يأتي في صفته صلى الله تعالى عليه وسلم، أنه لم يكن أبيض ولا آدم، أي لم يكن أبيض صرفًا كلون الجِص.
وقوله: فقال له الرجل ابن عبد المطلب، بفتح النون على النداء، وفي رواية الكَشْميهنىّ: "يا ابن" بإثبات حرف النداء، وقوله: قد أجبتك، أي: سمعتك، أو المراد إنشاء الإجابة، أو نزل تقريره للصحابة في الأعلام عنه منزلة النطق. وهذا لائق بمراد المصنف. وقد قيل: إنما لم يقل "نعم" صريحًا، لأنه لم يخاطبه بما يليق بمنزلته من التعظيم، لاسيما مع قوله تعالى: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} [النور: 63]. والعذر عنه إن قلنا إنه قدّم مسلمًا أنه لم يبلغه النهي، وكانت فيه بقية من جفاء العرب، وقد ظهرت بعد ذلك في قوله: "فمشدِّد عليك في المسألة" وفي قوله في رواية ثابت: "وزعم رسولك أنك تزعم"، وقوله: "فقال الرجل للنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم"، وقد سقط عند ابن عساكر الرجل إلى آخر التصلية، وسقط لفظ الرجل فقط لأبي الوقت قوله: "فمشدِّدٌ عليك" بكسر الدال الأولى المثقلة، والفاء عاطفة على سائلك.
وقوله: "فلا تجد عليَّ في نفسك "أي: لا تغضب. ومادة "وجد" متحدة الماضي والمضارع، مختلفة المصادر بحسب اختلاف المعاني فيقال في الغضب: مَوْجدة، وفي المطلوب وُجودًا، وفي الضالة وجدانًا، وفي الحب وجْدًا، بالفتح، وفي الغنى جدة، بكسر الجيم وتخفيف الدال المفتوحة، وقالوا في المكتوب "وجادة" وهي مولدة.
واعتراض العيني على ابن حجر بأن بعض أفعالها قد توجد فيه لغة بضم الجيم في المضارع، ساقطٌ لا فائدة فيه؛ لأن ابن حجر إنما عني باتحادها في اللغة المشهورة، ولهذا قال: على الأشهر في جميع ذلك، فتأمل. وقد وقع في رواية ثابت عن أنس الآتية الإِشارة إلى ما مر من الاعتذار عنه. "كنا نُهينا في القرآن أن نسأل رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، عن شيء فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 65)
العاقل، فيسأله، ونحن نسمع. زاد أبو عُوانة في "صحيحه": وكانوا أجرأ على ذلك منا، يعني أن الصحابة واقفون عند النهي الوارد في آية المائدة، وأولئك يغدرون بالجهل، وتمنوه عاقلًا ليكون عارفًا بما يسأل عنه، وقد ظهر عقل ضمام في تقديمه الاعتذار بين يدي مسألته، لظنه أنه لا يحصل إلى مقصوده إلا بتلك المخاطبة.
وقوله: آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ بهمزة الاستفهام الممدودة في المواضع كلها، والرفع على الابتداء، والخبر أرسلك أو نحوها. وقوله: "اللَّهم نعم" الجواب حصل بنعم، وإنما ذكر "اللهم" تبركًا بها، وكأنه استشهد بالله في ذلك تأكيدًا لصدقه. وميم "اللهم" عِوَض عن حرف النداء، فلا يجتمعان إلا شذوذًا، ليتميز نداؤه عن نداء غيره. وإنما كانت ميما لقربها من حروف العلة، وشددت لأنها عِوَض من حرفين، ووقع في رواية موسى الآتية، فقال: "صدقت" قال: فمن خلق السماء؟ قال: الله، قال: فمن خلق الأرض والجبال؟ قال: الله. قال: فمن جعل فيها المنافع؟ قال: الله، قال: فبالذي خلق السماء، وخلق الأرض، ونصب الجبال، وجعل فيها المنافع، آلله أرسلك؟ قال: نعم". وكذا هو في رواية مسلم.
وقوله: "أن تصلي الصلوات الخمس" هو بتاء المخاطب فيه، وفيما بعده، وعند الأصيلي بالنون فيها، قال القاضي عياض: هو أوجه، ويؤيده رواية ثابت بلفظ "إن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا" وساق البقية كذلك. وتوجيه الأول أن كل ما وجب عليه وجب على أمته حتى يقوم دليل الاختصاص. وفي رواية الكَشْمَيهِنيّ والسَّرخْسيّ "الصلاة الخمس" بالإِفراد على إرادة الجنس. وقوله: "أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا" من تغليب الاسم لكل الأصناف بمقابلة الأغنياء، أو خرج مخرج الأغلب، لأنهم معظم الأصناف الثمانية.
وقوله: "فقال الرجل: آمنت بما جئت به"، يحتمل أن يكون إخبارًا، وهو اختيار البخاريّ، ورجَّحه القاضي عياض، وأنه حضر بعد إسلامه
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 66)
مستثبتا من الرسول، صلى الله تعالى عليه وسلم، ما أخبره به رسوله إليهم، لأنه قال في حديث ثابت عن أنس عند مسلم وغيره، فإن رسولك زعم. وقال في حديث ابن عباس عند الطبراني "أتتنا كتبك وأتتنا رسلك" ويحتمل أن يكون قوله آمنت إنشاءً. ورجحه القرطبيُّ لقوله "زعم" قال: والزعم القول الذي لا يوثق به. قال ابن السِّكِّيت: قال في "الفتح": وفيه نظر، لأنَّ الزَّعم يطلق على القول المحقق أيضا، كما نقله أبو عمرو الزاهدي، وأكثر سيبويه من قوله: زعم الخليل في مقام الاحتجاج. وأما تبويب أبي داود عليه باب "المشرك يدخل المسجد" فليس مصيرًا منه إلى أن ضمامًا قدم مشركًا، بل وجهه أنهم تركوا شخصًا قادمًا يدخل المسجد من غير استفصال. ومما يؤيد أن قوله "آمنت" إخبارًا، أنه لم يسأل عن دليل التوحيد، بل عن عموم الرسالة وعن شرائع الإِسلام، ولو كان إنشاءًا لكان طلب معجزة توجب له التصديق، قاله الكرماني، وعكسه القُرْطبيّ، فاستدل به على صحة إيمان المقلِّد للرسول، ولو لم تظهر له معجزة، وكذلك أشار إليه ابن الصَّلاح.
وقوله: "وأنا رسول من ورائي" مبتدأ وخبر مضاف إلى من الموصولة، ويجوز تنوينه وكسر من، لكن لم تأتِ به الرواية. وفي رواية ابن عباس عند الطبراني: "جاء رجل من بني سعد بن بكر إلى رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان مسترضعًا فيهم، فقال: أنا وافد قومي ورسولُهم". وعند أحمد والحاكم: بعثتْ بنو سعد ببكر بن هوزان ضمام بن ثعلبة وافدًا إلى رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، فقدم علينا، فذكر الحديث. فقول ابن عباس هذا: "فقدم علينا" يدل على تأخير وفادته، لأن ابن عباس إنما قدم المدينة بعد الفتح، وزاد مسلم في آخر الحديث، قال: "والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهنَّ ولا أنقص" فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: "لئن صدق ليدخُلنَّ الجنة". ووقعت هذه الزيادة في حديث ابن عباس، وهي الحاملة لمن سمى المبهم في حديث طلْحة السابق في الإِيمان ضمام بن ثعلبة كابن عبد البرّ وغيره. ومال القُرْطِبيُّ إلى أنه غيره.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 67)
وتأتي في تعريف ضمام قريبًا زيادة في رواية حديثه، ولم يذكر البخاري الحج في رواية شَرِيك هذه، وقد ذكره مسلم وغيره، فقال موسى في روايته "وإن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلًا" قال: صدق. وأخرجه مسلم من حديث أبي هريرة، وغفل البَدْرُ الزّركشِيّ فقال: إنما لم يذكر الحج لأنه كان معلومًا عندهم في شريعة إبراهيم عليه السلام، وكأنه لم يراجع صحيح مسلم فضلًا عن غيره. وأغرب ابن التين فقال: إنما لم يذكره لأنه لم يكن فُرض، وكان الحامل له على ذلك ما جزم به الواقديُّ ومحمد بن حبيب أن قُدوم ضمام كان سنة خمس، فيكون قبل فرض الحج، لكنه غلط من أوجه:-
أحدها: أن في رواية مسلم أن قدومه كان بعد نزول النهي في القرآن عن سؤال الرسول، وآية النهي في المائدة ونزولها متأخر جدًا.
ثانيها: أن إرسال الرسل إلى الدعاء إلى الإِسلام إنما كان ابتداؤه بعد الحُديبية، ومعظمه بعد فتح مكة. ثالثها: إن في القصة أن قومه أوفدوه، وإنما كان معظم الوفود بعد فتح مكة. رابعها: أن في حديث ابن عباس أن قومه أطاعوه، ودخلوا في الإِسلام بعد رجوعه إليهم، ولم يدخل بنو سعد في الإِسلام إلا بعد حُنين، وكانت في شوال سنة ثمان. فالصواب أن قدوم ضمام كان في سنة تسع، وبه جزم ابن إسحاق وأبو عبيدة وغيرهما.
وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم، العملُ بخبرِ الواحد، ولا يقدح فيه مجيء ضمام مستثبتا، لأنه قصد اللقاء والمشافهة، وقد رجع ضمام إلى قومه وحده، فصدقوه وآمنوا، كما وقع في حديث ابن عباس الآتي، ولأجل هذا استنبط الحاكم من قصته أصل عُلُوّ الإِسناد، لأنه سمع ذلك من الرسول، وآمن وصدق، ولكنه أراد أن يسمع ذلك من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مشافهة.
وفيه نسبة الشخص إلى جده إذا كان أشهر من أبيه، ومنه قوله، صلى
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 68)
الله تعالى عليه وسلم: انا ابن عبد المطلب. وفيه الاستحلاف على الأمر المحقق لزيادة التأكيد. وفيه رواية الأقران لأن سعيدًا وشريكا تابعيان من درجة واحدة، وهما مدنيان.
رجاله خمسة وفيه ذكر رجل: والمراد به ضمام بن ثعلبة. الأول عبد الله بن يوسف، وقد مر في الثاني من بدء الوحي، والثاني الليث بن سعد، وقد مر في الثالث منه أيضا، ومرّ سعيد بن أبي سعيد المَقْبريّ في الثاني والثلاثين من كتاب الإِيمان. ومر أنس في السادس منه أيضًا.
الخامس: شريك بن عبد الله بن أبي نمر، بفتح النون وكسر الميم، أبو عبد الله.
قال ابن معين والنَّسائي: ليس به بأس، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال ابن عَديّ: إذا روى عنه ثقة فلا بأس بروايته. وقال أبو داود: ثقة، وقال النَّسائي أيضا: ليس بالقويّ. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أخطأ. وقال ابن الجارُود: ليس به بأس، وليس بالقويّ، وكان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه. وقال السَّاجِيّ: يرى القدر، قال ابن حجر: احتج به الجماعة إلا أن في روايته عن أنس لحديث الإِسراء مواضع شاذة.
روى عن أنس وسعيد بن المُسَيَّب وعبد الرحمن بن أبي عَمْرة وأبي سلمة بن عبد الرحمن وكريب وعكرمة، وعطاء بن يسار وعبد الرحمن بن أبى سعيد الخُدْرِيّ وغيرهم. وروى عنه سعيد المَقْبَرِيّ، وهو أكبر منه، والثَّوْرِيّ ومالك ومحمد بن جعفر بن أبي كثير، وعبد العزيز الدَّراورْدِيّ وأبو ضَمْرَةَ أنس بن عياض وغيرهم.
مات قبل خروج محمد بن عبد الله بن الحسن سنة أربعين ومائة. وقال ابن عبد البرّ سنة أربع وأربعين ومائة. وفي الستة شريك بن عبد الله بن أبي شريك النخّعيّ الكوفيّ القاضي لا سواه، وفيها ثلاثة غير هذين الاثنين: ابن حنبل العبْسي الكوفيّ وابن شهاب الحارثيّ البصريّ وابن نَمْلَة الكوفي.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 69)
السادس: رجل المذكور في الحديث المراد به ضمام بدليل تصريح البخاري به في آخر الحديث، وضمام هو ابن ثَعلَبَة وهو بكسر الضاد، ككتاب، السَّعْدِيْ، ويقال: التميميّ وليس بشيء، روى حديثه هذا جماعة من الصحابة، ومن أكملها حديث ابن عباس. وفي آخره فلما قدم على أهله اجتمعوا إليه، فكان أول ما تكلم به أن قال: بئست اللاّت والعُزَّى. قالوا: مَهْ يا ضِمام، اتّقِ البَرَصَ اتَّق الجُذام، اتق الجُنون. قال: ويحكم، إنهما، والله، ما ينفعان ولا يضران، وإن الله قد بعث رسولًا، وأنزل عليه كتابا استنقذكم به مما كنتم فيه، وإنى أشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما آمركم به، وأنهاكم عنه. قال: فوالله ما أمسى في ذلك اليوم في حاضرته من رجل ولا امرأة إلا مسلمًا. قال ابن عباس: فما سمعنا بوافدٍ قط كان أفضل من ضِمام بن ثعْلبة.
وفي حديث ابن عباس أنه قال حين فَرَغ من السؤال: إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وسأؤدي هذه الفرائض، وأجتنب ما نهتني عنه، ثم لا أزيد ولا أنقص. ثم انصرف إلى بعيره، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: "إن يَصْدُقْ ذو العقيصتين يدخلِ الجنّة" وأخرجه النَّسائِي من طريق أبي هُرَيرة. وفي آخره قبل قوله: "وأنا ضِمام بن ثعلبة" فأما هذه الهناة، يعني الفواحش، فوالله إن كنا لنتنزه عنها في الجاهلية" فلما ولىَّ قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "فَقِه الرجلُ". وكان عمر ابن الخطاب يقول: ما رأيت أحسن مسألة ولا أوجز من ضِمام بن ثعلبة قيل: إن قدومه كان في سنة خمس. والصحيح أنه كان في سنة تسع. وكان رضي الله عنه، يسكن الكوفة.
والسعدي في نسبه نسبة إلى سعد بن بكر هوازن، وقد مر الكلام على السعدي في التعليق بعد الثالث من كتاب الإِيمان، وفي الصحابة ضِمام سواه اثنان: ابن زيد بن ثُوابَة الهَمْداني، والثاني ابن مالك السَّلمانيّ. وفي
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 70)
الستة ضمام واحد، وهو ابن إسماعيل بن مالك المراديّ المُعَافريّ.
لطائف إسناده منها: أن فيه التحديث والعنعنة والسماع، ورواته ما بين تنيسْيّ ومِصْرِي ومدني وفيه رواية تابعي عن تابعي، وهذا الحديث أخرجه أبو داود عن عيسى بن حمّاد، والنَّسائي في الصوم عن عيسى بن حماد أيضا، وعبيد الله بن سعد، وابن ماجة في الصلاة عن عيسى بن حماد.
ثم ذكر البخاري هذا الحديث تعليقا فقال:
رواه موسى وعلي بن عبد الحميد عن سليمان عن ثابت عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا.
أما رواية موسى عن سُليمان، فقد أخرجها أبو عُوانة في صحيحه موصولة وابن منّدة في الإيمان، وإنما علقه البخاريّ، لأنه لم يحتج بشيخه سليمان بن المُغيرة، وقد خولف في وصله، فرواه حمّاد بن سلمة عن ثابت مرسلًا، ورجحها الدارقطنيّ. وأما رواية علي بن عبد الحميد، فهي موصولة عند التِّرْمذِيّ. أخرجه عن البخاري عنه وكذا أخرجه الدَّارمِيّ عن عليّ بن عبد الحميد.
ورجال التعليقين خمسة: الأول موسى بن إسماعيل، وقد مر في الخامس من بدء الوحي، ومر أنس بن مالك في السادس من كتاب الإيمان.
الثالث: علي بن عبد الحميد بن مُصْعب بن يَزيد الأَزْدِيّ، ويقال الشَّيْبانِيُّ، المَعْنِيُّ أبو الحسن. ويقال: أبو الحسين الكوفيّ، وثقه أبو حاتم وأبو زُرعة والعَجْلِيّ وزاد: كان ضريرًا. وقال ابن وارَةَ: كان من الفُضَلاء. وقال ابن سعد: كان فاضلًا خيرًا. وذكره ابن حبان في الثقات، ليس له عندهم سوى حديثين بسند واحد، أحدهما حديثه عن سليمان عن ثابت عن أنس "نُهينا أن نسأل النبي، صلى الله عليه وسلم، عن شيء" الحديث، فإن البخاريّ رواه عن علي، ورواه الترمذِيّ عن البُخاريّ عنه
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 71)
متصلا، وصححه وروى النَّسائي عن أبي زُرْعَة عنه بهذا الإسناد حديثًا آخر في فضل {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}. وليس له في البخاري إلا هذا التعليق
روى عن سليمان بن المغيرة وحمّاد بن سلمَة وسلام بن مسْكِين وزُهير ابن مُعَاوية ومحمد بن طَلْحة بن مُصْرف ومَنْدل بن علي وغيرهم. وروى عنه البخاري تعليقًا، وروى التِّرمِذِيُّ عن البخاريُّ عنه، وروى النسِّائي عن أبي زُرعة الرازيّ عنه، وأبو حاتم وأبو مسعود، وأبو بكر بن خَيثَمة، وأبو أمية الطَّرسُوسِيّ، وعباس الدُّوْرِيّ وبشر بن موسى الأَسديّ وغيرهم.
مات سنة إحدى أو اثنتين وعشرين ومئتين. وليس في الستة عليّ بن عبد الحميد سواه والمعْنِيّ في نسبه نسبة إلى مَعْن بن زائدة، الجواد المشهور. وزائدة بن عبد الله بن زائدة بن مَطَر بن شَرِيك بن قيس الصُّلْب ابن قيس بن شَراحيل بن هَمّام بن مُرَّة بن ذُهْلِ بن شَيْبان وقيل: منسوب إلى معن بن مالك بن فهم بن غَنم بن دَوْس الأَزْدِيِ. وليس بصحيح وفي طيء معن بن عتُود بن غَسّان بن سلامان بن نَفَل بن عمرو بن الغَوْث بن طَيء.
الرابع: سليمان بن معين القيس، مولاهم، أبو سعيد البصريّ. قال شعبة: سليمان بن المغيرة سيد أهل البصرة. وقال أبو داود الطَّيالسيّ: حدثنا سليمان بن المغيرة، وكان خيارًا من الرجال. وقال عبد الله بن داود الخَريبيّ: ما رأيت بالبصرة أفضل من سليمان بن المغيرة، ومرحوم بن عبد العزيز. وقال أحمد: ثَبْتٌ ثبتٌ. وقال يحيى بن مُعين: ثقة ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتًا وقال ابن المدِيْنيّ: لم يكن في أصحاب ثابت أثبت من حمّاد بن سلمة، ثم بعده سليمان بن المغيرة الثقة المأمون. وقال عبد الله ابن مَسْلمة: ما رأيت بصريا أفضل منه، وقال عثمان بن أبي شيبة: هو ثقة وذكره ابن حبّان في الثقات. وقال ابن نُمَير والعَجْلِيّ: ثقة. وقال البَزّار: كان من ثقات أهل البصرة.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 72)
وقال أبو مسعود الدِّمشقي: ليس لسليمان بن المغيرة عند البخاري غير هذا الحديث، وقرنه بغيره. روى عن أبيه وثابت البَنانيّ وحُميدَ بن هلال وابن سيرين والحَرِيْرِيّ وأبي موسى الهلالي. وروى عنه الثَّوْريّ وشعبة، وماتا قبله، وبَهْز بن أسد وحِبّان بن هلال وأبو أسامة، وأبو داود وأبو الوليد الطَّيالسيّان، وابن المبارك ووكيع وآدم بن أبي إياس، وسليمان بن حَرْب وغيرهم. مات سنة خمس وستين ومئة، وفي الستة سليمان بن أبي المغيرة العَبْسِيّ أبو عبد الله الكوفيّ. وليس فيهم ابن المغيرة سواه، وأما سليمان فكثير، والقيسي في نسبه، مر الكلام عليه في الأربعين من كتاب الإِيمان، ومر الكلام على البصري في الثالث منه.
الخامس: ثابت بن أبي أسلم أبو محمد البناني مولاهم، البصريّ. قال شُعْبة: كان يقرأ القرآن في كل يوم وليلة، ويصوم الدهر. وقال بكرْ المُزنّي: ما أدركنا أعبد منه. وقال ابن حبان في الثقات: كان من أعبد أهل البصرة. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا. وقال ابن المَديْني: له نحو مئتين وخمسين حديثًا. وقال أبو طالب عن أحمد: ثابت يتثبت في الحديث. وكان يقص، وكان قتادة يقص، وكان أذكر. وقال العَجْليّ: ثقة رجل صالح، وقال النَّسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: أثبت أصحاب أنس الزّهريّ، ثم ثابت ثم قتادة، وقال ابن عديّ: أروى الناس عنه حمّاد بن سلَمة، وأحاديثه مستقيمة إذا روى عنه ثقة، وما وقع في حديثه من النُّكْرة إنما هو من الراوي عنه.
وقال حمّاد بن سلمة: كنت أسمع أن القُصّاص لا يحفظون الحديث، فقلت: أقلب علي ثابت الأحاديث، أجعل أنسًا لأبي ليلى، وأجعل ابن أبي ليلى لأنس، أُشوّشها عليه، فيجىء بها على الاستواء. وَسُئِل أحمد ابن حنبل عن ثابت وحُميد أيهما أثبت في أنس؟ فقال: قال يحيى القطّان: ثابت اختلط، وحميد أثبت في أنس منه. في الكامل لابن عدي عن القطان عجبٌ لأيوب يدع ثابت البنانيّ لا يكتب حديثه.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 73)
وقال أبو بكر البَرْدِيْجىّ: ثابتٌ عن أنسٍ صحيحٌ من حديث شُعبة والحمَّادين وسليمان بن المغيرة، فهؤلاء ثقات، ما لم يكن الحديث مُضْطربًا. وفي المراسيل ثابت عن أبي هريرة، قال أبو زرْعة: مرسل روى عن أنس وابن الزُّبير وابن عُمر وعبد الله بن مغفل، وعمرو بن أبي سلمة، وشُعيب والد عَمرو، وابنه عمرو، وهو أكبر منه، وعبد الله بن رُوَاح الأنصاري، وعبد الرحمن بن أبي ليلى وخلق.
وروى عنه حُمَيد الطويل، وشُعْبة، وجريِر بن حازم، والحمّادان ومَعْمَر وهمّام وأبو عُوانة وجعفر بن سُليمان وسليمان بن المُغيرة والأَعْمَش وداود بن أبي هند، وجماعة. وروى عنه من أقرانه عطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن عُبيد بن عُمير، وقتادة وسليمان التَّيْمِيّ وآخر من روى عنه عُمارة بن زادان أحد الضعفاء وروي عنه أنه قال: صحبت أنسًا أربعين سنة.
مات سنة سبع وعشرين ومئة، وقيل: مات سنة ثلاث وعشرين. وليس في الستة ثابت البنانيّ سواه، ولا فيهم ثابت بن أسلم أيضا. وكل ما في الستة من هذا اللفظ فهو بالمثلثة، وبعد الألف باء موحدة، ثم مثناة. وليس فيهم نابت، أوَّلُهُ نون. نعم اسم أبي حفصة نابت، وحديث عُمارة ابن أبي حفصة في البخاري، لكنه لم يقع في الكتاب مذكورًا باسمه. والبناني في نسبه مر الكلام عليه في الثامن من كتاب الإِيمان، وقد مرّ في فوائد الحديث أن الحاكم استنبط منه طلب عُلُوّ الإِسناد، فلابد من ذكر العالي والنازل هنا، فأقول:
الإِسناد خصيصته فاضلة من خصائص هذه الأُمة. قال ابن المبارك: الإِسناد من الدين. ولولا الإِسناد لقال من شاء ما شاء، وعنه قال: "مَثلُ الذي يطلب أمر دينه بلا إسناد كمثل الذي يرتقي السطح بلا سلم. وعن الثَّوْري قال: الإِسناد سلاح المؤمن، فإذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل؟ وطلب عُلُوّ السند أو قدم سماع الراوي أو وفاته سنة عمن سلف.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 74)
وعن محمد بن أسلم الطُّوْسِيّ قال: قرب الإِسناد قرب. أو قال: قربة إلى الله عز وجل. وقال الحاكم: إن طلب العُلُو سُنّة صحيحة، محتجًا في ذلك بخبر أنس في مجيء ضمام بن ثعلبة إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ليسمع منه مشافهة، ما سمعه من رسوله إليه، إذ لو كان طلب العُلُو غير مستحب، لأنكر عليه، صلى الله عليه وسلم، سؤاله عما أخبر به رسوله عنه. ولأمره بالاقتصار على خبر رسوله منه، لكن فيه نظر لجواز أن يكون إنما جاءه وسأله، لأنه لم يصدق رسوله، أو لأنه أراد الاستثبات لا العُلُو.
وقد قال بعض العلماء: إن النزول أفضل من العُلُو محتجًا بأن على الراوي أن يجتهد في معرفة جَرْح من يروي عنه، وتعديله، والاجتهاد في أحوال رواة النازل أكثر، فكان الثواب فيه أوفر، وهذا القول مردود، لضعفه، وضعف حجته، قال ابن دقيق العيد: لأن كثرة المشقة ليست مطلوبة لنفسها، قال: ومراعاة المعنى المقصود من الرواية، وهو الصحة، أوْلى، فإنه بمثابة من يقصد المسجد لصلاة الجماعة، فيسلك طريقا بعيدة لتكثير الخطا، وإن أداه سلوكها إلى فوات الجماعة التي هي المقصود، وذلك أن المقصود من الحديث التوصل إلى صحته، وبعد الوهم، وكلما كثُر رجال الإِسناد تطرَّق إليه احتمال الخطأ والخلل، وكلما قصُر الإِسناد كان أسلم، اللهم إلا أن يكون رجال السند النازل أوْثق، أو أحفظ، أو أفقه، أو نحو ذلك، كما يأتي.
والعلو خمسة أقسام كما قال أبو الفضل بن طاهر وابن الصَّلاح. الثلاثة الأول منها علو مطلق: ترجع إلى علو مسافة، وهو قلة العدد، والأخيران إلى علو صفةٍ في الراوي أو شيخه.
الأول منها: علو مطلق، وهو ما فيه قرب من الرسول، صلى الله عليه وسلم، بالنظر لسائر الأسانيد، أو لإسناد آخر، فأكثر لذلك الحديث بعينه، وهذا هو أفضل الأقسام بشروط صحة سنده، إذ القرب مع ضعف السند لا اعتبار له. والثاني منها: علو نسبيُّ، وهو القرب إلى إمام من أئمة
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 75)
الحديث، وإن لم يكن من أرباب الكتب الستة، كالأعمش وابن جُرَيج والأوزاعي وشُعُبة والثَّورْيّ، مع صحة الإِسناد إليه أيضا. وإن كثر العدد إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
والثالث: علو نسبي أيضا، لكن بالنسبة إلى الكتب الستة، أو غيرها من الكتب المعتمدة، وسماه ابن دقيق العيد "علو التنزيل"، وليس بعلو مطلق، إذ الراوي لو روى الحديث من طريق كتاب منها وقَعَ أنْزَلَ مما لو رواه من غير طريقها، وقد يكون غالبًا مطلقًا لحديث ابن مسعود ومرفوعا "يوم كَلَّم الله تعالى موسى، عليه السلام، كان عليه جُبَّةُ صوف" الحديث فإنا لو رويناه من جُزء ابن عرفة عن خلف بن خليفة، يكون أعلى مما لو رويناه من طريق الترمذِي عن عليّ بن حَجَر عن خَلَف، فهذا مع كونه علوًا نسبيًا علوٌ مطلقٌ، إذ لا يقع هذا الحديث أعلى من روايته من هذا الطريق.
وفي هذا القسم الثالث، تقع الموافقة والإبدال والمساواة والمصافحة فالموافقة أن يقع لك حديثٌ عن شيخ مسلم مثلًا من غير جهته، بعدد أقل من عددك إذا رويته بإسنادك عن مسلم عنه. مثال ذلك حديث يرويه البخاريّ عن محمد بن عبد الله الأنصاري عن حُميَد عن أنَس مرفوعًا، فإذا رويناه من جزء الأنصاري يقع موافقة للبخاري في شيخه مع عُلُو درجته، ويشترط في الموافقة أن يكون العدد فيه أقل من العدد في الطريق الذي يوجد ذلك المصنف فيه، وسُمي موافقة لأنهما قد اتفقا في الأنصاري مثلا.
والبدل أن يكون قد وافقه في شيخ شيخه مع عُلُو بدرجة فأكثر كحديث ابن مسعود السابق، وسُمي بدلًا لوقوعه من طريق راوٍ بدل الراوي الذي روى عنه أحد الستة، وقد يسمونه موافقة مقيدة، فيقولون: هو موافقة في شيخ شيخ التِّرمذِي مثلا، وما ذكر من تقييد الموافقة والبدل بالعلو، ذكره ابن الصلاح، لكن خالفه غيره، فأطلقوهما بدونه، فإن علا قيل: موافقة عالية، أو بَدلٌ عالٍ.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 76)
والمساواة قلة عدد إسنادك إلى الصحابيّ أو من قاربه، بحيث يكون بينك وبين صحابي مثلا من العدد مثل ما وقع بين أحد الستة وبينه، وهذا كان يوجد قديمًا، وأما الآن، فلا يوجد في حديث بعينه، بل يوجد مطلق العدد، كما قال العراقي.
والمصافحة أن تقع هذه المساواة لشيخك، فيكون لك مصافحة، كأنك صافحت مسلمًا، فأخذته عنه فإن كانت المساواة لشيخ شيخك، كانت المصافحة لشيخك. وإن كانت لشيخ شيخ شيخك فالمصافحة لشيخ شيخك، وهذا العلو تابع لنزول غالبًا، فلولا نزول مسلم وشبهه، لم تَعْلُ أنت، وقد يكون مع علوه أيضًا فيكون غالبًا مطلقًا. وإنما سمي ذلك مصافحة، لجريان العادة غالبا بها بين المتلاقيين.
الرابع من الأقسام: علو السند لأجْل قِدَم وفاةِ أحد رواة الحديث بالنسبة لراوٍ آخر متأخر الوفاة عنه، شاركه في الرواية عن شيخه، فمن سمع سنن أبي داود على الزكّي عبد العظيم أعلى ممن سمعها على النجيب الحرانّي، ومن سمعها على النجيب أعلى ممن سمعها على ابن خطيب المرة والفخْر بن البُخاريّ. وإن اشترك الأربعة في روايته عن شيخ واحد، وهو ابنُ طبَرْزَدَ، لتقدم وفاة الزَّكِيّ على النجيب، ووفاة عليّ من بعده. وقضية ذلك أن يكون أعلى إسنادًا تقدم سماعه أم اقترن أم تأخر، لأن متقدم الوفاة يعز وجود الرواية عنه بالنظر لتأخرها، فيرغب في تحصيل مرويه، لكنَّ الأخذ بالقضية المذكورة محله في غير تأخر السماع أخذًا مما يأتي في القسم الخامس، ثم هذا في العلو المفاد من تقدم الوفاة مع الالتفات لنسبة شيخ الشيخ. أما علو الإسناد بتقديم وفاة شيخك لا مع الالتفات لأمر آخر أو شيخ آخر، فحَدَّه الحافظ أحمد بن عُمَير بن الجوصا بمضيّ خمسين سنة من وفاة شيخك، وابن مَنده بثلاثين سنة تمضي من موته. وليس يقع في تلك المدة أعلى من ذلك. قال ابن الصلاح: وهو أوسع.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 77)
الخامس: العلو بتقديم السماع من الشيخ، فمن سمع منه متقدمًا، كان أعلى ممن سمع منه بعده، ويدخل كثير منه فيما قبله، ويمتاز عنه، بأن يسمع شخصان من شيخ وسماعُ أحدهما منذ ستين سنة، مثلًا، والآخر منذ أربعين سنة، وتساوى العدد إليهما، فالأول أعلى من الثاني ويتأكد ذلك في حق من اختلط شيخه، أو خَرِف. وربما كان المتأخر أرجح بأن يكون حديثه الأول قبل أنْ يبلغ درجة الإِتقان والضبط، ثم حصل له ذلك بعد، إلا أن هذا عُلُوُّ معنى كما يأتي. وجعل ابن طاهر وابن دقيق العيد هذا والذي قبله قسمًا واحدًا. وزاد بدل الساقط العلوَّ إلى الصحيحين ومصنِّفي الكتب المشهورة. وجعل ابن طاهر هذا قسمين: أحدهما عُلُوٌ إلى الصحيحين وأبي داود وأبي حاتم وأبي زرْعة. وثانيهما: علُوٌ إلى كتب مصنفة لأقوام كابن أبي الدنيا والخطابي قال: وكل حديث عز على المحدث، ولم يجده عاليًا، ولابدّ له من إيراده في تصنيف أو احتجاج، فمن أي وجه أورده فهو عال، لعزته. ومثل ذلك بأن البخاريّ روى عن أماثل أصحاب مالك، ثم روى حديثا لأبي إسحاق الفزاري عن مالك لمعنى فيه، فكان بينه وبين مالك ثلاثة رجال.
وأما النزول فهو ضد العلو، وهو خمسة أقسام، تعرف من ضدها. فكل قسم من أقسام العلو ضده قسم من أقسام النزول، وما ورد من ذمه، كقول ابن المديني وغيره: إنه شؤم. وقول ابن مُعين: إنه قُرْحة في الوجه، فمحله الذي منه لم يجبر بصفة مرجحة، فإن جبر بها، كزيادة الثقة في رجاله على العالي، أو كونهم أحفظ أو أضبط أو أفقه، أو كونه متصلا بالسماع. وفي العالي حضور أو إجازة أو مناولة أو تساهل من بعض رواته في الجمل، فالنزول حينئذ ليس بمذموم، ولا مفضول، بل فاضل، كما صرح به السَّلَفِيّ، وغيره، والنازل حينئذ هو العالي في المعنى، عند النظر والتحقيق، والعالي عددًا عند فقد الضبط والإتقان عُلُوٌّ صُوْرِيّ، فكيف عند فقد الوثيق؟.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 78)
ونظم العراقي أحكام العالي والنازل فقال:
وطَلَبُ العُلُو سُنَّة فقدْ … فَضَلَ بعضَ النزول وهْوَ رَدّ
وقسّموه خمسة فالأولُ … قُرْب من الرسول، وهو الأفضلُ
إن صح الإِسناد وقُسِم القُرب … إلى إمام وهو عُلُو نِسْبي
بنسبةٍ للكتب الستة إذ … ينزل متنٌ من طريقها أُخِذْ
فإن يكنْ في شيخه قد وافقه … مع عُلُوّ فهو الموافقه
أو شيخِ شيخه كذاك، فالبَدَل … وإن يكنْ ساواه عَدًّا، قد حَصَلْ
فهو المساواة، وحيث راجَحَه … الأصل بالواحد، فالمصافحهْ
ثم عُلُوُّ قِدَم الوفاة … أما العُلُوّ لا مع الثقات
لآخر، فقيل للخمسينا … أو الثلاثين مضتْ سنينَ
ثم عُلُوُّ قِدَم السماعِ … وضده النزول كالأنواع
وحيث ذُمّ فهو ما لم يُجْبر … والصحةُ العُلُوّ عند النّظر
ثم قال البخاري:
باب ما يذكر في المناولة وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان
يُذكر، بالبناء للمجهول، لما فرغ من تقرير السماع والعرض، أردفه ببقية وجوه التحمُّل المعتبرة عند الجمهور. وقوله: "إلى البلدان" أي: إلى أهل البلدان. وكتاب مصدر، وإلى متعلق به. وذكر البلدان على سبيل المثال، وإلا فالحكم عام في القرى وغيرها، فقد ذكر في هذا الباب أصلين من أصول الحديث.
الأول: المناولة وهي إعطاء الشيخ الطالبَ شيئًا من مروياته، ويقول له: هذا من مرويّاتي، أو من حديثي، أو نحو ذلك، وهي باعتبار صورها الآتية على نوعين، لأنها إما أن تقترن بالإجازة أو لا، فالتي فيها الإذن هي أعلى الإِجازات مطلقًا، لما فيها من تعيين المرويّ، وتشخيصه. وفي هذا النوع صور متفاوتة علوًا، وأعلاها أن يعطي الشيخَ الطالب مؤلفا له أو أصلًا
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 79)
من مسموعاته، مثلًا، أو فرعًا مقابلًا به على وجه التمليك له، بهبة أو بيع أو غير ذلك، قائلًا له: هذا من تأليفي أو سماعي أو روايتي عن فلان. وأنا عالم بما فيه، فاروه أو حدث به عني، أو نحو ذلك. وكذا لو لم يذكر اسم شيخه، وكان مذكورًا في الكتاب المناوَل، مع بيان سماعه، أو إجازته، أو نحو ذلك، ثانيهما الإعارة، وهي أن يناوله ذلك على وجه الإعارة أو الإجازة، قائلًا له مع ما مر: انسخه ثم قابل به أو فقابل به نسختك التي انتسختها، ثم رده إليّ.
الثالث: أن يُحضر الطالب الكتاب الذي هو أصل للشيخ، أو فرعه المقابل به، للشيخ ليعرضه عليه، والشيخ صاحب يقظة ومعرفة، فينظره متأملا له، ليعلم صحته، أو يقابله بأصله إن لم يكن عارفًا، ثم يناوله الشيخ للطالب الذي أحضره له، ويقول له: هذا من حديثي، فاروِه عنّي، أو حدّث به عني، ويقيّد هذا النوع بعرض المناولة ليتميز بالتقييد عن عرض السماع السابق.
الرابع: أن يناول الشيخ الطالب الكتابَ، ويجيزه له ثم يسترده منه في ذلك الوقت، ويمسكه عنده، فتصح هذه الصورة، كما لو لم يمسكه، ولكن بشرط أن يكون المُجاز له بهذه المناولة أدى ما أُجيز له من نسخة موافقة لمرويه المجاز به بمقابلتها به، أو بإخبار ثقة بموافقتها له أو من مرويه الذي استرده منه الشيخ إن ظفر به بعد ذلك، وغلب على ظنه سلامته من التغيير، وهذه الصورة، مع أنها دون الصور المتقدمة، لعدم احتواء الطالب على مرويه، وغيبته عنه، ليست لها مزية على الكتاب المعين في الإِجازة المجردة عن المناولة عند المحققين من الفقهاء والأصوليين. وجعل لها بعض أهل الحديث قديما وحديثا مزية على الاجازة المجردة عن المناولة.
الخامس: أن يُحضر الطالب الكتابَ للشيخ، ويقول له: وهذا مرويُّك، ناولْنيه، وأجزني روايته، والشيخ لا يعلم أنه مرويه، ولم ينظره،
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 80)
لكنَّه اعتمد في كونه مرويَّه على الطالب الذي أحضره، وهو ثقة معتمد. وإن لم يكن الطالب المحضر للكتاب ثقةً معتمدًا، بَطل كلٌ من المناولة والإذن، إلا إذا تبيّن بعد ذلك بخبر ثقةٍ أن ذلك من مرويه، فالظاهر الصحة، لزوال ما كان يُخشى من عدم ثقة المُجاز، وإن قال: أجزته لك، إن كان ذلك من حديثي، كان ذلك فعلًا حسنًا، فإن كان المحضر ثقة، جازت روايته بذلك، أو غير ثقة، وتبين بخبر ثقة، أنه من مرويِّ الشيخ.
وقد قال الإِمام مالك وجماعة من المدنيين وغيرهم: إن المناولة المقرونة بالإجازة تعادل السماع، بل ذهب جماعة إلى أنها أعلى منه، ووجهه بأن الثقة بالكتاب مع الإِجازة أكثر من الثقة بالسماع وأثبت لما يدخل من الوهم على السامع والمستمع. والذي عليه النُّعمان والشافعيّ وأحمد وابن المبارك وإسحاق بن رَاهَويه وغيرهم: أنها أنقص من السماع، وهو التحقيق، وقد حكى القاضي عِياض الإِجماع على أنها صحيحة معتمدة، وإن كانت مرجوحة بالنسبة للسماع على المعتمد.
إن النوع الثاني: أن تخلو المناولة من الإذن، وذلك بأن يناوله مرويَّه، ويقول له: هذا حديثي، ومرْويِّي فقط، فالصحيح أنها باطلة، لا تجوز الرواية بها لعدم التصريح بالاذن فيها وقيل صحيحة تجوز الرواية بها لإِشعارها بالإِذن في الرواية.
واختلف أئمة الحديث فيما يقوله الراوي بالمناولة الصحيحة، فأجاز مالك وابن شهاب له أن يقول: "حدثنا" و"أخبرنا"، بل أجاز ابن جُريج له ذلك في مُطلق الرواية بالإجازة المجردة عن المناولة. وقال أبو عبد الله محمد بن عمران المَرْزُبانيّ، بضم الزاي، وأبو نُعيم الأصْبهاني: إنه يقول: "أخبرنا" دون "حدثنا"، والصحيح عند الجمهور، أنه لابد له من التقييد بما يبين كيفية تحمله من سماع أو إجازة أو مناولة، كأن يقول: حدثنا أو أخبرنا فلان إجازة أو مناولة أو هما معًا، أو يقول: أذِن أو أطلق
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 81)
لي روايته عنه، أو أجازني أو سوَّغ لي أو أباح لي أو ناولني ونحوها، مما يبين كيفية التحمل.
وإن أجاز الشيخ للمُجاز إطلاق "حدثنا" و"أخبرنا" في المناولة والإِجازة، كما فعله بعض المشايخ في إجازتهم حيث قالوا في إجازتهم لمن أجازوا له، إن شاء قال: حدثنا أو أخبرنا، لم يكن ذلك كافيًا، في جواز الإِطلاق. وبعض المحدِّثين، كالحاكم، لم يقتصر على ما مر، بل أتى بلفظ موهِمٍ غير المراد فيما أجازه به شيخه بلفظه، شفاهًا أو بكتابة، كأخبرنا فلان مشافهةً، أو تشافهني فلان، أو أخبرني فلان كتابةً أو مكاتبة، أو في كتابه أو كتب لي.
وهذه الألفاظ وإن استعملها بعض المتأخرين، لم يسلم من استعملها من الإِيهام، وطرفٍ من التدليل. أما المشافهة فتوهم مشافهته بالتحديث، وأما الكتابة فتوهم أنه كتب إليه بذلك الحديث بعينه، كما كان يفعله المتقدمون. وقد قال الأوزاعي: إنه يأتي بـ"يخبرنا" في الإجازة، و"بأخبرنا" في القراءة، ولم يخلُ ما قاله من النزاع. واختار الخطّابي أن يقول في الإِجازة: أخبرنا فلان أن فلانًا حدثه أو أخبره، واستبعده ابن الصَّلاح، وقال: لكنْ إذا كان سمع منه الإِسناد فقط من شيخه، وأجازه فيما وراءه كان ذلك قريبًا فإن في أن إشعارًا بوجود أصل الإِخبار، وإن أجْمل الخبر، ولم يفصِّله، واختار أبو العباس الوليد بن بكر بن مَخْلد الغَمْريّ الأنْدلسيّ، صاحب "الوِجازة في تجويز الإجازة" أن يقول في الإِجازة: أنبأنا. واختاره الحاكم فيما شافهه فيه شيخه بالإِذن في روايته بعد عرضه له عرض مناولة.
واستحسن البَيْهَقيّ أن يقول: أنبأنا إجازة، وبعض متأخري الحديث استعمل لفظ "عن" فيما سمعه من شيخه الراوي، عن شيخه إجازة، فيقول: قرأته على فلان عن فلان، ولفظة "عن" قرينة لمن سماعه من شيخه، فيه شك مع تيقُّن إجازته منه، ولفظ "عن" مشترك بين السماع
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 82)
والإِجازة، وأما ما في صحيح البخاريّ من قوله: "قال لي فلان" فجعله أبو جعفر أحمد بن حمدان النَّيْسابوريّ لما أخذه بالعرض والمناولة، وانفرد النَّيْسابوريّ بذلك، وخالفه في غيره. قال ابن حَجَر: إنما يستعملها في أحد أمرين: أن يكون الحديث موقوفًا ظاهرًا وإن كان له حُكْمُ الرفع، أو يكون في إسناده من ليس على شرطه. وذلك في المتابعات والشواهد. وأشار العراقي إلى هذا الفصل بقوله:
ثمّ المناولاتُ إما تقترنْ … بالِإذن أولا فالتي فيها إذْنٌ
أعلى الإِجازات وأعلاها إذا … أعطاه مِلكًا فإعارةً كذا
إن يحضُر الطالبُ بالكتاب له … عرضًا، وهذا العرضُ للمناولة
والشيخُ ذو معرفةٍ فينظره … ثم يناولُ الكتابَ مُحضِره
يقولُ هذا من حديثي فاروِهِ … وقد حَكَوا عن مالِك ونحوِهِ
بأنها تعادلُ السَّماعا … وقد أبى المُفتون ذا امتناعا
إسحاقُ والثَّوري مع النعمان … والشافعي أحمد والشيبانيّ
وابن المُبارك وغيرهم رأوا … بأنها أنقص، قلتُ: وحَكَوا
إجماعهم بأنها صحِيحه … معتمدًا وإن تكنْ مرجوحه
أما إذا ناول واستردّا … في الوقت صحّ والمُجازُ أدَّى
من نسخةٍ قد وافقت مَرْويَّة … وهذه ليست لها مَزِيَّه
على الذي عُيّن في الإجازة … عند المحققين لكنْ مازَه
أهل الحديث أخرا وقدما … أما إذا ما الشيخ لم ينظر ما
أحضره الطالبُ لكنْ اعتمِدْ … من أحضر الكتاب، وهو مُعْتمَدْ
صحّ وإلا بَطل استيقانًا … وإن يقل: أجزْتُه إن كانا
ذا من حديثي، فهو فعلٌ حسنُ … يُفيد حيث وقعَ التَّبْيين
وإنْ خلتَ من إذن المناوله … قبل: تصحُّ، والأصحُّ باطله
واختلفوا فيمن روى ما نوِّلا … فمالِكٌ وابن شهابٍ جَعَلا
إطلاقه "حدثنا" و"أخبرا" … يسوغُ وهو لائق بمن يرى
العرض كالسماع بل أجازه … بعضُهم في مطلق الإجازة
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 83)
والمرْزُبانىّ وأبو نُعيم … أخبر، والصحيح عند القوم
تقييدهُ بمن يبين الواقع … أجازه تناولاهما معا
أذِن لي، أطلق لي، أجاز لي … سوّغ لي أباح لي، ناولني
وإن أباح الشيخ للمُجازي … إطلاقه لم يكفِ في الجوازِ
وبعضُهم أتى بلفظٍ موهِم … "شافهني" "كتب لي" فما سلم
وقد أتى بخبر الأوزاعي … فيها، ولم يخلُ من النزاع
ولفظ إن اختاره الخطّابي … وهو مع الإِسناد واقتراب
وبعضُهم يختار في الإِجازة … "أنبأنا" كصاحب الوِجازة
واختاره الحاكم فيما شافهه … بالإِذن بعد عرضه مشافهه
واستحسنوا للبَيْهقيّ مصطلحًا … "أنبأنا" أجازه فصرحا
وبعضُ من تأخر استعمل "عن" … إجازة وهي قرينة لمن
سماعُه من شيخه فيه يُشَكُّ … وحرف "عن" بينهما فمشترك
وفي البخاري "قال لي" فجعله … حبرّيهم للعرض والمناوله
ويلتحق بالمناولة قسم من أقسام التحمُّل، يسمى بإعلام الشيخ، وهو أن يعلم الشيخ الطالب لفظًا بشيءٍ من مرويّه مجردًا عن الإجازة، رواه الشيخ سماعًا أو إجازة أو غيرهما. فجزم أبو حامد الطُّوسيّ، من أئمة الشافعية، بمنع الرواية به وقيل: الجازمُ الغزاليُّ، لجزمه بذلك في "المستصفى" وذلك لعدم إذنه له وربما لا تجوز روايته عنه، لخلل يعرف فيه، وإن سمعه. وهذا هو المختار. وذهب ابن جُريج، وكثير من أئمة الحديث، إلى الجواز قياسًا على شهادة الشاهد بما سمعه من المُقرّ، وإن لم يأذن له فيها. وقوّاه الوليد بن بَكر وابن الصَّبّاغ صاحب "الشامل". بل قال الرّامهرمزيّ: تجوز له الرواية به، وإن منعه الشيخ بأن قال له: لا تروهِ عني، أو لا أُجيزه لك قياسا على ما إذا منعه من التحديث بما سمعه، كما مر. والمشهور عدم جواز الرواية به، كالشهادة على شهادة الشاهد، فإنه لا يكفي إعلامه بها ولا سماعها منه. بل لابد أن يأذن له في أن يشهد على
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 84)