "تفسير الطبري" (9/ 360، 361) ط. دار هجر.
(3) المصدر السابق (9/ 356) و"تفسير ابن أبي حاتم" (4/ 1328، 1329) من طريق علي بن أبي طلحة عنه.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 394)