المبحث الثاني: موالاة الكفار في العلاقات الاجتماعية
وتحت ذلك أربعة فروع هي:
1 - الفرع الأول: السلام على الكفار والزيارة لهم.
2 - الفرع الثاني: تهنئة الكفار والثناء عليهم.
3 - الفرع الثالث: تشييع موتى الكفار وتعزيتهم في ذلك.
4 - الفرع الرابع: الزواج بالنساء الكافرات وتزويجهم المسلمات.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 723)
الفرع الأول: السلام على الكفار والزيارة لهم
عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تبدؤا اليهود والنصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه» (1).
وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم» متفق عليه (2). وعن أسامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين -عبدة الأوثان واليهود- فسلم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم متفق عليه (3).
وقد اختلف العلماء في رد السلام على الكفار وابتدائهم به فمذهب الشافعية - تحريم ابتدائهم بالسلام وهو قول أكثر العلماء ومذهب السلف.--------------------------------------------
(1) رواه مسلم. انظر صحيح مسلم ج4 ص1707.
(2) رواه البخاري ومسلم. انظر نزهة المتقين شرح رياض الصالحين ج1 ص670.
(3) متفق عليه. المصدر السابق نفس المكان.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 725)
وذهبت طائفة إلى جواز ابتداء الكفار بالسلام روي ذلك عن ابن عباس وأبي أمامة (1) وابن أبي محيريز (2) وهو قول بعض الشافعية ونقل عن الماوردي (3)، وقد احتج هؤلاء بعموم الأحاديث الدالة على إفشاء السلام.
ورد عليهم القائلون بالمنع من الابتداء بالسلام على الكفار بأن أحاديث الأمر بالسلام عامة قد ورد ما يخصصها.
وقد قال بعض الشافعية بأن ابتداء الكفار بالسلام مكروه لا محرم وقد ضعف النووي هذا القول.
ونقل عن القاضي وجماعة من أهل العلم أنه يجوز ابتداؤهم بالسلام للضرورة والحاجة، نقل ذلك أيضًا عن علقمة (4) والنخعي. وذكر أن الأوزاعي يقول: إن سلمت فقد سلم الصالحون وإن تركت فقد ترك الصالحون.--------------------------------------------
(1) يوجد خمسة من الصحابة يكنون بهذه الكنية ولم أتميز أيهم. انظر أسد الغابة في معرفة الصحابة/ ابن الأثير ج5 ص138 - 139.
(2) هو عبد الله بن محيريز بن جنادة بن عبيد القرشي الجمحي الملكي، نزيل بيت المقدس تابعي جليل روى عن عدد من الصحابة ووثقه غير واحد. وأثنى عليه جماعة من الأئمة وهو ثقة من رجال الشيخين كان يختم القرآن كل جمعة توفي رحمه الله سنة تسع وتسعين من الهجرة.
انظر البداية والنهاية لابن كثير ج9 ص185 - 186.
(3) هو علي بن محمد بن حبيب البصري المعروف بالماوردي (أبو الحسن) فقيه، أصولي، مفسر، أديب، سياسي، درس بالبصرة وبغداد وولي القضاء ببلدان كثيرة، وبلغ منزلة عند ملوك بني بويه، ولد سنة (364هـ) وتوفي ببغداد سنة (450هـ) من تصانيفه الحاوي الكبير في فروع الفقه الشافعي في مجلدات كثيرة، تفسير القرآن الكريم، أدب الدين والدنيا، الأحكام السلطانية انظر معجم المؤلفين ج7 ص189.
(4) هو علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك النخعي الهمداني، أبو شبل: تابعي، جليل، كان فقيه العراق، يشبه ابن مسعود في هديه وسمعته وفضله، ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وروى الحديث عن الصحابة، ورواه عنه كثيرون وشهد صفين، وغزا خراسان، وأقام بخوارزم سنتين، وبمرور مدة، وسكن الكوفة وتوفي بها سنة (62هـ). انظر البداية والنهاية ج8 ص217.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 726)
وأما مسألة الرد عليهم إذا ابتدؤا بالسلام على المسلم فقال الشافعية يجب الرد عليهم بأن يقول وعليكم أو عليكم فقط كما ذكر في الحديث الصحيح.
وروى ابن وهب (1) وأشهب عن مالك أنه قال: لا يرد عليهم السلام، وذكر عن الماوردي أنه يرد عليهم وعليكم السلام ولكن لا يقول و (رحمة الله) وهو ضعيف لمعارضته نص الحديث الصحيح.
والراجح من ذلك أن الرد عليهم بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «وعليكم» عند الشك وعدم تحقيق السامع من نطق السلام، أما إذا نطق الكافر بقول: السلام عليكم، فإن الذي تقتضيه الأدلة الشرعية أن يقال له: وعليك السلام، فإن هذا من باب العدل، والله يأمر بالعدل والإحسان وقد قال تعالى: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) (2) والأمر بالاقتصار على قول الراد (وعليكم) بناء على السبب الذي كانوا يعتمدونه في تحيتهم من الدعاء قال تعالى: (وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ) (3).
أما السلام على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين فجائز الابتداء به كما تقدم في الحديث، وذلك من عظيم خلقه وكمال حلمه صلى الله عليه وسلم وحثه على الرفق والصبر والحلم وملاطفة الناس، ما لم تدع حاجة ماسة إلى المخاشنة والغلظة معهم وإظهار البغض لهم (4).--------------------------------------------
(1) هو عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي بالولاء المصري المالكي (أبو محمد) فقيه، مفسر، محدث، مقرئ، ولد بمصر في ذي القعدة سنة (115هـ) وروى عن عدد من العلماء، وصحب الإمام مالك بن أنس عشرين سنة وتوفي بمصر لخمس بقين من شبعان سنة (197هـ) من تصانيفه: الجامع في الحديث، أهوال يوم القيامة، الموطأ الصغير، الموطأ الكبير، تفسير القرآن الكريم. انظر معجم المؤلفين/ ج6 ص162.
(2) سورة النساء آية (86).
(3) سورة المجادلة آية (8).
(4) انظر فيما تقدم: صحيح مسلم بشرح النووي ج14 ص144 - 145.
وانظر أحكام أهل الذمة - ابن قيم الجوزية ص191 - 193.
وانظر المغني والشرح الكبير ج10 ص625 - 626.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 727)
وموضوع السلام الذي تقدم ذكره هو السلام بين مسلم وكافر يعرف العربية والرد بها.
ولكن ما حكم العمل مع أولئك الذين لا يعرفون لغة العرب في بدئهم بالسلام أو الرد عليهم، أو بدئهم بتحيتهم التي تختلف عن السلام لفظًا ومعنى، أو الرد عليهم إذا حيوا بتلك التحية التي لا تحمل معنى السلام؟
والذي أراه في هذه المسألة هو ترك ابتداء هؤلاء بالسلام وإذا حيوا بتحية جاز رد مثلها عليهم.
ويرى البعض استحباب هجر الكافر ونحوه إذا كان مظهرًا لعادات الكفر متلبسًا بأفعال الكفار بين المسلمين ودليلهم في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم وفد عليه وفد من نجران هم شرحبيل بن وداعة الهمداني وعبد الله بن شرحبيل الأصبحي، وجبار بن فيض الحارثي، وذلك أنهم عندما وصلوا إلى المدينة وضعوا ثيابهم التي كانت عليهم في السفر، ولبسوا حللاً لهم وخواتيم الذهب ثم انطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه فلم يرد عليهم، وتعرضوا لكلامه نهارًا طويلاً فلم يكلمهم وعليهم تلك الحلل وخواتيم الذهب فانطلقوا يتبعون عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما وكانا معرفة لهما، فوجداهما في ناس من المهاجرين والأنصار في مجلس فقالوا: يا عثمان ويا عبد الرحمن! إن نبيكم كتب إلينا كتابًا فأقبلنا مجيبيين له فأتيناه فسلمنا عليه فلم يرد سلامنا، وتصدينا لكلامه نهارًا طويلاً فأعيانا أن يكلمنا، فما الرأي منكم؟ أترون أن نرجع؟
فقالا لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو في القوم -ما ترى
يا أبا الحسن: في هؤلاء القوم؟ فقال علي لعثمان وعبد الرحمن: أرى أن
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 728)
يضعوا حللهم هذه وخواتيهم هذه ويلبسوا ثياب السفر ويعودوا إليه
- ففعلوا فسلموا عليه فرد عليهم النبي صلى الله عليه وسلم السلام. ثم قال: «والذي بعثني بالحق لقد أتوني المرة الأولى وإن إبليس لمعهم» (1).
فما ظنك بمن يرفع أعلام الكفر وشعاراته التي تتعارض مع صريح القرآن كرفع الصليب ونحوه عند قدوم الكفار، أو من يستقبل الكفار وأِشباه الكفار الذي تقطر أيديهم من دماء المسلمين الأبرياء الذين لا ذنب لهم سوى أن يقولوا ربنا الله.
لقد أصبحت معانقة الكفار والبشاشة في وجوهم أمرًا مألوفًا عند كثير من قادة البلاد الإسلامية وعامتها بل لقد وصل الأمر عند البعض إلى أن يبادل زوجته مع زوجة ضيفه الكافر لتصاحبه وتداعبه كما حصل من زوجة السادات (جيهان) التي قبلت (بيغن) وعانقته، وقبله عانقت كارتر وراقصته ومن بعدهما كيسنجر وآخرهم الأمير تشارلز؟ (2).
إن معانقة الكفار عامة، ونسائهم خاصة أمر لا يقره الإسلام فقد روت عائشة رضي الله عنها حيث قالت: «والله ما مست يده -تعني رسول
الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط في المبايعة، ما بايعهن إلا بقوله قد بايعتك على ذلك» (3).
أما مسألة زيارة الكفار وعيادتهم إذا مرضوا، فإن مما لا شك فيه أن--------------------------------------------
(1) روى ذلك الحافظ بن كثير عن الحافظ أبي بكر البيهقي عن أبي عبد الله الحافظ وأبي سعيد بن محمد بن موسى بن الفضيل قالا حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا أحمد بن عبد الجبار حدثنا يونس بن بكير عن سلمة بن يسوع عن أبيه عن جده- قال يونس. وكان نصرانيًا فأسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم … الحديث.
انظر البداية والنهاية لابن كثير ج5 ص54 وقد رجعت إلى السنن الكبرى للبيهقي فلم أعثر لهذا النص على ذكر.
(2) انظر مجلة المجتمع الكويتية عدد 542 السنة الحادية عشرة في 9/ 11/401هـ، ص3.
(3) أخرجه البخاري. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ج2، ص52 - 56، رقم الحديث (529 - 530).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 729)
الأعمال مرتبطة بالنيات - روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى … » الحديث (1). فزيارة المسلم للكافر تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: زيارة القريب أو الجار أو الصاحب الكافر من قبل المسلم وهذه قد تكون مستحبة، إذا زاره ليعرض عليه الإسلام ويرغبه في الدخول فيه، وخاصة إذا رأى أن في زيارته له فرصة أن يقبل منه الدعوة إلى الدخول في دين الله، كما حصل من رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما زار الغلام اليهودي وهو مريض وعرض عليه الإسلام فأسلم (2).
وفي الصحيحين عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه أن أباه أخبره فقال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه النبي صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي طالب «أي عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله» فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه، ويعودان بتلك المقالة، حتى قال آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب (3).
القسم الثاني: الزيارة المباحة: وهي الزيارة لقوم من المشركين لم يقصد بها الدعوة، ولم يقصد بها الطمع في شيء مما هم مختصون به وإنما صلة للقرابة ونحو ذلك حيث قال المروذي (4): بلغني أن أبا عبد الله (أحمد--------------------------------------------
(1) رواه البخاري ومسلم. انظر جامع العلوم والحكم/ عبد الرحمن بن شهاب الدين الحنبلي ص5.
(2) انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري ج3 ص219. وج10ص119.
(3) رواه البخاري ومسلم. انظر أحكام أهل الذمة ج1 ص201، وانظر المغني والشرح الكبير ج10، ص617.
(4) لعله أبو بكر المروذي المتوفي سنة (257هـ) وهو غير المروزي. انظر أحكام أهل الذمة ج1 ص200.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 730)
بن حنبل) سُئِلَ عن رجل له قرابة نصراني: هل يعوده؟ قال نعم. قيل له نصراني! قال أرجو ألا تضيق العيادة (1).
وروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه كان يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عاد رجلاً على غير دين الإسلام لم يجلس عنده وقال: كيف أنت يا يهودي، يا نصراني (2)؟.
القسم الثالث: وهي الزيارة المحرمة التي تدل على موالاة الكفار وهي الزيارة التي لا يقصد بها عمل خير في سبيل الله، وإنما يقصد بها الانبساط معهم والسرور لمشاهدة منكراتهم، والتعاون معهم في ذلك، قال جعفر بن محمد سئل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله عن الرجل يعود شريكًا له يهوديًا أو نصرانيًا؟ قال: لا ولا كرامة (3).
فالذي يختار صحبة الكفار ويأنس بهم بدلاً من المؤمنين ويفرح بالجلوس معهم ويفتخر به عند الناس لا شك أن هذا الفعل دليل على المحبة والمودة لهم ولأفعالهم وأقوالهم، وهذه هي الموالاة المنهي عنها فقد ورد في الحديث «الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» (4)، وحديث: «المرء مع من أحب» (5). فليحذر المسلم من الوقوع فيما حرم الله من حيث يشعر أو لا يشعر.--------------------------------------------
(1) انظر أحكام أهل الذمة ج1 ص200.
(2) المصدر السابق ج1 ص202.
(3) المصدر السابق ج1 ص201.
(4) رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح، وقال الترمذي حديث حسن، انظر نزهة المتقين شرح رياض الصالحين ج1 ص341 وصححه النووي. انظر تحفة الأخوان بما جاء في الموالاة والمعاداة والحب والبغض والهجران، حمود التويجري ص25 وقد ضعف الألباني هذا الحديث. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ج2 ص633 رقم الحديث 927.
(5) رواه مسلم. انظر صحيح مسلم ج4 ص2270.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 731)
الفرع الثاني: تهنئة الكفار والثناء عليهم
إن الكفار يمكن تقسيمهم من حيث موقفهم من أهل الإسلام إلى قسمين:
(أ) كفار محاربون.
(ب) كفار مسلمون.
فالكفار المحاربون لله ورسوله والمؤمنين لا تجوز تهنئتهم سواء كانوا أفرادًا أو حكومات وسواء كانوا محاربين حربًا عسكرية أم حربًا فكرية وأخلاقية، فلا يصح من المسلم أن يهنئ الفرد منهم بزواج أو ولد أو قدوم من سفر أو نجاح أو نحو ذلك، ما لم يضع في حسبانه أن يكون ذلك وسيلة من وسائل الدعوة له إلى الله، أما إذا لم يوجد منه هذا الشعور وهذه النية فعمله هذا موالاة للكفار يوجب الإثم والمؤاخذة على ذلك عند الله عز وجل الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
وتهنئة الأفراد أو الحكومات بالمناسبات التي يعظمها الكفار أمر محرم مثل أعيادهم التي يحتفلون بها كعيد الميلاد وعيد الفصح أو أعيادهم
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 732)
الوطنية، أو ذكرى إنجاز من إنجازاتهم التي يراد بها في حقيقة الأمر تدمير الإسلام والمسلمين (1).
والدليل على هذا التحريم هو أمر الله عز وجل لنا بالغلظة والشدة على الكفار قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (2) وقال تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) (3). وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (4).
أما أهل الذمة والمستأمنون في دار الإسلام أو الكفار المسالمون خارج دار الإسلام، فقد روي عن أحمد بن حنبل رحمه الله أنه أباح التهنئة مرة، ومنعها أخرى، وذلك مثل التهنئة بالزواج والولد والعودة من السفر والسلامة من المكروه، وهذا الأمر عند من قال إن التهنئة جائزة إذا أريد بها حسن المعاشرة والملاطفة تمهيدًا للدعوة إلى الإسلام.
أما رواية المنع عن أحمد ومن وافقه، فتحمل على من قصد مجرد التقرب إلى هؤلاء الكفار، بغير قصد الدعوة إلى الله ودعوة هؤلاء إلى الإسلام، ومن رأى إباحة التهنئة عند مصاحبة النية الحسنة لها، قيد الألفاظ التي تستعمل بالتهنئة، بأن تكون من الألفاظ المشتركة بيننا وبينهم، أما التهنئة بشعائر الكفر المختصة بهم. فهذا أمر محرم بالاتفاق (5). مثل تهنئتهم بعيد الميلاد ونحوه من أعياد الجاهلية، أو مثل التهنئة بمناسبة تأسيس الحزب الشيوعي أو البعثي أو الاشتراكي أو القومي أو الوطني أو غير ذلك--------------------------------------------
(1) انظر اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم ابن تيمية ص169.
(2) سورة التحريم آية (9).
(3) سورة الفتح آية (29).
(4) سورة التوبة آية (123).
(5) انظر أحكام أهل الذمة/ ابن قيم الجوزية ج1 ص205.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 733)
من أحزاب الكفر ومناسباتهم المتعددة (1)، كما أن هناك بدعة جديدة درج الناس على التهنئة بها من غير نظرة فاحصة إلى العدو السابق واللاحق وتلك هي ذكر جلاء الاستعمار عن بلد - ما - فتأتي التهاني من الأفراد والحكومات بهذه المناسبة مع أن المتسلط على الدار أخبث من الاستعمار! وشبيه بهذه المسألة ما يحصل من اتحاد مزيف بين نظامين كافرين فتأتي خطابات التهنئة والتأييد بالوحدة والاتحاد، وبعد أسابيع أو شهور تختلف الكلاب على فريستها، فتنفصل الوحدة، ويلغى الاتحاد فتنهال خطابات التأييد والاستحسان من نفس الذين أرسلوا الخطابات السابقة لينقضوا ما أبرموه بأنفسهم.
إن هذا النهج يسقط قيمة الشعوب ويسقط قيمة الأفراد والأمم التي لا تحترم مواقفها ولا تثبت عند رأي تراه أو قول تقوله.
إن الأفراد والشعوب التي تعطي ولاءها وتأييدها لمن يستحق ومن لا يستحق، إنما تبرهن بذلك على أنها تنطلق في ولائها من منطلق عشوائي بعيدًا عن العقل وتوجيهات الوحي الإلهي فالفرد أو الشعب الذي ينطلق في ولائه وعداوته من منهج أصيل يكون ثابتًا في مواقفه التي يتخذها فإن قال: نعم، لم يقل: لا، مهما كلفه ذلك من جهد وتضحية، وإن قال: لا، لم يقل: نعم. مهما ترتب على ذلك من تضحيات وتكاليف، لأنه لا يقول: لا، أو نعم، إلا بعد أن يستند إلى قاعدة شرعية تجعل موقفه ثابتًا لا يتغير.
أما أهل النفاق فهم الذين يتذبذبون ويتناقضون في ولائهم، لأن ولاءهم تحكمه المادة والمصلحة الخاصة، ولذلك فإن ولاءهم، ولاء مزيفًا--------------------------------------------
(1) مثال ذلك ما فعله الرئيس العراقي صدام حسين والرئيس الليبي معمر القذافي، حيث أرسل كل منهما رسالة تهنئة بمناسبة الذكرى الثالثة لتولي الشيوعي العميل لروسيا بابراك كارمال على أفغانستان.
انظر مجلة الإرشاد العدد (9) السنة الثالثة رمضان سنة (1401هـ) ص49 نقلاً عن امباكيت انترناشيونال (11/ 6/1981م).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 734)
يجب عدم الأخذ به أو الاعتماد عليه، فهو أول من يتملق الكفار ويطلب رضاهم.
وقد قال العلماء: من هنأ عبدًا بمعصية، أو بدعة، أو كفر، فقد تعرض لمقت الله وغضبه (1)، وهذا دليل على أنه لا يجوز مدح أعداء الله فقد روى ابن أبي الدنيا وأبو يعلى والبيهقي في شعب الإيمان عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا مُدِحَ الفاسق غَضِبَ الرب واهتز لذلك العرش» (2).
وروي عن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقولوا للمنافق سيدنا فإنه إن يك سيدكم فقد أسخطتم ربكم عز وجل» (3). فإذا كان مدح المنافق الذي يتظاهر بالإسلام، والذي قد تخفى حقيقة نفاقه على بعض المسلمين موجبًا لسخط الله. فما رأيك بمن يمدح الكفار الصرحاء الذين يعلنون الحرب على الله ورسوله والمؤمنين صباح مساء؟
لقد أمر الله المسلم أن يجتنب مناسبات الكفار وأعيادهم قال تعالى: (ولا يشهدون الزور) (4) وهذا أقل ما يفعله المسلم نحو الكفار، لأن الواجب على المسلم أن يدعو الكفار إلى الإسلام باللسان أو السنان، فإن لم يستطع فلا أقل من مجافات الكفار ومجانبتهم، فقد روى البيهقي بإسناد صحيح عن البخاري صاحب الصحيح عن … عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «اجتنبوا أعداء الله في عيدهم» (5) وعمر رضي الله عنه من--------------------------------------------
(1) انظر أحكام أهل الذمة ابن القيم الجوزية ج1 ص206.
(2) انظر تحفة الإخوان بما جاء في الموالاة والمعاداة والحب والبغض والهجران تأليف حمود بن عبد الله التويجري ص26.
(3) رواه أبو داود والنسائي والبخاري في الأدب المفرد وقال الألباني عنه إنه صحيح. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ج1 ص100، رقم الحديث (371).
(4) سورة الفرقان آية (72).
(5) انظر تحفة الإخوان بما جاء في الموالاة والمعاداة/ حمود التويجري ص21. وتعليقًا على هذا الحديث نقول: «إن بعض المنتمين إلى الإسلام بدأوا يتبنون أعياد الكفار ويحتفلون بها
مثل احتفالهم بعيد الفطر وعيد الأضحى إن لم يكن ذلك أشد، فقد سمعت إذاعة الكويت في نشرة أخبارها صباحًا في الساعة السادسة من يوم الجمعة 6/ 3/1402هـ الموافق 1/ 1/1982م يناير وهي ترفع أسمى آيات الشكر والتقدير والتهنئة السعيدة إلى مقام أميرها وحكومته وشعب الكويت والأمة العربية والإسلامية بمناسبة عيد رأس السنة الميلادية وتعلن عن منح الدولة أجازة رسمية لكافة العاملين بها من مسلمين ونصارى وبوذيين وغيرهم يوم السبت 7/ 3/1402هـ 12/ 1/1982م فهل الكويت دولة نصرانية أو دولة إسلامية؟ ولماذا يعدل النصارى بالمسلمين في الوقت الذي لا تتجاوز فيه نسبة النصارى في الكويت 4% حسب ما نشرته مجلة المجتمع الكويتية من واقع الإحصاءات الرسمية، في حين أن الدولة النصرانية لا تأبه للمسلمين ولا لأعيادهم رغم أن نسبة المسلمين في بعض البلاد النصرانية تصل أكثر من 26% كما هو الشأن في أثيوبيا حيث إن عدد المسلمين (6) مليون من أصل (22) مليون. فلماذا نكرمهم وهم يهينوننا. ونقدرهم وهم يسخرون منا؟ إن مثل هذه المعادلة، لا يشعر المسلم معها بالعزة والكرامة بل يشعر بالذلة والمهانة. انظر مجلة المجتمع عدد (553) في 26/ 2/1402هـ ص23 وانظر الموسوعة العربية الميسرة/ محمد شفيق غربال ج1 ص53 وص158. بشأن نسبة المسلمين والنصارى».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 735)
المؤمنين الذين أمرنا الله باتباع سبيلهم، فقد روي عن مالك بن أنس أنه قال، قال عمر بن عبد العزيز: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سنة، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله من عمل بها مهتد، ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى وصلاه جهنم وساءت مصيرًا (1).
وقد كثرت المخالفات في مثل هذا الأمر حتى أصبح كثير من المنتمين إلى الإسلام يطلقون لفظة الأخ والمجاهد والشهيد على كبراء المنافقين والكفار، في الوقت الذي كان فيه المسلمون الصادقون من أهل الورع والتقوى في سلف هذه الأمة يتجنبون تهنئة الظلمة بالولايات وتهنئة الجهال بمنصب القضاء والتدريس والإفتاء، تجنبًا لمقت الله، وخوفًا من عذابه وخشية من أن يدخلوا في باب الغش والتدليس على الناس، في مدح وتهنئة وتزكية من لا يستحق ذلك (2).--------------------------------------------
(1) إيقاظ همم أولي الأبصار/ صالح بن محمد بن نوح الفلاني ص65.
(2) انظر أحكام أهل الذمة/ ابن قيم الجوزية ج1 ص206.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 736)
أما إذا هنأ الرجل بعض أصحاب المناصب من المسلمين. خاصة الواقعين في بعض المعاصي مداراة لشرهم وخوفًا من سطوتهم، ولم يترتب على هذه التهنئة ضياع حق من حقوق أفراد الرعية، ولم تكن التهنئة دعمًا لباطل يريدون إقراره، أو حق يريدون إبطاله، فهي لا بأس بها، أما إن كانت لغير ذلك من الأمور المحرمة. فهي موالاة للباطل وأهله ومعاداة للحق وأصحابه، وقد يترتب عليها كفر فاعلها وقد تنزل إلى درجة التحريم (1). والله الهادي إلى سواء السبيل.--------------------------------------------
(1) انظر أحكام أهل الذمة/ ابن قيم الجوزية ج1 ص206.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 737)
الفرع الثالث: تشييع موتى الكفار وتعزيتهم في ذلك
الكفار من حيث موقفهم من الإسلام ينقسمون إلى قسمين:
كفار محاربون. وكفار مسالمون.
فالكفار المحاربون لله ورسوله والمؤمنين لا يجوز شهود جنائزهم ولا حضور مراسيم (1) تشييعهم إلى حفرهم الملتهبة بعسير النار وسوء القرار، ولا تجوز تعزيتهم على ذلك، لأن المحارب لله ورسوله والمؤمنين سواء مات على فراشه أو في المعركة ضد الإسلام والمسلمين فلا يختلف الحكم في حقه، ما دام يناصب المسلمين العداء لأجل إسلامهم، وفي موقف الرسول صلى الله عليه وسلم من قتلى المشركين في بدر منهج ونبراس في ذلك حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة رضي الله عنهم بجرهم إلى القليب كما تجر الميتة من الغنم -برغم صلة القرابة بين هؤلاء وبين معظم المسلمين- فلم يقم الرسول صلى الله عليه وسلم نحوهم بأي إجراء يستشعر منه الحزن والندم على هؤلاء الكفار--------------------------------------------
(1) جمع مرسوم وهو قانون ذو صبغة تشريعية لأمر (ما) المعجم الوسيط ج1 ص345.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 738)
ولم يأمر بدفنهم حسبما تعود عليه الكفار، أو يشاركهم في ذلك فقد عاش الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة والمدينة بعد البعثة ثلاثًا وعشرين سنة لم يذكر أهل الحديث والتاريخ أنه شيع جنازة كافر أو عزى أحدًا منهم في ذلك. ومن ذلك عمه أبو طالب لم يشيعه ولم يعز فيه عليًا رضي الله عنه (1).
أما أهل الذمة والعهد والمسالمون من الكفار فالأصل عدم جواز حضور موتاهم أو المشاركة في تشييعها والذهاب معها إلى كنيسة أو بيعة أو نحو ذلك كما لا يجوز حضور جنازة أحد من هؤلاء وقت دفنها والدليل على ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد نُهِي عن الصلاة على المنافقين في قوله تعالى: (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ) (2). فإذا كان الله عز وجل قد نهى عن الصلاة والقيام على جنائز المنافقين الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر فإن من يظهر الكفر علانية أولى بهذا الحكم، فكيف من يعلن كفره وحربه للإسلام والمسلمين، وقد ذكر الله عز وجل أن علة النهي عن الصلاة وشهود دفن الجنازة في قبرها هي الكفر وهي متوفرة في الكفار جميعًا محاربين ومسالمين ومنافقين.
وبناء على ذلك لا يجوز حضور جنائز الكفار مطلقًا وخاصة في موضعين:
1 - حضور أماكن الصلاة على الكفار في الكنائس والبيع وما في حكمها ويلحق بذلك ما إذا كان الميت كافرًا بالردة عن الإسلام أو منافقًا ظاهر النفاق، فإنه لا يصح للمسلم المتمسك بإسلامه الصلاة أو القيام على هؤلاء جميعًا.
2 - لا يجوز القيام على قبر الكافر وقت الدفن أيًا كان نوع كفره عملاً بنص--------------------------------------------
(1) انظر البداية والنهاية لابن كثير ج3 ص125 - 126.
(2) سورة التوبة آية (84).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 739)
الآية المتقدمة حيث تدل على النهي عن الصلاة والقيام على قبر الكافر ودلالة النصوص على ذلك قطعية الثبوت، قال تعالى: (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ) (1).
وقد يعترض على ذلك معترض فيقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن يواري أبا طالب في قبره عند وفاته بمكة والجواب أن مواراة علي لوالده، إن ثبتت يقينًا فهي منسوخة بهذه الآية حيث إن هذه الآية نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين بالمدينة (2)، والمتأخر ينسخ المتقدم كما هي القاعدة فلا إشكال في ذلك.
وقد ورد في بعض الآثار ما يدل على أنه يجوز للمسلم أن يحضر جنازة قريبه الكافر ويشيعها مع المشيعين بشروط ثلاثة:
الأول: أن يكون الكافر الميت قريبًا للمسلم قرابة مباشرة كأن يكون من آبائه أو أبنائه أو إخوانه أو نحو ذلك.
ثانيًا: أن لا يحضر الصلاة عليه، ولا يقوم على قبره أثناء الدفن.
ثالثًا: أن يسير أمام الجنازة بعيدًا عنها قليلاً وأن يقف بعيدًا عن القبر وإذا أرادوا الدفن رجع ويستحسن أن يكون راكبًا لما في ذلك من إظهار عزة المسلم واستعلائه على الكفار حسًا ومعنى.
والدليل على ذلك ما روي أن قيس بن شماس أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أمي توفيت وهي نصرانية، وهو يحب أن يحضرها فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «اركب دابتك، وسر أمامها، فإذا ركبت وكنت أمامها فلست معها» (3) وروي أيضًا أن الحارث بن أبي ربيعة شهد جنازة أمه وكان يقوم--------------------------------------------
(1) نفس الآية المتقدمة.
(2) انظر تفسير القرطبي ج8 ص221.
(3) انظر أحكام أهل الذمة ج1 ص203.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 740)
ناحية عن القبر (1). وقد سُئِلَ الإمام أحمد رحمه الله عن رجل مسلم يموت له قريب يهودي أو نصراني ماذا يفعل معه فقال: يركب دابته ويسير أمام الجنازة فلا يكون خلفها، فإذا أرادوا الدفن رجع (2).
ولا يجوز للمسلم أن يحثو التراب على قريبه الكافر عند مواراته إلا إذا لم يكن هناك من يقوم بهذا العمل من الكفار، وتلك الحالة من الضرورات التي تقدر بقدرها.
ولكن شتان بين ما هو كائن وما يجب أن يكون، لقد بدل معظم المسلمين نعمة الله كفرًا وأحلوا قومهم دار البوار، ولا نريد أن نستطرد في هذا الموضوع بذكر الأمثلة والنماذج فيكفي نموذج من تلك المهازل التي يندى لها الجبين، فقد آثار مرض (تيتو) اهتمام الإعلام العالمي كله بما فيه الإعلام الهزيل في بلاد المسلمين، وقد أطال الله مرضه عدة شهور وفي كل لحظة نسمع من وسائل الإعلام المختلفة تفصيلات دقيقة عن كل ساعة من ساعات احتضاره الطويلة حتى أهلكه الله، وبعد موته شيعه اليهود والنصارى والوثنيون ولا عجب في ذلك فإن الكفر ملة واحدة.
ولكن العجب أن يسارع أناس يحسبون على الإسلام فيشاركون في تشييع جثمان هذا الكافر المحارب لله ورسوله والمؤمنين، والذي أباد من المسلمين ما يربو على مليون مسلم في يوغسلافيا بعد توليه الأمر فيها وقد قام بإلقاء المسلمين رجالاً ونساء في "مفارم" اللحوم التي تصنع لحوم (البولوبيف) ليخرجوا من الناحية الأخرى عجينة من اللحم والعظام والدماء (3).
ولم يكتف بمحاربة المسلمين في يوغسلافيا بل عقد صداقات مع كثير--------------------------------------------
(1) المصدر السابق ج1 ص202.
(2) المصدر السابق نفس المكان.
(3) انظر العلاقات الدولية في الإسلام/ الدكتور/ كامل سلامة القدس ص164.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 741)
من الزعماء الخارجين على الإسلام، ليحارب الإسلام في بلاد المسلمين فقد كان صديقًا حميمًا لعبد الناصر (1). على مدى ربع قرن، ظهرت آثار تلك الصداقة بما منيت به مصر من محاربة للإسلام والمسلمين على يد عبد الناصر وخليفته السادات وجنودهما الخاطئين.
إننا لو قارنا بين موقف الدول التي تدعي الإسلام في اهتمامها بـ (تيتو) في مرضه و (بوتو) في محاكمته وقتله، والبابا في إصابته ومحاولة قتله، وبين موقفها من المسلمين عمومًا في سوريا وأفغانستان والفلبين ومصر وتونس وغيرها من البلاد الإسلامية التي يذبح فيها المسلمون بالآلاف وتكتظ بهم السجون ومع ذلك لا أحد يذكرهم أو يتحدث عنهم بوسائل الإعلام العالمية أو الإقليمية لأنهم مسلمون.
لقد قضى كثير من علماء الإسلام وقادة الفكر نحبهم أمثال سيد قطب وحسن الهضيبي وأبي الأعلى المودودي واعتقل نجم الدين أربكان مدة طويلة وشرد عصام العطار فلم يجد من يئويه سوى دولة كافرة هي ألمانيا الغربية، ومع ذلك لم يشر إليهم الإعلام الخارجي أو الإعلام التابع له في البلاد الإسلامية بما يستحقون من اهتمام وتقدير، في الوقت الذي يهتم فيه الإعلام المحسوب على الإسلام بأناس هم فحم من فحم جهنم.
لقد تجاوز الأمر تشييع الكفار حديثي العهد بالموت إلى زيارة رفات الكفار الذين ماتوا من آلاف ومئات السنين فكثير من الحكام المتسلطين على رقاب المسلمين يسرقون من قوت الضعفاء وكسائهم، ما يشترون به الورود والزهور، ليضعوها على قبر ماركس اليهودي وأخيه لينين، وماوتس تنغ وتيتو، والجندي المجهول في فرنسا وقبور العائلة المالكة في بريطانيا، ووثن--------------------------------------------
(1) انظر نافذة على الجحيم/ لمجموعة كتاب، وانظر البوابة السوداء/ لأحمد رائف، وانظر القابضون على الجمر - محمد أنور رياض، وانظر الفراعنة الصغار في هيلتون الناصرية/ جابر رزق.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 742)
اليهود أتاتورك في تركيا وغير هؤلاء من الأوثان، فهل هناك ولاء للكفار أشد من الموالاة لهم حتى بعد أن يصبحوا وقودًا لجهنم ورفاتًا بائدة في التراب.
أما مسألة التعزية للكفار:
فإن كان الكافر محاربًا لله ورسوله والمؤمنين فلا تجوز تعزيته مطلقًا ويؤخذ ذلك من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وفعل أصحابه.
أما إذا كان الكافر ذميًا أو مستأمنًا أو مسالمًا، فقد توقف فيها كثير من العلماء عندما سئلوا عن ذلك وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله سُئِلَ أكثر من مرة فقال: لا أدري.
وقد روي عن هريم (1) قال: سمعت الأجلح (2) عزى نصرانيًا فقال: عليك بتقوى الله والصبر (3)، وقال حرب: قلت لأبي إسحاق: فكيف يعزي المسلم المشرك؟ قال: يقول أكثر الله مالك وولدك.
وأما تعزية الكافر للمسلم فلم يرد بها ما يدل على منعها ولم يرد صيغة معينة للرد، فقد سُئِلَ الإمام أحمد سأله عباس بن محمد الدوري. قال: قلت لأبي عبد الله: اليهودي والنصراني يعزيانني، أي شيء أرده عليهما؟ فأطرق ساعة ثم قال: ما أحفظ فيه شيئًا (4).
وقال أبو سيف: بلغنا أن رجلاً نصرانيًا كان يأتي الحسن البصري
ويغشى مجلسه، فمات، فسار الحسن إلى أخيه ليعزيه فقال له: «أثابك الله--------------------------------------------
(1) هو هريم بن سفيان التتجلي، وهو ممن روى عنه إسحاق السلولي.
انظر أحكام أهل الذمة - ج1 ص204.
(2) في الأصل (الأشح) بالحاء المهملة. واسمه عبد الله بن سعيد توفي (257هـ) انظر المصدر السابق نفس المكان.
(3) المصدر السابق نفس المكان.
(4) المصدر السابق ج1 ص204 - 205.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 743)