لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعَين، والعنعنة في موضع واحد، والإخبار كذلك. وفيه القول، ورواته ما بين حُمصيّ ومدنيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ عن الصحابيّ. أخرجه البخاريّ هنا وفي الصلاة عن عبد الله بن يوسف والقعنبيّ، ومسلم وأبو داود والتِّرمذِيّ، والنَّسائيّ فيها أيضًا، وابن ماجه.
ثم قال المصنف:
باب إذ صلى في ثوب له أعلام ونظر إلى علمها
وأنث بالنظر إلى الخميصة الآتية قريبًا، وفي رواية ونظر إلى علمه.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 441)
الحديث الخامس والعشرون
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ، فَنَظَرَ إِلَى أَعْلَامِهَا نَظْرَةً، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: "اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي الجَهْمٍ وَائْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي الجَهْمٍ، فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلَاتِي".
قوله: في خميصة أي بفتح المعجمة وكسر الميم وبالصاد المهملة، كساء مربع له عَلَمان. وقوله: بأنبجانيَّة أبي جهم، وهي بفتح الهمزة، وحكى كسرها، وسكون النون، وكسر الموحدة، وتخفيف الجيم، وبعد النون ياء النسبة، كساء غليظ لا عَلَم له، يقال كبش أنبجانيّ إذا كان ملتفًا كثير الصوف، وكساء أنبجانيّ كذلك، والصواب أن هذه النسبة إلى موضع يقال له أنبجان، وقيل: منسوب إلى منبج؛ البلد المعروف بالشام، وإذا نسب إليه فتمت الباء فقيل كساء منبجانيّ، أخرجوه مَخْرج منظراني. وخطَّأ أبو موسى المدينيّ من زعم أن النسبة هنا إلى منبج.
وقوله: إلى أبي جهم، إنما خصه صلى الله عليه وسلم بإرسال الخميصة إليه؛ لأنه كان أهداها للنبي صلى الله عليه وسلم، كما رواه مالك في الموطأ، ووقع عند الزبير بن بكّار ما يخالف ذلك، فأخرج من وجه مرسل "أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بخميصتين سوداوين، فلبس إحداهما، وبعث الأخرى إلى أبي جهم". ولأبي داود من طريق أُخرى. "وأخذ كرديًا لأبي جهم، فقيل: يا رسول الله، الخميصة كانت خيرًا من الكرديّ". قال ابن بطال: إنما طلب منه ثوبًا غيرها ليعلمه أنه لم يرد عليه هديته استخفافًا به. قال: وفيه أن الواهب إذا ردت عليه هديته من غير أن يكون هو الراجع فيها، فله أن يقبلها من غير كراهة، وهذا مبنيّ على أنها واحدة. ورواية
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 442)
الزبير، والتي بعدها، تصرح بالتعدد.
وقوله: فإنها ألهتني، أي شغلتني من "لَهِيَ" بالكسر، إذا غفل، لا من لها يلهو لهوًا إذا لعب. وقوله: آنفًا، أي قريبًا، وهو مأخوذ من ائناف الشيء، أي ابتدائه. وقوله: عن صلاتي، أي عن كمال الحضور فيها، ولكن الرواية المعلقة الآتية تدل على أنه لم يقع له شيء من ذلك، وإنما خشي أن يقع لقوله "فأخاف" وفي رواية مالك في الموطأ "فإني نظرت إلى عَلَمها في الصلاة فكاد يفتنني" والجمع بين الروايتين يحمل قوله "ألهتني" على قوله "كادت" فيكون إطلاق الأولى للمبالغة في القرب لا لتحقق وقوع الإلهاء. وقد يقال: إن له عليه الصلاة والسلام حالتين: حالة بشرية وحالة يختص بها خارجة عن ذلك، فبالنظر إلى الحالة البشرية قال ألهتني، وبالنظر إلى الحالة الثانية لم يجزم به، بل قال أخاف، ولا يلزم من ذلك الوقوع.
قال ابن دقيق العيد: فيه مبادرة الرسول عليه الصلاة والسلام إلى مصالح الصلاة، ونفي ما لَعَلَّه يخدش فيها، ونزع الخميصة ليستن به في ترك كل شاغل، وليس المراد ببعثها إلى أبي جهم أن يستعملها في الصلاة؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لم يكن ليبعث إلى غيره بما يكرهه لنفسه، فهو كإهداء حالة عطّار وإلى عمر مع تحريم لبسها، لينتفع بها ببيع أو غيره. ويحتمل أن يكون ذلك من جنس قوله "كلْ فإني أُناجي من لا يناجي" ويستنبط منه كراهية كل ما يشغل عن الصلاة من الأصباغ والنقوش ونحوها، والحض على حضور القلب، وقد شهد القرآن بالفلاح للمصلين الخاشعين، والفلاح أجمع اسم لسعادة الأخرى، وبانتفاء الخشوع ينتفي الفلاح، فالمصلي يناجي ربه، فعظم في نفسك قدر من تناجيه، وانظر مَن تناجي وكيف تناجي، وبماذا تناجي، فاعلم واعمل تسلم. وفيه قبول الهدية من الأصحاب، والإرسال إليهم، والطلب منهم.
واستدل به الباجيّ على صحة المعاطاة لعدم ذكر الصيغة، وقال الطيبيّ فيه إيذان بأن للضرر والأشياء الظاهرة تاثيرًا في القلوب الطاهرة والنفوس الزكية،
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 443)
فضلًا عمن دونها، وفيه أن اشتغال الفكر اليسير في الصلاة غير قادح فيها، وهو مجمع عليه، وفيه أن الصلاة تصح وإن حصل فيها فكر بما ليس متعلقًا بالصلاة. والذي حُكِي عن السلف أنه مما يضر غير معتد به.
رجاله خمسة:
الأول: أحمد بن يونس، وقد مرّ في التاسع عشر من كتاب الإيمان، ومرّ إبراهيم بن سعد في السادس عشر منه، ومرّ ابن شهاب في الثالث من بدء الوحي، ومرّ عُروة وعائشة في الثاني منه أيضًا.
وفيه ذكر أبي جهم، واسمه عامر بن حذيفة بن غانم بن عامر بن عبد الله بن عَبيد بن عُوَيج بن عَدِيّ بن كعب القُرشيّ العَدَويّ، وقيل اسمه عُبيد الله، أسلم عام الفتح، وصحب النبي صلى الله عليه وسلم، وكان مقدمًا في قريش معظمًا، وكانت فيه وفي بنيه شدة وعرامة. قال الزبير: كان أبو الجهم بن حذيفة من مشيخة قريش، عالمًا بالنسب، وهو أحد الأربعة الذين كانت قريش تأخذ عنهم النسب، وكان من المعمَّرين، حضر بناء الكعبة مرتين: حين بنتها قُريش، وحين بناها ابن الزبير، وعمل فيها، وقال: عملت في الكعبة مرة في الجاهلية بقوة غلام يَفاع، وفي الإِسلام بقوة شيخ فانٍ.
وهو أحد الأربعة الذين تولّوا دفن عثمان، وأخرج البغويّ من طريق عُروة قال: لما أُصيب عثمان أرادوا الصلاة عليه، فمُنعوا، فقال أبو الجهم: دعوه فقد صلى الله عليه ورسوله، وأخرج ابن أبي عاصم عن أبي بكر بن عبيد الله بن أبي الجهم قال: سمعت أبا الجهم يقول: لقد تركت الخمر في الجاهلية، وما تركتها إلَّا خشية على عقلي، وما فيها من الفساد. وثبت ذكره في هذا الحديث في الصحيحين، وروى الزُّبير بن بكّار من وجه آخر مرسل "أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بخميصتين سوداوين، فلبس إحداهما، وبعث الأخرى إلى أبي جهم، ثم أنه أرسل إلى أبي جهم في تلك الخميصة، وبعث إليه التي لبسها هو، وليس هي التي كانت عند أبي جهم بعد أن لبسها أبو جهم لبسات.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 444)
وثبت ذكره في حديث فاطمة بنت قيس لما قالت "إن معاوية وأبا جهم خطباني، أما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه، وقالوا: لأنه ضرّاب للنساء. وقال ابن سعد: كان شديد العارضة، وكان عمر يمنعه حتى كف من لسانه، وروى الزبير بن بكار أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمله على النفل يوم حنين، فجاء خالد بن البرصاء فتناول رمامًا من شَعْر فمنعه أبو جهم، فقال: إن نصيبي فيه أكثر، فتدافعا، فعلاه أبو جهم فشجه منقلة، فقضى فيها النبي صلى الله عليه وسلم بخمس عشرة فريضة. وأخرج ابن المبارك في الزهد أن أبا جهم بن حذيفة قال: انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عمي، ومعي شَنّة من ماء، فذكر القصة.
قال ابن سعد: إنه مات في خلافة معاوية، وما مرّ من أنه حضر بناء ابن الزبير الكعبة ينافي هذا، فيدل على أنه تأخر إلى خلافة ابن الزبير، ويؤيده ما رواه ابن أخي الأصمعي، عن عمه في النوادر، عن عيسى بن عمر قال: وفد أبو جهم على معاوية، ثم على يزيد، ثم ذكر قصة له مع ابن الزبير.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والعنعنة في موضعين، ورواته ما بين مدنيّ وكوفيّ. وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. أخرجه البخاريّ هنا وفي اللباس عن موسى بن إسماعيل وأبو داود فيه أيضًا، وكذلك ابن ماجه ومسلم والنَّسائي في الصلاة.
ثم قال: وقال هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: "قال النبي صلى الله عليه وسلم: كنت انظر إلى عَلَمها وأنا في الصلاة، فأخاف أن تفتنني" قوله: فأخاف أن تفتنني، من الثلاثيّ. وسنده الثلاثة مروا في الثاني من بدء الوحي، وهذا التعليق أخرجه مسلم في صحيحه موصولًا، وأبو داود وأحمد وابن أبي شيبة.
باب إن صلّى في ثوب مصلَّب أو تصاوير، هل تفسد صلاته؟ وما ينهى من ذلك؟
قوله: مصلب، بفتح اللام المشددة، أي فيه صُلبان منسوجة أو منقوشة، ويمكن أن يكون أشار بقوله "مصلب" إلى ما ورد في بعض طرق هذا الحديث كعادته، وذلك فيما أخرجه في اللباس عن عائشة قالت: "لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم-
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 445)
يترك في بيته شيئًا فيه تصليب إلَّا نقضه" وللإسماعيليّ "سترًا أو ثوبًا" بدل شيئاً. وقوله: أو تصاوير، أي في ثوب وفي تصاوير، كأنه حذف المضاف لدلالة المعنى؛ لأن الصلاة فيه. وقال الكرمانيّ: هو عطف على ثوب لا على مصلب، والتقدير: أو صلى في تصاوير.
وعند الإِسماعيليّ "أو بتصاوير" وهو يرجح الاحتمال الأول. قاله في الفتح. ولم يظهر لي وجه الترجيع، وعند أبي نعيم "في ثوب مصلب أو مصور".
وقوله: هل تفسد صلاته، جرى فيه المصنف على قاعدته في ترك الجزم فيما فيه اختلاف، وهذا من المختلف فيه، وهذا مبنيٌّ على أن النهي هل يقتضي الفساد أم لا؟ والجمهور إن كان المعنى في نفسه واقتضاه، وإلّا فلا. وقوله: وما يُنهى من ذلك، أي وما ينهى عنه من ذلك، وفي رواية "وما يُنهى عن ذلك" وفي رواية أبي الوقت والأصيليّ "وما ينهى عنه".
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 446)
الحديث السادس والعشرون
حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ قِرَامٌ لِعَائِشَةَ سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ هَذَا، فَإِنَّهُ لَا تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ فِي صَلَاتِي".
قوله: كان قِرام، بكسر القاف وتخفيف الراء، ستر رقيق من صوف ذو ألوان، أو رقم ونقوش. وقوله: أميطي، أمر من أماط أي: أزيلي وزنًا ومعنى، فإنه لا تزال تصاوير، أي بغير ضمير، والهاء في فإنه ضمير الشأن، وفي رواية "تصاويره" بإضافته إلى الضمير، فضمير "إنه" للثوب. وقوله: تَعْرِض، بفتح أوله وكسر الراء، أي تلوح، وللإِسماعيليّ "تَعَرّض" بفتح العين وتشديد الراء، وأصله تَتَعَرَّض، ودل الحديث على أن الصلاة لا تفسد بذلك؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لم يقطعها، ولم يعدها، لكن تكره الصلاة حينئذ، لما فيه من سبب اشتغال القلب المفوت للخشوع. وظاهر الحديث لا يوفي بجميع ما تضمنته الترجمة إلَّا بعد التأمل؛ لأن الثوب، وإن كان ذا تصاوير، لكنه لم يلبسه، ولم يكن مصلبًا، ولا نهى عن الصلاة فيه صريحًا.
والجواب أمّا أولًا فإن منع لبسه بطريق الأوْلى، وأما ثانيًا فبإلحاق المصلب بالمصوّر، لاشتراكهما في أن كلًا منهما قد عُبِد من دون الله تعالى، أو أشار إلى الحديث المذكور فيه التصليب كما مرّ، وأما ثالثًا فإن الأمر بالإِزالة مستلزم للنهي عن الاستعمال، وتمسك الشافعية بما وقع فيه النهي عن القِرام الذي فيه التصاوير، بأن التصاوير كلها محرمة. وقد قال النوويّ منهم: قال العلماء: تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم، وهو من الكبائر متوعد عليه بالوعيد
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 447)
الشديد، وسواء صنعه لما يمتهن أو لغيره، فصنعه حرام بكل حال، وسواء كان في ثوب أو بساط أو درهم أو دينار أو فَلْس أو إناء أو حائط أو غيرها، فأما تصوير ما ليس فيه صورة حيوان، فليس بحرام.
ونقل إمام الحرمين وجهًا: أن الذي يرخص فيه مما لا ظل له، ما كان على ستر أو وسادة، وأما ما على الجدار والسقف فيمنع، والمعنى فيه أنه بذلك يصير مرتفعًا فيخرج عن هيأة الامتهان، بخلاف الثوب، فإنه بصدد أن يمتهن، وتساعده عبارة مختصر المزني "صورة ذات روح إن كانت منتصبة" ونقل الرافعيّ عن الجمهور أن الصورة إذا قطع رأسها ارتفع المانع، وقال المتولي في "التتمة" لا فرق، وقال النوويّ جواز اتخاذ الصور إذا كانت لا ظل لها، وهي مع ذلك مما يوطأ ويداس، أو يمتهن بالاستعمال، كالمخاد والوسائد، هو قول جمهور العلماء من الصحابة والتابعين.
وقول الثّوري ومالك وأبي حنيفة والشافعيّ: ولا فرق في ذلك بين ما له ظل وما لا ظل له، فإنْ كان معلقًا على حائط أو ملبوسًا أو عمامة أو نحو ذلك مما لا يعد ممتهنًا، فهو حرام. وقال في الفتح: ويستفاد من الحديث، أي حديث عائشة المذكور في الباب، أنه لا فرق في تحريم التصوير بين أن تكون الصورة لها ظل أو لا، ولا بين أن تكون مدهونة أو منقوشة ومنقورة أو منسوجة. وحكى أبو محمد الجُوَينيّ أن نسج الصورة في الثوب لا يمتنع؛ لأنه قد يلبس. وطروه المتولّي في التصوير على الأرض ونحوها. وصحح النوويُّ تحريم جميع ذلك، قال: ويستثنى من جواز تصوير ما له ظل ومن اتخاذه لعبُ البنات، لما ورد من الرخصة في ذلك، هذا حاصل كلام الشافعية في المسألة.
وحاصل مذهب المالكية فيها هو أن تمثال ما له روح إن كان له ظل وهو يدوم، كالرصاص والنحاس، حرام اتفاقًا، وإن كان لا يدوم، كالفخار، ففيه قولان، والمشهور المنع، وهذا إذا لم يكن للعب البنات، وإلاّ فهو جائز. وهل يلتحق ما يصنع من الحلوى بالفخار أو بلعب البنات؟ محل تأمل، وإن كان لا ظل له بأن كان في ثوب ونحوه، فإنْ كان ممتهنًا بالتوسد والوطء والفراش، كان
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 448)
خلاف الأَوْلى، وإن كان غير ممتهن، بأن كان معلقًا مثلًا، كان مكروهًا كراهة تنزيه، وهذا كله إذا كان تام الصورة. وإن كان ناقص عضو فهو جائز. كما إذا كان جمادًا أو شجرًا أو غيره، فإنه جائز ولا فرق في نقص العضو بين الرأس وغيره، مما لا يحدث به على مشهور.
وصحح ابن العربيّ أن الصورة التي لا ظل لها إذا بقيت على هيأتها تحرم، سواء كانت مما يمتهن أم لا وإن قطع رأسها أو فرقت هيأتها جاز، وهذا المذهب منقول عن الزُّهريّ، وقواه النوويّ، وقد يشهد له حديث القِرام المارّ، وحديث النَّمرقة الآتي في اللباس. وقيد مجاهد جواز تصوير الشجر بما لا يثمر، وأما ما يثمر فالحقه بما له روح. قال عياض: لم يقله أحد غير مجاهد، ورده الطحاويّ بأن الصورة لمّا أبيحت بعد قطع رأسها، التي لو قطعت من ذي الروح لما عاش، دل ذلك على إباحة ما لا روح له أصلًا. قال في الفتح: وأظن مجاهدًا سمع حديث أبى هريرة المخرج في اللباس "فليخلقوا حبَّة، وليخلقوا ذرة" فإنّ في ذكر الذرة إشارة إلى ما له روح. وفي ذكر الحبة إشارة إلى ما ينبت مما يؤكل، وأما ما لا روح فيه ولا يثمر، فلم تقع الإشارة إليه.
وقال ابن العربيّ: حاصل ما في اتخاذ الصور أنها إن كانت ذات أجسام حَرُم بالإجماع، وإن كانت رَقْمًا فأربعة أقوال:
الأول: يجوز مطلقًا على ظاهر قوله في حديث زيد بن خالد "إلا رَقمًا في ثوب".
الثاني: المنع مطلقًا حتى الرقم، قلت: لظاهر حديث القِرام المتقدم.
الثالث: إن كانت الصورة باقية الهيأة قائمة الشكل، حَرُم، وإن قطعت الرأس أو تفرقت الأجزاء جاز. قال: وهذا هو أصح الأقوال. قلت: وحديث أبي هريرة الآتي قريبًا شاهد له.
الرابع: إن كان مما يمتهن جاز، وإن كان معلقًا لم يجز، قلت: وحديث عائشة الآتي شاهد له.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 449)
واستدلت المالكية لمذهبها بحديث أبي هريرة في السنن وصححه التِّرمذيّ وابن حبّان، ولفظه "أتاني جبريل فقال: أتيتك البارحة فلم يمنعني أن أكون دخلتُ إلَّا أنه كان على الباب تماثيل، وكان في البيت قِرام ستر فيه تماثيل، وكان في البيت كلب، فَمُر برأس التمثال الذي على باب البيت يقطع فيصير كهيئة الشجرة، ومر بالستر فليقطع فليجعل منه وسادتان منبوذتان توطئان، ومر بالكلب فليخرج، ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم" وفي رواية النَّسائيّ "إما أن تقطع رؤوسها أو تُجعل بسطًا توطأ" ففي هذا الحديث بيان أن الصورة التي تمتنع الملائكة من الدخول في المكان الذي تكون فيه باقية على هيأتها، مرتفعة غير ممتهنة، فأما لو كانت ممتهنة أو غير ممتهنة، لكنها غيرت عن هيأتها، إما بقطعها من نصفها، أو بقطع رأسها فلا امتناع. وقد قال الخطابيّ: الصور التي لا تدخل الملائكة البيت الذي هي فيه ما يحرم اقتناؤه، وهو ما يكون من الصور التي فيها الروح مما لم يقطع رأسه، أو لم يمتهن. واستدلوا أيضًا بحديث عائشة المخرج عند المصنف في اللباس "فجعلناه وسادة أو وسادتين" وفي رواية "فاتخذت منه نُمْرُقَتين، فكانتا في البيت يجلس عليها" ولفظه عند مسلم "فجعلته مِرْفقتين، فكان يرتفق بهما في البيت".
وعورض حديث عائشة هذا بحديثها الذي مرّ في القِرام، وحديثها المخرج في اللباس، حيث قالت فيه "إن هذه النمرقة لتجلس عليها وتوسدها، فامتنع من الدخول حتى أزالتها" فظاهر الأول يدل على أنه عليه الصلاة والسلام استعمل الستر الذي فيه الصورة بعد أن قطع وعملت منه الوسادة، وهذا يدل على أنه لم يستعمله أصلًا، ويمكن الجمع بينهما بأنه لا يلزم من جواز اتخاذ ما يوطأ من الصور جوازُ القعود على الصورة، فيجوز أن يكون استعمل من الوسادة ما لا صورة فيه، ويجوز أن يكون رأى التفرقة بين القعود والاتكاء، وهذا بعيد جدًا، أو يجمع بأنها لما قطعت الستر، وقع القطع في وسط الصورة مثلًا، فخرجت عن هيأتها، فلهذا صار يرتفق بها، ويؤيد هذا الجمع حديثُ أبي هريرة المتقدم.
وقال الداوديّ: إن حديث النمرقة فاسخ لجميع الأحاديث لدالة على
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 450)
الرخصة، واحتج بأنه خبر، والخبر لا يدخله النسخ، فيكون هو الناسخ، ورُدَّ هذا بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وقد أمكن الجمع فلا يلتفت لدعوى النسخ، وكون الخبر لا يدخله النسخ رده ابن التين، بأن الخبر إذا قارنه الأمر، جاز دخول النسخ فيه. ويمكن الجمع أيضًا بأن الثاني كانت تصاويره من ذوات الأرواح، والأول كانت من غير الحيوان.
وأما الحنفية فقد قالوا إن الصور التي تكون فيما تبسط وتفرش وتمتهن خارجة عن النهي الوارد في التصاوير، لحديث زيد بن خالد "إلا رقمًا في ثوب" وكان أبو حنيفة وأصحابه يكرهون التصاوير في البيوت بتمثال، ولا يكرهون فيما يبسط، ولم يختلفوا أن التصاوير في الستور المعلقة مكروهة، ونقل عن الحنفية أنه لا تكره الصلاة إلى جهة فيها صورة إذا كانت صغيرة أو مقطوعة الرأس، وأما الحنابلة فمذهبهم جواز الصورة في الثوب، ولو كان معلقًا، على ما في خبر أبي طلحة، لكن إنْ ستر به الجدار منع عندهم، وكذا إن لُبس أو عُلق على ما هو الراجح عندهم، ويجوز إن افترش أو جعل مخدة، والذي يحرم صورة الحيوان، فإن أُزيل منها ما لا تبقى معه حياة لم تكره. ولم يحضرني الآن تفصيل مذهبهم، وهو قريب من مذهب المالكية.
وقد قال الرافعيّ: في دخول البيت الذي فيه الصور وجهان، قال الأكثر يكره، وقال أبو محمد يحرم، فلو كانت الصورة في ممر الدار لا داخلها، كما في ظاهر الحمام، أو دهليزها، يمتنع الدخول. قال: وكان السبب فيه أن الصورة في الممر ممتهنة، وفي المجلس مكرمة. قال في الفتح: وقصة إطلاق نص المختصر، وكلام الماوردي وابن الصّبّاغ وغيرهما: لا فرق. قلت مذهب المالكية حرمة الدخول في محل فيه صورة محرمة مطلقًا. وذهب بعض السلف إلى أن الممنوع ما كان له ظل، وأما ما لا ظل له فلا بأس باتخاذه.
قال النوويّ هذا مذهب باطل وما قاله مردود، فإن هذا المذهب أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح عن القاسم بن محمد الذي هو أحد فقهاء المدينة السبعة، وكان من أفضل أهل زمانه، وهو الذي روى حديث النمرقة عن عائشة،
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 451)
فلولا أنه فهم الرخصة في مثل الحَجَلة ما استجاز استعمالها، فلعله تمسك في ذلك بعموم قوله "إلَّا رقمًا في ثوب" فإنه أعم من أن يكون معلقًا أو مفروشًا. وكأنه جعل إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على عائشة تعليق الستر المذكور مركبًا من كونه مصورًا، ومن كونه ساترًا للجدار، ويؤيده ما في بعض طرقه عند مسلم عن زيد بن خالد قال: دخلت على عائشة فذكر نحو الحديث، لكن قال: "فجذبه حتى هتكه" وقال إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين. قال: فقطعنا منه وسادتين … الحديث، فهذا يدل على أنه كره ستر الجدار بالثوب المصور، فلا يساويه الثوب الممتهن، ولو كانت فيه صورة، وكذلك الثوب الذي لا يستر به الجدار، فهذا لا يقال له مذهب باطل.
لكن الجمع بين الأحاديث الواردة في ذلك يدل على أنه مذهب مرجوح، وأن الذي رُخِّص فيه من ذلك، ما يُمتهن، لا ما كان منصوبًا. وقد أخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة قال: كانوا يقولون؛ في التصاوير في البسط والوسائد التي توطأ ذُلّ لها. وأخرجٍ عنه أيضًا أنه قال: كانوا يكرهون ما نصب من التماثيل نصبًا، ولا يرون بأساً بما وطئته الأقدام.
وأخرج أيضًا عن ابن سيرين وسالم بن عبد الله وعكرمة بن خالد وسعيد بن جبير أنهم قالوا: لا بأس بالصورة إذا كانت تُوطأ، وأخرج أيضًا عن عُروة "أنه كان يتكىء على المرافق فيها التماثيل الطير والرجال". واعلم أن التحريم والوعيد الحاصلين لصانع الصورة حاصلان لمستعملها؛ لأنها لا تصنع إلَّا لتستعمل، فالصانع مسبب، والمستعمل مباشر، فيكون أولى بالوعيد.
ولم يبق من مباحث هذا المحل إلا الكلام على عذاب المصورين يوم القيمة، ويأتي إن شاء الله تعالى الكلام عليه عند أول ذكره.
رجاله أربعة:
الأول: أبو معمر عبد الله بن عمرو، وقد مرّ هو وعبد الوارث في السابع عشر من كتاب العلم، ومرّ عبد العزيز بن صهيب في الثامن من كتاب الإِيمان، ومرّ
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 452)
أنس بن مالك في السادس منه.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والعنعنة في موضع واحد، ورجاله كلهم بصريون. أخرجه البخاريّ هنا وفي اللباس والنَّسائيّ بألفاظ مختلفة. ثم قال المصنف
باب من صلى في فروج حرير ثم نزعه
الفَرُّوج، بفتح الفاء وتشديد الراء المضمومة وآخره جيم، وهو القَبَاء المُفَرَّج من خلف، وهو من لبوس الأعاجم، وحُكي ضم أوله وتخفيف الراء على وزن خُرُوخ.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 453)
الحديث السابع والعشرون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: أُهْدِيَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَرُّوجُ حَرِيرٍ، فَلَبِسَهُ فَصَلَّى فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَزَعَهُ نَزْعًا شَدِيدًا كَالْكَارِهِ لَهُ، وَقَالَ: "لَا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتَّقِينَ".
قوله: أُهدِي، بضم أوله من الإهداء، والذي أهداه هو أُكَيدر بن عبد الملك، صاحب دومة الجندل. وقوله: كالكاره له، وفي حديث جابر عند مسلم "صلى في قَباء ديباج، ثم نزعه وقال: نهاني عنه جبريل" فالنهي سبب نزعه له، وذلك ابتداء تحريمه. وقوله: لا ينبغي هذا، يحتمل أن تكون الإشارة اللبس وتحتمل أن تكون للحرير، فيتناول غير اللبس من الاستعمال كالافتراش، ويأتي الكلام عليه قريبًا إن شاء الله تعالى. ورجَّح عياض أن المنع فيه لكونه حريرًا، واستدل لذلك بحديث جابر المار قريبًا.
وقوله: للمتقين، يحتمل أن يكون نزعه لكونه كان حريرًا صرفًا، ويمكن أن يكون نزعه لكونه من جنس الأعاجم، فقد أخرج أبو داود بسند حسن عن أبي عمر، رفعه "من تشبه بقوم فهو منهم" والتردد مبني على تفسير المراد بالمتقين، فإن كان المراد مطلق المؤمن حُمِل على الأول، وإنْ كان المراد به قدرًا زائدًا على ذلك، حمل على الثاني. وقد قال القرطبي في "المفهم": المراد بالمتقين المؤمنون الذين خافوا الله تعالى، واتقوه بإيمانهم وطاعتهم له. وقال غيره: لعل هذا من باب التهيج للمكلف على الأخذ بذلك؛ لأن من سمع أنَّ مَن فعل ذلك كان غير متقٍ، فهم منه لا يفعله إلا المستحق، فيأنف من فعل ذلك، لئلا يوصف بأنه غير متقٍ. وقد استوفينا الكلام على التقوى ومراتبها في آخر حديث من كتاب الإِيمان استيفاء لا مزيد عليه.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 454)
واستدل به على تحريم الحرير للرجال دون النساء؛ لأن اللفظ لا يتناولهن على الراجح ودخولهن بطريق التغليب مجاز يمنع منه ورودُ الأدلة الصريحة على إباحته لهن، فقد أخرج أحمد وأصحاب السنن، وصححه ابن حبّان والحاكم، عن عليّ "أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ حريرًا وذهبًا وقال: هذان حرامان على ذكور أمتي، حلٌّ لإناثهم". وأخرج أحمد والطحاويّ، وصححه عن مسلمة بن مَخْلَد أنه قال لعُقْبة بن عامر: قم فحدث بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: سمعته يقول: "الذهب والحرير حرامٌ على ذكور أمتي، حِلٌّ لإِناثهم" فتحريمه على الرجال وحله للنساء هو الذي انعقد عليه الإِجماع بعد ابن الزبير ومن وافقه، وقد نقل عن علي وابن عمر وابن الزبير وأبي موسى وحذيفة، وعن الحسن وابن سيرين حرمتُه حتى على النساء، وقال قوم: يجوز لبسه مطلقًا، وحملوا الأحاديث الواردة في النهي عن لبسه على من لبسه خُيَلاء أو على التنزيه، وهذا الثاني ساقط كثبوت الوعيد على لبسه. وقد أخرج البخاريّ عن ابن الزبير عن عمر رفعه "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" زاد ابن الزبير "ومن لم يلبسه في الآخرة لم يدخل الجنة" قال الله تعالى {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} [الحج: 23]. وأخرج النَّسائي مثله عن ابن عمر، وأخرج النَّسائيّ وأحمد، وصححه الحاكم عن أبي سعيد "وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو" وأعدل الأقوال أن الفعل المذكور مقتض للعقوبة المذكورة، وقد يتخلف ذلك لمانع، كالتوبة والحسنات التي توازن، والمصائب التي تكفر، وكدعاء الولد بشرائط، وكذا إشفاعه من يأذن له في الشفاعة، وأعم من ذلك كله عفو أرحم الراحمين.
وفيه حجة لمن أجاز لبس العَلَم من الحرير إذا كان في الثوب، وخصه بالقدر المذكور، وهو أربع أصابع، وهذا هو الأصح عند الشافعية، وفيه حجة على من أجاز العَلَم مطلقًا، ولو زاد على أربعة أصابع، وهو منقول عن بعض المالكية، وفيه حجة على منع العلم في الثوب مطلقًا، وهو ثابت عن الحسن وابن سيرين وغيرهما، لكن يحتمل أن يكونوا منعوه ورعًا، وإلّا فالحديث حجة عليهم، فلعله لم يبلغهم.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 455)
قال النووي: وقد نقل عن مالك، وهو قول مردود، وكذا مذهب من أجاز بغير تقدير، واستدل به على جواز لبس الثوب المطرز بالحرير، وهو ما جعل عليه طراز حرير مركب، وكذلك المُطرَّف وهو ما سُجّفت أطرافه بسجف من حرير بالتقدير المذكور، وقد يكون التطريز في نفس الثوب بعد النسج، وفيه احتمال، واستدل به أيضًا على جواز لبس الثوب الذي يخالطه من الحرير مقدار العلم، سواء كان ذلك القدر مجموعًا أو مفرقًا وهو قوي.
واختلف في علة تحريم الحرير على الرجال على رأيين مشهورين: أحدهما الفخر والخيلاء، والثاني لكونه ثوب رفاهية وزينة، فيليق بزي النساء دون شهامة الرجال، ويحتمل علة ثالثة، وهي التشبه بالمشركين، وهذا قد رجع إلى الأول لأنه من سمة المشركين، وقد يكون المعنيان معتبرين، إلَّا أن المعنى الثاني لا يقتضي التحريم؛ لأن الشافعي قال في الأم: ولا أكره لباس اللؤلؤ إلّا للأدب، فإنه زيُّ النساء، واستشكل بثبوت اللعن للمتشبهين من الرجال بالنساء، فإنه يقتضي منع ما كان مخصوصًا بالنساء في جنسه وهيأته. وذكر بعضهم علة أخرى، وهي السَّرَف قال ابن أبي جمرة: إن قلنا إن تخصيص النهي للرجال لحكمة، فالذي يظهر أنه سبحانه وتعالى علم قلة صبرهن عن التزين، فلطف بهن في إباحته، ولأن تزيينهن غالبًا إنما هو للأزواج. وقد ورد أن حُسْن التَّبَعُّل من الإيمان.
قال: ويستنبط من هذا أن الفحل لا يصلح له أن يبالغ في استعمال الملذوذات لكون ذلك من صفات الإناث، ودل الحديث على أن الصبيان لا يحرم عليهم لبسه؛ لأنهم لا يوصفون بالتقوى، وقد قال الجمهور بجواز إلباسهم ذلك في نحو العيد، وأما في غيره فكذلك في الأصح عند الشافعية، وعكسه عند الحنابلة. وفي وجه ثالث يمنع بعد التمييز، وعند المالكية المذهبُ أنه يكره كراهة تنزيه، للوليّ أن يلبسه الذهب والحرير، ويجوز له إلباسه الفضة.
وقسمت المالكية الحرير إلى ثلاثة أقسام: قسم يجوز باتفاق، وهو الراية في الجهاد، وقسم حرام إجماعًا وهو الخالص منه للرجل البالغ، وقسم مختلف
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 456)
فيه، والمشهور فيه المنع وهو أربعة أشياء: لبسه في الجهاد لإرهاب العدو، أو للاتكاء عليه، والارتفاق، أو للافتراش أو للحكة، وقد أخرج البخاري أنه عليه الصلاة والسلام رخص للزبير وعبد الرحمن بن عوف في لبس الحرير لحكة بهما. وقال الطبري: فيه دلالة على أن النهي عن لبس الحرير لا يدخل فيه من كانت به علة يخففها لبسُ الحرير، ويلتحق بذلك ما يقي من الحر والبرد، حيث لا يوجد غيره، وخص بعض الشافعية الجوازَ بالسفر دون الحضر، واختاره ابن الصلاح، وخصه النوويّ في "الروضة" مع ذلك بالحكة، ونقله الرافعي في القمل أيضًا.
وفي وجه للشافعية أن الرخصة خاصة بالزبير وعبد الرحمن، وأما الافتراش فقد أخرج فيه البخاريّ عن حذيفة "نهانا النبي صلى الله عليه وسلم أن نشرب في آنية الذهب والفضة، وأن نأكل فيها، وعن لبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه" وأخرج ابن وهب في جامعه عن سعد بن أبي وقاص "لأن أجلس على جمر الغَضا أحبُّ إليّ من أن أقعد على مجلس من حرير" والحديث حجة قوية لمن قال يمنع الجلوس على الحرير. وهو قول الجمهور خلافًا لابن الماجشون والكوفيين وبعض الشافعية. وبه قال الحنفية، وأجاب الحنفية عن الحديث بأن لفظ "نهى" ليس صريحًا في التحريم، وبعضهم باحتمال أن يكون النهي ورد عن مجموع اللبس والجلوس، لا عن الجلوس بمفرده.
واستدل الجمهور بحديث أنس "فقمت إلى حصير لنا قد اسودَّ من طول ما لبس، ولأن ليس كل شيء بحسبه" واستدل بالحديث المذكور على منع افتراش النساء للحرير، وهو ضعيف؛ لأن خطاب الذكور لا يتناول المؤنث على الراجح، ولعل الذي قال بالمنع تمسك فيه بالقياس على منع استعمالهن آنية الذهب، مع جواز لبسهن الحلي منه، فكذلك يجوز لبسهن الحرير، ويمنعن من استعماله، وهذا الوجه صححه الرافعيّ، وصحح النوويُّ الجواز، واستدل به أيضًا على منع افتراش الرجل الحرير مع امرأته في فراشها، ووجهه المجيز لذلك من المالكية بأن المرأة فراش الرجل، فلَما جاز له أن يفترشها وعليها
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 457)
الحلي من الذهب والحرير، فكذلك يجوز له أن يجلس وينام معها على فراشها المباح لها.
والذي يمنع الجلوس عليه منه هو ما منع لبسه، وهو ما صنع من حرير صرف، أو كان الحرير فيه أزيد من غيره، وأما المخلوط بحيث لا يسمى حريرًا ولا يتناوله الاسم، ولا تشتمله علة التحريم، فهو جائز خارج عن المنع. وليس في حديث الباب حجة لمن أجاز الصلاة في ثياب الحرير، لكونه عليه الصلاة والسلام لم يعد تلك الصلاة؛ لأن ترك إعادتها لكونها وقعت قبل التحريم، أما بعده فعند الجمهور تجزىء، لكن مع التحريم، وقال الحنفية: تكره، أي كراهة تحريم، وتصح. وقال المالكية: تحرم ويعيد في الوقت إن وجد ثوبًا غيره. ولو تعمد الصلاة فيه واجدًا غيره. وقال ابن حبيب: يعيد في هذه الحالة أبدًا. وقال أصْبَغ: لا إعادة عليه إذا صلى غير واجد غيره.
وفي الحديث أن لا كراهة في لبس الثياب الضيقة والمفرجة لمن اعتادها، أو احتاج إليها، وفيه جواز قبول هدية المشرك للإمام لمصلحة يراها.
رجاله خمسة:
الأول: عبد الله بن يوسف، وقد مرّ في الثاني من بدء الوحي، ومرّ الليث بن سعد في الثالث منه، ومرّ يزيد بن حبيب وأبو الخير مرثد في الخامس من كتاب الإيمان.
والخامس: عقبة بن عامر بن عَبْس بن عمرو بن عَدِيّ بن عمرو بن رَفاغة بن مودعة بن عَدِي بن غنم بن الرَّبُعة بن رشدان بن قيس بن جُهينة الجُهَنيّ الصحابيّ المشهور. قال أبو سعيد بن يونس: كان قارئًا عالمًا بالفرائض والفقه، فصيح اللسان، شاعرًا كاتبًا، وهو أحد من جمع القرآن. قال: ورأيت مصحفه بمصر على غير تأليف مصحف عثمان، وفي آخره "كتبه عقبة بن عامر بيده". وفي صحيح مسلم عن عقبة بن عامر قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينةَ وأنا في غَنَم لي أرعاها، فتركتها ثم ذهبت إليه، فقلت: بايعني فبايعني على
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 458)
الهجرة … الحديث. أخرجه أبو داود والنَّسائي.
وشهد ابن عامر الفتوحَ، وكان هو البريد إلى عمر بفتح دمشق، وشهد صفّين مع معاوية، وأمَّره بعد ذلك على مصر، جمع له في إمْرَة مصر بين الخراج والصلاة، ولما أراد عزله كتب إليه أن تغزو رُوْدُس، فلما توجه سائرًا استولى مَسْلَمة، فبلغ ذلك عقبة فقال: أغربة وعزلًا.
له خمسة وخمسون حديثًا اتفقا على سبعة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بتسعة، روى عنه جماعة من الصحابة والتابعين، منهم ابن عباس وأبو أمامة وجُبير بن نُفير، وبعجة بن عبد الله الجُهَني، وأبو إدريس الخَوْلاني، وخلق من أهل البصرة. مات في خلافة معاوية على الصحيح، وحكى عن عبادة بن نُسى قال: رأيت رجلًا في خلافة عبد الملك فقلت: من هذا؟ قالوا: عقبة بن عامر الجهني، قال أحمد بن صالح: هذا غلط، وأما قول خليفة بن خياط: قتل في النَّهروان من أصحاب علي عُقبة بن عامر الجُهَني، فهو آخر، وفي الصحابة عقبة بن عامر سواه اثنان.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثه مواضع، والقول. ورواته كلهم بصريون. أخرجه البخاريّ هنا وفي اللباس عن قتيبة، ومسلم والنَّسائي في الصلاة. ثم قال المصنف:
باب الصلاة في الثوب الأحمر
قال في الفتح: يشير إلى الجواز والخلاف في ذلك مع الحنفية فإنهم قالوا: يكره، وتأوّلوا حديث الباب بأنها كانت حُلَّة من برود فيها خطوط حمر. واعترض العينيّ بأحد اعتراضاته على الفتح، بأن الحنفية لم يقولوا بحرمة لبس الأحمر حتى يتأوّلوا، وإنما قالوا إنه مكروه، والاعتراض كما نرى، فإنّ صاحب الفتح لم يقل إنهم قالوا: إلا أنه مكروه، فما عزا لهم الحرمة مع أن نفي العيني للحرمة، مع أنهم قالوا: إنه مكروه فيه ما فيه؛ لأن الكراهة عندهم إذا اُطلقت
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 459)
تنصرف إلى كراهة التحريم، وهو لم يبين أنها عندهم كراهة تنزيه، وقد استوفيت الكلام على ما قيل في لباس الثوب الأحمر عند ذكر حديث الباب في باب "استعمال فضل وضوء الناس".
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 460)